رواية اشباح المخابرات الفصل الثاني عشر
تناول بنهمٍ ما قدمته له، ومازالت تستند على كفها وتراقبه بحب وفرحة أن ما صنعته نال استحسانه، وبالرغم من سعادتها الا أن قلبها كان يوخزها بألمٍ أن ظروف عمله تمنعهما من اللقاء أو حتى من أن تصنع له الطعام الذي يفضله.
تنهدت "مارال" بحزنٍ، وتطلعت للشلال المرتفع بنظرة مشتتة، حتى أتاها صوته الرجولي الرخيم، يقرأ تنهيداتها وما بباطنها:
_بكره لما تبقي على عصمتي هتملي من شوفتي، ومن طمعي في طلب أصناف كتيرة من الاكل لدرجة انك هتترجيني أرجع أكل من إيد ياسين من تاني، بس أنا هصمم وهصر لأن نفسك وإيدك نفسها في أي حاجة بتخليها تنزل في قلبي قبل معدتي.
استدارت تجاهه بابتسامةٍ مشرقة، ورددت بمزح:
_على فكرة مش من العدل إنك تستخدم قدراتك عليا يا حضرة الظابط، مليت وسطكم بجد، بابي، عمي، مرين، وحتى إنت، أنا بحس إني مكشوفة قدامكم بشكل صعب، كأني قاعدة في محكمة وكل فعل هيتأخد عليا!
تحررت ضحكته بصوتٍ مسموع، جذب المناديل يجفف يده ثم أبعد الطعام وزحف جوارها، منحته نظرة تحذيرية، فرفع يديه للأعلى كأنها تثبته بسلاحٍ:
_في مسافة بينا أهو، وإزازة مية في النص كمان أعمل إيه تاني!
عبثت باستهزاءٍ على مكره، وعادت تتطلع لغروب الشمس بإعجابٍ، ثم عادت ببصرها صوب بقعة الزهور الحمراء، المتطرفة على مسافة من أسفل الشلال، تابعها "زين" وتساءل:
_عجباكِ؟
لفت رأسها له وقالت:
_هي جميلة بس أنا مستغربة إزاي في ورد بيطلع بمكان قريب أوي من الشلال كده، أكيد دي زهور نادرة لأن مفيش حد ممكن يجازف وينزل كل ده عشانها.
طالت نظراته لها وابتسم:
_زيك تمامًا نادرة وبعيدة عن أي حد، بس مش عني يا مارال.
حركت ساقيها المتدلية خارج الشلال بابتسامة رقيقة:
_رجعنا للوقاحة تاني! كمل أكلك يا زين.
مال برأسه لها وبتحدٍ قال:
_مهما كنتِ بعيدة هوصلك، ومصيرك هتميلي برأسك ومش هتلاقي غير حُضني.
ونهض يستقيم بقامته الطويلة، ومن ثم تراجع للخلف وهرول مسرعًا للأمام، تلاشت ابتسامتها وحل الرعب ملامحها بينما تهتف بخوفٍ:
_بتعمل إيه يا زيـن؟!
قفز من فوق الشلال أمام عينيها، فصرخت وهي تتراجع للخلف رهبة:
_زيـــــــــــــــــن!!
صعقت "مارال" وهي تراه يقفز من محل للآخر بسرعةٍ وقوة جعلت مُقلتيها تتسعان في صدمة وانبهار، كانت تخشى عليه من صعوده لغرفتها والآن بعد أن قفز من تلك المسافة الكبيرة علمت بأنه كان محقًا حينما كان يخبرها بأنها لم ترَ قدراته بعد.
قطف "زين" الكثير من الورود، ومن ثم عاد بنفس الطريقة التي قفز بها، حتى جلس جوارها يقدم الباقة:
_اعتبريها مكافأة الأكلة اللذيذة دي.
وزعت نظراتها بينه وبين ما يحمله وهمهمت:
_مجنون.
بابتسامةٍ عريضة قال:
_بيكِ يا كوكيز قلبي!
تبدد غضبها لابتسامة جذابة، فحملتها عنه تشم عبيرها بسعادةٍ وعشقه يلمع بين مُقلتيها حتى وإن عجز لسانها عن توضيح ذلك.
انتهت أجمل أمسية جمعتهما، وها هو يفتح باب السيارة لها بعدما تخفى باللحية والكاب والنظارة. هبطت وهي تتبسم له بينما يمنحها نظرة صارمة، تذكرها بحديثه عن تعاملها معه على أنه شخص غريب عنها، بينما تستغل هي احترامه وقيوده بالتعامل لتثير غيظه.
حمل "زين" الحقائب وصعد بها حتى الطابق الخاص بغرفتها، وضعها على الباب وودعها ببسمة سلبت قلبها. وبينما يتجه للسيارة بالاسفل، خفق قلبه تمردًا وأرغمه على التطلع للأعلى، فإذا بها تقف بالشرفة، تضم الزهور، وتودعه بأعين دامعة، وشفتيها تهمسان بشيءٍ والثقة تحتل قسماتها الرقيقة بأنه سيتمكن من قراءة ما ستقول
«بحبــــك!»
ابتسم وردد وهو يحني رأسه بنظرة خاطفة
«وأنا بعشقك!»
*****
انحنى على ركبتيه ورنا صوبها، يناديها للمرة الثالثة، ولكنها مازالت تدفن رأسها بين ساقيها ودموعها تنهمر، لم يخرج عنها صوت ولكنه رأى عينيها الحمراء تحتفظ ببقايا دموع كادت أن تدمي قلبه.
لأول مرة يراها تبكي، لدرجة أنه ظنها لم تبكِ بحياتها قط، ويا ليته لم يرَها، شعر وكأنه سيحرق العالم بمن فيه وبالأخص من تسبب ببكاء عنيدته، حبيبة قلبه.
رفع يده وقربها إليها، وقبل أن يلامسها، أبعدها بضيقٍ من أنه يخترق أمانة قائده، وقبلها خوفه من الله عز وجل حتى وإن كان يعتبرها زوجته أمام الله، أبعد كفه وناداها برفقٍ:
_مـرين!
رفعت رأسها إليه تتطلع له بوجعٍ، فقال وهو ينحني صوبها بحنان:
_في إيه؟ مالك؟!
قربت الحاسوب منه وعادت تخفي ذاتها، تاركة دموعها تتصبب على وجهها، سحب "ياسين" الحاسوب يتفحصه باهتمامٍ، فانكمشت تعابيره غضبًا وازدراءا حينما وجد عشرات المقاطع التي يحتفظ بها هذا الشيطان له مع أكثر من فتاة، أغلبهم كان يسجل لقطات وهو يحقنهم بالعقار النسائي رغمًا عنهن، ولم يهتم لتوسلاتهن، ولا لدموعهن، وبعد دقائق معدودة كانت تقترب الفتاة منه بإرادتها!
أطبق "ياسين" على قبضته بقوةٍ كفيلة بضم تلك العائلة لسجلات الوفيات، وما زاده غضبًا فوق غضبه بكاء فتاته القوية، التي مالت صوبه تعبث بأزرار الحاسوب حتى فتحت من أمامه إحدى الملفات المغلقة، وتطلعت له تهمس بصوتٍ مبحوح زاد من وجعه:
_بنات وأولاد صغيرين يا ياسين!!!
توسعت مُقلتيه بصدمة، حينما رأى مقاطع مسجلة لأطفال بمدارس دولية مختلفة، فتح أكثر من فيديو وملامحه تزداد نفورًا وهلاكًا، لدرجة جعلته لم يستطع المواصلة، أغلق شاسة الحاسوب بعنف، وهو يردد بزئيرٍ مخيف:
_ولاد الكلب!
تهاوت دموع "مرين" وهي تخبره:
_ليهم علاقة بالقذارة اللي بقت منتشرة ببعض المدارس، في رسايل لاقتها هنا بين هارون الكلب وبين بعض المدرسين، بيبعتلهم مبالغ وهمية مقابل كل فيديو بيصوروه جوه المدارس، دول عصابة كاملة.
وتابعت بينما يحاول "ياسين" تهدئة ذاته والسيطرة على غضبه حتى يتمكن من امتصاص غضبها:
_مقاطع لأكتر من بنت وولد في كيجي، وأغلبهم بابتدائي، عقلي مش مستوعب اللي الكلاب دول بيعملوه في أطفال صغيرين، وفي منهم اللي لابسين أقنعة عشان طبعًا الاطفال ميعرفهمش بعد كده، مش عارفة إيه متعة الكلب ده انه يتفرج على القرف ده أكيد مريض نفسي!!
هز رأسه وهو يصرح لها:
_الفيديوهات دي مش للكلب ده بس يا مرين، رحيم زيدان قالها صريحة لينا وهو بيسلمنا المهمة، هدفنا مش بس عيلة التميمي، هدفنا اللي ورا الكلاب دول، الطريق هيكون طويل وصعب بس أنا جاهز أمشي فيه لو فيها هلاك الشياطين دول، وبابنا للدخول ليهم عند اتنين، هارون وعثمان.
زحفت صوبه تهتف بحقد ووعيد:
_سبني أقتله، ميستهلش إننا نسيبه حي يا ياسين.
هز رأسه بصرامة:
_هتضيعي تعب الفريق كله بما فيهم القادة، مرين سيطري على مشاعر الغضب اللي جواكِ، هدفنا أكبر من رقبة الكلب ده.
مالت بجسدها بالإتجاه الآخر وهي تقاوم انكسارها وغضبها، بينما يتفحص "ياسين" باقي الملفات، حتى وجد ملفين مغلقين، فسألها:
_دول مقفولين ليه؟
أجابته ومازالت توليه ظهرها:
_حاطط عليهم باسورد قوي، بس متقلقش مسألة وقت وهفتحهم.
هز رأسه بخفة، وعاد يغلق الحاسوب ويتابعها بحزن:
_طيب ممكن تتخطي اللي شوفتيه ده عشان نقدر نكمل في خطتنا، مكنش لازم تفتحي الفيديوهات وتوجعي قلبك بالمناظر دي.
لفت وجهها إليه، تقابله بعينيها الدامعة:
_والبنات اللي حصل فيهم كده قلبهم متوجعش! الاطفال الصغيرة اللي عملوا معاهم كده متوجعش قلبهم وإتأذت مشاعرهم!!
وأزاحت دموعها وهي تزحف إليه مجددًا، مالت على ركبتيها ونصبت عودها إليه:
_طيب خلاص بلاش أخلص على هارون دلوقتي، بس على الاقل وصل الملفات دي لبابي وخليه يتصرف، المدارس دي لازم تتقفل والكلاب اللي عملوا كده يتحاسبوا ويبقوا عبرة لغيرهم.
رد بعقلانية:
_مينفعش أي خطوة هنعملها هتكشفنا يا مرين، أنا عارف إنك غضبانة ومتضايقة من كل اللي شوفتيه، بس لازم تفكري كويس، الملفات اللي معاكي دي هي مجرد طرف الخيط لمصايب وجرايم أبشع من كده، لو غامرنا دلوقتي مش هنقدر نكمل مهمتنا ولا هنعرف نكشف باقي جرايمهم.
حركت رأسها باستسلامٍ، فأراد أن يكسبها ويبدد غضبها وعنادها تجاهه، خاصة بأن "زين" ليس برفقته ليساعده بالسيطرة عليها:
_مرين الموضوع أكبر مما تتخيلي، ومش واقف عند هارون بس، أنا لسه راجع من عند قدس، ونقلتلي كل اللي حصل جوه القصر، هارون أجبر واحد فيهم إنه يتجوز أخت تيام، وكمان كنان ده.
وببسمةٍ خبيثة قال:
_الصورة اللي عايزها عثمان بدأت تتصيغ للكل زي مهو عايز.
أزاحت دموعها وسألته بجدية واهتمام:
_صورة إيه؟
أجابها بمكرٍ يُدرس لضباط الجهاز:
_إن هارون الكل في الكل، وإنه بسبب تعبه اعتزل الملعب.
وأضاف وهو يتجه لجانب معتم بالسطح الداخلي:
_والطعم أكله كل اللي حوليه حتى قدس تخيلي!!
ولج من المدخل السري لغرفة التدريب، غاب عنها دقائق تركها تركز فيما قال، ثم عاد لها يحمل شيئًا ثقيلًا بين يديه بينما يستكمل حديثه:
_بيقدم هارون قربان عنه، وهو من مكانه بيحركه.
نهضت "مرين" ترنو إليه وقد راق لها حديثه:
_طيب إحنا ليه منركزش مع عثمان كلنا، لأن مهما كان قدس دي مش ليلتها، ومش هتقدر عليه لوحدها.
رفع السيف الذي يحمله يتفحص جراب الأمان الذي وضعه فوق سنه الحاد ثم قال:
_لما بنلعب الشنطرنج بنوقع البيادق، والفيلان، وبعد كده الوزير ، وبيجي الملك من بعدهم، وده بالظبط اللي هنعمله.
ورفع يده لها وهو يغمز بعسليته:
_جاهزة للتمرين عنيدة هانم؟
رددت بسخرية:
_تمرين!!
تعمق بعينيها المنعكسة بجاذبية أسفل ضوء القمر:
_أيوه، انتِ لما بتكوني متضايقة أو متنرفزة التمارين بتهديكِ، وأنا مش جاهز لقطع شجرة بالوقت الحالي.
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت باستنكارٍ:
_غريبة، معقول أنك هتتكرم وهتخالف الجسر اللي بتنبيه بينا يا عم الشيخ!
رفع ما يحمله وهو يجيبها بمكرٍ:
_لا أنا مبخالفش قوانين ولا بعدي جسر مش مُباح ليا، اخترت السيوف بحيث أحافظ على كلامي وعهدي للجوكر.
تابعت ما يحمله بابتسامةٍ رقيقة وقالت:
_دايمًا عندك حل لكل مشكلة.
مال للأمام بحركة الأمراء، وبتعالٍ قال:
_متشكر على الإطراء ده عنيدة هانم.
ووضع يده خلف ظهره بينما يمرر السيف لها:
_جاهزة؟
أمسكت بالسيف بسرعة مرعبة قبل أن يلامس الأرض، وتحركت أمامه بخفة:
_جاهزة جدًا يا قائد!
رفع سيفه للاعلى فركضت "مرين" صوبه تطرق أول طرقة سددها "ياسين"، وباتت الملحمة بينهما، لدرجة جعلتها تنسى كل ما خاضته وتندرج معه بتحدٍ ورغبتها بالفوز.
نجح بذكائه بسلبها من تلك الفجوة التي كادت أن توقعها، نشب بينهما قتال شرس، علم من طريقة قتالها بأنها تواجهه بعنف كأنها تستحضر فيه "هارون"، تنتقم منه على ما فعله، ومع ذلك خفف من قوته واستقبل غضبها بصدرٍ رحب!!
انحنت" مرين" وسلطت سيفها على موضع قلبه، وبالرغم من جراب الامان من حوله إلا أنها من شدة غضبها أصابته بجرحٍ لم ترَه من خلف قميصه الأسود!
أزاح "ياسين" سيفها ووضع حافة سيفه على مواجهة من رقبتها، ومن ثم يرفعها وهو يصوبه على ذقنها، وهو يبتسم لها بجاذبية وانتصار، ففاجأته "مرين" حينما تسلقت على فرع الشجرة بانسيابية ورشاقة، وقفزت لتصبح خلفه وسيفها على رقبته من الخلف.
تحرك كلاهما بمواجهة الآخر، وهو يهمس لها:
_الانتصار ده حققتيه عليا كـ هارون ولا كياسين؟
ضحكت بصوتٍ مسموع وتحركت أمامه بينما سيفها مازال مصوب إليه:
_عيب يا قائد، أنا مهما اختلفت معاك مش هيوصل الإختلاف للقتل.
وتابعت ومازالت تدور حوله، بينما يقابلها بثبات وثقة:
_إنت طلبت تهديني، وأنا مترددتش وانتقمت من الكلب ده، فاعتبرني هديت.
تركت السيف جانبًا وسحبت الحاسوب وهي تتحرك بخفة وسعادة:
_متتخيلش التمرين ده هون عليا إزاي، هنزل أحاول في باقي الملفات، تصبح على خير.
أوقفها بندائه ومازال يقف بثبات في محله:
_مرين!
استدارت تقابله بنظرة استفهام، فقال:
_لو فتحتيهم بلاش تتفرجي على المقاطع، ممكن؟
هزت رأسها بخفة وهي تمنحه ابتسامة خفق لها قلبه بجنونٍ، وسرعان ما غادرت إلى غرفتها، بينما ضم "ياسين" جرحه وإتجه لغرفة التدريبات، يعيد السيوف ويبحث عن عُلبة الإسعافات الأولية.
نزع قميصه وهو يتفحص إصابته، جرح لم يكن كبيرًا ولكنه عميق بعض الشيء، ابتسم وهو يتفقده هامسًا باستمتاعٍ:
_يا ويلك من عنيدتي الشرسة يا هارون، هتأكلك حي!
حمل بعض القطن والمعقم، وتابع تقطيب جرحه وهو يستكمل بسخرية:
_المفروض إني أتعامل معاها بحذر بعد الجواز!!
_ياسيـــن!!
استدار للخلف صوب صوتها المنادي، ضمت كفها تكبت به شهقاتها المنصدمة من رؤيتها للدماء تنسدل على بطنه، بينما يقطب هو جرحًا بدا عميقًا، رنت صوبه مسرعة وهي تهتف بذعرٍ:
_ده حصلك إزاي!!!
تذكرت ما فعلته من شدة غضبها، فأعادت خصلاتها للخلف بارتباك:
_آإ... أنا مقصدتكش إنت.
بابتسامة هادئة قال:
_عارف.
رددت بحزنٍ وندم بينما تتابع إصابته:
_أنا آسفة.
اتسعت بسمة الجذابة وقال:
_فداكِ.
أخفضت بصرها للجرح الذي مازال ينزف، وتساءلت بصوتٍ مهزوز:
_موجوع؟
راق له خوفها، ورائحة الحب تفوح منها رغمًا عن أنفها، تنحنح بخشونة وهو يخبرها:
_بذمتك ده جرح يأثر فيا!! المفروض بينا عشرة إصابات عمل ولا إيه؟
عادت تكرر أسفها حرجًا وألمًا مما تسببت به:
_أنا آسفة يا ياسين، بجد كنت متضايقة ومخدتش بالي.
وضع اللاصق الطبي، وإرتدى قميصه سريعًا حتى لا يجعلها تراقب جرحه فيشتد عليها إحساس بالذنب تجاهه، بينما يبرع بتبديل حديثهما:
_رجعتي ليه، كنتِ عايزة حاجة؟
هزت رأسها وهي تخبره:
_كنت عايزة أستخدم الجهاز بتاع زين، بس خايفة يكون الملفات عليهم فيروسات فيضره، وساعتها زين ممكن يتحول لنسخة أنكل رحيم ومحدش هيقدر يوقفه عن قتلي.
ضحك برجولية، بينما يتطرق لها:
_جاية عايزة حماية يعني ولا إيه؟
أكدت له بينما تربع يديها أمام صدرها:
_أكيد، مهو أنا مش هجازف بجهازي، وعليه برمجيات وإحداثيات هتفيدنا كلنا.
سحب جاكيته يرتديه من فوق قميصه ويتحرك معها للأسفل:
_خلينا نستغل غيابه المؤقت ونجرب.
اتبعته للاسفل حيث غرفتهما، وهي تفوه بقلق:
_ولو طلعت شكوكي صح وجهازه باظ، هنعمل إيه؟ زين في غضبه بيبقى مخيف.
وتابعت ببسمة تسلية:
_هتقدر تحميني منه يا قائد؟؟
توقف عن هبوط الدرج واستدار لها، يتعمق بزُرقتها وهو يهمس بعشق:
_قادر أحميكِ منه ومن الدنيا كلها يا مرين!
توترت قبالته والقشعريرة تسرى بجسدها، هبطت الدرج حتى وصلت إليه، فضرمتها مشاعر جعلت بشرتها تختمر بحمرة زادتها فتنة وجمالًا، سحب بصره عنها واستكمل طريقه للأسفل، حتى ولج لغرفتهما يجذب الجهاز الخاص ب"زين"، ويسلمه لها، التقطته منه ببسمة رقيقة ورددت تشاكسه:
_تضحية محسوبة ليك جناب القائد.
توالت ضحكته الجذابة وقال:
_كله فداء للوطن يا ميري، دعواتك بس أقدر أسيطر عليه لو لقدر الله الجهاز حصله حاجه.
فتحت الشاشة تراقبها بنظرة خبيثة:
_متقلقش هنقل كل اللي عليه على فلاشة، بس الأول أشوفه محتفظ بإيه؟!
خاطبها بصرامة:
_مــرين!!
ضحكت رغمًا عنها ورددت كأنها تلقن الدرس لأستاذها:
_خلاص مش هتدخل في خصوصياته، بس على فكرة كده كده هشوف وأنا بنقل الحاجة على الفلاشة ما أنا مش عامية يعني!
مال يستند على درابزين الدرج:
_شوفي من بره متفتحيش حاجة.
هزت رأسها في طاعةٍ، واستكملت طريقها للأعلى، بينما يتابعها هو ببسمة عاشقة حتى ولجت لغرفتها.
******
منذ عودتهما وهي تقف بالشرفة، ترفض تناول الطعام أو حتى التحدث إليه، خرج "نوح" لها وهو يحمل طبقًا من الفاكهة التي قام بتقطيعها لها، جاور وقوفها وقال بإرهاقٍ:
_وبعدين يا تالا، من ساعة ما رجعنا من الجامعة وإنتِ رافضة تأكلي، عشان خاطري كلي أي حاجة.
ومد صوبها الشوكة التي تحمل قطعة من التفاح، واجهته بعينيها الباكية، وعادت تتطلع قبالتها وشهقاتها الباكية تتعالى تدريجيًا، تنهد بقلة حيلة، وهتف بانزعاجٍ:
_عرضت عليكِ أروحله وأشرحله اللي حصل وإنتِ رافضة، قولتلك نكلمه وبردو رفضتي، طيب قوليلي أعمل إيه عشان مشوفكيش في الحالة دي.
وأضاف وهو يقبض على كفها برقةٍ:
_بالله متحسسيني إني عاجز كده، أنا أهون عليا الموت ولا إني أشوفك حزينة بالشكل ده.
انصاعت ليده التي تجذبها إليه، وهتفت بصوتٍ متقطع:
_غصب عني يا نوح، أنا مش متخيلة يومي من غير تيام، يومي كله بيتدي وبينتهي معاه، أكلي هو اللي بيعمله، دراستي هو اللي مهتم بيها، أنا حتى مكنتش بعرف أنام غير في حضنه.
أزاح دموعها بإبهاميه، ثم داعب وجنتيها وهو يشاكسها:
_وحُضني قصر معاكِ في إيه؟
لكزته بخجل، فضحك وهو يخبرها:
_ما إنتِ طول الليل نايمة في حضني يا تالا، والصبح كنتِ بتغريني نسيتي ولا إيه؟
دفعته للخلف وصاحت بطفولية:
_بطل كدب وافترا، إنت صدمتني إننا ورانا امتحان فكنت بجري زي الهبلة عشان ألحقه، وبعدين آآ... إنت كدبت عليا وقولتلي إنك مذكرتش وإنت اللي مغششني الإمتحان كله، يا كداب يا مخـــــــادع!!
ضحك بصوته كله، وتابع وهو يغمز لها:
_بتغيري الموضوع عشان تغطي على عمايلك، بس ماشي أنا قابل طالما هتكوني مرتاحة بالحوار.
وجذب الطبق والشوكة يقربها إليها:
_لو سمعتي الكلام وأكلتي الطبق ده هفاجئك بحاجة بتحبيها أوي.
نجح بجذب فضولها حول ما يقول، فسألته بحماسٍ:
_حاجة إيه دي؟
هز رأسه بإصرار:
_لما تسمعي كلامي هقول!
زمت شفتيها بضيقٍ، وتناولت ما يقدمه لها بصمتٍ، حتى أنهت الطبق مثلما أراد، فأزاحت دموعها ورددت:
_قولي بقا.
مد كفه لها فتمسكت به، ولج بها نوح إلى الداخل، ومن ثم قصد الخزانة، يجذب صندوقا ضخما، جذب منه زوجان من أحذية الاسكييت، ناولهما لها فاتشحت ببسمة واسعة، ورددت بلهفةٍ:
_ياااه بقالي كتير أوي متحركتش بيهم، تيام كان رافض أساسًا بسبب الواقعة الأخيرة اللي أخدتها وجرحت إيدي هنا قبل طلوعنا من القصر، فاكر؟
هز رأسه وعينيه تمر على ملامحها ببطء وعشق أوقظ مشاعرها له، بينما يهمس لها:
_وقعتي عشان مكنتش معاكِ، دلوقتي أنا هنا وجنبك خطوة بخطوة مستحيل أسيبك توقعي يا تالا.
تمردت عاطفتها لوعة له، يقترب وقربه بات خطيرًا إليها، ارتبكت أمامه كليًا، وقبل أن يتصل بها أوقفته حينما تهاوت دمعة من عينيها، بينما تصرح له بوجعٍ:
_عايزة ألبس فستان فرح يا نوح!
وخز قلبه بضراوةٍ، يعلم بأن ما قالته من حقها ومن حق أي فتاة طبيعية، تقبل رفضها التام له ببسمة مازالت تثبت عشقه لها وعدم انزعاجه مما فعلت، انحنى يجذب الأحذية ونهض:
_هتلبسيه وهتبقي أجمل عروسة يا تالا، ومش بس كده وتيموو هيكون حاضر فرحنا كمان.
ضحكت باستهزاء:
_بتحلم!
هز رأسه وهو يقبض على ذراعيها ويتحرك بها للخارج:
_لا عندي ثقة في كِنان، طالما قال هيحل الموضوع بالنسبالي اتحل.
تركته يغلق باب الغرفة واتجهت للدرج الجانبي المتصل بجناح "هارون" تود لو أستطاعت أن ترى رحيق بأي طريقة، علم "نوح" ما يجوب برأسها فأحاطها من الخلف وخطا بها للمصعد وهو يحذرها:
_وبعدين يا تالا، مش حذرتك من اللي بتفكري فيه ده وقولتلك مينفعش؟
استدارت تتطلع له بحزن:
_عايزة أشوفها ولو لمرة واحدة يا نوح، حاسة إن في حاجة كبيرة مستخبية، أكبر من مجرد ظلم هارون ليها، خليني أطلعلها من فضلك.
توقف المصعد بالطابق الأرضي، فمضى بها للخارج ومازال يحمل الأحذية:
_قولت لا، هارون مركب كاميرات ولو شافك مش هيسكت، بلاش تشني عليه حروب من أول أيام رجوع ليكي هنا يا تالا، خلينا بعيد عنه أحسن.
استسلمت لكف يده وخرجت خلفه للحديقة، حتى وصلا إلى الساحة المخصصة بالاسكييت والتي جُهزت خصيصًا ل"نوح" بناء على طلب "كِنان"، لتلبية هواية أخيه المفضلة والتي سبق له الفوز بسباقات محلية وعالمية خاصة به.
فرغت فمها بدهشة حينما رفعها" نوح" على السور، ثم انحني يلبسها زوجي الأحذية، ووقف بما ارتداه يقدم يده لها بحركة رومانسية كأنه يدعوها إلى ساحة الرقص:
_تسمحيلي؟
بقيت جالسة محلها، وباستحياء قالت:
_بقالي كتير ملبستوش، خايفة!
داهمها بقوله الناعم:
_مش وأنا معاكِ، مجرد ما إيدك تحُضن إيديا إنتِ في آمان يا تالا.
إبتسمت بحب له، وقفزت عن السور تضع يدها بين يديه، فتحرك بها بانسيابية حتى لفح الهواء وجهها، فتعالت ضحكاتها وبدأت تسرع في مشيتها حتى استعادت كل ما علمها لها "نوح" سابقًا.
فردت "تالا" ذراعيها حينما تمسك بها "نوح"، وبدأ يراقصها وهي تنصاع لذراعيه باطمئنان، تستعيد معه مهاراتها السابقة حتى بدأت تستوي بوقفتها قبالته.
لهثت أنفاسهما من فرط السباق الحاد، مالت على كتفه وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها:
_ياااه كنت نسيت كل ده، من وقت ما طلعنا من هنا وتيام رافض تمامًا إني أشتري أو حتى ألعبها.
دعم وقفتها حتى لا تسقط، بينما يردف:
_أنا عمري ما هرفضلك طلب أبدًا يا تالا.
وأضاف وهو يتحرك بها:
_جاهزة للسباق يا دكتورة؟
رددت ومازالت تتمسك به بخوف:
_لا طبعًا، سباق معاك إنت!! It's not fair(إنه ليس عدلًا!) حضرتك بطل ومحقق أرقام قياسية في السباقات إزاي أنا هتغلب عليك وأنا يدوب لسه بخطي!!
ضحك على حديثها وقال غامزًا بمكر:
_هلاعبك بمنتهى العشوائية لحد ما تكسبي، أنا جاهز أخسر قدامك!
قابلته بنظرة ساخرة وهتفت:
_وهحس إزاي انا بالإنتصار وهو مزيف يا دكتور.
زفر بضجر من التغلب عليها، فقالت وهي تتحرك بدلال:
_علمني واحدة واحدة زي زمان، لحد ما أقدر أواجهك وساعتها هدخل معاك في سباقات باستمرار، ها موافق؟
رد بصدر رحب وهو يدفعها برفق:
_موافق طبعًا.
غرد كلاهما وضحكاتهما تتشاركان كلما كاد أحدهما بالسقوط، بينما يتابعهما" كِنان" من بعيد، وهو يجلس على مقدمة سيارته، يبتسم من الحين والآخر كلما رأى ابتسامة أخيه، وفرحته الملموسة، استند بظهره وأعاد رأسه للخلف هامسًا:
_العالم يحترق من حواليهم وعصافير الكناريا في عالم منفرد!
اعتدل على دعسات حذاء تقترب منه، فإذا بحيدر حارسه الخاص يقف قبالته بجسده العملاق، كان يزن مئة وخمسون كيلو من فرط ضخامة عضلات جسده المريب، رأسه الحليق ونظراته الحادة كفيلة بسلب أرواح من حوله، تابع سيده وهو يبلغه:
_الرجالة جاهزة يا باشا.
هز "كِنان" رأسه، ومضى للسيارة يصعد للقيادة وهو يشير له:
_خليكم ورايا.
*****
بمكتب "هارون"
سحب هاتفه يشدد على أحد رجاله والشر يتراقص على ملامح وجهه:
_أول ما يوصل تنفذ اللي قولتلك عليه، مفهوم؟
وأضاف بما يعتريه من أفكار شيطانية:
_ولما يخرج إتأكد إنك بلغت رجالتنا وصمم تسوقله إنت، متخلهوش يسوق، عايزه حي مش ميت!!
أغلق "هارون" الهاتف وهو يبتسم بمكر، بينما يعود لحمل الهاتف ومحاولة الاتصال ب"مرين" للمرة العاشرة ولكن هاتفها كان مغلقًا مثلما أخبرت "صفوت".
******
استلم" كِنان" رئاسة توزيع السموم التابعة "للديزل" بأمرٍ منه، وها هو يعود للقيادة عن طريق مكتب "هارون" السري، المتحكم بتوزيع المخدرات وغيرها من المساحيق المخدرة التي يتم التجديد بأنواعها من الحين والآخر.
جلس على المكتب شاردًا بما اتفق به مع "تيام"، وعلى وعد بأنه سيأتي بالصباح إلى القصر، كان يخشى أن يضعف برؤيته ل" رحيق"، فهو يعلم أن "هارون" لن يمرر وجوده بسلام، ولن يترك فرصة يدمي بها قلب "تيام" إلا واستغلها.
تنهد وهو يلف بالمقعد بنفور، فاذا ب"حيدر" يدخل مكتبه ويخبره:
_الشحنة جهزت يا باشا، هتطلع معانا؟
قال ومازال يسترخي على مقعده:
_لا يا حيدر، أنا راجع القصر، محتاج أريح شوية عشان ورايا بكره مشوار، مهم بدري.
وأضاف وهو يضع له المفاتيح:
_إطلع إنت معاهم، وخلي مفاتيح الصناديق معاك، لو حصل غدر منهم إنت عارف هتعمل إيه؟
هز رأسه الضخم في طاعة، وسحب المفاتيح ثم غادر على الفور، بينما يحرك "كِنان" المقعد وهو يتأمل سقف الغرفة الكبيرة بتعبٍ، عقله مشتت ولا يجد طريقة مناسبة للتعامل مع "رزان"، يريدها وفي ذات الوقت يبعدها عنه، يريد حبها وفي نفس الوقت يخشى من أن يأُذيها.
أفاق من شروده على دخول العامل، يضع من أمامه الكوب وهو يقول بجمود:
_قهوتك يا باشا.
أشار بيده له ليغادر، ثم سحب رشفة منها، تجعد حاجبيه باستغراب من مرارتها، ولكنه استكملها لأنه بحاجة ان يسترد وعيه ليتمكن من العودة إلى القصر قبل أن تشرق شمس اليوم التالي.
نهض" كِنان" يسحب جاكيته، وإذا به يشعر بدوار حاد بدأ يهاجمه، ومع ذلك استند على الباب بقوة، فتح عينيه وهو يضم مقدمة أنفه بتعب غامض، ثم بدأ يتحسس طريقه حتى خرج لسيارته فمال عليها بإرهاق.
أتى إليه أحد الرجال التابعين ل"هارون" والمكلفين بحراسة المكان، يدعم وقوفه بمكرٍ بعدما تأكد من سريان مفعول ما وضعه له بقهوته:
_سلامتك يا باشا، مالك؟
رأى "كِنان" الصورة مشوشة كليًا أمامه، بينما يتابع الرجل بخبث:
_تحب أسوق أنا وأوصل حضرتك للقصر؟
أشار له باستسلامٍ، فدعمه حتى صعد بالمقعد الخلفي من السيارة، ومال برأسه للخلف بتعب شديد، بينما بالأمام ترتسم ابتسامة نبعت بالشر على وجه التابع، قاد السيارة بطريق معاكس لطريق المنزل، فاذا ب"كنان" يستند على المقعد وهو يتحدث بصعوبة:
_إنت رايح فين؟ ده مش طريق القصر!!
أوقف السيارة بطريقٍ مقطوع، ينطق فيه الشر بتبجح، بينما يهبط من السيارة ويغادرها حتى وقف أمام خمسة من المدرعات البشرية،ذوي الأجساد المصفحة، أشار بأصبعه صوب السيارة وعاد يذكرهم:
_خليكم فاكرين تعليمات الباشا، كسر إيد وإصابات سطحية، موت لا!
ملامحهم كانت إجرامية بشكلٍ مرعب، رأى "كِنان" ما يحدث واستمع لما قاله هذا اللعين، فعلم ما دبره "هارون" له ليسترد حقه الذي فشل بالحصول عليه بذراعه، نزع "كِنان" جرفاته بصعوبة، وهو يشعر بأن الألم يزداد في جسده تدريجيًا حتى أصبح كالمخدر تمامًا، ومع ذلك فتح باب السيارة وسقط منها يحاول استرداد قوته، أو حتى استخدام أجنحته للفرار من هنا، ولكن قوته كانت موقوتة بشكلٍ زاد من شكوكه حول القهوة التي تجرعها.
اقترب واحد منهم إليه، وسدد له ركلة قوية في بطنه جعلته يرتد بعيدًا وجسده يرتطم بحجارة ضخمه من خلفه، تآوه "كِنان" بألمٍ، وحاول أن يعتدل بجلسته بينما يرمق الخمسة بغضب، وهو يجاهد لاسترداد قوته، يُفضل الموت على أن تُهدر كرامته ورجولته، وهو الذي لم يجرُأ أحدٌ على المساس به.
رنا صوبه كبيرهم وأكثرهم حجمًا وقوة، تهاوى على وجهه بلكمةٍ جعلته يبصق الدماء من فمه، ويتآوه ألمه بشكلٍ حاد وما كاد بتكرار فعلته حتى آتاه صوت من خلف رجاله يردد:
_خمسة على واحد مش رجولة!
استدروا جميعًا للخلف، فظهر من أمامهم رجلًا ملثمًا بخوذة دراجته النارية ذات الطراز ياماها (Yamaha_yzf_R72024)، وبالرغم من أن ملامحه كانت مخفية عن الأعين إلا أن عضلات ذراعيه البارزان من أسفل تيشرته الأسود كانت تقص قوة مُقاتل ليس عاديًا بالمرة!
هبط من على دراجته، يقترب منهم بخطوات واثقة، فأشار كبيرهم الذي مازال يحاصر "كِنان" إلى أحد من رجاله، فأسرع يشير له:
_يا رجل لا تُقحم نفسك في ما لا يعنيك، غادر ودعك من الأمر.
تطلع ليده الموضوعة على صدره ثم عاد يتطلع له ببرود، وصاح:
_لو مسحبتش دراعك عني هترجع لأمك وإنت شايله!
ارتعب الرجل مما يقوله فسحب ذراعه عنه بسرعة، والرعب من غموض هذا الملثم بدأ بزرع التوتر بينهم، فإذا به يفرد أصابعه ويتهاوى على من أمامه بضربتين متتاليتين على صدره جعلته يبصق الدماء ويسقط أرضًا، فاذا به يبتسم وهو يخبره:
_لديك نزيف داخلي، أسرع لأقرب مشفى قبل أن يتطور بك الأمر لعملية جراحية خطيرة.
جحظت عين الرجل فزحف وهو يحاول النجاة بذاته من براثين هذا الوحش المفترس، صاح كبيرهم بتعصب:
_أُقتلوا هذا اللعين في الحال.
هاجمه الثلاثة على الفور، فنزع الخوذة وغادر بخطوات واثقة يعلقها على حافة الدراجة، ومازال يرتدي قفازاته السوداء، استدار يتابعهم بزيتونية عينيه بنظرات باردة، ثم في لحظة مضى إليهم بخطوات سريعة، وأول ما ناله أولهم ركلة اجتاحت صدره، ورفعة جسد "زين" وهو يتهاوى عليه بكسر اقتحم جمجمته وقبل أن يسقط جسده قال:
_يؤسفني أقولك إن النزيف المرادي صعب حد يتعامل معاه خطوة وملك الموت هيستقبلك.
وبالفعل ما أن ترك جسده حتى زحف مسافة قليلة ومات محله مما زرع الرعب في نفس الرجلين، فأخذ كلاهما يتطلعان لبعضهما البعض، ارتبك كبيرهم مما يحدث، فترك "كِنان" الذي يتابع ما يحدث وهو بين الإفاقة وفقدان الوعي، يرى قوة رجل مرعبة كأنه شبح يتنقل من مكانٍ لآخر بسرعة البرق وإصابته لا تخيب هدفها أبدًا.
صرخ كبيرهما فيهما:
_ماذا تنتظران، اقتلاه!
هاجموه معًا وبالرغم من أنهما محترفان في تصويب الضربات تجاه أجزاء حيوية من جسده إلا أن "زين" كان أكثر من محترف، كان نسخة أبشع من أبيه، من يراه يقسم بأن هناك شبحًا قد تلبسه فجأة، ليحوله من ذلك الهادئ لذلك المقاتل المرعب الذي تحولت الساحة من حوله لسيل من دماء ضحاياه، وحركات أصابعه تفتك بالجسد باصابات داخلية خطيرة تسقطهم في الحال.
احتدت معالم الكبير وهو يرى رجاله يسقطون واحدًا تلو الآخر وبعدما قيم ذلك الرجل علم بأنه ليس مقاتلا عاديًا أبدًا، ترك محل "كنان" وأخرج سكينه الحاد ثم رنا صوبه، طالعه "زين" بجمود ورفع كفه يشير له أن ينتظر، ابتسم وهو يهتف بغرور:
_خوفت وهتتراجع؟
ارتسمت بسمة ساخطة على وجه "زين" وقال:
_لا بديك فرصة إنك تراجع نفسك وتهرب، شعرك الأبيض ده وراه تاريخ قذر، وأكيد التاريخ ده صدر عنه أولاد، حرام يتيتموا، إيه رايك تروح تقضي السهرة معاهم؟
ضحك باستهزاء منه وواجهه بحقد وغضب، زم "زين" شفتيه بضجر، واستخرج من جيبه بعض العملات المعدنية، رفعهم يلهو بهم وفي لحظة صوبهم تجاهه وقفز يقف خلفه، وقبل أن يستوعب ماذا يفعل كان يمزق بهم رقبته، وبينما يستكمل طريقه تجاه "كنان" كان يسقط جثمان الاخر بالإتجاه المُعاكس الذي كان يقف فيه "زين" منذ قليل!!!!!
توسعت مُقلتي "كنان" في صدمة، لا يستوعب ما فعله هذا الرجل الغامض، سند "زين" ساقه أعلى الصخرة التي يميل إليها "كِنان" وسأله بصلابة:
_إنت كويس؟؟
حاول أن يستقيم بوقفته ولكنه سقط محله، مما دفع "زين" أن يرفعه بيده ويسانده حتى وصل به لمقدمة سيارته، وضعه فوقها ومال يخطف جاكيت "كِنان"، قدمه له" زين" وقال:
_خد موبايلك كلم حد من أهلك يجيلك.
واستدار ليغادر وهو يهتف بثبات:
_أنا دوري انتهى هنا.
أوقفه "كِنان" وهو يتحدث بصعوبة:
_إنت بتشتغل إيه؟؟
وقف محله وهو يبتسم بسخرية، ثم استدار له وهو يجيبه بمكر:
_إنت تبع الشرطة ولا حاجة؟
هز "كِنان" رأسه، فهز "زين" رأسه وبجمود ردد:
_أكيد يعني من اللي عملته وصلك شغلي، بس أنا في العادي مبمدش إيدي على أي جته إلا لما أقبض المرادي عملتها من باب الشهامة، أهو زكاة عن صحتي!
وأضاف وهو يشير له بتحذير:
_بس خد بالك انا ماليش في تصريف الجتت، يعني شهامة مني خلصتك، وإنت عليك تتاوي الجتت دي، أنا مش عايز وجع دماغ ولا أدخل في سين وجيم.
ارتسمت ابتسامة إعجاب على وجه "كِنان"، فمال يسند كتفه الذي يُؤلمه ويوقفه بلهفة:
_استنى أنا عايزك معايا.
عقد حاجبيه وزيتونته تتلألأ بسحرهما الفريد:
_معاك إزاي لامُواخذة.
دعم" كِنان" وقفته بصعوبة وقد بدأ مفعول المخدر بالزوال تدريجيًا:
_تشتغل عندي، شغلانه تليق بقوتك ومش هيتطلب منك غير اللي عملته من شوية، إنك تحميني، هتكون الحارس الشخصي بتاعي.
منحه نظرة ساخرة، وردد بهدوء وثقة تفوق من يجابهه:
_شكلك بعد النمرة اللي أنا عملتها بقيت معجب من معجبيني، بس للأسف هخذلك وأقولك عرضك مرفوض، سكة تنفيذ الأوامر وجو الباشوات ده ماليش فيه، أنا باشا نفسي ومفيش كلام نافذ عليا غير كلامي أنا!!
وتابع بكبرياء وشموخ يعادل شموخ الأسطورة بذاته:
_سلطان زماني وسلطان أي زمن أظهر فيه.
اتسعت ابتسامة "كِنان" وهو يزداد إعجابًا بهذا الشخص الغامض، فكسر حاجز الصمت بقوله:
_ وأنا موافق يا سيدي، مش هفرض عليك أوامر ولا هطالبك بشيء، هعتبرك شريكي أو صديقي، ولو على إنك تناديني بإيه فناديني كنان أو زي ما تحب، ها موافق؟؟
تحركت نواجذه بقوة بينما يزن حديثه بصمت مطول، ثم رد:
_هجرب، لو ارتحت تمام مرتحتش يبقى وداع من غير لقاء تاني يجمعنا.
هز "كِنان" رأسه بسعادة، وتساءل بفضول:
_اسمك إيه؟
ابتسامة ماكرة ظهرت عليه، فقال بغموض:
_فريد، شادي، مصطفى، الإسم اللي يعجبك ناديلي بيه.
تطلع له "كنان" بدهشة عارمة، فابتسم "زين" بخبث وقال:
_هو إنت فاكرني هديك اسمي الحقيقي بالبساطة دي، أعرفك منين أنا عشان أثق فيك! ما يمكن تطلع حكومة وعامل عليا الحوار المتفبرك ده!
ازداد إعجابًا فوق إعجابه به، وكأنه وجد الشخص الذي لطالما بحث عنه بين رجاله، حتى "حيدر" لم يكن بدهاء وقوة هذا الرجل رغم أن جسد "حيدر" يفوق جسد "زين" إلا أن قوته تحدثت عنه وأثبتت بأنه مختلفًا عما سبق.
زم "كِنان" شفتيه ورنا صوبه حينما هدأ الدوار الذي كان يهاجمه:
_بما إنك شايف نفسك سلطان فهناديك زي ما بتحب، سلطان إيه رأيك؟
هز "زين" رأسه دون مبالاة:
_ميضرش.
وتركه وإتجه إلى دراجته، صعد فوقها وكان يستعد للرحيل، اتبعه "كِنان" وأوقفه:
_اديني رقمك.
مال برأسه صوبه، وقال بصلابة وثبات رزين:
_هكررلك نفس الإجابة السابقة، أعرفك منين عشان أديك رقمي! مش يمكن تطلع حكومة بلبسك وهيئتك دي!
ضحك "كنان" بصوت مسموع، واستند على مقدمة الدراجة الفخمة الخاصة به، ثم قال:
_لا اطمن أنا بعيد كل البعد عن الحكومة وإلا مكنتش هتنقذني من المجرمين دول!
قابله زين بنظرة باردة وتمتم:
_شكلك لك في الشمال، عموما هات رقمك وأنا هبقى أرنلك أشوف حكايتك إيه؟
منحه "كنان" بطاقة خاصة به، وبلهفة سأله:
_تهترنلي إمته؟
تنهد بضجرٍ وردد:
_شكلك مش مريحني وبدأ أهو بحوار الباشا اللي بيأمر صبيه يكلمه بسرعة، صدقني طلبك مش عندي، أنا مش هكمل في مكان بيديني أوامر وأنا عليا التنفيذ!
أسرع "كنان" يفسر:
_ابدااا انا بس عايزك تبدأ معايا على طول.
وضع الخوذة فوق رأسه وتمتم:
_خلاص قولت هرنلك، متزنش بقى، يلا هسيبك تكمل السهرة وإنت بتصرف الجتت دي، سلام يا عم كنان!
غادر من أمامه كالشبح، تاركًا وابلا من الضحك يتجسد على وجه "كِنان" وهو يتساءل بصدمة:
_إيه الشخص ده؟! تركيبته إيه!!!!
ثم أرسل رسالة صوتية ل"حيدر":
_حيدر هبعتلك موقع تيجي عليه، هتلاقي 5 جثث اتخلص منهم وتعالالي عشان عاوزك.
وأضاف بعدما ترك هاتفه:
_حفرت قبرك برجليك يا هارون!!
