![]() |
رواية نسيج العفاريت الفصل الأول بقلم كوابيس الرعب
خيط الدم
الشمس في المحلة مش زي أي حتة تانية، شمسها دايمًا مغيمة بدخان المصانع، وهواها فيه ريحة "عوادم" القطن اللي بتكتم النفس
"منير" كان واقف قدام بوابة "شركة مصر للغزل والنسيج" القديمة، المصنع اللي جده وأبوه ضيعوا عمرهم فيه
منير مكنش غريب عن المكان، هو مهندس ميكانيكا شاطر، بس المرة دي المهمة كانت مختلفة الإدارة بعتته "العنبر ٧"، العنبر اللي اتقفل من سنة ٩٨ بعد "الحادثة الكبيرة" ومن وقتها ومحدش اتجرأ يخطيه
"يا بشمهندس منير، بلاش .. المكن اللي جوه ده مبيحبش الغرباء، والمكنة (ص-١٣) بالذات عاوزه اللي يفهم لغتها"، ده كان كلام "عم كامل" الغفير العجوز وهو بيسلمه المفاتيح بإيد بتترعش
منير ضحك بسخرية :
"يا عم كامل إحنا في ٢٠٢٦، مكنة إيه اللي ليها لغة؟ دي حديد وتروس، وشوية زيت وشحم ويرجعوا يشتغلوا تاني"
أول ما منير فتح الباب الضخم، هجمت عليه ريحة "عطنة"، ريحة قطن مبلول بدم قديم، ريحة صديد وزيت محروق
المكان كان ضلمة كحل، ومفيش غير كشاف إيده هو اللي بيقطع الستارة السوداء دي
العنبر كان طويل جداً، صفوف المكن مرصوصة زي التوابيت، متغطية بمشمع بلاستيك عليه طبقات تراب تخلي الواحد يتخنق
وصل للمكنة (ص-١٣) كانت مكنة نسيج ضخمة، موديل قديم جداً، تروسها خشنة وشفراتها حادة زي الموس الغريب إن المشمع اللي عليها كان "نضيف"، مكنش عليه ذرة تراب واحدة شال المشمع، ولقى المفاجأة .. المكنة كانت بتلمع، كأن فيه حد لسه مخلص تزييتها حالاً
بدأ منير يفحص المكنة، فتح لوحة الكهرباء، لقى السلوك كلها مقطوعة، والفيوزات محروقة "مستحيل تكون اشتغلت"، قالها لنفسه وهو بيمسح العرق من على جبينه وفجأة .. "تِك تِك .. تِك"
صوت تروس بتتحرك ببطء منير جمد في مكانه الصوت مكنش جاي من بعيد، الصوت كان طالع من قلب المكنة اللي قدامه بص على بكرة الخيط، لقى خيط "أبيض" ناصع
بيبدأ يتسحب لوحده ويدخل جوه الشفرات المكنة بدأت تسرع .. "طاخ .. طاخ .. طاخ"
"إزاي؟ الكهرباء مفصولة!"، صرخ منير وهو بيرجع لورا، كشافه وقع من إيده ونور في الأرض في اللحظة دي، شاف حاجة خليت دمه يتجمد تحت المكنة، من قلب الفتحات اللي بين التروس، كان فيه "شعر" أسود طويل ناعم بيخرج مع الخيط
الشعر كان بيدخل وسط النسيج ويتحول لغُرز
منير حاول يجري، بس لقى رجله غرزت في حاجة لزجة بص تحت منه، لقى الأرضية حوالين المكنة بدأت تطلع
"زيت أحمر" فاقع، ريحته زفارة دم خام وفجأة، المكنة طلعت صوت "صريخ معدني" يشرخ الودان، وبدأت تنسج بسرعة جنونية
القماش اللي طالع مكنش قماش عادي .. كان "كفن".كفن مطرز عليه بخيوط سوداء اسم :
(م ن ي ر ع ب د ا ل ح م ي د)
منير وقع على ضهره، وهو شايف خيالات سودة بتتحرك بين المكن، خيالات لعمال لابسين عفاريت المصنع القديمة، بس وشوشهم ممسوحة، مفيش فيها غير "فتحات" مكان العين بيخرج منها خيوط
واحد منهم قرب منه، وسحب خيط من رقبة منير، الخيط كان داخل في جلده كأنه عرق العامل "الممسوح" همس بصوت زي حفيف الشجر :
"الماكينة جعانة يا باشمهندس .. وبقالها سنين مدقتش طعم الأسياد"
منير حاول يصرخ، بس لقى خيط أبيض بيطلع من بقه، بيشده بقوة ناحية المكنة التروس كانت بتلف، والشفرات كانت مستنية "الخامة" الجديدة عشان تكمل النسيج وفي اللحظة اللي كان شعره هيتلمس فيها مع التروس، النور كله طفى، وصوت المكنة وقف فجأة
سكون قاتل .. منير بيتنفس بالعافية، الدموع مغرقة وشه مد إيده يدور على الكشاف في الضلمة، لمس حاجة "ساقعة" و"طرية" ولما النور اشتغل لثانية واحدة كـ "فلاش"، شاف "عم كامل" الغفير، مشنوق بخيوط النسيج من سقف العنبر، لسانة مقطوع ومحطوط مكانه "بكرة خيط"
المكنة رجعت تشتغل تاني، بس المرة دي بصوت أهدى، صوت "همس" .. وبدأت تنسج قطعة تانية ومنير لسه محبوس جوه، والباب مبيتفتحش من جوه
