رواية بقاء ( كامله جميع الفصول) بقلم رباب حسين


 رواية بقاء الفصل الاول بقلم رباب حسين 


.. أين أنا


بقلم الكاتبة : رباب حسين 


تجلس شاردة تنظر حولها كالتائهه لا تعلم أين هي؟ من هؤلاء النسوة الذين يحيطون بها؟ ينظرون إليها نظرات غريبة؛


سخرية..... غيرة.... حقد.... 


من هؤلاء؟ تشعر إنها تريد الاختباء منهم. نظرت إلى الأرض وقعت عينها على فستانها الأبيض الذي ترتديه، ابتسمت بسخرية هل هذا يوم زفافي؟


لم أحلم بالكثير في هذا اليوم ولكن لم أكن أتوقع أن يكون بهذا الشكل أو هذه الطريقة، لا تعلم كيف ارتدته، لا تتذكر كيف اتت إلى هنا. كانت كالمغيبة مسلوبة الرأي كأنها دون روح. أخذت تتذكر أحلامها، وكيف كانت بدأت مسيرة عملها كطبيبة بمشفى صغير، ثم تذكرت كيف انتهت كل أحلامها بيومٍ واحد. 


فرت دمعة من عينها الواسعة السوداء كليلٍ هادئ يليق باسمها.... ليل. 


مسحت دمعتها سريعا لما تبكي؟ هل خائفة من القادم؟ نعم فها هي تتزوج من شخص لا تعرفه في مكان غريب في سوهاج، تركت القاهرة من أجل ذلك الزفاف الذي خُطِط ونُفِذ في يومين، لا تعلم من العريس ما هو اسمه؟ كل ما تعرفه إنه كبير البلد هذا كل ما قاله لها أبيها، وهنا ظهرت إبتسامة حزينة على ثغرها وقالت بصوت هادئ مثلها تماماً أبي...


فُتِح الباب دخل أباها يحمل بيده قسيمة الزواج كي توقعها، ينظر إليها بعين خاجلة. ابتسمت في وجهه كعادتها الجميلة: مواجهة المواقف الصعبة بالابتسام، تطمئن والدها وهي من تحتاج إلى الاطمئنان، أما هو يشعر بالخجل من النظر في عينيها، باع ابنته قرة عينه وتركها تتزوج لتحميه من الموت المحتوم، نظر أرضًا ثم أعطاها الورقة كي توقعها. 

وهنا وقعت عينيها على صورة العريس، يا له من وجه حاد بارز الفك، عين ثاقبة مُرعبة دبت الذعر بقلبها. لماذا هذا الخوف؟ لم ترغب في النظر أكثر. وقع عينيها على اسمه بفضول كبير وقرأت. 


صقر زين الدين الهلالي. 


يا له من اسم يليق على عينيه، وقعت الورقة وأعطتها لوالدها، أراد أن يذهب مسرعاََ ولكن أوقفته بيدها ثم وقفت أمامه وقالت بابتسامه


ليل: بابا... متخافش أنا كويسه، شيل من راسك أي كلام يأثر عليك، وخلي بالك من صحتك مش هيبقي معاك نبطشيه في البيت بعد كده. 


حسن: خايفة عليا وأنا ببيعك بإيدي يا بنت ابوكي، إنتي بتخليني أكره نفسي زيادة. 


وضعت يدها على فمه سريعًا وقالت 


ليل: أوعى تقول كده، إنت مبعتنيش ومغصبتنيش على حاجه، إنت خيرتني وأنا اختارت. 


دخلت إمرأة بملابس سوداء ككل من في الزفاف، كلهم يرتدون الأسود عدا هي، تشعر بالذعر من اللون ولكن توقعت هذا فكلٌ من العائلتين في حداد على المفقودين، ثم قالت بنظرة بها بعض الكره


جهاد: يلا يا عروسة على أوضة ولدي. 


أومأت لها وذهبت معها، ودعت أباها ببسمة على وجهها وهناك خوف وذعر مدفون بقلبها، صعدت مع أم زوجها الى الغرفة ودخلت بها، وإذا هي غرفه كبيرة بها آثاث أسود اللون، كل ما كان بالغرفة أسود حتى الغطاء نظرت لها جهاد وقالت: ديه أوضة ولدي عجبك العفش الجديد؟ أختارته بنفسي أسود عشان يليج على حياتك الجديدة في البيت ديه.


ونظرة الكره تزداد بعينيها أكثر وأكثر، أرادت أن تهرب منها ولكن إلى أين، ظلت صامتة لم تجيبها تنظر لعينيها بهدوء فهي كليل هادئ دائماً. 


ابتسمت لها جهاد بسخرية وتركتها وخرجت من الغرفة وصفعت الباب خلفها. 


جلست على السرير تتذكر كيف انتهى بها المطاف هنا وتذكرت..... 


فلاش باك

كانت عائدة من العمل كعادتها متعبة ولكن سعيدة وفخورة بما تفعله، فهي طبيبة تنقذ حياة الناس وتبذل كل ما في وسعها. فتحت الباب ودخلت بهدوء ثم نادت


ليل: ماما أنا جيت، بابا إنت فين؟ 


لم تسمع رد ولكن دخلت إلى الصالة وجدت والدها ينظر إلى الفراغ بشرود وكأنه بعالم آخر، ومعه شخص صعيدي كبير في السن يرتدي جلباب وعمة ولكن يبدو عليه الوقار نظر لها بحب وقال :


أهلا يا دكتورة ما شاء الله زي الجمر إزيك يا بتي. أنا جدك بركات. 


نظرت إليه بتعجب وقالت ليل : جدي!!!


بركات : أيوة يا بتي، أنا جد أبوكي جيت من الصعيد عشان اشوفكم، إتوحشتكم جوي يا بتي. 


مدت يدها وصافحته وجلست بجوار أمها وأبيها، تنظر اليهما بصدمة، لا تعلم أن لوالدها جد صعيدي، ولا تعلم أن لها عائلة أب من الأساس، واستغربت شرود أبيها وصمت أمها الغريب وقطع نظراتها صوت بركات : أنا خابر يا بتي إنك متعرفيش عننا حاجة واصل أنا، عحكيلك يا بتي كل حاجة. أبوكي يبجى حفيدي الكبير؛ أكبر أحفادي، وفي يوم ولد خيتي عمل غلطة. حب بنت كبير البلد الهلالي، وكان الهلالي معيزهاش تتجوز من برا العيله، إتفجت مع ولد خيتي عشان يهربو سوا، شافها أخوها حامد وفار الدم في عروجه وضرب الواد بجالب طوب وخد خيته ورجع على البيت، ولد خيتي ضل طول الليل ينزف ومات، ومن وجتها والطار بين العيليتن كان زي البارود. بعدت أبوكي عن البلد، هو أصلًا كان بيشتغل أهنيه جولتله متجيش خليك مع مرتك وبتك بمصر، ومش عايز أعرف عنك حاجة غير علوانك، ومن وجتها يا بتي وأنا مشفتوش، هو آخر أمل العيلة لو مات نسلنا هينجطع. 


ليل : نورت يا جدي، عشان كده أنا معرفش عنكم حاجة وكل ما كنت بسأل على عيلة بابا مكنش بيحكي. 


بركات : دلوك يا بتي مفضلش في العيلة غير أبوكي وبجيت احفادي الصغيرين، ولادي ماتو راحو في الطار، ودلوك إتفجنا مع الحكومه والهلالي الكبير نوجف الطار ديه عشان خلاص مبجاش فاضل من عيلتهم غير حفيدهم الوحيد، والهلالي وافج وشرطنا عشان محدش يعاود للطار مرة تانيه ونوجف الدم اللي بينا إنك تتجوزي حفيد الهلالي الكبير، وهو كبير البلد دلوك. 


ليل بصدمة : أنا أتجوزه ؟! ليه؟


بركات: عشان أبوكي عليه الطار دلوك يا بتي، يا ياخد بطار إبني يا يتجتل. 


ليل : بابا يتقتل؟!!!! إنت بتقول إيه لا طبعًا مش هيحصل. 


بركات: لو مجتلش هيتجتل، ولو معرفوش مكانه هيجتلو ولاد عمه الصغار. 


ليل : يعني يا أتجوزه يا الناس تموت أو يبقى بابا قاتل؟ آنتو إزاي تتفقو على حاجة زي كده من غير ما تاخدو رأينا. 


وهنا تحدث والدها بغضب


حسن : لا يا جدي، أنا عندي أتقتل ولا إن بنتي تبقى في الموقف ده، ولا تتجوز بالطريقه ديه. 


بركات : يا ولدي حرام عليك، تعبت من كتر ما عم بدفن ولادي، عايز كمان أدفن إحفادي، حرام عليكم يا ولدي. 


حسن : أسف يا جدي مش هقدر، إنت عارف يعني إيه أدخل بنتي في بيت الهلالي، لا مش هيحصل. 


ليل : أنا موافقة. 


بركات بصدمة: صوح يا بتي؟!! 


حسن : انتي بتقولي إيه يا ليل لا طبعًا مش هيحصل. 


ليل : بابا أنا دكتورة، مهمتي أنقذ الناس، عايزني أسيب أبويا وشباب صغيرين يموتو عشان أنا بتدلع وعايزه أتجوز على مزاجي، لا يا بابا بحر الدم ده لازم يقف. 


قطع ذاكرتها صوت الرعد بالخارج وفجأة فُتِح الباب. 


دخل منه رجل في أوائل الثلاثينات، طويل، أبيض اللون ذو لحية، يبدو عليه الهدوء والوقار. شامخ يمشي بخطى ثابتة نحوها، اقترب منها ونظر إليها بعينيه الثاقبة التي رأتها منذ قليل، ونزل إلى مستواها قليلاً ثم قال


صقر : أهلًا بيكي في مصيدة التعبان. 


ذهب خوفها في ثواني عندما تعمقت في عينيه، لم ترى بهم شيء يخيفها بل تعجبت من كلامه وقالت


ليل : مين التعبان؟


عقد حاجبيه وقال


صقر : التعبان اللي الصقر اصطاده وحطه في المصيدة، عشان ينتقم منه شوية شوية بالبطيء. 


قالها بصوت كفحيح الأفاعي ثم إعتدل في وقفته وقال


صقر : نورتي الزنزانة يا عروسة، هسيبك النهاردة ترتاحي عشان تستعدي لبداية رحلة عذابك.... على أيدي. 


ليل بهدوء : عايز تعذبني ليه هو أنا عملت حاجة؟ 


صقر : حلوة البراءة ديه، بس مش لايقة على واحدة عيلتها قتالة قتلة. 


ليل : مين قال إن عيلتي كده. 


صقر : إنتي عبيطة ولا مش فاهمة حاجة؟ 


ليل : لا فاهمة بس عيلتي عمرهم ما أذو حد. 


صقر بغضب قليل : عمرهم ما أذو حد؟!!! وأبويا اللي مات على أيدي ده كان إيه؟ أبويا اللي اتحرمت منه، اللي عمك قتله بدم بارد، عمك اللي الموت رحمه من تحت إيدي، عارفة لولا إنك بنت أنا كنت دفنتك بإيدي، بس صقر بياخد طاره من الرجالة بس، ولولا خوف جدي عليا كان زماني قاتلكم كلكم وأولهم أبوكي الجبان اللي هرب أول ما الطار بدأ. 


ليل بهدوء: لو سمحت إحترم أبويا. مسمحلكش تتكلم عليه بالطريقه ديه إنت... 


قاطع حديثها اقترابه منها وجذبها من يدها بعنف وقال بغضب أكثر 


صقر : إنتي مين أصلًا عشان تسمحي ولا متسمحيش؟! إنتي مش عارفه إنتي واقفة قدام مين؟ أنا صقر الهلالي كبير البلد ديه، كلمتي تمشي على الكبير والصغير، تحترميني غصباً عنك وإلا هتشوفي اللي عمرك ما كنتي تتخيلي تشوفيه. 


قام بدفعها بعيداً وخرج من الغرفة وتركها وحدها تسمع صوت الرعد والمطر يهطل بغزارة، شعرت بإرتجاف جسدها، ولكن الغريب أن هذا الخوف لم يكن من صوته أو من غضبه، بل كان من صوت الرعد فقط، فهي وحتى وهو يصرخ وتنظر إلى عينيه لا تشعر بالخوف.


جلست على الفراش وأخذت تنظر إلى المطر حتى غلبها النعاس ونامت مكانها.

الفصل الثاني من هنا


stories
stories
تعليقات