رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الرابع عشر 14 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الرابع عشر 


- طيف، أنا ما جبتش سيرة ليك على حوار التريقة ده، أنت رجعتلك الذاكرة وبتضحك عليا صح؟

كان هذا آخر ما قالته «نيران» لزوجها «طيف» الذي قطب جبينه بدهشة قائلًا:
-رجعتلي الذاكرة؟! وأنا لو رجعتلي الذاكرة هخبي عنك ليه يا نيران؟ كل الحكاية إني صحيت الصبح لقيت نفسي بفتكر مواقف كده صدفة، كانت بدايتها موقف افتكرته مع أحمد وإحنا صغيرين جه على بالي من غير أي مجهود، ودلوقتي أنتِ بتقولي إنك معرفتنيش معلومة زي كده، فممكن يكون زي اللي حصل معايا الصبح.

دبت الحياة في وجهها، وارتسمت ابتسامة واسعة وهي تقول بحماس شديد:
- ده شيء جميل، شيء رائع، شيء ولا أروع. طيف، أنت دعيت دلوقتي؟

رفع أحد حاجبيه وقال:
- دعيت؟!

أومأت برأسها إيجابًا وهتفت:
- أيوة، الصايم له دعوة عند الفطار لا تُرد، ادعي ربنا يرد لك الذاكرة، وأنا هدعيلك برضه، يلا متنح ليه؟ ادعي.

رفع يده ودعا الله أن يرد له ذاكرته، وكذلك هي، وما إن انتهى حتى ابتسم وقال:
- تصدقي أول مرة أدعي ربنا خلال رمضان، أو من ساعة ما فقدت الذاكرة؟ دلوقتي حسيت براحة كبيرة أوي، كأني ضعيف ومليش حيلة بطلب من قوي، لا حول ولا قوة إلا به، إنسان معندوش حل بيطلب من الملك اللي عنده كل الحلول.

أمسكت بيده وأطبقت عليها قبل أن تقول بهدوء:
- إحنا ملناش قيمة ولا هنعرف نعمل حاجة ولا نحقق حاجة غير بدعائنا وطلبنا التوفيق والمساعدة من ربنا. ربنا سبحانه وتعالى عنده كل الحلول، وخزاينه مش بتخلص أبدًا. كل ما تحس بضعف وقلة حيلة ادعي ربنا بإخلاص واشتكيله همك. الطفل لما بيحتاج حاجة بيطلب من أبوه وأمه، وبيبقى جواه طمأنينة إنهم هيعملوا الحاجة دي، ولله المثل الأعلى، أنت بتطلب من ملك الكون كله: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ».

ابتسم وقال بامتنان شديد:
- شكرًا يا نيران إنك دايمًا بتحطيني على الطريق الصحيح، كل ما ببعد بتقربيني تاني.

ارتسمت ابتسامة على وجهها هي الأخرى وقالت:
- بتشكر مراتك؟! ده واجبي يا طيف، ربنا يخليك ليا ويتم شفاك على خير يا حبيبي.

***

وصل «رماح» إلى المنزل بعد أن ارتفع أذان المغرب، وما إن دخل حتى ناولته «سيزكا» التمر والعصير وهي تقول:
- خد يا حبيبي افطر. اتأخرت كده ليه النهارده؟

سمى الله وأفطر، ثم قال:
- الحمد لله، عندي كام حاجة في الشغل، اللواء أيمن كلفني بكذا حاجة وطلعان عيني والله.

ترددت في فتح هذا الموضوع، لكنها قالت أخيرًا:
- وفاطمة عاملة ايه؟

توقع هذا الحديث منها، فنظر لها وقال بهدوء:
- تعمل اللي تعمله، اللي بيني وبينها شغل بس يا سيزكا، وقفلت صفحتها من زمان. مش عايزك تخافي ولا تقلقي، أنا محافظ على بيتنا وهفضل محافظ عليه. ظهورها مش هيغير حاجة أبدًا.

نظرت إلى الأسفل ورددت:
- خايفة...
صمتت للحظات، ثم تابعت:
- خايفة البيت اللي عملناه، والأيام الحلوة اللي عيشناها بعد تعب وأيام صعبة، تروح بكل سهولة. مش هقدر ألومك لو رجعت لها، لأنك كنت بتحبها حب جنوني. كنت بشوفك على طول بتزور قبرها، وبستغرب إزاي بتحبها بالشكل ده. تخيل بعد ده كله ترجع للحياة من تاني! أنا عارفة إن جواك صراع وموجوع، بس ده غصب عنك.

أمسك بكفيها وقبلهما بحب، قبل أن يقول بابتسامة:
- كل كلمة نطقتيها صح يا سيزكا، بس أنا دلوقتي بحبك أنتِ مش هي. يمكن فعلًا جوايا صراع ومش مصدق الموقف اللي أنا فيه، بس ده من صدمة الموقف. البيت ده هيفضل مفتوح وكله حب وسعادة زي ما كان إن شاء الله. ها هتفطرينا إيه النهارده؟

تركته وقالت بحماس شديد:
- لا دي بقى مفاجأة، قوم صلي المغرب على ما أجهز السفرة يلا.

***

وضع «أيمن» الطعام في فمه، لكنه لاحظ امتناع «أسماء» عن الأكل، فقال متسائلًا:
- مش بتاكلي ليه يا أسماء؟
نظرت له وقالت بنبرة تحمل العتاب:
- وهيجيلي نفس إزاي وأنت سايب ابنك برا بعد ما ضربته؟

رفع حاجبيه بدهشة وقال بضيق:
- أسيبه يقل أدبه يعني ويعمل ما بداله يا أسماء؟ أنتِ شايفة إن ده هو الصح؟

أسرعت وقالت هي الأخرى بحدة:
- أنت عارف إن ابنك فاقد الذاكرة! ابنك تعبان ومريض، ولازم تحتويه يا أيمن. اللي قصادك ده مش طيف اللي أنت ربيته، ده واحد وعي على الدنيا لقى ناس غريبة بتقوله إحنا أهلك. حط نفسك مكانه يا أيمن، متبقاش شايف الموضوع من منظورك أنت بس. يعني بدل ما تاخده في حضنك وتحاول تحتويه، بتضربه وتطفشه؟ عمري ما شفت أب لما ابنه بيتعب بيضربه علشان هو تعبان!

رفع حاجبيه بدهشة، فتابعت:
- أيوة يا أيمن، أنت عملت كده بالظبط، وأنا مش هاكل ولا هحط في بقي لقمة غير لما ترجعه بينا تاني.

***

انتهى من أداء صلاة المغرب، وسار معها في جو من الهدوء بشوارع القاهرة. احتضنت ذراعه ومالت برأسها على كتفه قبل أن تقول بحب:
- أنا عارفة إنك رافض المبدأ ودايمًا بترفض، بس المرة دي ممكن توافق؟

ابتسم وقال متسائلًا:
- أوافق على ايه؟

ابتعدت قليلًا وقالت بحماس شديد:
- نروح لدكتور يساعدك في رجوع الذاكرة، أنت بقى فيه ذكريات بتجيلك، نستغل ده بقى.

صمت للحظات ليفكر في الأمر قبل أن يقرر:
- تمام يا نيران، أنا مبحبش الدكاترة بس علشان خاطرك.

تحرك معها وقال:
- تعالي فيه محل حلويات هنا الواد أحمد كان قايلي عليه.

***

خرج «مرزوق» من شركته في هذا التوقيت تحديدًا على خلاف كل الأيام الأخرى، واستقل سيارته، فانطلق به السائق ومعه سيارتان. في تلك اللحظة انطلقت السيارة المكلفة بمراقبته خلفه لمعرفة المكان الذي سيتوجه إليه.
بعد وقت قليل، خرج «مرزوق» الحقيقي من الشركة، بعد أن ارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يقول:
- شوية هواه.

توقفت سيارة أمامه، فاستقلها وانطلقت به في الحال دون أن يعرف أحد وجهته بعد ذلك.

***

قضيا وقتًا أكثر من رائع معًا، افتقدته هي كثيرًا، وشعر هو بالراحة والطمأنينة معها. استقلت السيارة بجواره، فانطلق بها قبل أن يقول:
- كان يوم جميل، ربنا يخليكي ليا يا نيران.

ابتسمت وقالت بحب:
- ويخليك ليا يا طيف.

وصل إلى منزلها وقال بهدوء:
- هتوحشيني لغاية ما أشوفك بكرا.

قطبت جبينها وهتفت بنبرة تحمل الحيرة:
- أنت مش هتنزل معايا ولا ايه؟

ابتسم وأمسك بكفها ليقول بحب:
- معلش مش مستعد أرجع دلوقتي وأواجه بابا. بكرا هعدي عليكي آخدك ونروح للدكتور اللي أنتِ ما صدقتي كلمتيه وحددتي ميعاد معاه بكرا ده.

وافقت على طلبه وهتفت بابتسامة:
- ماشي يا طيف اللي يريحك، هستناك بكرا.
- إن شاء الله.

ترجلت من السيارة، وانطلق هو بأقصى سرعته إلى إحدى المناطق المهجورة. توقف بالسيارة في الظلام وترجل منها، وهو ينظر حوله بحثًا عن أحد.
تحرك في المكان حتى اقترب منه شاب وقال بجمود:
- كاشك يا نجم النجوم.

أخرج مبلغًا من المال ووضعه في يده، فابتسم هذا الشاب وناوله مراده من المخدرات قبل أن يقول:
- وقت ما تعوز تاني، ده مكاني يا نجومية.

تركه ورحل بينما انطلق «طيف» إلى سيارته بعد أن شعر باختناق وعدم القدرة على الانتظار أكثر من ذلك. جلس في مقعده وبدأ في تفريغ محتويات الكيس الورقي الذي استلمه من هذا الشاب على ظهر كفه الأيسر، ثم بدأ في استنشاق هذه البودرة بقوة.

انتهى وعاد برأسه إلى الخلف بعد أن خارت قواه بالكامل، وتخدر جسده بفعل هذا السم الذي انتشر في عروقه وتسلل إلى كل جزء من أجزاء جسده.

***

وصلت سيارة «مرزوق» إلى أحد المصانع المهجورة التي كان يحرسها العديد من الأفراد المسلحين. ترجل بعد أن فتح له أحدهم الباب، وتقدم بخطوات ثابتة إلى الداخل حتى وصل إلى هذا الرجل الذي كان يُطعم أسدًا داخل قفص حديدي.

وقف صامتًا في انتظار انتهائه، إلى أن تحدث هذا الرجل قائلًا:
- يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام، مرزوق الشيمي اللي اسمه كان بعيد عن أي شبهة، يتحط تحت المراقبة 24 ساعة!

ارتسمت ابتسامة على وجهه، والتفت ليتقدم تجاهه وهو يقول:
- كله بسبب الحريم، قلتلك كذا مرة ابعد عنهم، هيحطوا راسك في الطين، لكنك ما سمعتش كلامي.

وضع «مرزوق» يديه في جيب بنطاله وردد:
- أكيد إحنا مش متقابلين يا باشا علشان نناقش حبي للحريم، ولا ايه؟

ضحك ودنا منه أكثر، قبل أن يقف بجواره ويشير إلى الأسد قائلًا:
- شايف الأسد ده يا شيمي؟ أهو الأسد ده لما بيبقى جعان بيخرب الدنيا، وبيبقى عنده استعداد يهاجم الغابة كلها في سبيل بس إنه يسد جوعه ويأكل، لكن بمجرد ما يلاقي حتة لحمة كبيرة وياكلها بيشبع، وساعتها بتلاقيه بقى كسول وبيترمي على أي جنب، مش همه مين معدي جنبه، لأنه خلاص مش جعان.

صمت للحظات، ونظر إليه ليتابع:
- أهو أنت زي الأسد ده يا مرزوق، كان عندك استعداد تاكل أي حد في سبيل إنك تسيطر على السوق وتكسح أي حد، لكن بمجرد ما وصلت للي أنت عايزه، ركنت وبقيت زي الأسد الكسول.

تبدلت تعابير وجه «مرزوق» وقال مدافعًا عن نفسه:
- مين قالك إني بقيت كسول؟ ليه ما تقولش إني بقيت أهدى شوية في حروبي؟! زي ما قلت في الأول، كان عندي استعداد أكسح أي حد قصادي، لأن لو فشلت ما كانش معايا حاجة أخسرها، لكن دلوقتي اسمي بقى زي الدهب في أي سوق، وسيطرت على كل المجالات تقريبًا، علشان كده لازم أهدي اللعب وأحقق كل اللي كنت بعمله، لكن بطريقة مختلفة.

ابتسم ابتسامة ساخرة وقال:
- بأمارة تاليا اللي ما عرفتش تخلص عليها، وما زلت مش عارف توصلها؟! ولا رجالة اللواء أيمن اللي حطوك تحت عينيهم طول الوقت؟

نظر إلى الأسفل للحظات، قبل أن يرفع رأسه وهو يقول:
- تاليا أيوة فشلت أقتلها لكن أعرف أوصل لها، بس أنا مش فاضيلها دلوقتي. أما عن رجالة أيمن فدول في جيبي، علشان أجي هنا خلصت منهم بأسهل طريقة تخطر على بال أي حد ومحدش يقدر يثبت عليا حاجة.

***

استغل «أيمن» انشغال الجميع بأعمال النظافة بعد صلاة التراويح، واقترب من «نيران» ليقول متسائلًا:
- طيف عامل ايه يا نيران؟ وبعدين حاسك متضايقة وسرحانة من ساعة ما جيتي؟

ودت لو تُخفي ما عرفته لكنها لم تستطع، وقالت بنبرة منكسرة:
- طيف...
صمتت للحظات، ثم تابعت:
- طيف بيتعاطى مخدرات.

اتسعت عيناه بصدمة شديدة وقال:
- طيف ابني؟ مخدرات؟!

أومأت برأسها إيجابًا وهتفت:
- وصلني هنا، لكن كنت حاسة إنه موجوع من حاجة، فخدت عربيتي ومشيت وراه لغاية ما وصل مكان مقطوع. هناك قابل ديلر وخد منه بودرة.

نظرت للأسفل وتابعت:
- شكله وهو بيشمها مش قادرة أنساه، من ساعتها مش عارفة أتصرف إزاي. طيف بيضيع مننا، وإحنا مش عارفين نعمل له حاجة.

تركها بعد أن سيطرت الصدمة عليه، وألقى بنفسه على أقرب أريكة. شرد في الفراغ وردد بانكسار:
- ليه كده يا طيف؟! ليه كده يا ابني؟!

***

استيقظ من نومه على صوت المنبه، فاعتدل وكتم صوته قبل أن يفرك فروة رأسه بإرهاق. شعر بصداع شديد يجتاح رأسه، ورغبة مُلحة في استنشاق هذا السم من جديد.
في تلك اللحظة طرق «أحمد» باب غرفته، ودلف ليجده قد استيقظ، فقال بابتسامة:
- كويس إنك صحيت، هدخل أخد دش وألبس على ما تجهز، اشطا؟

أومأ برأسه إيجابًا وقال:
- اشطا.

تركه «أحمد» فدعك وجهه بتعب، وترك الفراش قبل أن يقرر الدخول إلى المرحاض. دلف واغتسل، ثم ارتدى ملابسه استعدادًا للرحيل، لكن هاجمه هذا الشعور من جديد، وكأنه أصبح خاضعًا لهذه السموم التي تجري في دمائه دون انقطاع.

خرج من غرفته ليرى هل يوجد أحد بالخارج، وما إن تأكد أنه لا يوجد غيره حتى عاد إلى غرفته مرة أخرى، وأخرج ورقة صغيرة، وقام بقطعها ليفرغ محتويات الكيس الورقي. كان المحتوى عبارة عن بودرة بيضاء اللون. قام بتنظيمها على المكتب أمامه، ثم بدأ في استنشاقها بهدوء شديد. وما إن انتهى حتى نهض من مكانه وألقى بجسده على الفراش، لينظر إلى الأعلى وهو يفكر كيف أصبح مدمنًا للمخدرات بهذا الشكل.

اختلق عذرًا لنفسه واقتنع به، لكن في تلك اللحظة انقطع تفكيره، حيث دلفت من لم يكن يتوقع حضورها الآن، وقالت بهدوء يُبشر بعاصفة:
- مكنتش مصدقة لغاية ما شفت بعيني.

اعتدل ونظر لها بوجه شاحب ليقول:
- نيران؟ أنتِ هنا من إمتى؟

تعليقات