رواية مليونير علي قد حاله الفصل الاول
— "لحد إمتى يا بنتي؟ لحد إمتى هتدفني شبابك وحلاوتك وسط الصواني والحر ده؟"
نور اتنهدت بقلة حيلة وحطت الصينية على الرخامة: "يا ماما، إحنا مش هنبطل الأسطوانة دي؟ أنا كده مرتاحة، بكسب قرشي بعرقي، ومش محتاجة أمد إيدي لحد، ولا أسمع كلمة تكسر نفسي."
ريحة الفانيليا والزبدة كانت مالية المكان، "نور" بتمسح العرق من على جبينها بظهر إيديها اللي عليها آثار دقيق. عينيها البنية الواسعة كان فيها لمعة تعب، بس في نفس الوقت فيها إصرار وتحدي. وقفت قدام الفرن الصغير في مطبخ شقتها المتواضع، بتطلع صينية الكيك اللي بتجهزها لتسليم أوردر جديد.
ده مشروعها الصغير اللي بدأته من الصفر، "مخبوزات نور".. مشروعها اللي رجعلها روحها بعد ما كانت شبه ميتة.
فجأة، باب المطبخ اتفتح ودخلت والدتها "صفية"، ملامحها مليانة قلق وحب، بس كالعادة، كلامها كان زي الرصاص.
— "لحد إمتى يا بنتي؟ لحد إمتى هتدفني شبابك وحلاوتك وسط الصواني والحر ده؟"
نور اتنهدت بقلة حيلة وحطت الصينية على الرخامة:"يا ماما، إحنا مش هنبطل الأسطوانة دي؟ أنا كده مرتاحة، بكسب قرشي بعرقي، ومش محتاجة أمد إيدي لحد، ولا أسمع كلمة تكسر نفسي."
صفية قربت منها وطبطبت على كتفها بحنية:"يا حبيبتي أنا خايفة عليكي. الأيام مابتسيبش حد في حاله، وأنا مش دايمالك. ضل راجل ولا ضل حيطة يا نور. إنتي لسه صغيرة، طلاقك ده مش نهاية العالم!"
كلمة "طلاقك" خلت قلب نور ينقبض. رجعت بذاكرتها لورا، لصوت "طارق" طليقها وهو بيزعق في وشها بعجرفة: "إنتي من غيري ولا حاجة! أنا اللي كاسيكي ومأكلك، لولا فلوسي اللي بصرفها عليكي كنتي زمانك بتشحتي!"
الذل.. الإهانة المستمرة على كل قرش بيصرفه عليها كأنها عبء مش زوجة. نفضت راسها بسرعة عشان تطرد الذكريات دي، وقالت بصوت مليان وجع: "الراجل اللي يذل مراته عشان بيصرف عليها ميبقاش راجل يا ماما. أنا كرهت الجواز وسيرته. أنا بنيت نفسي من تاني بالعافية، مش هسمح لراجل جديد يدخل حياتي يكسرني، حتى لو كان مين. أنا قفلت الباب ده للأبد!"
روايه مليونير على قد حاله بقلمي نور محمد
في نفس الوقت، وفي مكان تاني خالص، كان العالم مختلف تماماً.
برج زجاجي ضخم في أرقى أحياء القاهرة، مكتب واسع مفروش بأغلى أنواع الأثاث. "زين الألفي"، راجل أعمال شاب في أوائل التلاتينات، وسامته حادة، وملامحه دايماً صارمة مابتعرفش الهزار.
قاعد ورا مكتبه، بيمضي صفقات بملايين، وبكلمة واحدة منه ممكن يرفع شركات أو يدمرها.
تليفونه رن، ولما شاف الرقم، ملامحه الصارمة دي لانت فجأة، ورد بسرعة: "أيوه يا دكتور.. طمني."
صوت الدكتور كان متوتر: "زين بيه، والدتك تعبت جداً ونقلناها العناية المركزة. لازم تيجي فوراً."
زين رمى القلم، وقلبه حس إنه هيقف. أمه "هدى" هي نقطة ضعفه الوحيدة، هي العيلة كلها بالنسبة له. نزل جري من الشركة، وساق عربيته الفارهة كأنه بيسابق الزمن لحد ما وصل المستشفى.
دخل أوضتها بعد ما استقرت حالتها شوية. كانت نايمة على السرير، الأجهزة متوصلة بيها، ووشها شاحب، بس لما شافته ابتسمت بضعف. زين ركع على ركبه جنب سريرها وباس إيديها وهو بيحاول يكتم دموعه: "سلامتك يا ست الكل، أنا هجيبلك دكاترة من آخر الدنيا، هتبقي زي الفل."
هدى اتكلمت بصوت واطي ومتقطع:"يا بني أنا أيامي في الدنيا معدودة.. والشيء الوحيد اللي كاسر قلبي إني هسيبك لوحدك. أنا نفسي أشوفك عريس، نفسي أشوفك مع واحدة تحبك لشخصك، مش عشان 'زين الألفي' المليونير."
زين اتنهد بضيق مكلوم: "يا أمي إنتي عارفة رأيي في الستات. كلهم زي بعض، أول ما بيشموا ريحة الفلوس بيبقوا عاملين زي المنومين مغناطيسياً. مفيش واحدة حبتني بجد، كلهم طمعانين في ثروتي."
هدى ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:"لا يا زين، مش كلهم. أنا لقيت البنت اللي بتمنى أجوزهالك. بنت أصيلة، شقيت وتعبت، وعندها عزة نفس تسوى ملايين."
زين بصلها باستغراب: "بنت مين دي يا أمي؟ وإنتي شفتيها فين وإنتي تعبانة كده؟"
— "بنت اسمها نور.. شفتها صدفة في العيادة من شهرين كانت جايبة لوالدتها علاج ومكانش معاها تكملة الفلوس. حبيت أساعدها، رفضت بكرامة ورفضت تاخد مليم زيادة عن حقها، ولما عرفت إنها بتعمل حلويات، طلبت منها أوردر مخصوص عشان أتقرب منها. البنت دي عانت مع طليقها، وعمرها ما هتبص لفلوسك يا زين.. هي بتدور على الأمان مش البنك."
زين وقف ومسح وشه بعصبية: "أمي، إنتي بتطلبي مني أتجوز واحدة مطلقة ومعرفهاش عشان مجرد موقف؟ دي أكيد بتمثل، أول ما هتعرف أنا مين هترمي عزة النفس دي في أقرب زبالة!"
هدى دموعها نزلت: "دي أمنيتي الأخيرة يا زين.. متكسرش بخاطري قبل ما أموت. اقبل تقابلها، لو طلعت زي ما بتقول، أنا هسحب طلبي.
زين مقدرش يشوف دموع أمه ويتحملها. عض على شفايفه بقوة وقال بصوت حاسم: "موافق يا أمي. هقابلها وهتجوزها لو ده هيريحك. بس ليا شرط واحد.
هدى بصتله بلهفة: "شرط إيه؟"
_ "البنت دي مش هتعرف إني زين الألفي. أنا هروح أتقدم لها على إني موظف عادي جداً، مرتبي يا دوب مكفيني. لو رضيت بيا على قد حالي زي ما بتقولي، يبقى تستاهلني. لكن لو كشرت عن أنيابها ورفضتني عشان فقير، يبقى تنسي الموضوع ده للأبد."
هدى ابتسمت بارتياح:"موافقة.. وأنا متأكدة إن نور مش هتخذلك."
تاني يوم، في شقة نور.
صفية كانت قاعدة بتفرك إيديها بتوتر، ونور بتعبي علب الحلويات.
— "يا نور، اسمعيني بس.. الست هدى كلمتني، ست طيبة جداً، وقالت إن ابنها شافك صدفة وعايز يتقدم. شاب محترم، موظف بسيط على قد حاله، ملوش في العقد ولا الفلوس اللي بتذل."
نور سابت العلبة من إيدها وبصت لأمها بصدمة: "ماما! إنتي إزاي تفتحي باب في موضوع زي ده من غير ما تقوليلي؟ أنا قولتلك ميت مرة مش هتجوز!"
صفية بدأت تعيط بانهيار حقيقي المرة دي:"حرام عليكي عذابي معاكي! أنا ضغطي بيعلى كل ما أفكر إني هموت وأسيبك لوحدك في الدنيا دي تتمرمطي. الراجل موظف بسيط، يعني لا هيتعالى عليكي بفلوس ولا هيقولك أنا اللي بصرف. اقعدي معاه مرة واحدة بس! عشان خاطري، ريحي قلبي التعبان ده، ولو معجبكيش، هقولهم كل شيء قسمة ونصيب."
نور شافت دموع أمها اللي دايماً بتكسرها. حسيت إنها محاصرة بين خوفها من الماضي، وبين برها بأمها. بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مكسور: "ماشي يا ماما.. هقابله. مرة واحدة بس.. عشان ترتاحي."
في المساء، زين كان واقف قدام المراية في الڤيلا بتاعته. قلع ساعة اللي بمئات الآلاف وحطها في الدرج. لبس قميص عادي جداً، وبنطلون قماش قديم شوية ملامحه مطفية. بص لنفسه في المراية، "المدير التنفيذي المليونير" اختفى، وبقى مكانه "زين، الموظف البسيط".
ابتسم بسخرية وهو بيكلم نفسه:"هنشوف يا ست نور.. هنشوف عزة النفس دي حقيقية، ولا هتسقط مع أول اختبار فقر."
ركب عربية قديمة استلفها من واحد من الحراس بتوعه، واتحرك ناحية حي نور المتوسط.
