![]() |
رواية هوس لا ينطفئ ( لعنه الجوكر) الفصل الاول بقلم مايا النجار
علي حافه عمارة مرتفعه وقف شاب لا ينظر الي الشارع ولا لأى شيء كأن المدينه بأكملها لا تعنيه رفع راسه قليلا ثم تعلقت عينه بغرفه علي هذا السطح وكان بابها مفتوح تحرك ببطء نحوها وهو يحدق بكل ركن بداخلها ينظر للصور المصطفه بعناية لا ميل فيها ولا عشوائية ترتيب دقيق يكاد يكون مبالغ فيه وكأن مَنْ فعل ذلك كان حريص علي كل تفصيله يضيق عينيه قليلا ثم يحرك اصابعه علي بعض الصور ببطئ وكأنه يتذكر ملمس شي اخر ظل واقفا يحدق في الصور بدون أن يرمش جفنه تقريبا يخرج من جيبه صوره يمسكها بطرف اصابعه بهدوء مميت ثم يضعها في مكان علي الحائط مرت لحظه ثم ارتسمت ابتسامة بالكاد نراها ثم تختفي سريعا وكأن العقل تذكر شئ لتختفي الإبتسامة وكأنها لم تكن ليعود الي نفس النقطه يحدق في نفس الصور نفس الترتيب هذا الحائط بهذا الشكل بهذا العدد من الصور لم يكن جديدا عليه علي العكس إنما مألوفا اكثر مما اللازم يحدق للصورة التي وضعها منذ قليل ثم يهمس بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه: لسه زي ما انتي متغيرتيش لسه زي ما هي
صمت لثوان وعينيه لم تترك الصوره ثم قال بصوت مخيف: ولا حاجة إتغيرت
يرجع خطوه للخلف ثم يغادر الغرفه ولكن قبل أن يغلق الباب يري الذي يهتف: انت بتعمل ايه هنا يا يونس
أغلق الباب علي الفور وهو يقول بهدوء: انت الي بتعمل ايه هنا يا يحيي
يسلط يحيي نظره علي الباب الذي يغلقه يونس بالمفتاح ويقول: انا عايز اعرف ايه السر الي مخبيه هنا
يحدق به يونس ثم يميل على أذنه و يقول: وانا لو عاوز اقولك كنت قولتك من زمان يا يحيي
يحيي ببرود: انا مش هبطل اسال السؤال ده غير لما اعرف الاجابه يا يونس عرفني و رسيني علي الي حصلك انت مش واثق فيا يا شق ولا ايه
تقدم نونس نحو الحافه وهو يجيب عليه قائلا: الموضوع مش ثقه يا يحيي انا مش عايز اتكلم وانت مش مبطل زن في السيره دي انا مش عايزك تقلق الموضوع مش مهم ولا خطر ولا ليه اي اهميه اصلا
يحيي ببعض الأنفعال: طيب يا عم طالما الموضوع تافه كدا ما تقوله ولا انت مش عايز تريحني
يقبض بونس كفه علي الحافه ثم يهتف بصرامه: يحيي مخك بقا
يحيي بهدوء: براحتك يا شق
خبط يونس علي كتفه ثم قال: خلينا ننزل نشوف شغلنا
أومأ يحيى برأسه في صمت و غضب ثم هبط الدرج
وما إن وصل أسفل البناية، حتى وقعت عينه على باب منزله ليتجمد في مكانه لثوان وقد رأى ما جعل الدم يندفع في عروقه بعنف اتسعت عينه واشتد تصلب ملامحه قبل أن يلتفت سريعا إلى يونس وهو يقول بنبرة غاضبه: اسبقنى إنت وأنا جاي وراك مش هتأخر
عقد يونس حاجبيه باستغراب وهو يراقبه:
في إيه هتروح فين بدري كدا
لم يجبه يحيى بل أخرج المفتاح من جيبه على عجل وألقاه إليه وهو يقول بسرعة: مش هطول يا شق افتح المحل وعشرة بالكتير هكون عندك
تلقى يونس المفتاح لكن نظره لم يترك المكان الذي كان يحدق فيه يحيى منذ لحظات وحين تبع بصره فهم ما الأمر فتنهد بهدوء وهز رأسه ثم استدار متجها نحو المحل مر بجوار رجل كان يرش الماء أمام المكان فتطايرت بعض القطرات وأصابت ملابسه توقف فجأة ثم التفت إلى الخلف الغضب وقال بنبرة حادة: اصطبحت واصطبح الملك لله هو يوم طين زي وشك يا راشد أنا عارف
رفع راشد نظره إليه متصنع الدهشة وقال وهو يحك رأسه:لا مؤاخذة يا يونس ماخدتش بالي ياخويا
ظل يونس يحدق فيه بشك واضح بينما ارتسمت على شفتي راشد ابتسامة خفيفة توحي بأن الأمر لم يكن عفوي كما ادعى ليجيب عليه يونس قائلا: راشد اكبر يابا اكبر
يرفع راشد كتفه وهو يقول: ملكش دعوة يا چوكر
يهز يونس راسها قليلأ ثم نطق بصوت حاد: والي يعز و يذل يا راشد انا سايبك بمزاجي
ابتسم راشد ببرود ثم أجاب عليه قائلا: عايزني اسيبك فحالك يا چوكر تقفل المحل ده و تشوف خرابه تلم شويه البضاعه المعفنه بتاعتك
ثبت يونس عينه عليه ثم قال بسخرية: وانت تعرف تجيب زي البضاعه المعفنه دي يا راشد
ضحك راشد ببرود وهو يغلق صنبور المياه ثم اقترب خطوة واحدة وعيناه تمسحان لافتة محل يونس باحتقار وقال: أجيب زيها ليه يا يونس أنا بضاعتي بتدخل من الباب الكبير والناس بتقف عليها طوابير مش زي كسر الدهب الي أنت راميها جوه ومسميها تجارة ده أنت دكانك بقى شبه المقبره يا أسطا
لم يرمش ليونس جفن بل ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يمرر يده لينفض قطرات الماء التي أصابت ملابسه ثم قال بصوت منخفض يحمل نبرة تهديد مكتومة: الباب الكبير الي بتتكلم عنه ده أنا الي كنت صانع مفتاحه لما أنت كنت لسه بتتعلم إزاي تمسك خرطوم ميه وترش قدام المحلات وبعدين يا راشد القيمة مش في وزن الحتة القيمة في النفس الي اتنفخ فيها وأنت طول عمرك بياع شنطة ملكش في صنعة الإيد
اتسعت ابتسامة راشد لتتحول إلى تكشيرة غيظ حاول ان يظهر عكس ذلك وقال بجمود: الزمن دار يا چوكر والمفاتيح مابقتش في جيبك والسوق دلوقتي مابيعترفش غير بالي خزنته مليانة الأرض دي مابقتش بتساعنا إحنا الاتنين والخرابة دي لازم تتقفل بالذوق أو بغيره
تقدم يونس خطوة واحدة حتى أصبح صدره في مواجهة راشد تماماً ويقول بصوت قوي: كلمة غيره دي هي الي هتخليني اغيب عليك يا راشد المحل ده هيفضل مفتوح وصوت المطرقة بتاعتي هيفضل يطير النوم من عينك واليوم الي تفكر فيه تقرب منه هيكون هو نفسه اليوم الي هتنسى فيه شكل الشارع ده ابعد عن طريقي عشان مابلعكش مع الميه الي بترشها دي
صمت يونس لحظة ثم أضاف بسخرية وهو يشير بسبابته نحو صدر راشد: وبعدين ابقى غير نوع البرفان بتاعك ريحته بقت مكشوفة أوي وزفرة زي نيتك بالظبط
تركه يونس واتجه نحو المحل بكل ثقة ووضع المفتاح في القفل بينما وقف راشد مكانه يغلي بصمت يراقب ظهر "الچوكر" وهو يفتح مملكته التي لا تزال تأكل من هيبة راشد في الحارة يقبض راشد علي يده وهو بداخله بركان غضب و حقد لهذا الچوكر الذي يحتل مكانه في الحاره
قطع تفكيره عندما بدأ الهاتف بالرنين والاهتزاز المتواصل حتى انفجر غضبه وهو يفتح الخط: إيه الزن ده رن رن رن لو كنت عايز أرد كنت رديت من أول مرة بترجعي ترني تاني ليه وتطيري الي فاضل من عقلي
تنفست الفتاة بذعر وهى تقول بصوت مرتعش: مكنتش أعرف إنك مشغول والله أنا أسفة يا راشد مكنتش أقصد
هتف راشد بصوت هز أركان المكان وكأنه يفرغ شحنة الإهانة التي تلقاها من يونس في أذنيها: انطقي خلصيني عايزة إيه على الصبح
تجمعت الدموع في عينيها وغص حلقها بالبكاء وهي تهمس بضعف: كنت بس عايزة أنزل الدرس ممكن
راشد بقسوة وتلذذ بالرفض: مفيش نزول لزفت والبيت ملمحش رجلك براه النهاردة عشان تبطلي زن وتقرفيني
ارتفع صوت بكائها بمرارة وهي تتوسل بقلة حيلة: والله ما ينفع أغيب لازم أروح عشان فيه حاجات مهمة هتتقال والامتحان قرب أبوس إيدك
أمال راشد رأسه يمين ويسار ببرود مرعب ثم قال بنبرة تهديد: لو الي جابك دكر يا حنين اكسري كلمتي وحطي رجلك بره البيت جربي بس وشوفي هيحصل فيكي إيه
أنهى حديثه وضغط على زر الإغلاق بعنف دون أن يهتز له جفن لصوت شهقاتها ثم وضع الهاتف في جيبه وهو يشعر بنشوة زائفة من السيطرة محاولاً استعادة هيبته التي اصبحت تحت أقدام "الچوكر" منذ لحظات
كان يهرول بخطوات واسعة وسريعة وعينيه نحوها كصقر انقض على فريسته نظراته كانت حارقة لدرجة لو كان للعين قدرة على الإشعال لالتهمت النيران كل ما يحيط بها من شدة الغضب داخل عينيه جذبها من يدها بقوة وغضب عارم ثم اتجه بها نحو المنزل وهي تندفع خلفه بسرعه وصوتها يرتفع بغضب: يحيى أنت اتجننت سيب إيدي الناس بتتفرج علينا سيبني بقولك
لم يلتفت إليها بل زاد من سرعته وهو يريد ان يذهب بها الي المنزل بسرعه ليهتف بغضب: مسمعش صوتك خالص كلمة تانية وهتلاقي رد فعل مش هيعجبك فاهمة
حاولت ان تنزع قبضته عنها ولكنها لم تستطع لتجذبه من قميصه بقوة وكأنها تحاول زحزحة جبل لتصرخ بغيظ وهي لا تعرف كيف تبعده عنها ولا هو يريد ان يتوقف: أنت أكيد متخلف سيب إيدي خليني أغور أجيب الحاجة
توقف يحيى فجأة التفت إليها ببطء يسبق العاصفة ونظر إليها بطرف عينه: و البت المحترمه الي نازله تجيب حاجاتها طالعة الشارع بمنظرها ده أمك شافتك وأنتي خارجة كدة
برقت عينيها له وقالت بإستفزاز: وماله منظري يا حبيبي ماله لابسه ومستورة وزي الفل
هنا انقطع خيط الصبر تمامًا ليقول يحيي بصوت مرتفع : نورسيييييين
اقترب منها حتى حاصرها بين ذراعيه والحائط وهمس بصوت مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها: طريقتك بنت الوسخه دي تتغير بدل ما أقسم بالله العظيم ما أخليكي تلمحي الشمس تاني طالعة ونص شعرك باين من الطرحة ولا كأن في راجل في بيتكم وبعدين أنا مش قولت مفيش خروج عمال على بطال
حاولت استجماع شجاعتها رغم ارتجفها و خوفها من صوته وقالت بعناد: الجو حر والطرحة بتتزحلق وبعدين أنا مش صغيرة عشان تحبسني دي قلة ذوق منك على فكرة انت بس ابن عمي مش ولي امري
يحيى بضحكة ساخرة قال: قلة ذوق طب تعالي بقى يا أم ذوق لما نشوف امك هتقول إيه على الهانم الي بتكسر كلامي
سحبها خلفه وفتح باب الشقة بمفتاحه الخاص ليدخل وهو يدفعها امامه. خرجت والدتها من المطبخ على صوتهم العال لتقول: في إيه يا ولاد صوتكم جايب لآخر الشارع يحيى خير يا بني
يحيى وهو يترك يد نورسين أخيرا لكنه ظل واقفا كالحائط أمام الباب: شوفي بنتك يا مرات عمي طالعة الشارع وشعرها بره وبقولها ارجعي بتقولي متخلف هي دي التربية الي ربيتها لبنتك
نورسين وهي تفرك معصمها بغيظ وتنظر للوالدتها:
يا ماما ده بيتحكم في الهوا الي بتنفسه كنت رايحة أجيب الحاجه قام جاررني وراه كأني حرامية غسيل
والدتها حاولت تهدئة الموقف بابتسامة هاديه:
يا يحيى يا بني هي لسه عيله وعقلها طايش معلش عدّيها المرة دي عشان خاطري و انا الي كنت بعتاها تجيب الحاجات
يحيى بصرامة لا تقبل الجدل:
لا يا مرات عمي مفيش خروج من البيت ده طول ما أنا مش موجود الحاجة الي ناقصة تتصل بيا أجيبها وأنا جاي أو اخلي حد يجيبها إنما الهانم تعرض نفسها لنظرات للي يسوى والي ميسواش عشان شويه حاجات ده مش هيحصل طول ما أنا حي
تطلق نورسين ضحكه غيظ وتقول: يا سلام سي السيد وصل انت امتي هتخليك في حالك بس خليك في الي يخصك
اقترب منها خطوة واحدة فارتدت هي خطوة للخلف لا إراديه وقال بنبرة هادئة لكنها حاده: حياتك دي تخصني أكتر منك يا بت عمي و يكون في علمك عنادك ده هكسرهولك بس مش دلوقتي ادخلي جوه غيري القرف اللي لابساه ده وماشوفش رجلك برا باب الشقة النهاردة مفهوم
نظرت نورسين لوالدتها التي كانت تترجاها أن تصمت لكن نورسين ربعت يديها وقالت بعناد:
مش مفهوم ولو نزلت هتعمل إيه يعني
يحيى ببرود استفزازي وهو يجلس على الأريكة ويضع قدم فوق الأخرى: جربي جربي وشوفي يحيى هيعمل إيه وأنا قاعد هنا مش ماشي وريني بقى هتخطي العتبة دي إزاي
تبادلا نظرات نارية هي بغيظ وعناد يحرك الجبال وهو بهدوء بينما وقفت الأم في المنتصف تدعو الله أن تمر هذه الخناقة اليومية دون خسائر في الأرواح
استمر يحيى في جلسته الهادئة المستفزة يراقبها ببرود بينما كانت هي تضرب الأرض بقدمها
نظرت نورسين إلى والدتها التي كانت تحاول التسلل للمطبخ هربا من المعركه فقالت لها بصوت مرتفع:
شوفتي يا ماما قاعد في بيتنا وبيمشي كلمته عليا قولي له حاجة قولي له ملهوش دعوة بيا
والدتها وهي تهز رأسها من وراء الباب بحذر: يا بنتي ما هو خايف عليكي برضه وبعدين يحيى مش غريب ده زي أخوكى و ابن عمك والكلمة كلمته يا نورسين
يرفع يحيى عينه لنورسين بابتسامة نصر ثم يهتف:
سمعتي الكلمة كلمته يلا يا شاطرة ادخلي الأوضة لمي شعرك ده ولو جعانة خلي امك تعملك مكرونة بالبشاميل كلي واهدي عشان العصبية بتصغر الدماغ وهي أصلاً مش ناقصة
نورسين بحدة وهي تقترب منه وتلوح بإصبعها أمام وجهه: أنا دماغي صغيرة يا يحيى طيب والله ما أنا داخلة وهنزل برضو وهشوف هتعمل إيه
تحركت بسرعة البرق نحو باب الشقة لكن يحيى كان أسرع وبحركة سريعه كان قد وقف خلف الباب وسده بجسده الضخم فقالت نورسين بغيظ: اه يا أخي أنت جبل وسع من طريقي
يرفع يحيي رأسه للأعلى و يجيب عليها قايلا:
مش هوسع يا نورسين وأعلى ما في خيلك اركبيه وزيادة في التأكيد بقى عشان تريحي ملكيش خروج غير بمزاجي
التفت برأسه قليلاً وهتف بصوت ارتفع: مرات عمي معلش شوفي الورقة الي نورسين كانت كاتبة فيها الطلبات وهاتيها أنا هبعت عبده يجيب كل حاجة ويجيبها لحد الباب والهانم تدخل جوه تلم شعرها ده وماشوفش وشها في الصالة حتى طول ما أنا قاعد
نطقت نورسين بغيظ وهي تحاول دفعه من صدره:
أنت بتؤمر في بيتنا حسبى الله ونعم الوكيل تلاقيه في عيالك يا شيخ والله ما بكرهك من قليل حيواااااان حيوان موووت
يحيى بضحكة مستفزة وهو يخرج هاتفه من جيبه: هو انا يا بنتي طلبت منك تحبيني المهم رجلك دي متخطيش العتبة
خرجت والدتها في هذا الوقت وهي تحمل ورقة صغيرة وتقول بقلة حيلة: خد يا يحيى يا بني الورقة أهي ريحي نفسك يا نورسين وادخلي غيري أنا مش حمل صداع وخناق أكتر من كدة
أخذ يحيى الورقة بانتصار ثم أعاد نظره لنورسين التي كادت تنفجر من العناد يغمز لها يحيي بإستفزاز جعلها تصرخ بغيظ ثم إتجاهت لغرفتها وهي تتمتم بحديث غير مفهوم يفتح يحيي الباب ثم يخرج الي الخارج يسير نحو الشارع (وبعد قليل) يصل امام المحل ينظر الي يونس الذي كان يمسح ملابسه منديل ليقول بإستغراب: ميه الي بتمسحها دي
يهز يونس راسه بجمود ليكمل يحيي وهو يقول: جتلك من فين
يرفع يونس راسه ثم يجب عليه ببرود: ابن الالفي كان بيرش مايه قدام المحل بتاعه و جه شويه عليا
يرفع يحيي حاجبه ثم يهتف: وانت سكتله
يونس بصوت مرتفع: اسكتله ليه كاسر عيني خد الي فيه النصيب وعملت معاه الواجب و ذياده و تلاقيه بيشيط جوه مش شامم ريحه الشياط ولا ايه
ضحك يحيي بخفه ثم قال: لا يا وحش الشياط واصل لآخر الحارة تسلم إيدك يا شق بس أنا نفسي أفهم الواد ده حاطط نقره من نقرك ليه ده حتي ربنا مقسم الأرزاق بالمللي ومحدش بياكل لقمة غيره
حدق يونس بطرف عينيه ثم يقول: ومين يفهم الحمار ابن الالفي الواد مفكر اني باخد من رزقه سيبك منه هو كدا كدا طلع نزل عمره ما هيعرف يعمل معايا حاجة بطنه فاضيه مش هينوبه غير حرق الدم
اومأ له يحيي ثم يقول بهدوء: انت هتنفذ الشغل هنا ولا هتبعت المصنع
يونس ببرود: لا حولهم علي المصنع النهاردة ورايا مشوار كدا هاخده صد رد مش هطول خليك انت هنا
لحد مرجع
يحيي بهدوء: توكل علي الله يا چوكر
يهز يونس راسه ببرود ثم يغادر المكان يذهب نحو الجراچ ثم يخرج مفتاح من جيبه يركب سياره فخمه من يراها يستغرب بأن هذا النوع من السيارات يوجد في هذه الحاره البسيطه يقود يونس سيارته ويغادر الحاره بأكملها
كان يسير بخطوات ثابتة عينيه تحدق أمامه فقط بجمود يليق به لم يكن يلتفت يمين أو يسارا فملامحه الحادة ونظراته الصارمة كانت كفيلة برسم هالة من الهيبة حوله رغم صغر سنه وبينما كان يهم بعبور الممر المؤدي إلى قاعات المحاضرات قطعت طريقه فتاة كانت تركض بسرعة لتصطدم بكتفه بقوه مما أدى إلى انسكاب كوب كامل من عصير الفراولة على قميصه الأبيض توقف مكانه أغمض عينيه للحظة محاولا كتم غيظه و استوعب ماذا حدث بينما تلعثمت الفتاة باعتذارات قبل أن تختفي في الزحام زفر بضيق ونظر إلى البقعة الحمراء التي أفسدت مظهره بالكامل توجه بخطوات سريعة نحو أقرب دورة مياه وهو يتمتم بكلمات غاضبه
دلف إلى الداخل وبدأ في غسل قميصه وهو يتخلص من الأثر ليقول بغضب: اليوم بيبان من اوله وانت يومك باين اهو يا باسل
أنهي حديثه وكاد أن يغادر لكنه سمع صوت منخفض من الداخل تحرك بفضول نحو المرآة الكبيرة ليجد فتاة تقف بظهرها كانت تمسك بمفك صغير وتحاول فك غطاء التهوية في سقف الحمام وشعرها مفرود فوق كتفيها بطريقة فوضوية تجمد باسل مكانه ثم قال بصوت عالي: أنتي بتعملي إيه هنا ده حمام مش ورشة تصليح
التفتت هي ببرود نظرت إليه من أعلى لأسفل، ثم عادت لعملها قائلة بلا مبالاة: وأنت مالك حد قالك إني طلبت رأيك وبعدين قميصك شكله يضحك أوي لايق على لون وشك وهو أحمر من العصبية كدة مين علم عليك
اشتعلت عينا باسل بالشرر اقترب خطوة وصاح بحدة: أنتي عارفة بتكلمي مين أنا باسل العزايزي
لوت ميساء فمها بسخرية ووضعت يدها في خصرها قائلة: مين باسل يا عيني خفت أنا كدة بص يا كابتن روح نضف القميص بتاعك ده بعيد عني وبلاش تعيش الدور أوي عشان البرستيج ما يقعش في الحوض وبعدين انت بتاخد و تدي معايا ليه اصلا اتكل على الله سيبني اغور اشوف الخرا الي مستنيني
غضب باسل من وقاحتها وجرأتها شعر برغبة بقتلها لكن ضيق الوقت واقتراب موعد محاضرته منعه ألقى عليها نظرة محتقرة وهو يغلق أزرار سترته ليخفي البقعة قدر الإمكان ثم قال بصوت عالي وهو يراها تذهب من امامه: ماشي الحساب بعدين والظاهر إن الجامعة محتاجة تنظيف من أشكال معينة
نهي حديثه ثم خرج باسل وهو يستشيط غضبع يحاول استعادة هدوئه قبل دخول القاعة وبمجرد أن فتح باب المدرج وساد الصمت التام تقديراً لدخوله سار نحو المنصة رفع عينيه ببطء ليتفحص الوجوه ليتجمد مكانه تماما كانت هي تجلس في الصف الأول تضع قدماً فوق الأخرى وهي تمسك بقلمها وكأن شيئا لم يكن لا تراه ومن رفعت راسها وراتها توسعت عينها بصدمه ماذا يفعل هذا هنا
في فيلا العزاوي التي تفيض ترفاً وجمالاً كانت غفران تهبط درجات السلم بخطوات واثقة جعلتها تبدو كلوحة فنية متحركة حيث برز فستانها الأحمر تفاصيل قوامها الممشوق ومنح بشرتها بياضاً ناصعاً بينما تركت شعرها الطويل ينسدل بحرية فوق كتفيها متطايراً مع كل حركة واحتل عطر الياسمين والمسك أرجاء المكان ليعلن عن حضورها الطاغي وعند نهاية الدرج كانت صديقتها هايدي تقف بانتظارها تعبث بهاتفها بملل واضح وما إن رأت غفران حتى عدلت من وقفتها لتقترب منها غفران بابتسامة واسعة قائلة بنبرة رقيقة: أنا طولت عليكي يا هايدي سوري بقا
رمقتها هايدي بنظرة سريعة لم تكشف الكثير عما تخفيه ملامحها لكن عينيها كانتا تشعان حقداً دفيناً لم تلمحه غفران لتجيبها هايدي: لا يا روحي ولا يهمك بس إيه ده يا غفران الفستان الأحمر ده مش حاسة إنه لايق عليكي خالص لونه فاقع بزيادة ومبينك قصيرة شوية كان أحسن لو لبستي حاجة أهدى من كدة
تفقدت غفران مظهرها ثم ابتسمت بهدوء لوعيها التام بطبيعة صديقتها وقالت وهي تتوجه نحو السيارة: بالعكس يا هايدي أنا حاسة إني مرتاحة فيه جداً واللون الأحمر بحسه بيديني طاقة يالا بينا عشان نتأخرنا
استقرت غفران في مقعد القيادة وإلى جانبها هايدي وبينما كانت تقود دق هاتفها لتبتسم تلقائياً فور رؤية الشاشة وقالت: ده طارق اللي بيتصل
فتحت الخط ووضعت الهاتف على مكبر الصوت لينساب صوت طارق الهادئ قائلاً: فينك يا قلبي
ضاقت عينا غفران بتعجب قليل ثم قالت: مع هايدي هنروح المول علشان محتاجه شويه حاجات
أجابها طارق بنبرته الهادئة: معلش يا روحي وصلي هايدي لالمول و كملي انتي لكافي**** عايزك في موضوع مهم
أجابته غفران بطاعة: تمام يا حبيبي
أنهت غفران المكالمة لتجد هايدي تنظر من النافذة وهي تقول بنبرة يملؤها الخبث: انتي بجد واثقة في طارق ده يا غفران مش عارفه ليه مش برتاحله خالص
هتفت غفران بتركيز وهي تتابع الطريق: طارق شخص كويس جداً يا هايدي ومحترم وبيحبني و اهتمامه ده لوحده يكفيتي وأنا واثقة فيه وفي مشاعره جداً
توقفت غفران أمام أحد المولات الضخمة فنظرت غفران إليها بابتسامة وادعة: يلا يا هايدي وصلنا أنا بقا هروح لطارق
نزلت هايدي وهي تجاهد لإخفاء ضيقها من كلمات غفران تلوح ببرود بينما انطلقت غفران مسرعة نحو وجهتها وحين وصلت إلى (الكافيه) وجدت الهدوء يلف المكان بشكل غريب تحت أضواء خافتة جداً وما إن خطت أول خطواتها في الداخل حتى شعرت بيدين تضع شريط حريري فوق عينيها لتتجمد مكانها للحظة قبل أن تسمع همس قريب من أذنها بصوت تعلمه جيداً: ما تخافيش يا غفران أنا طارق امشي معايا براحة
تمسكت بذراعه وسارت ببطء وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع مع كل خطوة حتى توقف وشعرت به يسحب الشريط عن عينيها لتفتح غفران عينيها وتجد نفسها أمام طاولة يوجد عليها أنواع الزهور الحمراء وعشرات الشموع المضيئة حيث كان المكان خالياً تماماً من(الأشخاص) ولا يجمعهما سوى هذا الجو الساحر فنظرت حولها بذهول وقالت بصوت يرتجف من فرط السعادة: طارق كل ده عشاني أنا مش مصدقة المكان يجنن
ابتسم طارق بحنان وقال: إنتي تستاهلي أكتر من كدة بكتير يا غفران
ردت غفران بابتسامة: طيب ايه مناسب الحاجات الجماله دي النهاردة مش عيد ميلادي ولا عيد الفالنتاين
أزاح طارق خصلتها التي على وجهها قائلاً: ده علشان بقالي فتره مش قادر اكون معاكي بسبب انشغلني في الشغل حقك عليا
ابتسمت غفران رغم تلك القبضة الغامضة التي داخل قلبها بوجع لا تعرف له سبب لتغمض عينيها ثم تسمع طارق يقول: حبيبتي ثواني هعمل مكالمة شغل مهمة جداً وراجعلك فوراً مش هغيب عليكي
وقبل أن يبتعد وضع يده على خدها بحنان ونظر في عينيها بعمق فابتسمت هي بخجل واطمئنان ثم بدأ يبتعد متوجه نحو المخرج وهو يخرج هاتفه من جيبه وظلت غفران تتابعه بعينيها والابتسامة ترتسم على وجهها لكن لم تمر دقيقة واحدة حتى تجمدت الدماء في عروقها وهي تري سيارة مسرعة تتجه نحوه مباشرة دون أن ينتبه لها لتصرخ بكل ما أوتيت من قوة صرخة هزت أركان المكان الساكن: طاارق حاااسب يا طارق
وقبل أن تتم صرختها كان صوت اصطدام قوي قد قطع سكون الليل تماماً الذي يخيم الصمت القاتل
