رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الخامس عشر
« الغريب أنك غريب!!»
الأفاعي لم تعد تلسع بل تناديك بالمحبة لتقترب، هؤلاء من ظننتهم أقرب إليك من نفسك، الآن فقط أدركت أنهم غرباء، أنت يا من كنت أظنك سندًا أضع رأسي فوق كتفك لأتكئ عليها، أجدك اليوم سراب، لقد أصبحت غريبًا، والغريب أنك عني غريب، بينما الغريب عليَّ أحن.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
لا يوجد في الحياة عقاب أشد من أن تحب شخصًا ليس من حقك، أن تخفي إحساس ينبض به فؤادك، أن تواري ما تظنه جريمة، ذنبٌ لا يُغتفر، سيَحكُم عليك جلادُك بالرجمات فقط لأنك تحب.
رشا روميه
شقة محمود مكاوي...
إرتفعت عيناه تحدق بزوجته ونفسه تهدأ من ثورة غضبها بعد نطقها بكلماتها التي إخترقت مسامعه ونفذت كالسهم النافذ لقلبه، إبتلع "محمود" ريقه بصعوبة وتلاشت الدماء من جسده لتصعد تتسابق نحو رأسه بإضطراب.
مواجهة كان يخشاها، ليس خوفًا من "جميلة" بل لأنه يشعر بأنه مذنب لما يشعر به تجاه "زهرة"، ألهذه الدرجة إحساسه مكشوف، يظهر للعلن حتى تنتبه له "جميلة" دون وعي منه.
للحظة فكر بمن سيطالها الأذى من خلف هذا الإحساس، ماذا يمكن يحدث لـ"زهرة" إن أعلنت "جميلة" إدراكها لمشاعره التي تحركت نحوها، ألا يكفيها "أنور" وأفعاله حتى يأتي هو ليزيد وطأة الأمر عليها!!
حاول "محمود" التنفس ببطء قبل أن يعيد تساؤله المتخوف:
- ما تنطقي يا "جميلة"، قصدك إيه، إيه اللعب بالأعصاب ده؟
وقفت "جميلة" تناظره لبعض الوقت بأعينها الباهتة الملونة، نظرات تحمل معنى واحد فقط، أنها تدرك كل شئ، نظرات حادة تخفي خلفها غيظ مكتوم لكنها صامتة، هادئة متحكمة بأعصابها بشكل غريب، أليست غاضبة ثائرة من إدراكها لمشاعر زوجها تجاه أخرى؟! ألن تصيح وتصرح بغيرتها لإستوطان "زهرة" لقلبه؟!!
بعد أن حدقت به لوقت طويل وهي تلتزم الصمت، أشاحت وجهها تجاه المرآة كما لو أنها لم تنطق بشئ بالمرة، بل كانت لا تكترث إستكمال تلك المناقشة معه وإظهار ما قد عرفته.
ببرود شديد أكملت إرتداء ملابسها وهي تظهر عدم إهتمامها بما قد فهمه، أو لم يفهمه لتردف بإزدراء لا مبالي:
- ولا حاجه.
لا يدري هل يشعر بالإرتياح لقولها، أم يملكه الغضب من برودها وعدم إكتراثها؟!! لكنه بالنهاية إكتفى بأن أسقط عينيه عنها ليتحرك بإنفعال نحو الخارج.
لم يكن شيئًا مدبرًا، بل إن كل ما يحدث له خارجًا تمامًا عن إرادته، ليته يستطيع الإمسال بقلبه بين يديه ليحركه كيفما شاء، لكن الهوى حكم عليه سلطانه دون إرادته.
غادر البيت بأكمله هاربًا من أن يواجه نفسه أو عيون "جميلة" وأهله، حتى عيونها التي يتمنى لو كانت له، إلا أنها ليست كذلك، إنه غريب وسيبقى غريب، وعليه أن يبتعد قدر الإمكان شاء أم أبى.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
تلقيك الأحداث والصدف للقاء تتعجب لترتيبه مع الأيام، كيف توالت بها على مدى زمن طويل للقاء شخص ما، لتتعجب من صنع القدر وترتيبه لهذا اللقاء بعناية فائقة.
رشا روميه
نور بركات...
بعد ارتداؤه لملابسه بهذا الصباح بموعده المحدد كما إعتاد بدقته المتناهية، نظر بساعته فقد حان موعد الذهاب للمستشفى بهذا الصباح.
غادر شقته ليستقل سيارته المصفوفة أمام البناية التي يقطن بها ليتجه نحو مستشفى الهلال المركزي، إتخذ طريقه المعتاد لكنه لاحظ بعض الإزدحام المروري قبل أن يعلق بداخله ليضطر لإتخاذ طريق آخر حتى لا يتأخر عن موعده.
هذا الطريق الذي لا يمر به عادة لما يتسم بكثافة مرورية عالية خاصة بهذا الوقت من الصباح، لكنه تفاجئ بيسر حركة المرور اليوم، كما لو كان مقدر له أن يغير طريقه ليسير بهذا الطريق.
مختلف المركبات كانت تتخذ هذا الطريق ومن بينهم تلك الحافلة التي إستقلتها "ليلى" بهذا الصباح للوصول للمستشفى، ولكن على ما يبدو أن اليوم ليس عاديًا لدى الجميع، وقفت "ليلى" ممتعضة الوجه وهي تزفر بتأفف من طريقة مجموعة من الشباب المنحلين الذين يضايقونها منذ أن ركبت الحافلة.
معاكسات وكلمات توحي بمدى تدني أخلاقهم جعلتها تشعر بالنفور والضيق، لكن ما عليها سوى أن تتحمل لبعض محطات أخرى فمازالت المستشفى بعيدة ولا يمكنها إستكمال بقية الطريق سيرًا على الأقدام.
دفعت بوجهها بالجانب المقابل بعيدًا عنهم، لكن ذلك لم يمنعهم من إستكمال ما يرونه مكسبًا يشعرهم بالزهو، فمضايقتها بطريقتهم الدونية يعلي من ضحكاتهم الساخرة ورضاهم عن أفعالهم الحقيرة.
أمور تبدو معتادة ومتكررة ليس معها خاصة، ولكنها مضايقات تطال فتيات عدة بنفس موقفها، أرغمت "ليلى" نفسها على الهدوء رغم حنقها على طريقتهم حتى تصل لوجهتها.
لكن يبدو أنه حينما يصمت صوت يظن الباطل أنه إنتصر، ويجعل المتدني يظن نفسه فائزًا ليتمادى بحقارته، سكونها وتغاضيها عن سماع معاكستهم لها جعل أحدهم يتجرأ ويقترب منها لعله يحقق إنتصار أكبر أمام أعين رفاقه المتلذذون بإستمتاع لأفعالهم المشينة.
شعرت "ليلى" بقربه لتلتفت نحوه بأعينها الغاضبة لعله يتراجع ويخجل من تصرفاته، لكن هيهات أن يفعل ذلك، بل تقدم بكل وقاحة يتودد إليها:
- هو الجميل رايح على فين، ما تيجي نقصر المسافات و......
مجرد وجودها سيزيد الأمر صعوبة وربما يتحول لمشادة بينها وبينهم، فهي لن تقبل تودده، وستتعامل معه بحدة وقوة لحماية نفسها منهم، لاحظت توقف الحافلة بإحدى إشارات المرور لتهتف بالسائق وهي تتحرك نحو الباب مباشرة:
- ثواني لو سمحت، أنا نازله.
ترجلت من الحافلة بضيق فهي لن تبقى وتتحمل أكثر، ولن تستطع مواجهة هؤلاء المتطاولين فربما يضعها ذلك بوضع لا توده مطلقًا، فإن كانت خسارتها مجرد سير على الأقدام فلن يضرها ذلك شيئًا.
حُسنها الجذاب جعل هؤلاء الشباب يلحقون به حين ترجلت من الحافلة، صيد سهل وفتاة جميلة يمكنهم السيطرة عليها خاصة وهي بمفردها.
إنقسم الشباب لمجموعتين أحاطا بها من الجانبين ليحاصرونها لتبدأ عباراتهم جميعًا تتخبط بها كالأسواط التي تحاول جاهدة الهروب منها:
- على فين بس يا جميل؟
- تعالي معانا يا قمر.
- ياااه على العيون السواد ياد، شايف الحلاوه.
الهروب منهم ليس حلًا الآن، بل عليها أن تواجههم وتنهرهم عن أفعالهم حتى يرتجعوا، إلتفتت نحوهم بغضب شديد:
- والله لو ما مشيتوا من هنا حنادي العسكري يلمكم كلكم!!!!
ضحكوا بسخرية منها دون تراجع بل زادتهم شراستها رغبة:
- يا واد يا شرس إنت، لا عجبتيني ودخلتِ دماغي يا بت.
- أموت أنا في النِغش.
بذات الوقت لم تكن الحافلة وحدها المتوقفة بالإشارة، بل توقف "نور" بسيارته أيضًا ينتظر أن يُفتح الطريق مرة أخرى.
طرف بعينيه التي يتجول بهما هنا وهناك حتى يستكمل طريقه يشاهد ما يدور حوله، لينتبه لـ"ليلى" تترجل من إحدى الحافلات ويبدو على ملامحها الضيق والغضب، ثم لاحظ ملاحقة مجموعة من الشباب لها، ويبدو أنهم يضايقونها بالفعل.
إحتدت نظرته وشعر بغضب غير معتاد عليه، فهو هادئ رزين لا يستفز بتلك السهولة، لكن أمر ما جعله يشعر بالإنفعال وهو يراهم يحاوطونها بهذا الشكل.
خرج على الفور ودون تفكير من السيارة وإتجه صوبهم وملامحه نزداد حِدة وغضب بكل خطوة يخطوها، شعر بأنه يريد أن ينهشهم جميعًا بأسنانه لمضايقتها بهذا الشكل، خاصة مع إستهزائهم بها وضحكاتهم المغثية للنفس.
وبدون أي مقدمات جذب "ليلى" ليقف حائلًا بينها وبينهم ليهتف بهم بصوت قوي يحمل شراسة وغضب لا يدرك من أين أتوا، لكن إلتفافهم حولها كاد يخنقه بالفعل:
- فيه إيـــــــــــــــــــــــه؟!!! مالك إنت وهو، يلا يا بابا إتكل على الله.
وقف أشجعهم وربما قائدهم بتلك الرعونة ليرفع طرف أنفه بإستهزاء من "نور":
- مالك إنت؟!!!! روح شوف إنت جاي منين!!!
قبض "نور" ياقته بين كفه بقوة ليزمجر بوجهه المشتعل حمرة غاضبة وهو يرمقه بنظرات مخيفة قوية:
- خطيبتي ليك فيه، خد يا بابا شوية العيال دول وغور من هنا أحسن حتزعل، حتزعل أوي.
ثم إلتف بجانب عينه تجاه "ليلى" قائلًا وهو مازال يطبق بياقة هذا الحقير بين قبضته دون تحرير لها:
- أذاكِ الواد ده في حاجه؟
حركت "ليلى" رأسها بالنفي وهي تشعر بالإضطراب:
- لأ.
حرره "نور" من بين قبضته وهو يأشر له بعينيه:
- إمشي.
مط الشاب شفتيه بإستياء فيبدو أنه لن ينال طريدته اليوم ليتحرك مصاحبًا أقرانه معه مبتعدًا قليلًا عنهم وقد تملكه الغيظ من "نور" الذي أفسد عليهم متعة مجانية مع حسناء وحيدة.
إبتلعت "ليلى" ريقها المضطرب، فحين حاوطها هؤلاء الشباب شعرت بالرهبة والتخوف من أن يؤذونها وهي بمفردها، حتى وإن كانت قوية شجاعة، إلا أنها وحيدة لا تستطيع مجابهتهم بمفردها.
لا تدري من أين ظهر "نور" لكنه بالفعل أنقذها من بطشهم بها، سحبه لها من مرفقها لتقف خلفه يحميها منهم جعلها تدرك شعورًا غريبًا بالأمان، شعور لم يمر بها من قبل، تهدجت أنفاسها ما بين رفضه وقبوله، فهو شعور مريح للنفس لكنه آت من غريب.
فور رحيل هؤلاء الشباب إلتف "نور" تجاه "ليلى" الثابتة من خلفه رغم تلك النظرة المشتتة التي ملأت عينيها، تحاول الظهور بقوة تدعي وجودها وهي أضعف من ذلك المظهر الذي تحاول التحلي به.
تطلع بسوداوتيها ليتوه ببحورها مرة أخرى، فبهما ينفصل تمامًا عن هذا الواقع، بداخلهما حياة أخرى غير التي يعرفها، لملم شتات نفسه وهو يشير تجاه سيارته المتوقفة وقد بدأت بقية السيارات بالسير قائلًا:
- إتفضلي معايا أوصلك.
إنها لم تتخطى هؤلاء لتقع بخطأ آخر، إنها ليست فتاة سهلة يمكن السيطرة عليها، بل إن لها مبادئها وقِيمها وطريقها الذي لا حياد فيه، لن تقبل أن تستقل معه السيارة، فلن يفرض سيطرته عليها لمجرد مساعدتها.
قضبت حاجبيها بضيق وهي تجيبه بحزم:
- لأ، شكرًا، المستشفى قريبه مش مستاهله.
تطلع "نور" بإستغراب نحو الطريق الطويل الذي يجب عليها قطعه فالمستشفى بالتأكيد ليست قريبة كما تقول، ليعقب بتعجب:
- قريبه إزاي؟!! ده لسه الطريق طويل، تعالي إركبي أوصلك معايا.
وقفت معترضة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها برفض تام:
- لأ شكرًا، خلاص إتفضل إنت يا دكتور، أنا مرتاحه كده.
زم شفتيه بإستياء وهو يحذرها من هؤلاء الشباب:
- أرجوكِ إركبي، أنا أول ما حمشي حيرجعوا يضايقوكِ تاني.
تنهدت "ليلى" بقوة فهو معه حق، لكنها لم تعتاد بأن تركب بمفردها مع شاب مطلقًا حتى لو كان يبدو عليه الإحترام والأدب.
ترددت قليلًا ليقاطع "نور" تفكيرها:
- آنسه "ليلى" حضرتك إنسانه محترمه، وأرجو إنك تكوني شايفاني بنفس الصورة، ودي كلها دقايق ونوصل المستشفى، مفيش داعي للرفض وخلاص، وبعدين إعتبري إنك أخدتي تاكسي، المهم تبعدي عنهم دلوقتِ.
إنه محق تمامًا فلا داعي للعناد فهي بالفعل ممتنة لمساندته لها، كما أنه يبدو عليه أنه مختلف، والأهم من كل ذلك عليها الإبتعاد عن هؤلاء عديمي الشرف.
أومأت بخفة لتتجه نحو السيارة برفقته مضطرة على مضض أن تستقلها معه للإبتعاد عنهم واللحاق بموعد مناوبتها الذي إقترب موعدها.
بقلم رشا روميه
صمت طويل صاحبهم حتى وصلوا للمستشفى لكن عقولهم قالت الكثير والكثير، فور أن أوقف "نور" السيارة ترجلت منها "ليلى" بدون تأخير قائلة دون النظر نحوه لخجلها من مرافقته بالسيارة:
- شكرًا يا دكتور.
قالتها وقد ظنت أن الموقف إنتهى بتلك اللحظة لكنها لم ترى تعلق نظراته الملاحقة لها حتى غابت عن ناظريه حين دلفت للداخل، تناسى تمامًا نفسه لبضع دقائق قبل أن يترك السيارة متجهًا لداخل المستشفى أيضًا.
لحظات خاطفة من الزمن شعر بهم بإحساس إنتفض له قلبه وتمنى ألا تنتهي تلك الدقائق التي صاحبته بها رغم صمتها، وفي النهاية سحب نفسًا قويًا وهو يعدل من هندامه متجهًا صوب مكتب "سامح" بشكل مباشر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
كاذبة حين أدعي لا مبالاتي، حين أراك كالجميع، حين أتجاهل لهفتك وإهتمامك، فلا تصدقني، فلقد كذبت على الجميع حتى نفسي، فأعلم أن كذبي لأنك غريب فأنا أدرك أنني أستحق.
رشا روميه
جلست "ليلى" بغرفة التمريض تلتقط أنفاسها المتلاحقة وتهدئ من نفسها المختلجة، ورغم عن التوتر والرجفة التي أصابت جسدها إلا أنها إبتسمت بخفة، لقد كانت تلاحظ كل نظرة جانبية إختلسها تجاهها، كل تردد قبل حديث معها وإن لم يتفوه مطلقًا، لكنها شعرت برغبته بالحديث لكنه إكتفى بالمشاهدة الصامتة.
إنها ليست عديمة الشعور، لكنها تدرك أنه غريب عنها، لم يتقابلا سوى مرتين، وبكلاهما كانت له نظرات خاصة لم تفهمها، لكن يكفيها ما شعرت به اليوم من إحساس طغى على كل ما كانت تتوق له، إحساسها بالأمان حين تدخل لمنع هؤلاء الشباب عن إيذاؤها، غضبه حميته شهامته ولينه وتلهفه.
كلها إنفعالات رأتها به بدقائق قليلة ليلفت نظرها لشئ أعمق، أنه هذا الشاب به جاذبية من نوع آخر، نوع سكن بداخلها دون تردد، لقد إقتحم الحصن بدون أي معارك.
لملمت إبتسامتها وهي تبدل ملابسها للمرور بوالدها أولًا قبل بدء المناوبة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مكتب سامح الحداد..
إستكمل "سامح" مكالمته الهاتفية مع مدير المستشفى الأهلية ليوضح له بعض الحالات الضرورية التي تستدعي تواجده:
- متقلقش يا دكتور، أنا بإذن الله حكون موجود عندك بكره أتابع الحالات دي بنفسي، بس النهارده زي ما حضرتك عارف أنا موجود في الهلال، تمام حضرتك، في رعاية الله، مع السلامه.
أنهى مكالمته لينظر لتلك الممرضة التي كانت تنتظر انتهاءه من مكالمته لتمد يدها بأحد أغلفة الأشعة قائلة:
- دي نتيجة الأشعه إللي إنت طلبتها يا دكتور "سامح".
فتح "سامح" المغلف وهو يتمعن بها قائلًا بهدوء:
- خلاص تمام، متشكر اوي، أنا رايح له على طول.
أومأت الممرضة بتفهم لتخرج من غرفة المكتب لتتقابل مع "نور" الذي حضر للتو، لمعت عيناها ببريق إنجذاب لهذا الطبيب الوسيم لتفتح له باب المكتب بلطف:
- أتفضل يا دكتور، صباح الخير.
أجابها بعجالة وهو يدلف للداخل:
- صباح الخير.
مازال لقائه الثاني بـ"ليلى" يؤثر به ليتخذ جلسته بأحد المقاعد مباشرة دون توجيه حديث من أي نوع لـ"سامح" الذي لاحظ شروده وإنشغاله.
نفس الإضطراب والرجفة، نفس تشتت الذهن والحيرة، لقاء آخر لكن بطعم اللقاء الأول أيضًا، كل ما يدفعني تجاهك هو الفضول، لكني وجدت بك شيئًا غريبًا، شئ يعيد توهج روحي لا أود التخلي عنه، لكن مازال هناك جانب غريب بداخلك وداخلي، جانب يسبب الحيرة والكثير من الظنون.
لكنه يشهد لها بالقوة، فقد إستطاعت "ليلى" الإستحواذ والسيطرة على تفكيره بسهولة، أمر لم تقدر عليه سواها حتى "نسرين" ذات نفسها.
وما بين إدراكه لما يفعله به لقاءها إلا أنه أخذ يعيد على نفسه ألا ينخدع بالمظاهر، وإن ينتبه لسبب تواجده هنا ومساعدة "نسرين".
موجة تطمئن قلبه، وأخرى تقلقه، وما بينهما يتلقى التلاطم والعواصف، تخبط جعله يشعر بألم برأسه ليمد أصابع كفه يفرك جبهته كمحاولة فاشلة لتخفيف الألم.
وبعد دقائق من التشتت والتخبط رفع أخيرًا "نور" بصره تجاه "سامح" لتعلو عيناه نظرات الإندهاش حين وجد سامح يسند وجنته لقبضة يده ويناظره بإبتسامة تحمل بعض السخرية والمزاح، إقتضبت جبهة "نور" قائلًا بإستغراب:
- مالك يا أخينا إنت، بتبص لي كده ليه؟!!
نظر "سامح" متعجبًا من صديقه قبل أن يجيبه بتهكم مازح:
- مالي أنا!!!! ولا مالك إنت؟!! هو فيه إيه داخل كده ولا سلام ولا كلام، وقاعد سرحان ومش معايا خالص؟!
حتى تشتته لا يشعر به، ليهتف به "نور" بإندهاش:
- أنا!! لا طبعًا، أنا عادي جدًا على فكره، مفيش أي حاجه، قصدك إيه؟!
نهض "سامح" وقد تحول مزاحه لجدية تامة وربما قلق على حال صديقه غير المعتاد:
- لااااا، ده بجد بقى!! فيه إيه يا "نور" أنا عمري ما شوفتك متلخبط كده، متقلقنيش عليك، لو فيه حاجه حصلت قولي.
زاغت عينا "نور" لوهلة قبل أن يجيب "سامح" بتهرب:
- إنت عاملها حكايه ليه كده!! أنا لا متلخبط ولا حاجه، إنت فاكرني زيك بغرق في شبر ميه ولا إيه!!
لم يهتز هذه المرة من سخرية "نور" من خجله، بل نظر نحوه "سامح" بنظرة عميقة لها مغزى كاشف لما يحاول إخفائه، ليسأله بهدوء وإبتسامة مميزة:
- متهربش من الموضوع، إنت فيك إيه؟!! إنت مش طبيعي يا "نور" وأنا عارف ده كويس، فيك حاجه متغيره أنا متأكد، هو أنا أول مره أعرفك.
كلاهما لم يعتاد الكذب، وكلاهما يفهم الآخر من نظرة عين، تردد "نور" بإخباره بأمر ميراث "نسرين" وخطتهما لإستعادة حقها، ليكتفي "نور" بالصمت والهروب من هذا الإيضاح الذي يشعر الآن أنه مخطئ وأنه ليس بصالحه.
بوصلة تشير للصواب فقط تكمن بداخلنا تسمى (الضمير)، فما تخفيه بداخلك وتخشى من مجرد ظهوره فهو خاطئ، هذا قانون القيم.
إرتبك "نور" لسؤال "سامح" المباشر لينهض من جلسته قائلًا:
- مفيش حاجه يا "سامح"، أنا ورايا مرور على الحالات وإتأخرت أوي.
سحب "نور" معطفه الأبيض المعلق خلف "سامح" ليرتديه بتعجل ليلحق به "سامح" يرافقه دون ضغط على "نور":
- خدني معاك، أنا رايح أشوف عم "عزت"، الظاهر إن عينيه تعبته شويه والتحليل بتاعه مش مريحني.
- أنا كمان كنت حروح له دلوقتِ.
ليغادرا المكتب متجهين لغرفة "عزت" فبداخل كل منهم غرض مختلف، لكن كلاهما لن يتوانا عن مساعدته وعلاجه فهذا ضمير المهنة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
كأن إسمها وصفها، حتى عيونها الساكنة كـ ليل طال، وجهها كبدر القمر، فيه يجتمع العاشقين ودلالهم، فيه تهدأ النفوس وشجنها، بريقها كنجمة تحتل السماء، أنيقة راقية وإن لم تتحدث، إن كانت الشمس هي وهج الحياة إلا أنها حارقة، فما ألطف من ضوء القمر يتخلل مسك الليل.
غرفة عزت الحناوي...
رغم أنه مازال لم يبدأ بعد وقت المناوبة، وقد إستغلت "ليلى" هذا الوقت المتبقى لتبقى مع والدها بعض الوقت، تمدد "عزت" بوهن زائد بالفراش فكل يوم تزداد الأعراض والتداعيات لحالته الصحية، حتى العلاج لا يؤثر به مما يزيد قلقها عليه.
أغمض "عزت" عيناه التي تؤلمانه بشدة بينما جلست "ليلى" إلى جواره تربت فوق كفه بحنان تفتقره.
طرقات خفيفة بباب الغرفة تبعها ولوج "سامح" ومن بعده "نور"، تقدم "سامح" نحو "عزت" مغمض العينين بينما كانت تتباطئ خطوات "نور" بشكل كبير فقد تعلقت عيناه رغمًا عنه بتلك الحسناء التي تسرق عينيه كلما تواجدت.
وقف يتمعن بملامحها المختنقة وحزنها الظاهر بسبب إعياء والدها ليتملكه تأثر حزين يشاطرها به، مجرد هدوء صامت وأعين حزينة جعله يود لو يسحبها بعيدًا عن الجميع ليربت بحنو فوق قلبها التعيس ويزيح عنها حزنها وتأثرها.
لم أحزنه حزنها؟! لم يود لو أن يبقى معها ويختفي الآخرون ليرسم فقط بسمة فوق شفتيها العذبتان الحزينتان؟!
لقد بعثرت أوراق خريفه بمجرد نظرة حزينة، نظرة صادقة بالتأكيد فهو يدرك تمامًا الصدق من الكذب وهي بالفعل صادقة، لم يهتم لمن بالغرفة سواها.
إبتسم "سامح" بوجه "عزت" قائلًا:
- صباح الخير يا عم "عزت".
- صباح الخير يا دكتور.
حوار جانبي لم يهتم له "نور" الذي ظل يحدق بـ"ليلى" بقوة، تلك النظرات التي علت مقلتيه بفعل سحرها الغريب عليه والتي ما إن رأتها "ليلى" طالعته بنظرة متسائلة دون فهم، فلم ينظر نحوها بتلك النظرات الغير مفهومة.
لم تطل بنظرها نحوه لتعود لمن يهمها فقط بتلك الغرفة لتتحدث بالنهاية بصوتها الدافئ:
- طيب يا بابا، أنا كده معاد مناوبتي جه ولازم أروح العياده، حسيبك مع الداكاتره وأروح أنا، أول ما أخلص حجيلك على طول.
- ماشي يا بنتي.
بإيمائة خفيفة إستأذنت منهم "ليلى" لتخرج من الغرفة ومازالت عينا "نور" تتابعانها، أسرع "نور" على الفور بوضع كفه فوق كتف "سامح" قائلًا:
- معلش يا دكتور "سامح"، أنا نسيت حاجه ضروري أوي حروح أجيبها وأرجع.
-مفيش مشكله.
قبل أن ينهي "سامح" عبارته كان "نور" يغادر الغرفة بخطواته المتعجلة ليلحق بـ"ليلى"، والتي أسرع بندائها:
- آنسه "ليلى"، لو سمحتِ!!
إنتبهت له "ليلى" ملتفتة إليه دون النظر إليه مباشرة، ذلك الإختلاج الذي أصبح يصيبها مؤخرًا من وجوده جعلها تنحي عينيها عنه، لتجيب بهدوء:
- نعم يا دكتور.
لقد إندفع بفعله مرة أخرى، وقف يبحث عن الكلمات التي ضاعت منه فما كان عليه اللحاق بها، لكنه لم يقدر على ذلك، لم يتحمل رؤية حزنها دون أن يُحدثها، تضاربت خفقات قلبه المتسارعة وهو يسألها:
- مالك؟ زعلانه ليه؟ حاجه زعلتك تاني؟
بعض الصدمات تدمرك، تحطم من نفسيتك، تصارعها بقوة وقد تغلبك، لكن هناك صدمات من نوع آخر، صدمات مفاجئة لا نقدر بها على إستيعاب الإهتمام والحنان، ذلك لمن إعتادوا التخاذل والجفاء، فالطمأنينة لهم فخ يخشون الوقوع به.
رفعت "ليلى" عيناها بصدمة وتفاجئ من إهتمامه بمجرد نظرة حزينة إعتلت وجهها، طالت نظرتها المندهشة بسوداوتيها بداخل عينيه لترى نفس النظرات التي لا تفهم معناها، لكنها شعرت بالخجل، إضطراب غريب حل بقلبها، إحساس مفاجئ لا تدري هل هو مفرح أم مزعج لكنها مضطربة بقوة.
خفضت عينيها مرة أخرى لتتحرك بخطوات مسرعة تهرب من شعور يقتحم حياتها الباهتة، شعور لا تقدر عليه فقسوة حياتها لا تسمح لها بزيارة السعادة ولو صدفة.
بقلم رشا روميه
إحساس غريب من شخص غريب، إضطرها للهرب، لكن "نور" لم يترك لها المجال لذلك ليلحق بها معترضًا طريقها فما عاد للعقل والحكمة سيطرة، وتجلت به بعض التصرفات الصبيانية التي يحتاجها المرء من وقت لآخر حتى لا يفسد الفرص التي تأتيه لإقتناص السعادة.
أعاد سؤاله بإهتمام وتلهف:
- ليه زعلانه بجد؟
تهدجت أنفاسها بقوة وتشتت ذهنها بعدة تساؤلات بداخل رأسها الصغير:
-( هو بيكلمني كده ليه؟! ليه مهتم أوي كده؟! أنا محدش إهتم ولو مره واحده أنا زعلانه ليه؟ لالا، فوقي يا "ليلى" إنتِ حتضعفي قدام أول كلمه حنينه ولا إيه!!!! إنت مش ضعيفه كده خليكِ قويه).
رفعت رأسها بهدوء وتحلت ببعض البرود بإجابتها:
- أبدًا يا دكتور، أصل أنا قلقانه على بابا وتعبه بس، مفيش حاجه.
وقبل أن تعطيه الفرصة لأكمال حديثه قطعته هي بالمغادرة بخطوات متسارعة نحو غرفة التمريض هربًا منه، لتحتل علامات الخيبة فوق وجهه وهو يطالع تركها له ليضطر للعودة لغرفة "عزت" مرة أخرى بنفس ضائقة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
غرفة التمريض..
دلفت "ليلى" للغرفة وقد رُسمت شبح إبتسامة باهتة فوق ثغرها ثم عادت لتمنعها من الظهور، ما بين إرتباك وسعادة ورجفة وخوف جلست تلتقط أنفاسها تتذكر طريقته الغريبة معها، فهي بالنهاية تتوق لأن تشعر بأنها فتاة أحلام أحدهم، أن تتبادل الحب مع من يستحقها.
ثم تعود لتنهر نفسها من تجاوبها مع مجرد كلمة، فربما لا يقصد ما فهمته، ربما فقط يطمئن، لتتأرجح أفكارها بين محب عاشق، وبين لا مبالي وظنون، حتى قطعت أفكارها رفيقتها "نهى" التي دلفت للتو:
- إيه يا "ليلى" مش ناويه تروحي لـ"مروة" زي ما قولتي؟
إنتبهت "ليلى" لسهوها بأمر "مروة" وإطمئنانها على حالها، زمت شفتيها بضيق من تقصيرها لتؤنب نفسها بقوة على نسيانها:
- يا خبر أبيض، ده أنا نسيت موضوع "مروة" ده خــــــــالص، إنتِ كلمتيها تاني، هي لسه تعبانه؟
- أنا كلمتها ردت عليا مامتها وقالتلي إنها مش قادره ترد على التليفون.
إتسعت عينا "ليلى" بإندهاش:
- يااه، للدرجه دي، إحنا لازم نروح نطمن عليها ضروري.
- إمتى طيب؟
دارت عينا "ليلى" بتفكر ثم هتفت بـ"نهى":
- النهارده على طول، كفايه تأخير، نخلص المناوبه ونروح لها.
- خلاص تمام، أول ما نخلص نروح سوا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ـ
أقسى ما يمر بالمرء هو أن يكون جلاد لنفسه، فلا تهاون أو إخفاء للحقيقة، فبداخله يقين بذنبه ويقر بضرورة العقاب.
بداخل غرفة "عزت" إمتعض وجه "سامح" بتأثر لما يفعله هذا الرجل بنفسه، إحساسه المتعاظم بالذنب جعله يستسلم لكل شئ حتى المرض، حاول "سامح" تخفيف وطأة إحساسه هذا بحديثه اللطيف الذي يسقط كقطرات المطر تطفئ الجمر المشتعل:
- خلاص بقى يا عم "عزت"، مش عايز أشوفك بتتكلم كده تاني، شوف زودت على نفسك التعب إزاي.
أكمل "عزت" حديثه مع "سامح" برغم عودة "نور" الذي دلف للتو وهو يؤنب نفسه على تسرعه بالذهاب خلف "ليلى".
تنهد "عزت" بتحسر قائلًا:
- والله يا إبني أنا تعبت خلاص ومش قادر أستحمل أكتر من كده.
- بس مش معنى كده تفكر باليأس ده يا عم "عزت"، ما إحنا قولنا قبل كده.
تحركت مقلتي "نور" بين كلاهما بدون فهم، لكنه تدخل بإشفاق على حال هذا الرجل، فرغم ظلمه إلا أن المرض لا شماتة به:
- إيه يا عم "عزت"، بتدلع علينا ولا إيه!!
ربما قالها "نور" ببعض المزاح للتخفيف عن "عزت"، لكن إجابة "عزت" كانت جادة بشكل إسترعى إنتباه "نور" الكامل، تهدلت ملامح "عزت" بإنكسار وهو يجيبه:
- أبدًا يا إبني والله، بس حاسس إن خلاص أيامى بقت قليله في الدنيا وخايف أحسن ربنا ميغفرش ذنبي.
عقب "سامح" على الفور:
- تقوم تعمل كده؟!!!
كلماته الممازحة ما كانت إلا مجاملة لهذا الرجل، لكن حين تمعن "نور" بحديث "سامح" و"عزت" بشكل أكبر إنتبه أن ما يتحدثون عنه له مغزى أكبر، ومضت عيناه لوهلة متذكرًا سبب مجيئه بالأساس، فعلى ما يبدو أن ما يناقشونه له علاقة بأمر ميراث "نسرين".
وفيما أكملا حديثهما أخذ "نور" يتمعن بتركيز شديد ما يقولونه، لكنه رغم ذلك لم يدرك تمامًا ما يتحدثون عنه، لكن إزدادت الشكوك بداخله.
أنهى فحصه لـ"عزت" وقد إزداد حيرة بين شفقة على حالته التي تعد ميؤس منها وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم لضعف مناعته، وبين حنقه من إستيلائه على أموال هؤلاء الأيتام.
بقلم رشا روميه
لكن حديث "سامح" مع "عزت" بقي عالقًا بذهن "نور" الذي أدرك أن صديقه الخلوق يعلم بالأمر وعليه سؤاله عن ذلك.
خرجا من غرفة "عزت" ليسأله "نور" دون تأخير:
- بقولك إيه يا "سامح"، عايز أسألك سؤال، هو إنتوا كنتوا بتتكلموا على إيه؟ أنا مفهمتش حاجه؟
لم يكن يدعي أو يتظاهر، بل تحدث "سامح" بكل تلقائية ووضوح كضميره تمامًا:
- دي أسرار مرضى، وإنت عارفني كويس، مقدرش أتكلم فيها!
عقد "نور" ملامحه بجدية فهو يريد بالفعل إدراك الحقيقة والتي لا يبعدها عنه سوى كلمات من صديقه:
- "سامح"!! وبعدين معاك، بلاش المثالية دي، غير إنه لو كان سر كنتم سكتوا لما دخلت، لكن فضلتوا مكملين، يعني عادي أعرف، ها قول.
- يا دكتور، دي حاجه متهمكش أوي.
توقف "نور" يناظر "سامح" بجدية تامة وهو يلح لمعرفة الأمر:
- لأ، أنا بجد عايز أعرف، ريحني بقى.
تعجب "سامح" من أمره، فليس من طباع "نور" التدخل بهذا الشكل والإلحاح عليه أيضًا:
- مالك بقيت لحوح كده ليه؟! أول مره أعرف انك لحوح أوي كده!!
- قولي بس وأنا حفهمك كل حاجه.
قالها "نور" بقلة صبر فيما لم يجد "سامح" بُد بإخباره ليردف:
- خلاص الأمر لله، تعالى مكتبي وأنا أقولك بس متجبش سيره لحد.
- متقلقش.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
إعتقادك أن العالم سيعاملك بلطف لطيبة قلبك تمامًا كإعتقادك بأن الأسد لن يأكل الغزال لأنه نباتي، فبعض الأحيان يتوجب عليك إظهار شراستك لحماية نفسك، فالطيبة طيلة الوقت تعد إنهزام.
رشا روميه
بين عائلة مكاوي(شقة أنور وزهرة)..
غياب "أنور" تلك الأيام جعل "زهرة" تشعر بالسكينة والراحة، إلتزامها البقاء بشقتها جعلها أيضًا تتجنب الإنجراف نحو الخطيئة إن تصادف لقائها مع "محمود".
إستيقظت هذا الصباح تتفكر بحيرة، فقد إشتاقت لتلك الأم الحنون "فردوس"، إنزوائها بنفسها جعلها تبتعد عنها أيضًا.
لكن اليوم تفكرت بأن تهبط لشقة والدا "أنور" بعد رحيل الجميع للإطمئنان على "فردوس" فقد إشتاقت إليها كثيرًا.
لكن القدر لم يمهلها الفرصة لتلك الزيارة، فحين تحركت نحو الغرفة لتبديل ملابسها سمعت صوتًا قبض قلبها تمامًا، إنه صوت إغلاق باب الشقة.
غصة علقت بقلبها حين أدركت بعودة "أنور" الغائب، زادها رهبة صوته المغثي يصرخ قائلًا:
- إنتِ فيــــــــــــــن؟!!
إبتلعت ريقها بفزع وهي تلتف للخروج من الغرفة لمقابلته، فحتى كلمات الترحيب والسلام تلاشت تمامًا من بين شفتيها.
تقدمت بضع خطوات لتقف أمامه بصمت تام ووجه متخوف، فهي لا تدري ماذا سيفعل معها الآن، تقدم نحوها بعيناه النصف مفتوحة قبل أن يهتف بها بتقزز:
- عايز فلوس.
رفعت "زهرة" كتفيها وأهدلتهما لتجيبه:
- أنا مش معايا حاجه، وإنت أخدت الدهب كله!!!!!
كلمات متعقلة تستوجب رد عقلاني، لكن ممن؟! فهو مغيب العقل والإدراك، عقد "أنور" ملامحه بغضب ليستكمل بصراخ:
- قولت لك، عايز، فلووووووس.
صراخه هذا ينبئ بثورة قادمة، ثورة لا تستطيع مجابهتها، إنها تدرك مأزقها الذي وضعت به، ففي هذا الوقت لا يوجد سواها و"فردوس" فقط بالمنزل، ستهلك معه لا محالة إن صب غضبه عليها مرة أخرى.
حاولت التحدث بهدوء ولين فلا داعي لأن تثير أعصابه:
- والله يا "أنور" أنا ما معايا حاجه.
لوي "أنور" فمه لبعض الوقت ليهتف بها بعد تفكير ماكر ليحصل على ما يريد:
- يبقى تيجي معايا زي الشاطره كده، لأنك لازم تنفعيني بحاجه، مش حتفضلي زي قِلتك كده.
يأخذها معه؟!!! إلى أين ولماذا؟ وكيف سترفض ذلك، إنها أضعف من مقاومته، إرتجفت نبرتها وهي تسأله بضعف:
- آجي معاك فين؟!!
- إشش، إسكتي خــــــــــــالص، فاهمه.
أخرج هاتفه من جيبه ليتصل بأحدهم قائلًا:
- أيوه يا "تيمو"، مش إنتوا عايزين واحده، بكام في الساعه، خلاص، أنا عندي، بس حضرلي المعلوم، ومتعملش زي المره اللي فاتت، خلاص إشطه، جايلك في السكه، ماشي يا صاحبي.
كل كلمة نطق بها كانت تقع على مسامعها بهلع، إرتجفت شفتيها وهي تطالع نظراته الفارغة نحوها، ذعر إحتل كيانها لما سيُقدم عليه هذا المدعو زوجها، لقد تقبلت تلك الحياة رغمًا عنها، لكنها لن تسقط بهاوية أخرى، لن توافق عديم النخوة والشرف هذا.
لكنها كيف ستهرب منه، هل كُتب عليها الإختيار بين أمرين كلاهما مُر، إما أن تعود لزوجة أبيها أو تبقى مع عديم النخوة هذا، تراجعت "زهرة" تحذر "أنور" مما سيقدم عليه:
- اوعى!!! على الله يا "أنور"، كله كوم و إللي حتعمله ده كوم، إنت فاكرني إيه، إنت راجل إنت؟؟!!!!
سترفض ذلك مهما كلفها الأمر، ستقف بمجابهته، فلن ينفعها الطيبة والإستسلام، طريقتها التحذيرية أثارت غضب هذا الحانق:
- أنا راجل غصب عنك!!!!
أمسكها "أنور" من شعرها بقسوة وهو يشعر بالإنتصار فهذه المرة لن يتصدى له أحد، كما أنه يمكنه أن يجني من ورائها الكثير من المخدر بصورة أسهل مما يتخيل، دفعها لمرافقته وهو يجذبها معه بقوة للخروج من الشقة:
- إتجري قدامي.
تعالت صرخاتها طلبًا للنجدة، فلن تستسلم وتنصاع له حتى وإن كانت حياتها مقابل ما سيجبرها عليه، أليس هذا من يفترض منه الأمان والإحتواء؟! ما لهذه الدنيا قُلبت أحوالها وبقى القريب غريب، والغريب أحن؟!!!!!
ستقاوم هذا المعتوه فلن ينفعها ضعفها، فلا يوجد من ينقذها هذه المرة، لقد وقعت بشر أعمالها وإن لم تقدر على مقاومته ستسقط تلك المرة دون نجاة مطلقًا.
مقاومة وصراخ متتالي وتشبث بالأيدي والأقدام لكن "أنور" إستطاع بالفعل دفعها بسهولة للخروج من الشقة، ولم يبقى له سوى الدرج ليصل لخارج المنزل بأكمله ليبدأ طريق الضياع لكلاهما.
