img { max-width: 100%; height: auto; display: block; } رواية اشباح المخابرات الفصل الثالث عشر 13 بقلم اية محمد رفعت

رواية اشباح المخابرات الفصل الثالث عشر 13 بقلم اية محمد رفعت


 رواية اشباح المخابرات الفصل الثالث عشر 


عاد "زين" والارهاق يتغلب منه بعد سفره الطويل، والمعركة الحتمية التي قضاها لانقاذ "كِنان"، ولج للداخل يتحرك صوب غرفته، فإذا به يلمح ابنة عمه تجلس على الطاولة أمام باب غرفتها بالأعلى، وعلى ما يبدو أنها تعمل على شيءٍ هام. 

صعد إليها وهو يتفحص الساعة التي تعلن عن السادسة صباحًا: 
_إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي يا مرين؟ 

ارتبكت حينما رأته، فلفت يدها للخلف تخفي الحاسوب الخاص به أسفل الوسادة، وتصنعت ابتسامة هادئة: 
_زي ما أنت شايف بشتغل، إنت اللي كنت فين؟ 

سند على الدرابزين وقال بإجهاد: 
_براقب وش المصايب اللي هيطلع ورا الليلة دي كلها، رحيم زيدان دايمًا له طلة في اختياراته ليا. 

وأضاف وهو يشير على حاسوبها: 
_وصلتي لحاجة؟ 

هزت رأسها ومالت بالشاشة إليه: 
_حاجات مش حاجة واحدة. 

فتح" زين" الفيديوهات بغضب وتقزز تجاه هذا الشيطان اللعين، وبينما هو يتفحصهم انتبه للملفين المُغلقين، فتساءل: 
_دول مقفولين ليه؟ 

رددت وهي تلعق شفتيها بارتباك: 
_عليهم فيروسات وبلاوي، جيت أشغلهم قفل اللاب زي ما توقعت، بس متقلقش على الصبح هكون فضتهم. 

زوى حاجبيه باستغراب: 
_بس اللاب شغال أهو. 

تصنعت ابتسامة رسمتها بالكاد، بينما تسحب حاسوبه من أسفل وسادة الأريكة القريبة منها: 
_لا ما ده عليه برمجيات مهمة، أنا مقدرتش أغامر بيه. 

_ثواني بس! ده اللاب بتاعي صح!!!!!

قالها "زين" مصعوقًا مما يراه، وخاصة حينما هزت "مرين" رأسها تؤكد له، جحظت عينيه بصدمة جعلت القادم غير مُبشر بالمرة، انتقلت نظراته الاجرامية لها، بينما تتراجع للخلف وهي تبتلع ريقها بتوترٍ: 
_زيـن اسمعني، آآ.. 

ابتلعت كلماتها حينما رأته يركض صوبها، فإذا بها تهرول للأسفل مسرعة وهي تصرخ بهلعٍ: 
_ياسيــــــــن!! 

أسرعت صوب غرفته، فصعقت حينما رأته يصلي قيام الليل الذي إعتاد عليه، صاحت "مرين" بضيقٍ: 
_ده وقته!! 

استدارت تراقب "زين" الذي سحب سلاحه، واقترب حاقدًا على وجودها بمكانٍ يحمل كلاهما: 
_إزاي تجرأي تمدي إيدك على شيء يخصني، وفوق كل ده ضيعتي كل اللي عليه!! ذكرياتي وحياتي وآآ...

رددت بنزقٍ: 
_ذكريات إيه دي، سيادتك متملكش الرخصة لسه إنك تحتفظ بصور لأختي، وبعدين بأي حق تعين عليها جاسوسة بتصورها بدون ما تأخد بالها، أنا اتصدمت فيك وفي قدس اللي جندتها لصالحك. 

هرول صوبها فصعدت فوق الفراش تتفاداه، لحق بها وهو يصيح بانفعال: 
_إنتِ مالك، حاشرة مناخيرك في اللي مالكيش فيه ليه؟ 

وقفت عند باب الغرفة تجيبه ببرود: 
_ليا كل الحق، دي أختي الصغيرة يا حبيبي! 

نهض عن الفراش يسرع خلفها، فركضت صوب المطبخ تتراجع للخلف وهي تحذره: 
_زين بلاش جنان وخلينا نتكلم بتحضر. 

ترك السلاح جانبًا وقال من بين أنفاسه اللاهثة: 
_عندك حق. 

ثم مال يجذب الأداة الخشبية التي تستخدم لفرد البيتزا، وهاجمها بغضبٍ، ركضت "مرين" صوب الباب الحديدي الخاص بالمخزن الصغير، احتمت خلفه وأغلقته بجسدها، صاح "زين" بعصبية وهو يحاول أن يفتح المقبض: 
_أنا هختصر الطريق على ياسين اللي مازال بيحاول يكسر عنادك، وهكسر دماغك عشان أنهي الحوار الطويل ده، اطلعيلي هنا. 

ارتعبت من هيئته المريبة، واذا بها تجيبه: 
_اهدى طيب وإديني فرصة أشرحلك الموقف، وبعدين أنا حليت الموضوع وشيلت ذكرياتك كلها على فلاشة. 

وسحبتها من جيب بنطالها الاسود، ترفعها صوبه بابتسامة واسعة: 
_حتى بص! 

ازداد غضبه أضعافًا مضاعفة، فمد يده من الباب الحديدي المثقوب، يحاول أن يصل لها، حتى نجح بأن يكمش خصلات شعرها، فصرخت ألمًا وهي تناديه: 
_يا قائـــــــــــد!!! 

تلوت وهي تلكم يده القوية: 
_سيبني يا متخلف، هتقطع شعري!!! 

من خلفهما وقف "ياسين" يطوي سجادة الصلاة وهو مصدوم مما يحدث أمامه! لا يصدق أن "زين" يجذب ابنة عمه من خصلاتها بتلك الهمجية، وهو الذي تربى على تقديس نساء عائلته، حتى أنه يتفانى بالتعامل معهن كأنهن زجاج رقيق. 

لم يستطع أن يتمالك ذاته من الضحك، ماذا سيفعل ليفصل بينهما هذه المرة؟ وكأنه يجلس في روضة أطفال وكل ثلاث دقائق عليه الفصل بينهما. 

أفاق من نوبة ضحكاته على استغاثة "مرين": 
_ياسين إلحقنـــي! 

اندفع صوبهما يحاول التخليص بينهما وهو يستدعي خشونته: 
_زين إيه اللي بتعمله ده، سيبها! 

باصرار وغضب صاح: 
_أنا جبت أخري ومش ههدى إلا لما تعتذرلي. 

أتاه ردها وهي تلكم ذراعه بقوة: 
_ده بعدك، كنت ناوية أعتذرلك قبل ما تقل أدبك، بس بعد اللي عملته ده مفيش اعتذار ولا جواز، اللي حصل ده وضحلي همجيتك في التعامل مع الأنثى، واللي أكيد هتطول أختي بعد كده. 

عبث باستهزاءٍ: 
_وهي فين الأنثى دي؟؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه يا ميرووو ده إنت فيك رجولة عني! 

منع" ياسين" ضحكاته من الظهور ومال على رفيقه يهمس له: 
_وسعت منك دي، البنت ملكة جمال!! 

احتقنت نظرات "زين" بحدة، وهتف باستنكارٍ: 
_آه قول كده بقى، انضميت لصفها، أغريتك يا جينيرال!!! 

أبعد كفه عن خصلات شعرها وقال بحزمٍ يجاهد له: 
_إيه الهبل اللي بتقوله ده، إبعد وخلينا نتكلم. 

أمسكها باصرار وعناد: 
_مش قبل ما تعتذر. 

لكمته "مرين" بشراسة: 
_ده بعدك يا همجي، والله لأقول لأنكل رحيم على اللي بتعمله ده. 

نجح "ياسين" باستخدام جسده أن يحول بينهما، وبقوته أن يبعد "زين" عن محلها، مما زاد من غضب "زين" الذي هتف بحزن مصطنع: 
_بتدافع عنها!! للدرجادي بايع الصداقة اللي بينا يا جارحي!!  

سيطر على نوبة ضحكه وقال بجدية: 
_الموضوع مش مستاهل الغضب ده، اللاب بتاعها محتاجينه ولو على اللي عليه فقالتلك إنه على الفلاشة. 

مرر يده على خصلاته يعيدها للخلف: 
_تمام هات منها الفلاشة. 

وأشار لها بوعيد: 
_الحساب يجمع يا مروان يا إشطا. 

فتح "ياسين" الباب ومد يده لها: 
_هاتي الفلاشة يا مرين. 

تركته ومضت صوب المرآة تتفحص خصلاتها بحزن وضيق: 
_شعري يا ياسين، بهدلي شعري المتوحش ده! 

واضافت وهي تتطلع صوب "زين" بتحدي: 
_مفيش فلاشات غير لما تعتذر على شعري اللي بهدلته ده. 

نهض عن المقعد المقابل للرخامة واتجه لها: 
_في أحلامك يا مروان، وياريت تتغطى كويس. 

فردت خصلاتها التي تشابكت وهي تحذره: 
_إيدك لو لمستني تاني هكسرهالك يا زين، وبالذات شعري. 

استدار "زين" صوب "ياسين" الذي مازال يحاول استيعاب شجارهما الطفولي: 
_شوفت بقى، عشان متبقاش تسلك بينا تاني. 

ورنا صوبها فأوقفته بإشارة: 
_أقسم بالله لأجمع تسجيل الكاميرات وأبعته لمارال أخليها ترمي دبلتها في وشك، إتقي شري أحسنلك. 

إرتبك مما قالت وهو أحق العلم بتعلق الشقيقتين ببعضهما البعض، فعاد للخلف تدريجيًا بينما ربع "ياسين" ذراعيه أمام صدره وأخذ يتابع عنيدته الشرسة وهي تتغلب على الشبح الذي تلبسه وحشه المفترس. 

تنهد "زين" وهو يسيطر على انفعالاته بصعوبة، وأخذ يعاتبها: 
_ينفع تمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك؟ 

رتبت خصلاتها البنية بحزن شديد وهي تقابل انعكاسه بالمرآة: 
_وينفع اللي سيادتك عملته ده؟ 

واستدارت تسدد له نظرة نارية وهي تخبره بثقةٍ: 
_أساسًا كنت هصلحه ليك، حاولت أقولك إني محتاجة نص ساعة وهرجعه زي ما كان بس إنت للأسف همجي يا زين! 

مرر يده على رقبته وصاح:
_طيب معلشي حقك عليا، مرضية كده؟ 

توسعت زُرقتها بدهشة وقالت: 
_no way طبعًا 
إنت بوظتلي شعري خالص! 

التفت تجاه الجنرال يشهده على أمرها: 
_شوفت الإستفزاز، حالًا تجبلي منها الفلاشة يا أما هحلق ليها شعرها اللي فرحنالي بيه ده. 

ناطحته بشراسة: 
_قربلي وشوف هعملك إيه؟ 

جلس "ياسين" على أحد مقاعد الرخامة بضجرٍ، وبهدوء قال: 
_وبعدين بقى في لعب العيال ده!! إديله الفلاشة يا مرين هو خلاص إعتذر. 

اتجهت نظراتها الغاضبة إليه وقالت تعاتبه : 
_ده شد شعري يا ياسين، واتعصب عليا أديه إزاي الفلاشة!! 

أدمت مشاعره في مقتلٍ لرقتها وحزنها، فأبعد نظراته صوب رفيقه الذي يدرس تغيراته بنظرة ساخرة، وقال: 
_خد بالك يا جارحي لتقع على بوزك من سهوكة الحريم دي، هتخسرنا بعض يا صاحبي! 

ضم رأسه بانهاكٍ من تلك الحرب المتعبة، وردد بإرهاق: 
_بعيدًا عن الخناقة الطفولية دي عندي سؤال فضولي، هو لما بتتخانقوا عندكم بالبيت مين بيفض الخناقة؟ 

ابتسم "زين" بسخرية: 
_مين المجنون اللي يتخانق في بيت فيه الجوكر والأسطورة، إنت فاكر إن كل البيوت قالبة على قصر آل الجارحي، الحب والإحترام عندكم بينقط على بعضكم. 

ضحكت "مرين" رغمًا عنها، وشاركها "زين" الذي صفع كفه بكفها وأحاط كتفها وهو يهمس لها: 
_عيني عليه ميعرفش إننا متربين في جحر الشياطين، ده أبويا وعمي مقضيينها رفع أسلحة على بعض ليل نهار. 

طرق "ياسين" الطاولة بغضب: 
_فضينا الحوار. 

ارتبك كلاهما، فاذا بنظرة "ياسين" تحتد صوب "زين" الذي أسرع بنزع يده عنها وهمس له بإشارة لقراءة شفتيه: 
_أختي في الرضاعة والله، أم الغيرة بتاعتك دي مينفعش تكون موجودة. 

وعاد يكرر: 
_راضعين مع بعض يعني لا تجوز ليا بأي وضع!! 

واستدار إليها يأمرها بحزمٍ: 
_هاتي الفلاشة خليني أخش اتخمد، وياريت متورنيش وشك ولا وشه النهاردة. 

وكشف عن ذراعه الذي ناله منها لكمات قوية، تفحص الكدمات الزرقاء التي أحدثتها وسددها بنظرة شرسة: 
_قال أنثى قال! 

ومال صوبها وهو يسحب السلاح المُلقي جواره: 
_أنا راجع من عركة تيران ومحدش لمسني بخدش، بس وماله الحساب يجمع يا مروان يا إشطا. 

ومال صوب "ياسين" ينحني أمامه ويهمس له: 
_اسمع مني وإخلع، دي لو اتخنقت معاها خناقة عادية بعد الجواز هتقطعك بالسطور يا جارحي، راجع نفسك يا حبيبي. 

منحه "ياسين" نظرة غاضبة، جعلته يصيح بغيظٍ: 
_بيع صاحبك ودوس بالجامد، خليها تنفعك يا جارحي. 

وعاد يشير له بتحذير: 
_مش عايز ألمحك في الاوضة خالص، ولا في أي مكان أكون فيه. 

ومر من جوارها ثم استدار له يصيح: 
_يا خايــــــــن. 

ولج لغرفته يصفح الباب بعنف كاد أن يسقطه، ولم يتبقَّ سواهما، شملها "ياسين" بنظرة غاضبة، فاذا بها تعدل من خصلاتها وتهتف برقة: 
_أنا هطلع أنا كمان أنام. 

وما كادت بالتحرك حتى توقفت وقالت وهي ترمش برقة: 
_ياسين لو حابب تنام ممكن تطلع في أوضتي وأنا هنام على الكنبة هنا، مش عايزة أحس بالذنب انك هتنام بالبرد ده هنا. 

ردد وهو يبتسم بسخرية: 
_ده إيه الرقة والحنان اللي نزل عليكِ ده! 

حركت كتفها وهي تصرح له: 
_مهو زين اتخانق معاك بسببي، فأكيد حاسة بالذنب. 

نهض عن مقعده واتجه للبراد يسحب الحليب ويعد كوب القهوة: 
_لا متقلقيش، أنا متعود على جنانه، شوية وهيطلع يترجاني أنام جنبه لأنه مبيعرفش ينام بعيد عني. 

رمشت بدهشة ومن ثم انفجرت ضاحكة، فشاركها الضحك وعرض عليها: 
_تحبي أعملك قهوة معايا؟ 

إتجهت مسرعة للمقعد الذي يقابل الرخامة وهي تشير له بالموافقة، منحها ابتسامة هادئة وأخذ يقلب محتويات القهوة حتى نضجت، سكبها بفنجانين ثم اتجه يضعه أمامها. 

انتظرت "مرين" جلوسه، ثم سألته وهي تتطلع للفنجان بارتباك: 
_جرحك عامل إيه؟ 

ارتشف من كوبه، وقال بابتسامة جذابة: 
_مش معقول لسه شاغلة بالك بجرح بسيط زي ده! 

هزت رأسها وقالت وهي تتهرب منه: 
_عندك حق. 

وغيرت حديثها حينما تساءلت بجدية ومازالت ترتب خصلات شعرها بهوس مثل الفتيات: 
_طيب إنت ناوي تعمل إيه مع تيام؟ 

أجابها وهو يتفحص ما تفعله لتعيد تمشيط خصلاتها الناعمة: 
_لسه مكلمني من شوية وقالي إنه محتاج يتكلم معايا في شيء مهم، بعتله موقع الشقة هيجيني على الساعة عشرة الصبح، أعتقد انه ممكن يحكيلي عن اللي حصل مع أخته. 

مررت اصبعها على الكوب، وبتوترٍ قالت: 
_والبنت اللي زقها هارون عليك؟ 

ابتسم بمكرٍ وهو يقرأ الغيرة تتزاحم بين مُقلتيها: 
_مش هعمل حاجه هي اللي هتعمل وهتأخد الخطوة الجاية عشان توقعني، مش سهلة صوفي دي! 

احتدت نبرتها: 
_وإنت عرفت اسمها منين؟ 

سيطر على ابتسامته ببراعة وقال ببراءة مصطنعة: 
_هي اللي قالتلي وقت وقعه الأسانسير، ما أنا حكيتلك! 

برز الغضب بين زُرقتها، وكأن امواج المياه ثارت دون رجعة: 
_فعلًا!!  مش فاكرة. 

ونهضت تشير له: 
_هطلع ارتاح شوية وبكره هكمل على الملفين. 

أوقفها قبل أن تصل للدرج: 
_والقهوة؟ 

استدارت تقابله بنظرة غاضبة رغم هدوء نبرتها: 
_اشربها مع الست صوفي. 

تحررت ضحكته الرجولية رغمًا عن أنفه، فنهض يوقفها وهو يتجه للبراد: 
_استني. 

عاد يحمل لها كوبا من العصير، منحه لها وهو يستند على الدرابزين: 
_اشربي العصير ده هيفيدك جدًا. 

وزعت نظراتها الساخرة بينه وبين ما يحمله وقالت: 
_ليه فاكرني مجنونة! 

هز رأسه بنفي وقال بخبث: 
_لا،  بس حقيقة هارون مخليكي شرسة وشايطة في الكل، بداية من زين ونهاية معايا ومع صوفي المسكينة. 

سحبت الكوب منه ارتشفت رشفة طويلة وأعادته ليده ثم استكملت طريقها للأعلى، فقال بهيام: 
_على فكرة شعرك طول عن الأول، بيبقى أحلى وهو قصير! 

استدارت إليه تقابله بنظرة حائرة، فوجدته يبتسم لها بعشقٍ، ونظراته تؤكد لها أنها وحدها من بقلبه، طالت النظرات بينهما حتى قطعها صوت باب الغرفة، ومن ثم خروج "زين" وهو يحتضن الوسادة بنومٍ ويتمتم بنعاسٍ: 
_إنت فين يا جارحـي، مش عارف أنام!!! 

ضحكت بصوتٍ سحره، وخاصة حينما أشارت له: 
_صاحبك بيناديك يا جنرال.

غمز لها بعينيه بمشاكسة: 
_قولتلك اللي إتعود على وجودي صعب يتقبل غيابي! 
                               ****
صعد "كِنان" إلى جناحه وهو يغلي من الغضب، فاذا به يرى "هارون" بانتظاره، وابتسامة الشماتة تتلاشى بذهولٍ حينما وجده يقف محله سليمًا ولم يمسسه سوء، إلا من كدمة صغيرة مجاورة لفمه. 

اعتصر "هارون" قبضته من الغضب، بينما يبتسم "كِنان" ببرود متقن: 
_النمرة اللي عملتها خليتك شبه المهرج يا هارون، طول عمرك جبان وبتتحامي في رجالتك وتفكيرك القذر اللي هدفه دايمًا ضهر عدوك مش وشه. 

واستطرد وهو يطالعه باحتقار: 
_الفصل اللي عملته ده واجبه عندي، اطمن مش هوصل اللي حصل لعثمان إن مكنش عرف يعني، ميرضنيش إهانتك بالنهاية بينا نسب بردو. 

استكمل طريقه لغرفته وهو يخبره: 
_تيام هيكون هنا بكره، يا ريت بدل تخطيط الأفاعي بتاعك ده تفكر في شغلك واللي مطلوب منك. 

وختم حديثه قبل أن يصفق الباب بوجهه: 
_بالنسبة لرجالتك خليت حيدر ينقلهم لمكتبك، يمكن تحب تودعهم وداع أخير! 

اهتز جفنه بعنفٍ مع صوت صفق الباب القوي، فصعد لجناحه وهو يموج من الغضب، بينما ينزع "كِنان" جاكيته ومازالت الركلة التي طالت صدره تُؤلمه. 

انتفضت "رزان" رعبًا على صوت صفق الباب، فاذا بها ترى "كِنان" يقف أمام المرآة بصدره المكشوف، وعلى ما يبدو يتفحص ذقنه التي تحمل كدمة زرقاء. 

استدار صوبها حينما رآى انعكاس صورتها بالمرآة، وقال بصوتٍ رخيم: 
_أنا آسف لسه متعودتش إن في حد معايا في الجناح،  كملي نومك. 

انخفضت ببصرها إلى الاحمرار الشديد بصدره، ولإصابة فكه الواضحة، أبعدت "رزان" الغطاء عنها وهرولت صوبه تهمس بلهفةٍ: 
_كِنان!!  

تفقدت جرحه وإصابته بأعينٍ دامعة: 
_مين اللي عمل فيك كده؟ 

راقب حركة يدها أعلى صدره، وكأنها تحاوط قلبه العاشق لها، وكفها الآخر وضعته على ذقنه، أغلق عينيه باستمتاعٍ من قربها الخطير على مشاعره الصادقة لها، فإذا به يقربها له رغمًا عنه. 

ضمت عيناه عينيها في عناقٍ أوقظ مشاعرهما، فاذا به يميل على كفها الملامس لوجهه، يقبله بقوةٍ سرت قشعريرة بأنحاء جسدها، بينما يردد لها: 
_بقيت كويس من لمستك. 

ارتبكت "رزان" قبالته، ولم تتمكن من التغلب على مشاعرها، سلمت له وقد كان حريصًا على أن يجعلها تثق بمشاعرها وحبها له، حملها "كِنان" إلى فراشهما، وإذ فجأة يتذكر ما أخبره به "عثمان"!! 

شعرت" رزان" بتجمده فجأة، فنادته بقلقٍ: 
_كِنان إنت كويس؟  

ظنت أن إصابة صدره قد آلمته، ولكنها تفاجأت به ينهض عن الفراش ويتجه إلى جاكيت بذلته المُلقى أرضًا جوار قميصه، سحب العُلبة منه، وإتجه لها بعدما سحب زجاجة من المياه، جلس "كِنان" جوارها وهو لا يعلم كيف سيخبرها بما سيفعل؟ 

تنحنح بخشونة وهو يستدعي صوته الهادر: 
_روز حبيبتي ممكن تاخدي الحباية دي؟ 

ضيقت زُرقتها بدهشةٍ، فألقت نظرة على ما يحمله، وتساءلت بخوفٍ من أن تجرحها إجابته: 
_ده إيه يا كِنان؟ 

ابتلع ريقه بتوترٍ، خشي أن يفقدها أو يفقد لحظات حبهما التي جعلت كل شيء مر به هينًا، ضم جانب وجهها وهو يتعمق بالتطلع لها: 
_رزان أنا بحبك وعايز أكمل حياتي معاكِ بدون خوف من اللي جاي، أنا قابل إنك تكوني نقطة ضعف جديدة ليا، بس مش هتحمل أكتر من كده. 

شعرت بنغزة قوية تضربها بلا رحمة،  ومع ذلك ظنت أنها أخطأت بفهمه،فرددت:
_تقصد إيه؟ الحبوب دي بتاعت إيه؟

ضم شفتيه معًا بقوةٍ،وهو يحرر كلماته:
_أنا مش عايز يكون بينا أطفال، وخصوصًا إنك عارفة شغلنا عامل ازاي؟ أنا مش عايز طفل يزود مسؤولياتي ويزيد من حملي. 

توسعت عينيها بصدمة من حديثه، فإذا بها تضم الغطاء على نفسها كأنها باتت مكشوفة أمامه رغم أنها ترتدي قميصها القطني الطويل. 

ترقرقت الدموع من عينيها وانهمرت كالأمطار القاسية، بينما لسانها يردد: 
_مش عايز تخلف مني؟! 

أوضح لها بمرارة ابتلعته قبلها: 
_لا منك ولا من غيرك يا رزان، أنا مينفعش يكون عندي أطفال. 

هزت رأسها بتفهمٍ رغم ان دموعها مازالت تنجرف، ثم تطلعت له نظرة لن ينساها ما دام حيًا: 
_ولا أنا عايزة منك أولاد. 

ثم نهضت تجذب فستانها، ترتديه بيد مرتعشة، وقبل أن تخرج من الغرفة قالت بوجع اخترقه كليًا: 
_ومش محتاجة للحبوب دي تقدر تخلي واحدة من الزبالة اللي كنت معاهم تاخدها. 

وتابعت بانكسار: 
_كويس إنك وضحتلي كل حاجة من البداية، وسبتلي حق الإختيار، لأنك هتكون آخر اختيار ليا يا كِنان. 

وختمت قبل خروجها: 
_يا ريت تطلقني وبتمنى هارون ميعرفش إنك هتعمل كده. 

غادرت من أمامه على الفور، فتنهد بتعبٍ وهو يلقي بجسده على الفراش بانهاكٍ وضعف استنزف قوته وجعله يعاني الويل مما يحدث معه. 
                              ******
مع صباح يوم جديد، وبنفس التوقيت الذي خصصه "عثمان" لها، صعدت إلى جناحه العلوي، فوجدت باب الجناح مفتوحًا، ولجت "قدس" إلى الداخل، وكعادتها وجدته يجلس أمام الشرفة الزجاجية الضخمة، التي تحيط بأحد حوائط الغرفة بأكملها. 

وقفت من خلفه تردد بصوتها الناعم: 
_صباح الخير. 

لف بمقعده لها وابتسم: 
_أول مرة تلتزمي بمعادك! 

ارتسمت ابتسامة ساحرة على وجهها، ورددت: 
_اقتنعت أنك كراجل ليك خصوصياتك. 

اتسعت ابتسامته وسند على يده قائلًا بثناءٍ: 
_براڤو يا دكتورة. 

اقتربت "قدس" منه وجلست على ذراع الأريكة قبالته، ثم قالت: 
_هو أنا ممكن أسألك سؤال. 

زم شفتيه بانزعاجٍ: 
_الستات مهما اختلفت شخصياتهم هيجمعهم الفضول. 

لم تبالِ بقوله الساخر وتساءلت: 
_ليه كل ما بشوفك بلاقيك هنا في جناحك وفي المكان ده بالذات؟ ليه مش بتنزل تحت في القصر أو بتخرج الحديقة مثلًا؟ 

تعمق بالتطلع بعينيها التي تشبه قرص الشمس في بهائه، يختاله شعورًا مقبضًا حيال تلك الفتاة التي بدأت تتجاوز الحدود التي يضعها للجميع، ابتلع ريقه وهو يجابه عاصفة من المشاعر التي تحركت لها، فأسرع يبعد المقعد عنها وهو يجيبها بثبات متقن: 
_لأن ده الطبيعي للوحش، عمره ما بيفارق قلعته عشان شكله مختلف. 

وبابتسامة ساخرة قال: 
_مش انتِ اللي وصفتيني بوحش القلعة وتقريبًا أنتِ الجميلة! 

ارتبكت أمام رماديته الساحرة، فأزاحت خصلاتها الطويلة للخلف ورددت: 
_لا أنا موصفتكش بالوحش أنا قولت إنك شبهه في عزلتك لكن إنت أوسم منه بمراحل، أنا فاكرة أنا قولت إيه كويس! 

برقت بصدمة لما تفوهت به، ثم أسرعت تخبره: 
_وبعدين الوحش مكنش بني آدم أصلًا! 

راق له خجلها، وبالأحرى كل حركة منها تروق له كثيرًا، مال "عثمان" صوبها برأسه وهمس لها كأنه يلقنها سرًا: 
_ومين قالك إني بني آدم!! 

برقت ببندقيتها ورفعت حاجبها تتساءل:
_أمال سيادتك إيه؟

بنفس همسه المغري ردد: 
_وحش! 

ضمت شفتيها بسخطٍ، فاذا به يضحك بصوتٍ مسموع لأول مرة، رأت فيه "قدس" شخصًا لم تره من قبل، فراقبت كل حركة صادرة عنه بمشاعر متخبطة، واذا بها تتفوه بشرودٍ: 
_الجميلة قدرت تخرج الوحش من قلعته، ونهاية الفيلم اللعنة اتكسرت عنه.

ثم نصبت قوامها الممشوق وهي تتجه لحقيبتها: 
_وأنا وعد مني هخرجك من جناحك ده في يوم من الأيام. 

وعادت ترنو صوبه وهي تبتسم بمشاكسة: 
_ولو عليك لعنة هتتفك وهترجع إنسان طبيعي، اطمن. 

لم تُنتزع بسمته، ونظراته الثابتة تجاهها، ربعت "قدس" يديها وأشارت له: 
_محتاجين نفتح الحاجز ده. 

عبث بعدم فهم، فأوضحت ببراءةٍ مصطنعة: 
_لازم تمارس التمرين ده تحت أشعة الشمس. 

واتجهت إليه تنحني جوار أذنيه، ترد له حركته وهي تهمس كأنها تخبره سرًا: 
_لو إنت مصاص دماء وخايف أشعة الشمس تحولك عرفني، بالنهاية أن دكتورتك ومن حقي أعرف كل أسرارك. 

اتسعت بسمته الجذابة، وضغط على زر جانبي لمقعده فاذا بالحائط الزجاجي يتلاشى ويظهر من أمامها شرفة خارجية عملاقة، تحيط بالجزء الأمامي من القصر بأكمله، هرولت "قدس" للخارج تستند على السور وهي تراقب المنظر الخارجي من الأعلى بانبهارٍ. 

اتبعها "عثمان" الذي يخرج من الظلام للنور لأول مرة منذ سنواتٍ، وقف على بعد منها يتأملها بهيامٍ، تيار الهواء البارد يلفح خصلاتها فيجعل منها أنثى جذابة قادرة على أن تهزم أعتى الرجال! 

استدارت "قدس" إليه، ورنت تجاهها قائلة بتعجبٍ: 
_إزاي قادر تحرم نفسك من المكان الخلاب ده، حتى الهوا منعه عنك!! 

بجمود أجابها: 
_اتعودت، والتعود بيكسر جمال أي شيء ممكن عيون غيرنا تشوفه. 

انحنت لتكون بنفس طوله وغمزت بمشاغبة أسرت بها قلبه: 
_الجميلة هتكسر تعود الوحش، ولعلمك أنا متعودتش أخدع حد، كان ممكن تمارس التمرين جوه عادي بس أنا حبيت أمهدلك إن تحقيق وعدي ليك قرب وأوي كمان. 

ونهضت تدور حول ذاتها بحماس: 
_وبدايتها من هنا! 

وأشارت خلفها: 
_وبعد كده هتنزل هنا. 

شملها بنظرة غامضة، ثم قال: 
_استهونت بيكِ أوي يا دكتورة، مطلعتيش جميلة بس، لا جميلة وذكية كمان! 

اتجهت للطاولة الفخمة التي تحاوطها عشرة مقاعد خشبية، سحبت أحدهم واتجهت له تستغل ما قال: 
_بما إنك اعترفت اني ذكية، فلاحظت ان الكرسي اللي إنت قاعد عليه ده عنده قدرات فائقة، بتساعدك وبتخليك تعتمد عليه بالنسبة اللي مخلياك مش فارقلك انك تتعالج، وده للأسف مش هيخليك تساعدني. 

ثم وضعت المقعد وأشارت له: 
_طول ما إنت بتتعالج لازم تكون على كرسي عادي. 

ضم شفتيه بضيقٍ، ومع ذلك انصاع لها، فرفع من صوته: 
_ماتيو. 

ظهر الآلي في لمح البصر، يدعم سيده حتى انتقل من المقعد الحديث للمقعد الخشبي العادي، ارتابت "قدس" من وجود "ماتيو"، كونه يسجل كل حركة تنتج عنها، فقالت وهي تشير له بخبث: 
_شكرًا يا أستاذ ماتيو، تقدر تتفضل حضرتك ولما هنحتاجك هنستدعيك. 

لف" ماتيو" رأسه صوب سيده فأشار له أن يغادر، وبعدما غادر سألها بشكٍ: 
_أكيد هتحتاجي مساعدته، إنتِ مش هتقدري تحركيني لوحدك! 

انحنت تربط الأجهزة من حول ساقيه، وأجابته بمزحٍ: 
_متقلقش عليا أنا متعودة، وآه بترعب من شكله جدًا، إنت أخد عليه عشان هو تقريبًا معاك من فترة طويلة لكن أنا لسه بحاول أتأقلم. 

نجحت بذكائها أن تجعله يندمج بحديثها، فقال: 
_بقاله معايا عشر سنين. 

ادعت انشغالها بتحريك ساقه اتباعًا للتمرين: 
_بس شكله متطور جدًا عن تاريخ اصداره، أكيد بتلجئ للشركة اللي صنعته عشان تطوره باستمرار. 

اتسعت ابتسامته وقال وهو يتطلع لها من هذا القرب: 
_مش محتاج أروح بيه لشركات، لأنه متصنعش منه أبدًا. 

رفعت رأسها إليه وهتفت باستغراب: 
_تقصد إنهم صنعوا ليك نموذج واحد بس؟ 

طال بالنظر بعينيها، وهتف: 
_ماتيو وآيلا من صنعي أنا. 

توسعت مُقلتيها بدهشةٍ، وأودعت في نظراتها الا
إنبهار والاعجاب، وبمهارة اكتسبتها من الأسطورة أرغمته على الإستمرار بالحديث حينما قالت: 
_معقول!!  بس إزاي وإنت آآ... 

_عاجز مش كده! 
أدعت تلعثمها وحرجها بينما نجحت باستفزازه ببراعة: 
_أنا آسفة مقصدش، أصل اللي بتقوله بيناقض وضعك الحالي! 

أعجب "عثمان" بذكائها، ومع ذلك غذى فضولها الواضح: 
_أديكِ قولتيها وضعي الحالي. 

رمشت بعدم استيعاب، وهتفت: 
_يعني إنت كنت واقف على رجليك وقتها صح. 

هز رأسه بخفة، وصرح لها: 
_أنا على الكرسي ده بقالي أربع سنين. 

وأضرم نيران الصدمة حينما قال ببسمة واثقة: 
_بس ده ممنعنيش عن أي شيء، والدليل الكرسي اللي عملته بإيدي مخصوص ليا!! 

بقيت محلها تتطلع له بشرود، حتى تمكنت من أن تخرج صوتها: 
_إيه اللي اتعرضت ليه من أربع سنين وكان السبب في اصابتك؟ 

احتل الوجع قسمات وجهه بوضوحٍ، لدرجة جعلت قبضته كادت أن تخلع ذراع المقعد، كز على أسنانه وفاح من بينهما: 
_شوفي شغلك يا دكتورة. 

أنهى الحوار المتبادل بينهما، فاستكملت "قدس" عملها بعدما حرزت تقدم ملحوظا وبجدارة، حتى وإن امتنع عن الحديث فيما يخص هذا الجزء، فهي أحق بالعلم أن ما ستجنيه يتطلب منها الصبر والمثابرة وبالطبع ستفعل. 

                             ******
فتح "ياسين" باب شقته، فوجد "تيام" قد أتى بموعده المحدد، أشار له بابتسامةٍ جذابة: 
_في معادك بالظبط، اتفضل. 

أفسح له الطريق ليمر، فدلف يتأمل الشقة باهتمامٍ حتى استقر على "ياسين" الذي أشار له صوب المطبخ: 
_حضرت فطار ملوكي لما قولت إنك جاي، تعالى. 

لحق به "تيام" ووقف يتأمله وهو يصنع البيض بالسجق بدهشة: 
_هو إنت ليك في الطبخ؟ 

رد عليه "ياسين" وهو يضع ما بيده على الطاولة: 
_ليا في كل حاجة، يلا اقعد الاكل هيبرد. 

جذب المقعد المقابل له وجلس يتأمل الطعام باستغراب، حتى أنه لم يستطع كبح شهيته، فأخذ يتذوق ما صنعه، واذا به يتطلع له بانبهارٍ: 
_إنت متأكد إنك مش شيف؟! 

هز رأسه وهو يجذب مقعدًا قبالته: 
_لا، بس زي ما قولتلك ليا في كل حاجة. 

سأله "تيام" بفضول: 
_طيب وحاليًا بتشتغل في إيه؟ 

سحب "ياسين" الشطائر وقال بثبات مُتقن: 
_لا حاليًا معنديش شغل ثابت، أنا زي ما قولتلك عامل زي الطير ماليش مسكة معينة. 

لمعت بعقل "تيام" فكرة، يضمن بها تواجده رفقته أكبر وقت ممكن: 
_طيب إيه رأيك لو اشتغلت معايا في المطعم؟ 

ابتسم وهو يتناول ما بيديه بنهمٍ: 
_عجبك أكلي فعايز تشغلني عندك طباخ ولا إيه؟ 

أسرع ينفي ما قال: 
_لا طبعًا، عايز تمسك المطعم بدالي، لاني الفترة الجاية هكون مشغول. 

زوى "ياسين" حاجبيه باسترابة مصطنعة: 
_مشغول في إيه؟ 

تنهد بتعبٍ والإرهاق يحتل ملامح وجهه الرجولية: 
_أنا كنت حكيتلك ان في مشاكل بيني وبين عيلتي، وده خلاني أفسخ خطوبة أختي من ابن عمي، بس للأسف استغلوا ده وشجعوها تتجوزه من ورايا وحاليًا هي عندهم. 

واستكمل بحرصٍ ألا يفصح عما يخصهم: 
_فأنا في حيرة كبيرة، ما بين غضبي منها وخوفي عليها، فقررت إني أرجع أعيش معاهم تاني عشان أخد بالي منها، وده هيخليني أنشغل عن المطعم كتير، ومش هثق في حد يمسك مكاني غيرك يا عمر. 

نجح "ياسين" نجاحًا باهرًا في كسب ثقة وصداقة "تيام" بوقتٍ محدود، كان الأجدر من بين الفريق للتعامل مع شخص بذكاء "تيام". 

القادة تعلم بأنه يحمل من الدهاء ما يجعله بنفس خطورة "عثمان"، لقد عمل على أهم أنواع العقارات التي ضربت السوق الأسود في مقتلٍ وجعلت العائلة ذات سلطة وسيادة عالمية. 

شخص بذكائه لم يكن يرضخ إلا لشخصٍ رزين يفوقه ذكاءًا، وها قد حان وقته ليقتحم أبواق الحرب من باب فُتح له. 

منحه" ياسين" ابتسامة هادئة وقال: 
_وأنا معاك وفي ضهرك!! 
                               *****
صرخت بملئ ما فيها وهو يرغمها على تبديل ملابسها لفستان قصير يبرز مفاتنها، ويدفعها صوب السراحة وهو يشير لها: 
_ربع ساعة ألقيكِ على سنجة عشرة، ويا ويلك يا رحيق لو كسرتِ أي كلمة من اتفاقنا. 

ضمت بطنها بألمٍ من دفعه لها، وأسرعت تهز رأسها في طاعةٍ، بينما تراقبه بنظرات طُعمت بالكراهية والحقد. 

بدأت بوضع مساحيق التجميل لتخفي علامات اكتئابها ومرارة ما تعيشه رفقته، ومن حول رقبتها مازالت تضع سلساله، ضمته بين يديها بمحبةٍ وحدثت ذاتها: 
_يا ترى السلسلة دي هتأكدلك إني عايشة على حبك ولا مش هتكون فاكرها أصلًا. 

ارتعشت يديها حينما رأت هارون يرنو صوبها ليقيمها بعدما انتهت، زم شفتيه ساخطًا: 
_مش بطال. 

وتابع وهو يميل على السراحة بعدما ألقى لها عُلب الزينة : 
_البسي مجوهراتك وخاتم الجواز. 

هزت رأسها في طاعةٍ، وبدأت تضع ما قدمه لها، فاذا به ينفث سيجاره وهو يراقبها بنفورٍ، حتى انتهت فرفع ذقنها وقال بانتشاءٍ ليؤلمها: 
_مهما كنتِ جميلة عمرك ما هتكوني في جمال البنت اللي أخدت قلبي وعقلي. 

اندهشت مما يقول، فتابع باستمتاعٍ: 
_متقلقيش مصيرك هتشوفيها، أصلي مش ناوي أخليها علاقة شمال زي ما اتعودت،  هتجوزها رسمي وهجبها ملكة للقصر ده. 

وأشار لها باستحقار: 
_ولو لسه كان فيكِ الروح يعني هتكوني أقل من خدامة ليا وليها. 

ترقرقت الدموع من عينيها، ورددت بصوتها المبحوح: 
_وليه كل ده، طالما لاقيت اللي تحبها وبتحبك طلقني واعتقني لوجه الله. 

مال للخلف من فرط الضحك، ثم عاد بواجهها بوجهٍ متجمد: 
_في أحلامك يا حبيبتي، فراقك عني بموتك يا رحيق. 

وأزاح دموعها بيديه وهو يهز رأسه ببرود: 
_المكيب اللي عملتيه هيبوظ، مش عايز أمد ايدي عليكِ وإنتِ بالوضع ده، ولا مستغنية عن البيبي! 

ابتلعت ريقها وهي تضم بطنها برعبٍ منه، بينما تهدأ ذاتها، تعالى صوت هاتفه، يخبره بوصول المنتظر، فارتسمت بسمة انتصار على وجهه، ونهض يثني ذراعه ويشير لها: 
_حبيب القلب وصل، بينا نستقبله! 

ارتجفت كل خلية بجسدها، ومضت تستند على ذراعه باستسلامٍ، بينما تكاد أن تفقد وعيها من فرط دقات قلبها الخافتة، تتمنى أن تحتمي بين ذراعيه من جبروت هذا الشيطان القذر، ترغب أن تقص عليه رحلة معاناتها وما فعله بها. 

كانت أصعب لحظة مرت عليها منذ فراقها عنه، رغم شوقها له ألا أنها ودت لو إنتزعت روحها عنها قبل أن تلتقي به، لقد تسببت له بجرحٍ أبديًا. 

خطت معه الدرج للاسفل، بعدما ظلت حبيسة جناحها لأكثر من تسعة أشهر، ورغمًا عنها امتلأت عينيها بالعبرات، تخشى أن يكون نسى أمرها وألقاها خارج حياته، تخشى أن يكون لقائه بها عابرًا، وكأنها باتت من غبار الماضي الذي ولى وانتهى عهده، ومع أنها تعلم أنها تستحق ذلك الا أن قلبها مازال بتعلق به تعلق الغريق بقشة هاشة قد تنقذه من النجاة!! 

وصلت للأسفل مع هذا الشيطان القذر، حتى وصل تيام رفقة الحرس، ولج لساحة القصر وأول ما تعلقت به عينيه كانت هي!!!! 

تلك التي حاول بكل ذرة بكيانه أن ينساها، يراها بعد تلك الفترة تقف قبالته، وكأن هارون قد عاد يركله لساحة الحروب الذي فقد فيها قلبه، وخرج منها جريحًا يحاول إن يجد دواء يداويه، وقد لاقت كل محاولاته بالفشل الذريع مع أول لقاء جمعهما!!!!!! 

ارتاب قليلًا من انطفاء ملامحها رغم مبالغتها بوضع مساحيق التجميل، ونحافة جسدها الغريب، ومع ذلك وقف بنظراته على عينيها وتاه بينهما، كأنه قد سقط من العلو إلى ماضٍ قد سبق وقضى عليه. 

أفاق من شروده وصمته الطويل، على صوت دعسات حذاء هارون التي مزقت ماضيه وحاضره، ليفق على ضمته الكريهة له وهمسه: 
_نورت العالم اللي المفروض إنت جزء منه. 

وتركه وهو يبتعد ويفتح ذراعه لتلك المتصنمة بعيدًا عنهما:
_تعالي يا حبيبتي استقبلي معايا رجوع دكتورنا العظيم. 

تهاوى قلبها أرضًا وتحطم بين دعسات حذائها، وهي ترنو صوبهما ببطءٍ، تضع كفها بين كف هارون الممدود لها، وعيني تيام الدامعتان تتأمل ضمة أيديهما، فاخترق قلبه سهمًا جعله يكرهها فوق الكره كرهًا، بينما يسددها بنظرة استحقار تعبتها أكثر من  المعاناة التي خضتها مع هارون. 

ضمها هارون بطريقة مستفزة، ومال يقبل رأسها وهو يحمسها: 
_ساكتة ليه يا رحيق، رحبي بتيام. 

ارتعش كفها الذي مدته له، وصوتها المهتز يخرج بصعوبة: 
_نورت بيتك. 

منحها نظرة تقلل منها كأنها عاهرة، جابها من أخمص قدميها حتى كفها الممدود، وتجاهلها كأنها ليس لها وجود. 

تضاعفت سعادة هارون الذي تأكد بأنه مازال يحبها، والا لما تأثر بوجودها لتلك الدرجة، فضمها وقال بمكرٍ: 
_كده يا تيام تزعل مراتي حبيبتي وهي ملهاش الزعل خالص. 

منحه نظرة حائرة لمضمون كلامه المتعلق باصابتها بمرضٍ ما، جعل قلبه ينخلع من محله، فأتاته صدمة أصابته في مقتلٍ حينما ردد وهو يحيط ببطنها بطريقة مُخلة: 
_الزعل وحش عليها وعلى اللي في بطنها، قريب هيشرفنا أول حفيد لعيلة التميمي. 

ودعس قلبه قاصدًا بجملته:
_مش هتباركلنا ولا أيه؟! 

تعليقات