رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثالث والعشرون
صدى ضحكاتها يخترق أذنيها بقسوة، ضحكات عادت بها إلى سنوات تغلبت عليها بالتناسي وإرهاق عقلها بالمسؤولية التي فُرضت عليها، وكان عليها أن تتخطى كل ما مضى وأن تكون مثل جدتها، امرأة قوية لم تهزمها الأيام يوماً، وهذا ما أخبرها به جدها ذات ليلة لأنه يرى فيها صورتها.
انسابت دموعها وهي نائمة مع اقتحام لقطات من الذكريات ذاكرتها:
«معرفش أنا بكرهك ليه، طفلة عندها كل حاجة، أنا هخليه يكرهك ويحطك في مدرسة داخلية.»
«أنت مدلع البنت دي أوي يا أسامة، لو خلفنا طفل ممكن تكرهه لما تلاقيك بتحبه أكتر منها.»
«بحاول أكون أم ليها لكن هي بتكرهني، حتى أمك بتكرهني وكأني خطفتك من مراتك.»
«ماما مروة طيبة يا زوزو، حاولي تحبيها عشان خاطر بابا.»
وهي كانت ترفض حب امرأة خبيثة مثلها، امرأة كان غلها مخيفاً عن عيون والدها.
«أنت وعدتني يا بابا إن ما فيش واحدة هتاخد مكان ماما، وأن محدش هياخدك مني.»
«مين بس يا زوزو يقدر ياخدني منك، ده أنتِ أميرتي الدلوعة.»
«أنت ممكن تجيب ولد أو بنت غيري تحبهم أكتر مني وتنسى زوزو يا بابا.»
ووالدها يسرع في احتضانها أمام أنظار تلك التي تتلصص على حديثهما:
«ما فيش حد يقدر ياخد مكانتك يا حبيبة قلب بابا، زوزو هتفضل بس أميرة بابا ولا حد هيتقارن بيها.»
تبتسم لوالدها وتنام في حضنه مطمئنة، وتنسحب تلك الواقفة والحقد يتغلغل في قلبها:
«طفلة مكارة، يا أنا يا أنتِ.»
انتفض جسد زينب بنفضة قوية اجتذبت انتباه حورية التي كانت واقفة مطأطأة الرأس بعد أن أنهت حديثها مع الطبيب عن مؤشراتها الحيوية ووضع الجنين.
ـ دكتور عمر، دكتور عمر!
صاحت بها حورية بذعر على الطبيب الذي غادر للتو الغرفة.
ارتجاف جسد زينب القوي أصابهم بالفزع، فالحالة مستقرة بعد معاينتهم لها وإجراء اللازم، ونومها ليس إلا بسبب المخدر الذي أفقدها وعيها.
ـ هو حصل إيه خلا جسدها يتنفض كده؟
تساءلت حورية بنبرة صوت مهزوزة بعد أن توقف جسد زينب عن الارتجاف.
ـ الوضع مستقر يا دكتورة متقلقيش، لكن الظاهر إن مدام زينب اتعرضت لصدمة قوية، لأن زي ما قولت لحضرتك من شوية مادة التخدير مش بتستخدم غير لأغراض معينة، ومن كلامك إن اللي حصل ليها حادثة مدبرة ونجيت منها.
هزت حورية رأسها وهي تضع يدها على شفتيها، فهي حتى هذه اللحظة لا تستوعب ولا تفهم ما كاد يحدث لحفيدها ولها.
....
صمت تام سيطر عليها وقد أراحت رأسها على زجاج نافذة السيارة وأغلقت عينيها، مما جعله في حالة من الذهول ولا يصدق حتى هذه اللحظة ما رآه بعينيه؛ فزعها على زينب وصراخها عندما وجدتها ملقاة أرضاً في تلك الشقة وشاحبة الوجه.
صدح رنين أحد الهواتف التي يمتلكها، فأسرع بالرد على أحد رجاله:
ـ يعني ده كان تبع صالح الزيني؟
ثم ضحك ساخراً وقال:
ـ مختار ناس مبتعرفش تقوم بدورها كويس!
ثم أردف بعد أن زفر أنفاسه بقوة:
ـ لا متدوروش على الست صاحبة الشقة لأني عارف إن ورقتها خلاص اتحرقت ولعبت مع الشخص الغلط.
ولأنه أكثر الناس دراية بوالده، فورقة مروة المدعوة بـ "إنجي" سينتهي منها عدنان الهتيمي.
فتحت أشرقت عينيها ونظرت إلى الطريق الذي تسلكه السيارة، ومن ورائهم كانت إحدى السيارات التابعة لرجاله تتبعهم.
ضاقت حدقتاه فجأة عندما استمع إلى ضحكاتها التي أتبعها تصفيقها بيديها.
رمقها بطرف عينه بغرابة، فهي كانت صامتة منذ أن غادروا المشفى ولم تنطق حرفاً ولم تتساءل عن شىء.
لم يعلق في بادئ الأمر، لكن مع استمرار ضحكاتها تساءل بنبرة متهكمة:
ـ ما تقوليلي بتضحكي على إيه؟ يمكن أضحك معاكي، ولا أنتِ اتجننتي خلاص؟
احتدت نظرة عينيها رغم استمرارها بالضحك، ثم تحدثت بلا وعي:
ـ أنا كنت خايفة على زينب، معقول طلعت بحبها؟ أنا مبحبش حد، أنا مبحبش حتى نفسي!
تجمدت قسمات وجهه واهتزت يداه القابضتان على عجلة القيادة ثم نظر إليها.
ـ أنت مستغرب صح؟ أنا برضو مستغربة نفسي، أنا مبفرحش لما الأذى يوصل أني أشوف حد ممكن يموت، أنا كنت بفرح لما بلاقي نفسي مميزة عنها وهي منبوذة، أفرح لما أضايقها بالكلام.
شعر مراد بالاختناق عند توقف عقله على ما قالته: «أنا مبفرحش لما الأذى يوصل أني أشوف حد ممكن يموت.»
«أحلى شعور ممكن تحسه لما تصوب سلاحك في المكان الصح وفجأة...» هذا أول درس علمه له والده في أول مرة يعطيه فيها السلاح بعد أن قتل أحدهم، وبعدها بدأ والده يصنع منه رجلاً شبيهاً له، يسعده رؤية الآخرين وهم يطلبون منه الرحمة ما داموا خالفوا قوانينه.
ـ أنا مطلعتش وحشة أوي ولا مريضة زيك بفرح بأذى غيري.
أظلمت حدقتاه وصرخ عليها حتى لا يسمع لها صوتاً:
ـ اخرسي بقى، اخرسي بدل ما أوقف العربية وأسيبك هنا وأكون ارتحت منك خالص!
دارت عينا أشرقت بالطريق المظلم الذي تسير به السيارة، ورغماً عنها ارتعش جسدها بالخوف.
عادت إلى صمتها وشرودها ولم يشغل عقلها حتى الآن سوى حقيقة مشاعرها نحو زينب؛ فغيرتها نبعت من رؤيتها لـ زينب تستحوذ على حب جدها، وتلك المقارنات التي كانت تضعها والدتها بينهن أو بين قريناتها حتى تجعلها ترى أن لا واحدة فيهن تشبهها أو تنافسها.
....
انتفضت زينة من الفراش فور أن انفتح باب غرفتها، ابتلعت ريقها من شدة الارتعاب وهي ترى نظرة خالتها لها ثم اقترابها منها.
ـ فين ورقة الجواز العرفي؟
تساءلت بها إلهام وهي تتفرس خلجات وجهها، فأسرعت زينة بخفض رأسها وغمغمت بصوت لا يُسمع:
ـ معاه.
صرخت إلهام عليها وهي تقبض على كفوف يديها بقوة حتى لا تكرر أمر ضربها:
ـ بسألك فين ورقة الجواز العرفي؟
أجهشت زينة بالبكاء وارتجف جسدها من الخوف وردت بنبرة صوت مرتعشة:
ـ معاه، معاه هو ، هو قالي إنه حرق الورقة.
أطرقت إلهام رأسها واشتعلت عيناها بالوعيد:
ـ ضحك عليكي إزاي؟
مسحت زينة دموعها بأنامل مرتعشة وحدقت نحوها.
ـ قولت ضحك عليكي إزاي؟!
لم تعهد بحياتها غضب خالتها، فدوماً تحاوطها بالحنان.
اندفعت إلهام صوبها ثم شرعت في هزها بعنف صارخة بعد أن فقدت صبرها:
ـ أنتِ بتداري على عملته ليه؟ فهميني ليه؟ أهو بقيتي بطفل ابن حرام حتى مش عارفين نتخلص منه!
أغلقت زينة عينيها بوهن، فلم تتخيل أن تكون النهاية هكذا.
ـ مش هيرضى يتجوزني، هو محبنيش، أنا جريت وراه عشان كنت بشوفه راجل حنين بس هو كمان مطلعش حنين وطلع شبه عدنان ومراد.
تمتمت بها زينة بصوت مخنوق بعد أن تذكرت ليلتهم الأولى عندما شبهها بفتاة الليل لاكتشافه أنها ليست عذراء.
توقفت إلهام عن هزها وتجمدت ملامح وجهها.
ـ خلينا نسافر يا خالتو ونبعد من هنا، لو بطني كبرت عدنان ومراد هيموتوني وهيموتوه.
....
تجلجلت ضحكات قصي بعد انتهائها من ثرثرتها التي أفصحت فيها دون انتباه عن رغبة والدته ووالدتها في التأكد من إتمام زواجهم.
ـ أنا ليه كل ما أقول حاجة تضحك؟ لو أنا بحكيلك نكتة عرفني!
التقط قصي أنفاسه بعد أن توقف عن الضحك ثم خلل أصابعه في خصلات شعره قائلاً:
ـ ما أنا بعد كلامك ده بالذات فهمت تلميحات مرات عمي ليا.
قطبت سما حاجبيها بدهشة وتركت ما تلتهمه من شرائح تفاح متسائلة بغباء صار يستمتع به:
ـ لمحتلك بإيه؟! ما التلميحات النهاردة كانت كتير حتى جدو لمح!
لم يتمالك قصي نفسه وقهقه بقوة.
ـ أنت بتضحك على إيه تاني فهمني؟
هتفت بها حانقة ثم قوست شفتيها بعبوس.
ـ ما تسيبيني أضحك على خيبتي.
وأردف وهو يشيح وجهه عنها حتى لا يضحك:
ـ بقولك إيه يا سما، قومي اعملي لينا فشار، ولا أقولك قومي نجهز الشنط ونسافر أي مكان لحد ما الإجازة بتاعتي تخلص وأرجع الخدمة لأن ده أفضل قرار.
عدم ردها عليه جعله يلتفت إليها متعجباً من صمتها المفاجئ:
ـ أنتِ يا بنتي مالك مبحلقة فيا كده؟
استمرت في تحديقها نحوه، فعقد حاجبيه صائحاً وهو يطرقع أصابعه أمام عينيها:
ـ سما، أنتِ يا بنتي!
نفضت رأسها سريعاً ثم هربت بعينيها حتى لا يبصر توترها وتساءلت بتلعثم:
ـ هو أنت كنت بتقول إيه؟
رمقها قصي بنظرة ملتوية واقترب منها ثم باغتها بالتقاط ما تبقى من شريحة التفاح التي بيدها متسائلاً بخبث:
ـ هنسافر ولا هنسيب الشيطان يجرنا لحاجة مش تمام؟ وأنا عن نفسي هرحب إن يكون الشيطان ثالثنا.
انطلقت شهقة قوية من شفتيها بعد أن فهمت ما يرمي إليه لتدفعه من أمامها قائلة بحنق:
ـ أنا كنت فاكرة إنك غلس بس، لكن طلعت غلس ومش محترم.
ضم كلا حاجبيه ثم صدحت ضحكاته مجدداً وقال وهو يتجه وراءها:
ـ غلس ومقبولة، لكن مش محترم؟ هي البت ديه هابلة!
...
خلع صفوان عويناته الطبية عند دخول حورية التي اتجهت بأنظارها بلهفة نحو يزيد النائم على الأريكة.
ـ صفوان أنت متأكد الولد كويس؟
تنهد صفوان بإرهاق، فهذا السؤال تسأله له كلما وقعت عيناها على يزيد.
ـ حورية يا حبيبتي تفتكري الولد لو كان في حاجة كنت اتعاملت مع الموضوع بالهدوء ده؟
استندت حورية بيديها على طاولة مكتبه تتساءل بصدمة:
ـ تقصد إنك هتعدي اللي حصل كده من غير ما نعرف مين ورا ده؟
أطلق صفوان زفرة طويلة ونهض من وراء طاولة مكتبه ثم ألقى بأنظاره نحو يزيد:
ـ مين قالك إني ساكت يا حورية؟ لكن اللي عرفته وهيخلينا نسكت عشان خاطر زينب إن ده كله حصل انتقام من زينب.
أسرعت حورية بوضع يدها على شفتيها ونظرت نحوه بذهول:
ـ اقعدي واسمعيني لأن الحادثة ديه ماينفعش بابا يعرفها لأنه مهيصدق يرمي الاتهام على زينب.
تهاوت حورية بجسدها على المقعد القريب منها، فهي كانت تظن أن ما حدث انتقام من أحد شركاء العمل.
ـ صاحبة الشقة اللي زينب كانت فيها شقة مرات أبوها، الست ديه اختفت بعد وفاته من سنين.
زاغت حورية بأبصارها وما زالت الصدمة مسيطرة عليها:
ـ إزاي يا صفوان أنا مش فاهمة حاجة، وليه الست ديه ظهرت دلوقتي وفكرت تأذيها؟ وإزاي زينب مقالتش حاجة لينا زي ديه؟
أطرق صفوان رأسه، فهذا ما أخبره به مراد زوج ابنة عمها وأكد عليه الرجل الذي كان مكلفاً بتتبع هذه المرأة من قبل صالح:
ـ زينب مكنتش تعرف إنها هي، واللي فهمته إنها اتشوهت في حادثة قديمة بعد هروبها من مصر وعملت عمليات تجميل فعشان كده زينب معرفتهاش.
انتفضت حورية من المقعد الجالسة عليه وأخذت تدور حول نفسها بدون هوادة:
ـ أنا مش قادرة استوعب إن في حد ممكن يعمل كده!
أجابها صفوان وهو يمرر يده على عنقه:
ـ زينب الوحيدة اللي عندها التفسير، لما تفوق أكيد كل حاجة هتوضح وهتقدر توصلنا لمكان الست ديه.
التفتت حورية إليه بفزع:
ـ إياك تسألها عن حاجة في الوقت الحالي يا صفوان، أي ضغط نفسي عليها ممكن لا قدر الله تجهض الجنين.
خفق قلب صفوان بوجل، فاستطردت حورية قائلة بعد أن جثت على ركبتيها قرب يزيد:
ـ زينب نفسياً مش هتكون مؤهلة لأي كلام يا صفوان ولا حتى يزيد.
هز صفوان رأسه باقتناع ثم خرجت زفرة ثقيلة من شفتيه:
ـ زينب لازم تعيش معانا في الفيلا لحد ما نلاقي الست ديه ولحد كمان ما تولد.
حدقت به حورية بنظرة فهمها سريعاً:
ـ متقلقيش، بابا هو ده اللي عايزه، عارفة لو صالح وزينب عاشوا معاه هيبطل يضايقهم يا حورية.
...
نفض مراد رماد سيجارته وهو يحدق في عقارب الساعة المعلقة على الجدار أمامه، ثم أغلق عينيه مسترخياً ومترقباً بداية عراك قوي مع والده الليلة ربما ينتهي هذه المرة بنهاية غير متوقعة.
فتح عينيه فجأة بعد أن استمع لصوت الضجيج بالخارج، وقبل أن يلتقط سلاحه الذي يضعه أمامه اقتحم والده ورجاله المنزل.
ـ قولتلك متلعبش معايا كتير لكن أنت مصمم تقف قصادي!
استدار مراد ناحيته بعد أن التقط سلاحه سريعاً، فأسرع عدنان بتصويب سلاحه عليه.
هزَّ مراد رأسه ساخراً عند رؤيته لرجال والده يصوبون أسلحتهم عليه وقد اندهشوا من وجوده وحده بالمكان دون رجاله:
ـ لأ وواقف كمان قصادك لوحدي من غير رجالتي يا عدنان باشا!
قالها مراد بنبرة صوت مستهدفة وهو ينظر نحو رجال والده، فتجهم وجه عدنان وصاح بحدة وهو يدفع السلاح جهة صدره:
ـ قلتلك مش هأذيها بس تبعد عن الموضوع، أهو بغبائك خطتي باظت والأرض اللي كنت هخلي شاكر الزيني يتنازل عنها ضاعت من إيدي!
ببرود ردَّ مراد وهو يزيح السلاح بعيداً عنه:
ـ هو أنت برضو يا باشا مشيت الخطة زي ما اتفقنا؟ قلتلك زينب خط أحمر!
اخترق اسم زينب مسامع تلك الواقفة أعلى الدرج، وتساءلت بصوت واهن:
ـ ليه زينب خط أحمر؟ ليه خليتني أروح معاك النهاردة عشان تنقذها؟
تجمدت ملامح مراد، فهو قد نسي أمر وجودها معه.
ارتخت ملامح عدنان وأشار إلى رجاله أن يعيدوا أسلحتهم إلى أماكنها ويتراجعوا، ثم افتر ثغره عن ابتسامة منتشية عند سماعه لصوت أشرقت:
ـ مرات باباك قالتلي إن في حاجة بينكم بتجمعكم بس إزاي؟ أنا بكره زينب لكن مصدقش إنها تكون خاينة!
بدأت أخيراً أشرقت تستوعب ما حدث وذهابهم إلى البناية التي تعيش فيها زينب بعد أن أتاه ذلك الاتصال الذي جعله يسابق الزمن حتى يصل إليها وينقذها هي وابن زوجها.
استدار عدنان بجسده ثم نظر جهتها وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة:
ـ مرات ابني العزيزة هنا! أنا سعيد إنك بتشوفي وساختنا صوت وصورة.
كاد مراد أن يخرس والده عن الاسترسال في حديثه، لكنه كان يعرف أن والده الليلة لن يغادر إلا بعد أن يقلب الطاولة على رأسه ويجعله يدفع ثمن فعلته بطرقه الرخيصة.
اتجهت نحوهم وهي ترتعش وقد ظهر على وجهها الشحوب ونظرت إليهم:
ـ في الأول كنت أنا هدفكم ودلوقتي زينب، أنتوا عايزين إيه؟
صدحت ضحكات عدنان عالياً وقد راق له تساؤلها الذي أدهشه وخيب توقعاته:
ـ ما هي حبيبة القلب وكانت هتكون مكانك يا بنت المستشار لكن للأسف بقيتي أنتِ.
جحظت عيناها من الصدمة وتقابلت عيناها مع عيني مراد ولم تجد فيهما الإنكار:
ـ عرفتي خلاص؟
انهمرت الدموع على خديها وهزت رأسها رافضة الحقيقة التي لمرات كادت أن تصدقها لكنها كانت تسأل نفسها: كيف اجتمعوا وكيف أحبها؟
أشار عدنان إلى رجاله حتى يغادروا، فالليلة ستكون مع ابنه ممتعة.
ضاقت حدقتا مراد عندما رأى رجال والده يغادرون، فاتجهت أنظاره نحوها وسرعان ما كان يباغتها باجتذابها إليه وضغطه على عنقها بالطريقة التي يتدربون عليها باحتراف قبل أن ينفلت سؤال آخر منها ليس مستعداً له.
ابتسم عدنان باستهزاء وهو يراه يحملها على ذراعيه صاعداً بها إلى أعلى بعد أن أفقدها وعيها.
...
فور وصول عزيز إلى تركيا بعد أن انتهت زيارته السريعة لابنة شقيقه في كندا، اتجه إلى المشفى حتى يطمئن على حالة نيهان التي لا تحسن فيها، وأمل عودته للحياة صار يحتاج لمعجزة.
سار في الطابق الذي توجد فيه غرفته بخطوات ثقيلة ثم وقف محدقاً نحو نارفين التي غادرت للتو من عنده باكية، ثم أخذت صغيرها من ذراعي صديقتها التي تقف تنتظرها:
«سيستيقظ بابا يا صغيري، لن يتركنا.»
ارتجف قلب عزيز من شدة الألم وتساءل داخله: هل سيكون سعيداً إذ أنجب طفلاً ثم يتركه ويرحل قبل رؤيته؟
ـ لا تبكي حبيبتي.
قالتها لها صديقتها وهي تربت على ظهرها، فاستمرت نارفين بالبكاء وهتفت بصوت متحشرج:
ـ اشتقت إليه، أخبرته أن يعود لي ولن أزعجه مجدداً أو أضايقه بأي شيء.
واليوم كانت صورة جديدة تظهر له أن النساء لَسْنَ متشابهات، وأن ما اقتنع به لسنوات طويلة ليس إلا غِمامَة قرر وضعها على عينيه.
...
نظر هشام نحو الرقم الذي يلح بالاتصال عليه ، انقطع الرنين لدقائق ثم عاد المتصل إلى إلحاحه.
شحب وجهه عندما عرفته المتصلة على هويتها.
...
عليه أن يقطع هذا الشك وتلك الأفكار التي لا تترك عقله، وهذا ما قرره العم سعيد اليوم بعد مغادرة شهد إلى الجامعة.
تعجب الحارس مسعد عندما وقف العم سعيد أمامه قائلاً:
ـ بقولك إيه يا مسعد، أنا رايح مشوار واحتمال أتأخر، ولو شهد رجعت قبلي كلمني.
