رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثالث عشر
جاءت سيارة أخرى تسير بنفس سرعتهم، وخرج من نافذتها أحد المسلحين، وقبل أن يُطلق الرصاص صرخت «نيران» بصدمة:
- حاسب يا طيف!
في تلك اللحظة انعطف «طيف» بقوة، فأطلق المسلح الرصاص، لكنها لم تُصِب أحدًا، بل أصابت السيارة. في تلك اللحظة أخرجت «نيران» سلاحها، وقال «طيف» بصوت مرتفع:
-أحمد، انزل في الدواسة.
صرخ «أحمد» وانخفض وهو يقول:
- فيه إيه؟ مين دول؟
ضغط «طيف» على البنزين لتنطلق السيارة بسرعة، فلحقت بهم السيارة المعادية، وأطلق المسلح عدة رصاصات، لكن «طيف» انحرف بقوة وظل يراوغ حتى لا يُصاب أحد.
في تلك اللحظة خرجت «نيران» من نافذة السيارة، وأطلقت عدة رصاصات تجاه مطلق النار، لكنها فشلت في إصابته بسبب السرعة وشدة الانعطاف من السيارتين. قرر «طيف» استخدام استراتيجية أخرى، فانحرف بقوة نحو تلك السيارة فصدمها واحتك بها في محاولة لجعلها تنحرف عن الطريق، بينما حاولت تلك السيارة فعل الشيء ذاته، فاصطدموا ببعضهم عدة اصطدامات دمرت جزءًا كبيرًا من السيارتين.
كان «أحمد» يصرخ في الخلف وهو يقول:
- يا لهوووي، براحة يا طيييف!
صاح «طيف» بصوت مرتفع:
- يا ابني بطل صريخ، وترت اللي جابوني.
ثم نظر نظرة سريعة إلى «نيران» وهو يقول:
- نيران، هدوس بنزين وبعدين هرمي، مستعدة؟
نزعت خزنة سلاحها ووضعت أخرى، وهي تقول بجدية:
- مستعدة يا طيف.
زفر بقوة قبل أن يضغط على البنزين لتنطلق السيارة بسرعة صاروخية سبقت السيارة الأخرى وسط صراخ «أحمد». وفي لحظة ما صاح «طيف» بصوت مرتفع:
- دلوقتي يا نيران.
ضغط على الفرامل بقوة، وشد فرامل اليد، وانحرف بالسيارة نحو اليمين بعنف، فأصدرت السيارة صوت احتكاك قوي وهي تتحرك بشكل عرضي قبل أن تتوقف وتسد الطريق أمام تلك السيارة. أثناء ذلك خرجت «نيران» من نافذة السيارة وأطلقت عدة رصاصات أصابت المسلح بدقة، قبل أن يضغط السائق على الفرامل بقوة وتتوقف السيارة في الحال.
ترجلت «نيران» من السيارة ومعها «طيف» بسرعة كبيرة، لكن سائق السيارة ضغط على البنزين وانحرف ليسير عكس الاتجاه بسرعة هائلة.
زفر «طيف» بقوة وخفض يده التي كانت تحمل السلاح، بينما صاحت «نيران» بتعجب:
- مين دول؟ دول كانوا بيضربوا عليك أنت يا طيف!
حرك رأسه ليعبر عن جهله التام بالأمر، وقال:
- مش عارف، إشمعنى بيحصل ضرب نار لما بقرر أفطر بره؟ مش فاهم يعني! جمعية محاربة الأكل بره البيت دول ولا ايه؟
التفت لتقع عيناه على سيارته التي تدمرت بشكل كبير في هذا الصراع، فوضع كفه الأيسر على رأسه وهو يقول بنبرة صدمة:
- يا خراب بيتك يا طيف، العربية بقت خردة!
في تلك اللحظة خرج «أحمد» من السيارة، وظهرت على وجهه علامات الفزع، وهو يقول:
- يا لهوووي يا طيف، إحنا كنا هنموت، كنا هنموت يا طيف.
تحرك «طيف» نحوه وهو يقول بضيق:
- يا عم عارف والله العظيم عارف، سيبني دلوقتي، العربية بقت شبه الكانزاية اللي حد داس عليها.
التفت «أحمد» ليرى ما حدث للسيارة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى شهق بشدة، قبل أن يقول:
- يا وجع الوجع، حرام عليك يا طيف، دشملت العربية.
تركه «طيف» واقترب منها، ليضع يده عليها وهو يقول بحزن:
- ده مفيش حتة سليمة فيها.
وضع «أحمد» يده على كتفه وقال مواسيًا:
- ربنا يعوض عليك يا ابن خالي.
في تلك اللحظة صاحت «نيران» التي اقتربت منهما:
- إحنا كنا هنموت من شوية، وأنتوا قاعدين تنعوا العربية؟! في داهية العربية، المهم إننا بخير.
شرد «طيف» في الفراغ وردد بضيق:
ل- لأسف هربوا، لو لحقناهم كنا عرفنا مين دول وليه عايزين يقتلونا.
خبط كفيه ببعضهما قبل أن يتابع بعدم رضا:
- يعني أنا سيبت الشرطة علشان أعيش في سلام وأخلص من الهم ده، يقوم الهم مطاردني؟!
نظرت إليه «نيران» وقالت بجدية:
- إحنا الفترة الجاية لازم ناخد بالنا يا طيف، إحنا حتى مش عارفين مين عدونا.
استقل السيارة دون أن يتحدث وتبعاه، فانطلق وأوصل «أحمد» إلى منزله، قبل أن يصطحب «نيران» التي قالت له متعجبة:
- أنت رايح فين؟
رفع أحد حاجبيه وقال:
- أنتِ لحقتِ جالك زهايمر؟ هروح مطعم نفطر فيه سوا
رمقته بدهشة قبل أن تقول معترضة:
- يعني إحنا لسه كنا في مطاردة مع عربية فيها مسلحين، ولازم ناخد حذرنا، وأنت مكمل ورايح المطعم ولا كأن حاجة حصلت؟
رفع كتفيه وقال بهدوء:
- ما أظنش حد هيعمل حاجة تاني النهارده، خصوصًا بعد اللي حصل، وبعدين أنا معاكي، متخافيش.
ارتسمت ابتسامة على وجهها وقالت:
- طيب يا سيدي، ربنا يستر واليوم ده يعدي على خير، ونلحق نعيد قبل ما نموت كلنا.
انطلق بسيارته الهالكة إلى المطعم، فتفاجأ بكمين على أحد الطرق السريعة. هدأ السرعة، وما إن وصل إلى الضابط حتى أخرج يده برخصة القيادة ورخصة السيارة، فصاح الضابط قائلًا:
- رخص إيه اللي بتديهالي؟ أنت إزاي ماشي بالعربية بالشكل ده؟ وبعدين إيه الأخرام دي؟ ده رصاص صح ولا ايه ده؟
لوى ثغره وقال بهدوء:
- العربية اتقلبت مني يا باشا، بس الحمد لله لسة بتمشي، هصلحها بعد الفطار إن شاء الله.
شعر الضابط بالغضب، فضرب على سقف السيارة بقوة وهو يقول:
- ده أنت بتستظرف بقى! انزل يا ابني.
هنا تدخلت «نيران» التي أخرجت الكارنيه الخاص بها وهي تقول:
- أنت إزاي تتكلم مع جوزي كده؟ إحنا شرطة.
أخذ الضابط الكارنيه ليتفحصه، فتبدل وجهه وناولها إياه وهو يقول معتذرًا:
- آسف يا باشا، أنا بس لفت نظري شكل العربية. تقدروا تتفضلوا، وبعتذر مرة تانية.
في تلك اللحظة ضغط «طيف» على البنزين لتنطلق السيارة، وما إن ابتعد عن الكمين حتى قال:
- السلطة حلوة برضه.
عقدت ذراعيها وهتفت بمكر:
- مش ناوي ترجعها بقى ولا إيه؟
ارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يقول:
- طول ما أنا بشخصية طيف الجديدة دي، الإجابة هتكون لا. أنا مستريح كده. صحيح لسة الواحد في خطر، بس أنا مش حابب إني أكون ظابط شرطة.
صمت للحظات قبل أن يتابع:
- بدأت النهارده شغل في شركة أحمد، اشتغلت كول سنتر في شركة جيجا والمرتب الحمد لله كويس إلى حد ما.
رفعت أحد حاجبيها لتقول بنبرة تحمل الاعتراض:
- من دكتور شاطر وظابط من أكفأ الظباط لكول سنتر يا طيف؟
تابع الطريق أمامه دون أن ينظر لها وقال:
- وماله الكول سنتر؟ شغلانة محترمة، وبعدين الشغل مش عيب.
نظرت له بعتاب قبل أن توضح وجهة نظرها:
- أنا مش بغلط في الوظيفة يا طيف، الشغلانة محترمة والشغل مش عيب، بس بتكلم عليك وعلى شخصيتك. أنت درست وتعبت وشقيت علشان توصل للمكانة اللي بقيت فيها، سواء دكتور أو ظابط برتبة مقدم، وفي الآخر تضحي بكل ده بسهولة كده؟
رسم ابتسامة هادئة على وجهه قبل أن يجيب بهدوء شديد:
- أنا مش فاكر التعب ولا المكانة اللي كنت فيها، علشان كده سهل بالنسبة ليا أفرط فيها. ممكن بقى يا نيران تنسي الموضوع ده؟ إحنا خارجين نفطر مع بعض ونعيش جو لطيف ينسينا التنشنة والضغط اللي عيشناه.
أومأت برأسها إيجابًا وهتفت بهدوء:
- حاضر يا طيف، اللي تشوفه.
***
طرق «فهد» الباب بهدوء، فجاء صوت «رماح» من الداخل قائلًا:
- خش.
دلف وأغلق الباب من خلفه قبل أن يقول:
- رماح باشا، معلش ممكن أسألك سؤال غريب شوية؟
رفع رأسه ونظر له قبل أن يقول بتعجب:
- سؤال غريب؟ اسأل.
تقدم وجلس على المقعد المقابل له ليقول:
- هو لو فيه خاين معانا في الفريق ممكن يكون مين؟
رفع «رماح» أحد حاجبيه وقال بجمود شديد:
- خاين في الفريق؟ أنت إيه اللي بتقوله ده يا فهد؟ ولا الصيام عامل عمايله معاك النهارده؟
كان يعلم أنه سيرفض ما يقوله، لذلك حاول توضيح الأمر له قائلًا:
- مش صيام بس، طيف لفت انتباهي لحاجة مهمة ماخدتش بالي منها.
قص عليه ما قاله «طيف»، وما إن أنهى حديثه حتى قال «رماح» بحيرة:
- كلام طيف صحيح، بس استحالة حد من الفريق يخون يا فهد، أنا واثق في كل فرد هنا.
شرد «فهد» للحظات ليفكر في الأمر، ثم قال:
- ما دي الحاجة اللي هتجنني يا رماح باشا، فيه حاجة غريبة مش قادر أحددها.
نهض «رماح» من مكانه استعدادًا للرحيل، وارتدى سترته الشتوية وهو يقول:
- فيه جديد في مراقبة الزفت مرزوق الشيمي ده؟
حرك رأسه بمعنى "لا" وأوضح:
- لا، مفيش أي حاجة غريبة بيعملها نهائي، وكل تحركاته طبيعية جدًا. لو فعلًا عارف إننا بنراقبه، فأكيد هياخد حذره.
وضع سلاحه في غمده وقال بجدية:
- مفيش حد ما بيغلطش، خليك وراه لغاية ما نشوف. يلا أنا ماشي، فاضل نص ساعة على الفطار يادوب.
- تمام يا باشا.
تركه واتجه إلى الخارج، لكنه تفاجأ بـ«فاطمة» التي تركت هي الأخرى مكتبها للتو. تماسك وسار دون أن يُظهر أنه شاهدها، فأوقفته بنبرة هادئة:
- رماح!
توقف وأغلق عينيه، بينما كان قلبه يعتصر من الألم. اقتربت منه وقالت بانكسار واضح:
- مكنتش متخيلة إن هييجي اليوم اللي نبقى فيه غرباء عن بعض بالشكل ده.
استجمع قواه ونظر إليها قائلًا:
- فاطمة بعد إذنك الفطار باقي عليه نص ساعة، ومراتي وبنتي مستنيين.
اقتربت منه خطوة وهتفت بنبرة تحمل الحزن:
- وجودك قدامي طول اليوم لكن مش قادرة أتكلم معاك، ده واجعني أوي يا رماح. صدقني حاولت أتقبل الأمر الواقع وأقتنع إنك خلاص مبقتش تحبني وإن عندك بيت وأسرة، لكن قلبي وعقلي رافضين. أنا عارفة إني غلطت، وغلط صعب كمان، لكن صدقني وقتها كان عقلي ملغي، وكل همي كان إني أنتقم لأختي.
وضع يديه في جيب بنطاله، ونظر لها بتحدٍ وهو يقول متسائلًا:
- والمطلوب مني ايه يا فاطمة؟ أسيب مراتي وبنتي وأخرب بيتي وأرجع لك؟ ده اللي أنتِ عايزاه؟
حركت رأسها بانكسار وهي تجيبه:
- لا، خليك مع مراتك وبنتك يا رماح، بس بلاش تتجاهلني، خلينا نرجع صحاب على الأقل.
رسم ابتسامة ساخرة على وجهه وهو يقول بجمود:
- مبقاش ينفع يا فاطمة. عمر علاقتنا ما هترجع زي الأول تاني، أو حتى قبل حبنا. عقلي رافض يقتنع بحاجة زي كده، ولو أنتِ فاكرة إن ده هيحصل، يبقى بتخدعي نفسك. أنا مقدر الموقف اللي إحنا فيه. أنا كنت بتمنى أشوفك ثانية واحدة بس، ودلوقتي أنتِ كلك قصادي، لكن متأخر أوي. اللي بينا يا فاطمة شغل وبس، مش أكتر من كده، وربنا يرزقك بابن الحلال اللي يسعدك ويعوضك عن اللي فات.
رحل وتركها منكسرة بعد أن قتلتها كلماته القاسية، بينما توجه هو إلى سيارته. وما إن جلس خلف المقود حتى زفر بقوة، ليطرد النيران التي انحبست بداخله. وجودها حوله يعيد الكثير من الذكريات المؤلمة، ويشعل حبها من جديد في قلبه، لذلك يجب عليه قتل هذا الحب قبل أن يتسبب في تدمير منزله وخسارة زوجته التي تحملت الكثير من أجله.
***
دفع السائق بقوة ليسقطه أرضًا، قبل أن يقول بغضب:
- شوية أغبياء، قلتلكم يكون لوحده، مش معاه أختي يا بهايم.
عاد ليمسك ياقة السائق من جديد وهتف بنبرة حادة:
- أختي لو كان حصل لها حاجة، كنت دفنتك هنا وخليتك تلحق صاحبك.
ظهرت علامات الخوف والفزع على وجهه وهو يدافع عن نفسه قائلًا:
- إحنا ما كناش نعرف إنها أختك يا باشا، الواد شريف خد رصاصة ومات، وأنا خايف حد يوصلي. ما قلتش ليه إنهم خطر بالشكل ده؟
دفعه «زاخر» وتحرك في المكان وهو يقول:
- أنا غلطان إني اعتمدت على شوية فشلة زيكم.
نظر له وتابع محذرًا:
- تختفي خالص، وما أشوفش وشك لغاية ما الدنيا تهدى، ونشوف هنتصرف إزاي. والزفت صاحبك ده ولع بيه العربية علشان ما يوصلوش للبصمات بتاعتك عليها، اتزفت امشي.
***
وُضع الطعام في أجواء رمضانية جميلة بثت السعادة في قلوب الحاضرين. لفت انتباه «نيران» الطعام الموضوع، فقالت بتساؤل:
- ده محل أسماك، إيه علاقته بالبشاميل؟
رفع كتفيه وقال بجهل:
- معرفش أنا لقيت في المنيو مكرونة بشاميل بالجمبري، فطلبتها لأني بحب البشاميل زي ما أنتِ عارفة.
رفعت أحد حاجبيها وقالت بدهشة:
- مكرونة بشاميل بالجمبري؟! غريب الميكس ده، بس ماشي نجربه.
صمتت للحظات قبل أن تتابع:
- وبعدين صحيح، أنت عرفت منين إني بحب الأسماك؟ أنا ما قلتلكش على المعلومة دي بعد فقدانك للذاكرة.
تعجب من سؤالها، وفرك فروة رأسه في محاولة للإجابة، لكنه فشل وقال:
- مش عارف، حسيت إن عندي المعلومة دي، وفعلاً جاي هنا على الأساس ده.
قطبت جبينها وهتفت بنبرة حائرة:
- يمكن قلت لك وأنا ناسية.
في تلك اللحظة ناولها تمرة، وهتف بابتسامة:
- هيأذن دلوقتي.
أخذتها منه، وما هي إلا ثوانٍ حتى ارتفع أذان المغرب، فبدأ الحضور في الإفطار. شرب «طيف» العصير بالكامل قبل أن يضع الكوب الفارغ أمامه وهو يقول:
- الحمد لله، العاركة بتاعة النهارده دي عطشت الواحد.
ضحكت، ووضعت الكوب أمامها بعد أن ارتشفت جزءًا منه، ثم قالت بعتاب:
- يا طيف، كده هتسد نفسك بالعصير ده كله.
بدأ في تناول الطعام وهو يقول مازحًا:
- أنتِ هتعملي زي ماما؟ متقلقيش دقيقة والأكل ده هيتنسف.
نظر لها وتابع:
- ما طلبتش سالمون علشان جدك الكبير ما يزعلش، وتقولي بتتنمر على اسم عيلتكم يا بنت أمجد السلاموني.
رفعت أحد حاجبيها وقالت:
- طيف أنا ما جبتش سيرة ليك على حوار التريقة ده، أنت رجعت لك الذاكرة وبتضحك عليا صح؟
