رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الحادي عشر 11 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الحادي عشر 

ارتفعت الشمس مُعلنةً بداية يومٍ جديد، واخترق شعاعها الغرفة في الوقت الذي خرج فيه «أحمد» من المرحاض، وهو يمسح رأسه بالمنشفة. جهز ملابسه وارتداها في وقتٍ قصير، قبل أن يتوقف فجأةً وهو يقول بصدمة:
- يا لهوي، أنا المفروض أصحي طيف علشان عنده إنترفيو النهاردة، إزاي نسيت!
أسرع واتجه إلى الغرفة التي أعطاها له في منزله، وطرق الباب بهدوء لكنه لم يُجِب، ففتح الباب واقترب منه. انحنى وهزه برفق، فنهض «طيف» على الفور، وسحب يده التي كانت تمسك بمسدس أسفل الوسادة، ووجهه إلى رأسه وهو يقول:
- اثبت

رفع «أحمد» يديه وقال بنبرة تحمل الخوف:
- اهدى يا طيف، أنا أحمد يا بني.
أدرك أنه ابن عمته، فأرخى يده وترك السلاح وهو يقول:
- معلش يا أحمد، أنا عارف إن ركبك سابت، بس أنا بحرص دلوقتي.
رفع أحد حاجبيه وقال بعتاب:
- ركبي بس اللي سابت؟! ده أنا كنت هعملها على نفسي يا طيف، الله يسامحك يا أخي.

نهض «طيف» من مكانه وفرد ذراعيه في الهواء قبل أن يقول:
يا عم قلتلك معلش، إحنا اتأخرنا ولا إيه؟
لوى «أحمد» ثغره وقال بعدم رضا:
- أيوة يا بيه اتأخرنا، يلا انجز وبعدين عندك إنترفيو يبقى تظبط المنبه.
رمقه «طيف» بعدم رضا، وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول:
- وأنا أظبط المنبه ليه وأنا معايا هنا منبه اسمه أحمد؟

هز «أحمد» رأسه وقال بسخرية:
- ممم عندك حق، طب انجز يا معلم بدل ما أترفد، وأنت تترفض في الإنترفيو، ونقعد أنا وأنت على باب أي جامع نشحت.
تذكر «طيف» شيئًا، فوضع كفه على جبهته وهو يقول:
- أخ، أنا مش معايا أي هدوم، والمفروض ألبس بدلة وأنا رايح الإنترفيو!
خبط «أحمد» كفيه ببعضهما وقال بنبرة قلقة:
- خش يا طيف خد حمامك، على ما أجيب لك بدلة من عندي.

ابتسم «طيف» وردد:
- الواحد مش عارف يقولك إيه يا ابن خالي.
صاح الآخر باعتراض:
- يا عم قلتلك مية مرة، أنت اللي ابن خالي، أنا أبقى ابن عمتك.
جلس «طيف» على الفراش، ووضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول:
- آه إحنا نتأخر على الشغل بقى ونقعد نحدد موقعنا إيه في العيلة الغريبة دي.

جذب «أحمد» وسادة ليضربه بها، فركض «طيف» على الفور ودلف إلى المرحاض وهو يقول:
- خلقك ضيق أنت يا ابن عمتي.
- الحمد لله نطقتها صح المرة دي.

ذهب «أحمد» وأحضر له سترة رسمية، ووضعها على فراشه، قبل أن يمسك بمسدس «طيف» وهو يقول بصوت مرتفع:
- بيضرب نار المسدس ده يا طيف؟
أجابه من الداخل مازحًا:
- لا ده مسدس مية جرب كده صدره لدماغك واضرب.

ألقاه على الفراش وردد بخوف:
- لا يا عم، ربنا يبعدنا عن المسدسات دي.
خرج «طيف» في هذه اللحظة من المرحاض، وردد بابتسامة:
- فاكر يا ض يا أحمد لما كنا صغيرين، وكنا في العيد بنشتري مسدسات خرز ونعمل حرب؟

ابتسم «أحمد» وقال بحنين:
- آه كانت أيام والله يا طـ...
توقف عن الكلام، واتسعت حدقتاه وهو يقول بصدمة:
- لما كنا صغيرين؟! أنت يا بني مش فاقد الذاكرة؟

عقد «طيف» ما بين حاجبيه، وتعجب من قوله. لقد خرجت الجملة منه بشكل طبيعي بمجرد أن حضرت هذه الذكرى في عقله. صمت للحظات ليفكر في الأمر، فاقترب «أحمد» منه وهو يقول:
- ايه مالك؟
حرك رأسه ولوى ثغره وهو يقول بحيرة:
- مش عارف، أنا افتكرت الموقف ده فعلًا. جه في بالي كأني عايشه بتفاصيله، وعلى الأساس ده اتكلمت، ومع ذلك مش فاكر أي حاجة تانية.

ابتسم «أحمد» وقال بحماس شديد:
- طب ما دي حاجة كويسة، كده فيه أمل إن الذاكرة ترجع لك.
شرد في الفراغ للحظات، قبل أن يعود ببصره إليه قائلًا:
- تفتكر؟
أومأ برأسه إيجابًا وهتف:
- أفتكر ونص، أبوس إيدك البس بقى هترفد.

***

كانت تجلس داخل مكتبها شاردة في الفراغ، وكأنها غائبة عن الواقع من حولها، فقطع شرودها دخول «فاطمة» التي قالت بتعجب:
- فيه إيه يا بنتي؟ أنا بخبط من بدري لدرجة إني شكيت إنك مش في المكتب.
رمقتها بوجه شاحب قبل أن تقول:
معلش، سرحت شوية، ايه؟ الواد نطق ولا لسه؟

تقدمت حتى جلست على المقعد المقابل لها وهتفت:
- لسة ما اتكلمش، سيبك منه دلوقتي وخلينا فيكي، مالك؟ مش مظبوطة من ساعة ما جيتي.
تهربت من سؤالها وقالت:
- مفيش حاجة، ده الصيام بس مأثر.

رفعت أحد حاجبيها وقالت:
- الصيام برضه! مالك يا نيران؟
نظرت إلى الفراغ ورددت بصوت يحمل الحزن والانكسار:
- أنا وطيف شدينا مع بعض ومد ايده عليا.

اتسعت حدقتاها بصدمة، لكنها سرعان ما هونت عليها قائلة:
- نيران، متنسيش إن طيف مضغوط وناسي كل حاجة، واللي أنتِ بتعمليه دلوقتي إنك بتساعديه، فمتخليش موقف زي ده يأثر عليكي ويخليكي تاخدي قرار ضده. أنا عارفة إن اللي حصل صعب، وأنتِ مش متقبلاه ولا مصدقاه، لكن في الأول وفي الآخر أنتِ اتحطيتي في وضع وقبلتيه من البداية.

انهمرت دمعة من عينيها وقالت بانكسار:
- ده اللي واجعني، اللي عمله عصّبني وكسرني، لكني مش قادرة آخد قرار ضده. طيف بتاع زمان عمره ما يعمل كده أبدًا. شد مع اللواء أيمن وضربه بالقلم، فساب البيت من امبارح ومش عارفة عنه حاجة، أنا خايفة عليه من نفسه.
ربتت عليها بهدوء ورددت:
- متقلقيش يا نيران، الوضع ده هييجي وقت وينتهي، وساعتها طيف مش هينسى وقفتك جنبه، وهتحمدي ربنا إن الفترة الصعبة دي عدت. خليكي مكملة لغاية ما نوصل للدكتور ده ونشوف هيساعد طيف إزاي.

أغلقت عينيها وقالت بنبرة تحمل اليأس:
- خايفة ما نعرفش نوصله، وساعتها يضيع كل اللي عملناه.

***

ترجل «طيف» من سيارته التي صفها أمام الشركة، والتف حولها ليصل إلى «أحمد» وهو يقول بضيق:
- يا بني حرام عليك، أنت مضيق بنطلون البدلة كده ليه؟ أنا خايف أعمل أي حركة يتفتق.

لوح الآخر بيده في الهواء وقال باعتراض:
- أنت اللي تخين يا طيف، أعمل لك إيه؟
رفع أحد حاجبيه وقال بصدمة:
- تخين؟ الجسم الرياضي ده وتقولي تخين؟ امشي يا أحمد، خلينا نشوف الإنترفيو ده هيرسى على إيه.

صعد الاثنان إلى الطابق الثاني، وتوجه «أحمد» إلى عمله، بينما انتظر «طيف» دوره في الاستقبال، حتى خرجت إحداهن وهي ترفع صوتها قائلة:
- طيف أيمن.

رفع «طيف» يده ونهض من مكانه وهو يقول:
- أيوة أهو.
أشارت له لكي يدخل وهي تقول:
- مستر فارس منتظر حضرتك جوا.

شكرها بابتسامة، ودلف إلى الداخل قبل أن يضع سيرته الذاتية أمامه. جلس بهدوء وأردف:
- أهلًا بحضرتك.
نظر له المدير نظرة متفحصة قبل أن يقول:
- أنا ما قلتش اقعد علشان تقعد.
رفع «طيف» أحد حاجبيه وقال:
- أفندم؟

اعتدل في جلسته وردد:
- ما علينا، قولي اسمك إيه؟
أشار إلى السيرة الذاتية التي وضعها أمامه وهتف:
- الـCV قدام حضرتك.
عاد «فارس» بظهره إلى الخلف وردد:
- سيبك دلوقتي من الـCV، أنا بسألك أنت مش بسأل الـCV.

عض «طيف» على شفته وقال في داخله:
- ده شكله مستفز، بس مش هضربه دلوقتي علشان محتاج الشغل.
رسم ابتسامة سريعة على وجهه وقال:
- طيف أيمن، اسمي طيف أيمن.

هزّ رأسه بهدوء وقال:
- اشتغلت كول سنتر قبل كده يا طيف؟
حرك رأسه وقال:
- لا والله، محصلش الشرف، ادينا هنجرب معاكم.
قطّب جبينه وقال باستياء:
- تجرب معانا؟ هو جمباز؟
أجابه بجمود قبل أن يفقد صبره:
- لا كول سنتر، بس لو بتلعبوا هنا جمباز ما عنديش مانع.

مال المدير للأمام ليسند بمرفقيه على المكتب وهو يقول:
- سيبك من الجمباز دلوقتي وخلينا في المهم، لو فيه عميل شتمك بأمك في المكالمة، هتعمل إيه؟
اشتاط «طيف» غضبًا وقال على الفور:
- هطلع ....... أهله.
اتسعت حدقتا المدير وردد بصدمة:
- ايه ده؟ إيه الألفاظ السوقية دي؟ أنت مستحيل تشتغل معانا.

نهض «طيف» من مكانه وخبط بكفيه على المكتب وهو يقول:
- لا بقولك إيه، اسمع يا بتاع أنت، أنا صايم ومش عايز أفطر عليك، أنت لو فتحت الـCV هتعرف إني كنت دكتور نفسي بعالج المرضى أمثالك، وأخيرًا كنت ظابط شرطة برتبة مقدم، وأبويا يبقى لواء شرطة، هتشغلني ولا أطلع حتة حشيش من مكتبك وأقول إنها بتاعتك؟

اتسعت حدقتا المدير وقال بصدمة:
-هاا؟!
أسرع ورسم ابتسامة على وجهه، وأشار إلى مقعده وهو يقول:
- أنت بس متعصب ليه يا دكتور طيف؟ الكلام أخد وعطا، اتفضل استريح واعتبر نفسك اشتغلت معانا، وبالمرتب اللي عايزه كمان.

جلس «طيف» وعدّل من سترته، قبل أن يرسم ابتسامة على وجهه قائلًا:
- ما كان من بدري، ابقى بعد كده افتح الـCV، هيوفر عليك حرق كتير.
أومأ برأسه إيجابًا وهتف:
حـ... حاضر، هبص فيه.

***

تحرك بسرعة كبيرة داخل الشركة، وعلى وجهه علامات الغضب الشديد، حتى إن الموظفين شعروا بالخوف منه وتفادوا محادثته في ذلك الوقت بسبب حالته. تقدم قبل أن يقتحم مكتب زوجته ويُغلق الباب من خلفه.
نهضت «ياسمين» وقالت بنبرة تحمل الخوف:
- فيه إيه يا نائل؟

تحدث بنبرة شبه مرتفعة بعد أن انفجر:
- فيه إن دي تاني صفقة ومشروع نخسرهم في أقل من أسبوع، والخسارة دي بالصدفة البحتة ما حصلتش غير لما دخلنا شركاء مع مرزوق الشيمي.

التفّت حول مكتبها واقتربت منه وهي تقول مدافعة:
-خسارتنا دي ملهاش علاقة بشراكتنا يا نائل، ده تقصير من عندنا. ما قدمناش عرض أفضل، واتعاملنا مع الموضوع باستهتار، والسوق دلوقتي مش زي زمان، الوضع اتغير. هو دخل شريك في مشاريع لسه هتتنفذ أصلًا، يعني ملهوش علاقة بأي حاجة دلوقتي.

أدار وجهه للجهة المقابلة وهو يقول بضيق شديد:
- أنا مش عارف أنتِ بتدافعي عنه ليه بالشكل ده.

أوضحت موقفها بهدوء:
علشان هو فعلًا ملوش ذنب. أنا مقدرة يا نائل إنك مش بتحبه ومش طايقه، بس البزنس ما يعرفش الكلام ده. البزنس يعني بركن شخصية اللي قصادي على جنب خالص وأبدأ أشوف هستفيد منه إزاي. لو عايزنا نلغي الشراكة، أنا ما عنديش مانع نكلمه ونلغيها حالًا.

اقتربت منه أكثر ووضعت يدها على كتفه وهي تتابع:
- بس متنساش يا نائل إنه من أهم رجال الأعمال دلوقتي في الشرق الأوسط كله، ومسيطر على السوق، وشراكتنا ليه مكسب لينا مش خسارة أبدًا.

زفر بقوة بعد أن أغلق عينيه للحظات، ثم فتحهما من جديد وهو يقول:
- مش عارف آخد قرار، طيب يا ياسمين، خلينا معاه الفترة دي، وهنشوف بعد شهر من دلوقتي هل شراكته دي فعلًا مفيدة لينا ولا هلاك حل علينا.

***

توجه «طيف» صوب «أحمد» الذي نهض ليستقبله وهو يقول:
-ها عملت إيه؟ طمني؟
ابتسم وقال بنبرة تحمل الفخر:
- اتقبلت طبعًا، ومش بس كده، ده أنا هاخد المرتب اللي عايزه كمان.

فتح فمه بصدمة وهو يقول:
- نعم! فارس قالك هتاخد المرتب اللي عايزه؟ ده معفن ومستفز وفيه كل العبر، اللهم إني صائم هتفطرني يا طيف.
جلس على المقعد القريب منه، ووضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول:
- أنا اللي هفطرك بردو؟ دي بقى ميزة إنك تكون ظابط سابق. ما تقلقش أنا علمته الأدب وخدتلك حقك. لو مش عاجبك مرتبك، قولي وأخش أحط لك الرقم اللي أنت عايزه.

رفع حاجبيه وقال:
- كمان! هو مضالك على الفرع بيع وشراء ولا ايه؟
- لا مش للدرجة دي، صحيح قالي إنك اللي هتدربني الأسبوع ده، وبعد كده همسك الشيفت لوحدي.

جلس «أحمد» على مقعده وقال:
- طيب قرب قرب خليني أعلمك أصول الصنعة.
اقترب «طيف» منه، فبدأ بالشرح قائلًا:
- بص دي صفحة السيستم، أي حد بيكلمك بيظهر لك هنا كل المعلومات بتاعته. هترد تقول: "أهلًا بحضرتك، معاك طيف أيمن من شركة جيجا لخدمات الإنترنت، أساعد حضرتك إزاي؟"

هز رأسه بتفهم وردد ما قاله:
- أهلًا بحضرتك، معاك شركة جيجا للإنترنت وأنا طيف أيمن.
رفض ما قاله وأعاد عليه مجددًا:
- معاك شركة جيجا ايه! هتقول أهلًا بحضرتك، معاك طيف أيمن من شركة جيجا لخدمات الإنترنت، أساعد حضرتك إزاي؟

لوى «طيف» ثغره وردد مرة أخرى، وفي كل مرة كان ينطق بطريقة خاطئة، فانفعل «أحمد» قائلًا:
- يا بني غلط غلط، ايه الصعب في اللي بقوله؟
خبط كفيه ببعضهما وقال:
- مالك يا أحمد؟ هي إجابة نموذجية! ما أقول إزيك يا نجم، معاك طيف، عايز ايه ونخلص الحوار؟

وضع يده على وجهه قبل أن يقول بنفاد صبر:
- لا كدا إحنا قاعدين على مسطبة مش في شغل، يا بني ما ينفعش وأيوة إجابة نموذجية. الموضوع سهل وهتتعود عليه، يلا قول ورايا.

- ورايا.

نهض «أحمد» من مكانه وأشار له قائلًا:
- امشي يا طيف، أنا مش عايز أعيش مشلول.

مضى الوقت في تعليمه حتى وصل إلى نقطة ما وهتف قائلًا:
- بص يا سيدي، بعد ما تعمل كل اللي قولت لك عليه ويشرح لك مشكلته، هتقول له ممكن حضرتك تنتظر من دقيقتين لأربع دقايق لمراجعة البيانات؟ طبعًا مراجعة البيانات بتاخد ثواني، بس الأربع دقايق دول لو هتخش الحمام أو تاكل لقمة، أو حتى تصلي ركعتين قضاء حاجة بأن ربنا يتوب عليك من الشغلانة! تعمل اللي تعمله، المهم معاك أربع دقايق بالعدد.

هز «طيف» رأسه بتفهم، ونهض من مكانه قائلًا:
- طيب، أستأذنك بقى من دقيقتين لأربع دقايق لمراجعة البيانات.
رفع «أحمد» أحد حاجبيه وقال:
- بيانات إيه؟

تحرك وهو يقول:
- داخل الحمام، وراجع لك تاني، خليك معايا على الخط.
رحل بينما خبط «أحمد» كفيه ببعضهما وهو يقول:
- الواد ده يا إما بيتريق، يا إما اتقمص الشغلانة!

تعليقات