![]() |
رواية قلبي عدوك الفصل الاول بقلم رباب حسين
الحب؛ كلمة صغيرة تحمل الكثير من المعاني، فحين يسكن الحب القلب يؤسس دولة عشق بداخله، ينبت الزهور بألوانها الزاهية، تنسدل شلالات من الحنان تروي جسدًا غاب عنه نبض القلب، ينسج خيوط تربط القلوب ببعضها بميثاق العهد الدائم، وعود تليها الأخرى؛ وبالنهاية تكتمل الصورة داخل قلب ينبض بالحياة.
فماذا إن كان الكره هو من دخل القلوب أولًا، هل يتحول ذلك القلب العدو إلى قلب يعبق بالحب، أم يظل الإنطباع الأول للقلوب لا يتغير.
عن قصة حب بدأت بظروف لا تنبأ بحب على الأطلاق، لنبدأ رحلة... قلبي عدوك.🔥
____________________
عند نهاية سطر قديم، نضع ختامه بأيدينا ونبدأ سطرًا جديدًا.
وفي هذا اليوم، كان هناك قلب ينبض بحبه الأول، حب بدأ بنظرات بريئة، خطفت قلبها من بين الضلوع، رسخ بذلك العقل يستحوذ عليه، ترَ صورته ترتسم أولًا أمامها حين تستيقظ من نومها، وآخر وجه تراه قبل أن تغفو هو وجهه.
عامين... تراه من بعيد، تتابع نظراته إليها التي تزداد إعجابًا يومًا بعد يوم، تذهب كل صباح إلى جامعتها كي ترَ نظرته التي تروي دولة العشق التي بقلبها حتى فاض العشق عليها، لاحظها كل أصدقائها، وأصبح عشقها له حديثهن الدائم.
حتى ذلك اليوم... اليوم التي صدع ذلك الحب بما سمع عن لسان صديقتها (صافي)، حين اقتربت منها وهي تنظر إليه على استحياء، وجلست أمامها لتقطع تلك النظرات، فالتفتت إليها أنين وقالت: فيه إيه يا صافي! خضتيني.
صافي: بحاول ألحقك يا هانم وإنتي واقعة على الآخر كده في حب أستاذ زياد.
أنين بخجل: بس يا صافي بقى، إنتو مش وراكم غير الكلام عني وعنه؟
صافي: كنا بنتكلم وبنهزر عادي، وأنا مكنتش معترضة عليه لأنه شبهك، مؤدب ومحترم ومش بتاع لف ودوران زي شباب اليومين دول، لكن لما عرفت وشفت بعيني قلت لازم أقولك وأفوقك من الوهم اللي إنتي عايشة فيه ده.
تبدلت ملامحها ونظرت لها بتعجب وقالت: وهم إيه؟!
تنهدت صافي بضيق وقالت: إمبارح كنت سهرانة مع أصحابي، وإنتي عارفة أنا بروح يعني أماكن كلاس شوية.
أنين بتهكم: قصدك بار يا صافي، مش قولتلك تبطلي تروحي الأماكن ديه، بجد مش عارفة إيه اللي عجبك هناك أوي كده!
صافي: حاضر حاضر، بس خليني أكمل، المهم... لما رحت مع أصحابي لقيت بقى مين هناك؟! أستاذ زياد، عمال يرقص ويضحك، حد تاني خالص غير الوش اللي مصدره ده.
أنين بصدمة: إنتي بتقولي إيه؟! لأ طبعًا زياد مش كده، هو أنا أول مرة أعرفه، ده صاحبنا من سنتين وعمرنا ما شفنا عليه حاجة، وبصي كده؛ مفيش ولا بنت بتقف جنبه.
صافي: طيب ما أنا مش بقف مع شباب في الجامعة خالص، وعلى طول معاكي إنتي والبنات، هل ده يمنع إني ليا أصحاب برا غيركم
وبعدين متنسيش إن بابا زياد شريك في الجامعة ديه، وأكيد العين عليه عشان كده راسم الشخصية ديه قدام الناس، فهمتي.
نظرت بشرود أمامها، عقلها يصدق ما تقوله صافي، فحديثها به شيء من المنطق، ولكن قلبها يأبى ذلك. فقالت بحزم: لأ يا صافي، ما يمكن كان فيه مناسبة وراح بس يحتفل هناك، أو حد عزمه وراح، أكيد يعني مش ديه أخلاقه.
صافي: ما أنا قلت زيك كده بالظبط، لحد ما سألت الويتر هناك، قالي ده هنا كل يوم.
فتحت عينيها بدهشة، لا تصدق ما تسمع ثم قالت بصوت مرتعش: معرفش، بس لأ، مش مصدقة.
صافي: خلاص، تعالي معايا النهاردة وشوفيه بنفسك.
أنين باندفاع: أجي فين؟! عايزاني أدخل بار يا صافي؟! لأ طبعًا، ده لو بابا عرف يموتني.
صافي: وبابا هيعرف منين، قوليله عيد ميلادي وجاية معايا على البيت مش هيعترض، وتيجي معايا بعد الجامعة وننزل سوا، وأصلًا مش هنقعد، مجرد ما تتأكدي أنا هاخدك وأمشي على طول، تمام؟
أنين: مش تمام، أنا مش هروح الأماكن ديه، استحالة أقبل.
صافي: طيب، خليكي بقى عمالة تحبي فيه وهو داير مع البنات برا، أنا قولتلك الحقيقة ومش مصدقة، بقولك هثبتلك مش راضية، قولي بقى إن إنتي اللي مش عايزة تصدق.
أنين بحزن: إنتي عارفة لو كلامك صح ده معناه إيه؟
صافي بحزن: عارفة يا حبيبتي، بس بجد مقدرش أشوف حاجة زي ديه ومقولكيش، ولو مش هتصدقي غير لما تشوفيه بعينكي تعالي معايا، مجرد ما هتشوفيه هنمشي على طول، ماشي؟
صمتت أنين تفكر قليلًا، ومع هذا الصراع الذي نشب بين عقلها وقلبها؛ قررت أن تذهب من صافي.
اتصلت بوالدها الذي تلقى المكالمة بعد عدة محاولات، فهو يملك سلسلة فنادق كبيرة، ودائم الانشغال عنها، وبعد وفاة والدتها منذ سنوات وهي تقبع داخل منزلها وحيدة معظم الوقت، وحين تلقى المكالمة وأبلغته أنها ستذهب إلى منزل صافي وربما تتأخر وافق على الفور، فهي قليلًا ما تخرج من المنزل، ويثق بها بشدة.
أنهى عادل المكالمة، والتفت نحو سلوى التي تنظر إليه بهيام، مساعدته الشخصية والملازمة له بكل مكان، ومنذ وفاة زوجته ليلى وهي تحاول أن تكسب قلبه، كان يعارض فكرة الزواج مرة أخرى بعد وفاتها، فقصة حبهما كانت مثال للوفاء والأخلاص، وأنجبت له تلك البريئة أنين، وهي تشبه أمها كثيرًا، وهذا ما جعل حبه لها أضعافًا، لهذا أبى أن يتزوج بعد وفاة ليلى حتى لا تتأثر أنين بالأمر.
وبعد سنوات من محاولات سلوى التي لا تتوقف، رضخ ذلك القلب الذي خاف الوحدة بعد أن كبرت أنين وأصبحت في سن الزواج، بل ويتهافت عليها الخطاب.
التفت إلى سلوى وقال: معلش كان لازم أرد.
سلوى بدلال: دايمًا حاجة كده وخداك مني.
عادل: وبعدين معاكي بقى يا سلوى!
سلوى: ما أنا زعلانة منك، كل مرة توعدني هتقولها، ومجرد بس ما اسمها بيجي على التليفون بتقلق ووشك يتغير، هو أنا وحشة أوي كده عشان تخاف الناس تعرف اللي بينا.
عادل: الموضوع ملوش علاقة بإنتي وحشة ولا حلوة، الفكرة إني خايف أجرحها.
سلوى: بس أنين مبقتش صغيرة، وأكيد مستوعبة إنك حرمت نفسك من كل حاجة بعد وفاة والدتها عشانها، وإنك ضيعت سنين من عمرك لوحدك عشان بس متجيبش مرات أب تأذيها، بس أنا غير أي حد، أنين عرفاني كويس وإنت متأكد إنها زي بنتي، وكمان ابني هيبقى أخوها يعني مش هتفضل لوحدها ولا تخاف عليها بعد كده، إيه بقى اللي يمنع جوازنا دلوقتي؟!
تنهد عادل ولم يجيب، فقد نفد لديه الأعذار، ويرَ أن سلوى محقة بكل ما تقوله، ولا ينكر أن الوحدة قد أهلكته، وأصبحت الليالي طويلة وحزينة، فمهما يظل خارج المنزل ليؤدي عمله إلا أنه أصبح يكره العودة إلى منزله.
فأردفت سلوى بضيق: خلاص يا عادل، متضغطش على نفسك أكتر من كده، أنا عرفت جوابك على الموضوع كله.
كادت تذهب فأمسك يدها وقال: استني بس رايحة فين؟!
سلوى: ماشية، ومش هتشوف وشي تاني، عشان كرامتي اللي عمال تدوس عليها ديه، خلاص مبقتش قادرة استحمل.
عادل: ليه بس؟ أنا دوست على كرامتك؟!
سلوى: اه، ما لما أقعد أتحايل عليك عشان نبقى مع بعض ونتجوز وإنت مش موافق يبقى دوست على كرامتي، وجدًا كمان.
عادل: إنتي عارفة إني بحبك يا سلوى، واللي مخليني خايف من الجواز هو أنين وبس.
سلوى: أنين ذات نفسها محتاجة أم يا عادل، محتاجة أسرة حواليها تدعمها وتقف جنبها، السن ده خطر وأنا خايفة حد من صاحبتها يضحك عليها بكلمتين وهي مفيش حد يوجهها، ده غير إن أنين طيبة وممكن يضحك عليها بسهولة، وبعدين أنا مش هديك فرص أكتر من كده، يا نكتب الكتاب النهاردة يا تقبل استقالتي النهاردة، ها... قلت إيه؟
عادل: إنتي بتلوي دراعي يعني؟!
سلوى: مقدرش حبيبي، بس فكر فيا شوية زي ما بتفكر فيها، أنا كمان محتاجة أبقى معاك، كل يوم ببقى عايزة أرجع البيت معاك إنت، مش أقعد لوحدي وشي في وش الحيط، كفاية بعد بقى يا عادل، واسمع كلامي ويلا نتجوز، يا إما همشي بجد وعمرك ما هتشوفني تاني.
تنهد عادل، وضعته سلوى بين اختيارين هما الأصعب، فهل سيرضخ أم لا؟
حل الليل، داخل منزل صافي، تقف أنين أمامها وتتحدث بحدة: إنتي عايزاني ألبس البتاع ده؟!
صافي: ده دريس حلو أوي يا بنتي، وهيبقى عليكي قمر.
أنين: لا لا، أنا مش هلبس ده أبدًا، ده هيكشف جسمي كله، أنا مش هلبس كده، أنا هروح زي ما أنا بلبسي ده.
صافي: مش هينفع، لازم تلبس سواريه، اسمعي الكلام بقى.
أنين: طيب هاتي دريس مقفول شوية عن ده.
صافي: استني عندي واحد بكم شكله شيك.
أنين: أيوة كده.
التفت صافي ودخلت غرفة الملابس، ثم عادت تحمل ثوب آخر، فتحت أنين عينيها بصدمة وقالت: ده مقفول؟!
صافي: بكم أهو.
أنين: وفوق الركبة يا صافي!
صافي: كده بقى تلبسي الملبص ده، ده اللي ناقص.
أنين: اسمه ملص يا حبيبتي.
صافي: وات أيفر، خلصي هنتأخر، وبعدين إنتي أقصر مني شوية، فا ممكن يجي على ركبتك بالظبط.
أنين بتهكم: يا فرحتي، يا هنايا، يعني ركبتي بس اللي هتبان؟!
صافي: على فكرة هنتأخر وترجعي تقوليلي بابا هيزعق، فا خلصي وأدخلي غيري هدومك ديه، بسرعة.
زفرت أنين بضيق، وأخذت الثوب من يدها وبدلت ثيابها، ثم اقتربت منها صافي لتضع على وجهها بعض مساحيق التجميل فقالت أنين بحدة: لا... كله إلا ده، بقولك إيه كفاية أوي كده، ولا مش هيرضو يدخلوني غير وأنا حاطة ميك أب؟!
زفرت صافي وقالت: حاضر، بلاش، اتفضلي قدامي.
صعدت داخل سيارتها، وقادتها صافي سريعًا، بعد وقت، صفت السيارة أمام الملهى، ثم ترجلا منها وأنين تحدق بكل مكان بذعر، تسمع صوت الضحكات المرتفعة، الشباب يتوافدون أمامها وهي ترتعش من الداخل، عقلها يرفض ما تفعله ولكن عليها أن تراه وتجعله يراها، حتى تُسقط ذلك القناع الذي يرتديه أمام الجميع.
جذبتها صافي من يدها وقالت: يلا بسرعة عشان نلحق نرجع وتغيري هدومك.
أومأت لها والخوف جالي على ملامحها، فأردفت: متخافيش، أنا معاكي مش هيحصل حاجة.
دخلا معًا، وبدأت أنين تبحث عن زياد بكل مكان، وصافي تنظر بالأركان وساحة الرقص ولكن لم يجداه.
التفتت أنين وقالت: مش موجود، يلا نمشي.
امسكت صافي يدها لتجذبها وقالت: اصبري هيجي دلوقتي، تعالي بس نقف في حتة بعيد كده عشان محدش يضايقك.
تمسكت أنين بذراعها بقوة، وذهبت خلفها إلى أحدى الطاولات، وما أن وقفت حتى اقترب منهما شاب وقال بابتسامة: صافي! إيه القمر ده، شكلك عسل بجد.
صافحته صافي بابتسامة وقالت: حازم! إنت فين مختفي يعني؟
حازم: موجود، بس كان عندنا إمتحانات وآسر إنتي عارفة بقى.
صافي: أيوة طبعًا لازم يطلع الأول من غير نقاش، هو فين صحيح؟
أشار حازم بيده عليه وقال: أهوة واقف هناك، استني هقوله يجي هنا.
ذهب حازم وجذبت أنين يدها على الفور وقالت: أنا مش عايزة أقف مع حد.
صافي: ولا أنا، بس هعمل إيه يعني؟ معلش شوية وهنمشي.
أنين بضيق: هما خمس دقايق لو مجاش زياد همشي.
اقترب حازم ولحق به آسر، وما أن اقترب ووقعت عينيه على أنين، حتى عقد حاجبيه بتعجب، من يرَ ملامح وجهها يظنها بريئة للغاية، ولكن تلك الثياب لا علاقة لها البراءة، ثم ابتسم متهكمًا وقال لنفسه: براءة إيه اللي بتدور عليها في بار يا آسر.
قاطع شروده حديث صافي: طيب بدل ما تضحك لوحدك ضحكنا معاك.
نظر آسر لها، ثم التفت إلى أنين التي لم تنظر إليهما على الأطلاق، عيناها تجوب بالإرجاء وكأنها تبحث عن أحدٍ ما، ثم قال: لا أبدًا افتكرت موقف كده، عاملة إيه يا صافي؟
صافي: تمام، إنت إيه.
آسر: كله حلو، مش تعرفينا.
صافي بتردد: اه... طبعًا، أنين صاحبتي.
جذبت يدها كي تنظر إليه، وحين التفتت إليه تعلقت عينيها به للحظة ثم قالت: أهلًا.
تحدث حازم وهو يشير إليه وإلى صديقه: حازم... آسر.
أنين: اتشرفت.
آسر: اسمك غريب أوي.
أنين: اه دايمًا بسمع كده.
آسر: بيقولو كل واحد ليه نصيب من اسمه، إنتي مش باين عليكي النصيب ده خالص.
أومأت له وقالت: اه جدًا.
ثم التفتت ورأت زياد يدخل المكان، وبصحبته فتاة من الجامعة، وحين وقعت عينيها عليه حلت الصدمة ملامح وجهها، كانت تظنه مختلف... مثلها، كم نسجت من أحلام في خيالها عن وجودهما معًا، كم تعلقت به، كم تمنت أن تكون له، أن يكون هو الحب الأول والأخير، ولكن ما تراه الآن ليس حبيبها، وإنما نسخة مشوهة منه، كذبة عاشت بها وارتطمت بصفعة الحقيقة.
لاحظ آسر نظراتها له، وسرعان ما تلاقت أعينهما معًا، وحين رأها تقف أمامه وآسر يحدق بها بهذه الطريقة، تحولت ملامحه إلى الغضب، واقترب منها دون أن يشعر، ثم صاح: بتعملي إيه هنا؟!
وضع آسر يده على صدره كي يمنعه من الاقتراب وقال: إيه يا معلم، بتعمل إيه؟! مش فيه رجالة واقفة؟ عيب تدخل تتكلم كده.
نظر زياد إليه باشمئزاز وقال: وإنت مالك، هو أنا وجهتلك كلام.
صافي: خلاص يا جماعة مش هنتخانق أكيد، ده زياد يا آسر زميلنا في الجامعة.
آسر: ماشي ما كلنا أصحاب، ليه بقى يتكلم كده معاها؟
زياد بغضب: عشان تخصني، ومينفعش أشوفها واقفة مع أشكال زي ديه واسكت.
اقترب آسر منه بغضب ووقف حازم بينهما سريعًا، فآسر سريع الغضب للغاية وبعد ذلك الحديث من الممكن أن يتفاقم الأمر وقد ينتهي بالمشفى أو بقسم الشرطة، فقال سريعًا: بس يا شباب، يا زياد صح؟ زياد... عيب كده، وبعدين إنت بتغلط فينا إحنا ليه، ما هي اللي جاية هنا يعني مش عاجبك إمنعها هي، ولا هي تغلط وإنت تيجي تغلط في الرجالة.
كانت أنين تتابع ما يحدث وهي لا تزال تحت تأثير صدمة وجود زياد هنا مع فتاة أخرى، ولكن حين تحدث حازم انتبهت إليه وقالت: مين يمنع مين؟ ومعلش أنا أخصك إنت في إيه يا زياد؟ كنت خطيبي ولا حاجة، وأنا أقف مع اللي أنا عايزاه ومش من حقك ولا أنت ولا أي حد هنا يتدخل.
ثم التفتت إلى صافي وقالت: يلا يا صافي.
زياد: مش هتمشي غير لما تفهميني، إيه اللي جابك هنا، ومين دول اللي إنتي واقفة معاهم.
وقف آسر أمامه وقال: ما قالتلك ميخصكش، مش شايف إن شكلك وحش أوي قدام الناس ديه كلها، هي خلاص خلعت منك وبتشوف غيرك.
أنين بغضب: احترم نفسك إنت كمان، إنت إزاي تتكلم عني كده؟!
آسر: عايزاني أتكلم على حضرتك إزاي، ما كلنا هنا في الهوا سوا، إنتي واقفة في بار وجاية ولابسة بالشكل ده هيكون ليه يعني؟ ما أكيد جاية تشوفي واحد كده ولا كده تقضي معاه يومين.
رفعت يدها أمامه وكادت أن تصفعه، ولكنه أمسك يدها بقوة ونظر إلى داخل عينيها بغضب وقال: إياكي تفكري بس بينك وبين نفسك تعملي حاجة زي ديه.
ظلا ينظران إلى بعضهما البعض بغضب، حتى جذبتها صافي من يدها وخرجت من المكان على الفور.
تتبعهما آسر بعينيه حتى خرجا معًا، ثم قال حازم: يلا يا آسر، كفاية كده مشاكل، خلينا نشوف مكان تاني.
آسر: أنا هروح، ماما أصلًا عمالة تتصل بيا، هشوف عايزة مني إيه.
ذهب آسر، وجذبت تلك الفتاة زياد من يده كي يذهب معها، وهو ينظر أمامه بصدمة.
دخلت أنين السيارة، لم تتحدث بكلمة واحدة، وقادت صافي السيارة بصمت، حتى قطع ذلك الصمت بكاء أنين، حزنت صافي على هيئته وقالت: أنا آسفة يا أنين، مكنتش أعرف أن كل ده هيحصل.
أنين: اللي اسمه آسر ده إزاى يتكلم عني كده؟! خلى شكلي قدام زياد وحش جدًا، كنت رايحة عشان أكشفه على حقيقته، جيه الحيوان ده وخلى صورتي قدامه زي الزفت، أنا رايحة أدور على حد أمشي معاه يا صافي؟!
صافي: هو آسر عصبي جدًا، ولما بيتعصب بيقول أي كلام، وزياد بصراحة غلط فيهم جامد، بس خلاص متزعليش، هو يعني إنتي هتشوفي آسر ده تاني، ما خلاص.
أنين: مش فارق معايا آسر ده، لكن شكلي إيه قدام زياد دلوقتي.
صافي: ما يولع زياد، ما هو كمان داخل البار ومعاه بنت تانية وجي يعمل فيها راجل ويقول ديه تبعي، طيب واللي واقفة وراك ديه تبع مين يعني؟ بقولك إيه إنسي الواد زياد ده خالص، ويفهم زي ما يفهم، كده كده هو الخسران.
ظلت تبكي حتى وصلت إلى منزل صافي، ثم أحضرت لها كوب من العصير حتى تهدأ، وبعد أن شربته قالت: لازم أمشي، إتأخرت وبابا هيقلق عليا.
صافي: ماشي حبيبتي، أجي أوصلك؟
أنين: لا هرجع بعربيتي.
ربتت صافي على كتفها وقالت: حقك عليا متزعليش.
أنين: وإنتي ذنبك إيه؟! إنتي كشفتيه على حقيقته قدامي.
تركتها وذهبت إلى المنزل، صورته وهو غاضب ويتحدث معها بغضب كانت عالقة في ذهنها، وحديث آسر الذي يشعل بقلبها الغضب كلما تذكرته، تزفر بضيق ولا تشعر بأنها على ما يرام، حتى وصلت إلى المنزل وصفت سيارتنا بالحديقة، ثم ترجلت منها واقتربت من الباب لتفتحه، وما أن دخلت ووجدت عادل وسلوى وبعض الرجال، وبالمنتصف يجلس رجل يرتدي جلباب وقفطان يبدو وأنه مأذون، اقتربت بتعجب تنظر لما يحدث، ثم وجدت سلوى تجلس بجوار عادل والابتسامة على وجهها، وعادل يضع يده بيد شاب والمأذون بالمنتصف، ويقوما بمراسم الزواج.
حدث ما توقعته منذ فترة، فهي كانت ترَ محاولات سلوى تجاه عادل، وكم حاولت أن تتقرب منه منذ وفاة والدتها، كان ترَ رفض عادل للأمر ولكن كان هناك يقين بداخلها أنه سيرضخ لها بالأخير، وقد بدا عليه مؤخرًا تعلقه بها، كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن هذا حقه، وهي لن تقف في طريق سعادته بعد أن قضى سنوات حزنًا على فراق زوجته، وها قد جاء الوقت الذي كانت تتوقع حدوثه، ولكن ليس بهذا اليوم بالتحديد، فهي تحت تأثير صدمتها في حبها الأول زياد، وها هي الصدمة الثانية.
قاطع شردوها صوت المأذون وهو يقول: بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
تعالت الأصوات والمباركات، ثم احتضن عادل ذلك الشاب الذي كان يضع يده بيده، يبدو وأنه ابن سلوى الذي لطالما سمعت عنه، ثم انتبه عادل إلى أنين التي تقف عند الباب تشاهد بصمت فقال: تعالي يا أنين.
التفت ذلك الشاب سريعًا، وها قد استقبلت الصدمة الثالثة.
"آسر!" تفوهت باسمه بصدمة، وهو يحدق بها أيضًا.
سلوى: تعالي يا حبيبتي، تعالي يا أنين في حضني.
اقتربت منها وعينيها متعلقة بآسر، ثم أحتضنها وقالت: مفيش مبروك يا نونة.
أنين: مبروك يا طنط، مبروك يا بابا.
عادل: الله يبارك فيكي حبيبتي، معلش الموضوع جيه بسرعة، بس قلت خير البر عاجله.
أنين: لا مش بسرعة ولا حاجة، إنتو باين عليكو من بدري يعني إن فيه إعجاب متبادل.
سلوى: مش قولتلك يا عادل، نونة ذكية وأكيد واخدة بالها. اه صح.... نسيت أعرفك، ابني آسر، من هنا ورايح بقى خلاص اعتبري إن ليكي أخ، وهنعيش كلنا أسرة مع بعض في بيت واحد.
عادل: آسر ده ممتاز، شاب في منتهى الأدب.
أنين بتهكم: اه... طبعًا.
آسر: من بعض ما عندكم يا أنسة.
نظرت له بضيق ثم قال عادل: وكمان آسر هيتنقل عندك في الكلية، عشان كمان ياخد باله منك، أنا كان حلمي يبقى ليكي أخ اطمن عليكي معاه.
نظرت له أنين ولم تتحدث، تجمدت الكلمات على شفتيها، سيأتي إلى الجامعة، تحت نظرات زياد؟!
نظرت إليه ولمحت تلك الابتسامة المتهكمة على وجهه، يبدو وأن هناك صراع جديد سيبدأ في حياة أنين.
