رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الخامس عشر
خرج من غرفته ليرى هل يوجد أحد بالخارج، وما إن تأكد أنه لا يوجد غيره حتى عاد إلى غرفته مرة أخرى، وأخرج ورقة صغيرة، ثم قام بقطعها ليفرغ محتويات الكيس الورقي. كان المحتوى عبارة عن بودرة بيضاء اللون. قام بتنظيمها على المكتب أمامه، ثم بدأ في استنشاقها بهدوء شديد. وما إن انتهى حتى نهض من مكانه وألقى بجسده على الفراش، لينظر إلى الأعلى وهو يفكر كيف أصبح مدمنًا للمخدرات بهذا الشكل.
اختلق عذرًا لنفسه واقتنع به، لكن في تلك اللحظة انقطع تفكيره؛ إذ دلفت من لم يكن يتوقع حضورها الآن، وقالت بهدوء يُبشر بعاصفة:
- مكنتش مصدقة لغاية ما شفت بعيني.
اعتدل ونظر لها بوجه شاحب ليقول:
- نيران؟ أنتِ هنا من إمتى؟
نظرت له نظرات تحمل الحزن والألم قبل أن تقول:
ل- يه كده يا طيف؟ ليه تضيع نفسك وتدخل السم ده جسمك؟ أنت بتدمر نفسك ببطء.
نظر إلى الأسفل وقال بانكسار:
- لما بدأت مخدرات كنت مكسور والدنيا بايظة معايا. كانت هي اللي بتنسيني وبتخليني فرحان وسط كل الحزن والوجع اللي أنا فيه. كنت كل ما أصدع من كتر التفكير في الهم اللي أنا فيه أجري وأشم، وساعات كنت باخد حقن، بغيب عن الحياة وعن أي حاجة تعكر مزاجي.
تقدمت وأمسكت بيده التي خارت قواها بفعل هذا السم، وهتفت:
- فرح ونسيان مؤقت يا حبيبي، عمر المخدرات ما كانت حل أبدًا. دي دمار وهلاك للجسم. طيف أنا عارفة إنك عديت بأوقات صعبة كتير وعشت تفاصيل صعبة، ويمكن اختيارك للمخدرات كان غصب عنك، علشان كده عايزاك نبدأ من جديد.
في تلك اللحظة دلف «أيمن» الغرفة، واقترب من ابنه واحتضنه بقوة، وللمرة الأولى منذ وقت طويل بكى بشدة وهو يضمه إليه. ربت على ظهره وقال:
- أنا آسف يا ابني، آسف إني قسيت عليك وسيبتك توصل للي وصلت له ده. من النهارده مش هسيبك يا طيف، وهعالجك من السم ده علشان ترجع تقف على رجلك من جديد.
ابتسم «طيف» فسحبته «نيران» من يده وهي تقول:
- تعالى معايا، لازم تفوق من القرف ده.
أدخلته المرحاض وفتحت صنبور المياه، قبل أن تدفع رأسه لتضعها أسفل الماء. دعكت رأسه بالماء، ثم سحبته قبل أن تجفف رأسه بالمنشفة وهي تقول:
- كده تفوق وتدرك اللي حواليك.
ابتسم وقال بحب:
- على فكرة، أنتِ شكلك قمر النهارده.
رفعت أحد حاجبيها وقالت:
- لسه مفوقتش ولا إيه؟
ضحك وقال بهدوء:
- هو علشان بعاكس مراتي أبقى مش فايق؟ حد يشوف القمر ده وما يعاكسوش؟
ابتسمت وأمسكت بيده وهي تقول:
- مش مصدقاك طول ما أنت شارب مخدرات.
رفع أحد حاجبيه وقال بتعجب:
- طب هتصدقيني إمتى إن شاء الله؟
سحبته للخارج وهي تقول بصوت مسموع:
- لما تتعالج يا حبيبي.
هنا تحدث «أيمن» وهتف بنبرة جادة وصارمة:
- أولًا أنا مش هوديك مصحة، لكن فترة العلاج هتكون في البيت، ومش هتخرج غير للضرورة.
قطب «طيف» جبينه وهتف باعتراض:
- طب والشغل؟!
أجابت «نيران» عن هذا الجزء بالتحديد، وأكملت حديث «أيمن»:
- انسى الشغل خالص. أولًا لازم تتعالج وهيجيلك الدكتور مخصوص البيت، وأهم حاجة أول أسبوعين دول مرحلة سحب السموم.
أكمل «أيمن» الذي تقدم صوبه قائلًا:
- وفي الوقت ده هيجيلك برضه دكتور متخصص علشان موضوع الذاكرة. نيران قالتلي إنك بدأت تفتكر مواقف معينة.
نظر «طيف» إلى كلٍ منهما وقال:
- أنتوا مخططين بقى من قبل ما تيجوا! وبعدين فين الواد أحمد؟ أنتوا خلصتوا عليه ولا إيه؟
ضحكت «نيران» وقالت:
- راح الشغل.
رفع حاجبيه بدهشة وهو يقول:
- يا ندل! سلمني ليكوا وخلع!
***
تحرك «رماح» بغضب شديد وسار في الطرقات حتى وصل إلى مكتب «فهد»، وفتحه بقوة وهو يقول بغضب:
- واضح إننا هنا بنلعب؟!
نهض «فهد» من مكانه وقال بنبرة تحمل القلق:
- حصل إيه يا رماح باشا؟
رفع «رماح» صوته وهتف بنبرة حادة:
- اللي حصل يا بيه إنك واللي حاططهم يراقبوا مرزوق الشيمي نايمين على ودانكم.
التف «فهد» حول مكتبه واقترب منه ليقول متسائلًا:
- مرزوق الشيمي تحت المراقبة زي ما سعادتك أمرت بالظبط، وامبارح اتحرك من الشركة متأخر على صلاة العشاء وروح البيت.
صاح فيه مرة أخرى وقال بغضب:
- البيه غفلكم وخرج حد مكانه، وبعد ما مشيوا وراه خرج هو، والله أعلم راح فين وعمل إيه. أنا لو مكلف ظابط لسه متخرج ما كانش اتغفل التغفيلة دي يا بيه.
نظر «فهد» للأسفل وقال بنبرة هادئة:
- آسف يا رماح باشا، أوعدك ده مش هيتكرر تاني، وأنا هحاسبهم بنفسي.
لم يتحدث «رماح» أكثر من ذلك، بل اكتفى بنظرات لوم وغضب له قبل أن يرحل من مكتبه، بينما تحرك «فهد» ليُصلح ما يمكن إصلاحه.
***
تناول «أحمد» وجبة الإفطار الخاصة به بسرعة كبيرة، قبل أن يصله اتصال آخر، وما إن انتهى حتى وردته مكالمة من أحد العملاء، فأجاب وهو يقول بهدوء:
- أهلاً بحضرتك، معاك أحمد من شركة جيجا لخدمات الإنترنت، أساعد حضرتك إزاي؟
جاء رد العميل:
- معلش استأذنك أنت متجوز؟
تعجب «أحمد» من سؤاله، لكنه أجاب:
- لا والله يا فندم.
- طيب بالله عليك، حول المكالمة لزميل ليك يكون متجوز ضروري.
قطب جبينه وقال بهدوء:
- يا فندم إحنا شركة جيجا لخدمات الإنترنت، مش مكتب استشارات عاطفية، علشان لو حضرتك متصل غلط بس.
جاء رد العميل، والذي كان طبيعيًا:
- يا أستاذ عارف والله، بس أنا دلوقتي مراتي غضبت وسابت البيت، وده كله علشان نزلت أجيب للواد بامبرز، وبدل ما أجيب مقاس 5 جبت مقاس 3. وطبعًا الواد ما شاء الله منفوخ شوية، فالبامبرز ما جاش على مقاسه، فمراتي مسكت فيا وسمعتني من المنقي خيار! بتقولي إنها قالتلي أجيب مقاس 5 وإن أنا مش مركز فشكلي كده متجوز عليها، طبعًا أنا حلفت لها إني مش متجوز وإن ضغط الشغل خلاني ما ركزتش، بس بالتبرير ده بدل ما أكحلها عميتها خالص.
لقيتها بتقولي يعني أنت مش مركز معايا ومبقتش تحبني زي زمان، وجايب للواد بامبرز مقاس صغير علشان يجيله تسلخات وتنتقم مني؟! هو أنا هنتقم منها في ابننا ليه؟ مش فاهم! روحت علشان أجيبها من بيت أبوها لقيت أبوها بيقولي أنت مستهتر ومش عارف تشيل مسؤولية، معقولة حضرتك علشان نسيت وجبت بامبرز مقاس 3 بدل 5 أبقى مستهتر ومش بشيل مسؤولية؟
فكر «أحمد» في الأمر وقال:
- طب ما جربتش ترجع البامبرز في نفس اليوم وتبدله بمقاس 5 قبل ما المشاكل دي كلها تحصل؟
أجابه العميل بضيق:
- جربت والله يا أستاذ، بس ما كانش فيه مقاس 5 من النوع اللي إحنا بنجيبه، فبالتالي جبت من نوع تاني، لقيتها اتعفرتت وبتقولي النوع ده بيعمل تسلخات، وإني مهمل ومش مهتم بابننا، هل أنا مش مهتم بابننا؟
تأثر بمشكلته وأجابه بود:
- لا مهتم طبعًا. وبعدين يكفي إنك تعبان طول النهار وشغال، وكمان تنازلت وروحت جبت البامبرز. كان نفسي أقولك دي نكدية طلقها واستريح بس الواد هيتمرمط من بعدكم. أقولك حاجة تصالحها بيها؟ إيه رأيك تجيب باكتة بامبرز مقاس 5 من النوع اللي بتجيبه وتروح تصالحها بيها.
- والله يا أستاذ باكتة البامبرز دلوقتي بالشيء الفلاني وأنا مرتبي على قده، هم مش الحريم كانوا بيتصالحوا بوردة؟! دلوقتي بيتصالحوا بباكتة بامبرز؟ ليه خراب البيوت ده؟!
تذكر «أحمد» في تلك اللحظة أنه في العمل، فقال بصدمة:
- يا لهوي يا فندم، المكالمة دي متسجلة وممكن أترفد فيها، معلش لو ماعندكش مشكلة في النت اقفل دلوقتي.
- يعني هلاقيها من مراتي النكدية ولا منك يا أستاذ...
صمت لأنه نسي الاسم، فأكمل «أحمد» قائلًا:
- أحمد اسمي أحمد.
تابع العميل قائلًا:
- يا أستاذ أحمد، بدل ما تحل مشكلتي عايز تقفل في وشي؟!
لوى ثغره وبرر ما قاله قائلًا:
- والله يا فندم، أنا متخصص في حل مشاكل النت والتليفون الأرضي، الباقة بتخلص بسرعة، النت فاصل، النت بطيء، مشاكل من النوع ده لكن مشاكل زوجية، هقول لحضرتك الرقم الساخن تتصل بيه يمكن تلاقي الحل، بس خلي بالك لأنه ساخن أوي وهيلسعك.
انفعل العميل وقال بغضب شديد:
- أنت بتتريق يا حيوان؟! تلاقيها مسلطاك عليا، قادرة وتعملها المفترية.
لاحظ «أحمد» اقتراب المدير منه، فاعتدل في جلسته وقال برسمية:
- لا شكر على واجب يا فندم، أنا أصلًا موجود علشان أحل مشكلتك. ربنا يخليك، ربنا يخليك، مع السلامة يا فندم.
ثم أنهى المكالمة في الحال. اقترب المدير منه وقال بنبرة حادة:
- حاطط رجل على رجل وأنت بتتكلم في التليفون؟ وبعدين ده كله بتكلم واحد بس؟
رفع أحد حاجبيه وقال بحيرة:
- ايه يعني حاطط رجل على رجل يا مستر فارس؟ هو أنا حاطط رجلي في وش العميل؟ ده أنا بكلمه في التليفون! وبعدين مشكلته كبيرة وخلاص حليتها.
عبس وجهه ونطق بانفعال:
- المفروض منك تحل المشكلة الكبيرة في وقت قليل يا بيه.
زفر «أحمد» بقوة وخبط كفيه ببعضهما وهو يقول:
- اللهم إني صائم، بقولك ايه يا مستر فارس، عارف طيف اللي أنت عملت معاه انترفيو؟ ده يبقى ابن خالي، وخالي يبقى اللواء أيمن أبوه. أنا بس بلفت انتباهك علشان خلقي ضيق.
تبدلت طريقته تمامًا واعتدل وهو يقول:
- معقول؟ وأنا أقول أنت طالع محترم لمين، هو فين صحيح؟ عايز أسلم عليه.
وضع قدمًا فوق الأخرى وقال:
- واخد أجازة مفتوحة بمرتب عادي. وآه أنا مرتبي مش عاجبني، عايز زيادة بدل ما أزهق وأنا لو زهقت ماأضمنش نفسي.
توتر «فارس» وقال على الفور:
- ابن حلال، أنا أصلًا كنت جاي علشان أقولك إني بفكر أرقيك وأزود مرتبك للضعف.
***
وضع «مرزوق» شريحة اتصال جديدة في هاتف صغير، قبل أن يقوم بتشغيله ومهاتفة رقم دونه على الشاشة. وضع الهاتف على أذنه، وما إن رد الشخص الآخر حتى قال:
- التنفيذ كمان ساعة، العربية اللي اتفقنا عليها هتتحرك حالًا.
***
عاد «طيف» إلى منزله، فاحتضنته والدته باشتياق شديد، وجلس معها لبعض الوقت قبل أن تأخذه «نيران» إلى الأعلى بحجة أن هناك طبيبًا سيأتي لزيارته من أجل ذاكرته.
صعد إلى الأعلى، وحضر طبيب، ولكن لعلاجه من الإدمان.
جلس معه الطبيب وقال بنبرة هادئة:
- طيف، إحنا في مرحلة حرجة، وأهم حاجة في التعافي إنك تكون عايز ده من جواك وبتسعى له. لازم من جواك تكون عايز تبطل فعلًا، وده يعتبر نص الطريق. ثانيًا أي مخدر معاك ياريت تسلمهولي أو تسلمه لمراتك علشان ما يبقاش تحت إيدك أي شيء. أنت هتفضل محبوس هنا من أسبوعين لتلاتة، واستحالة تخرج، وهخليهم يمنعوك لأن وقت التعب هتكون عايز تخرج بأي طريقة علشان تجيب السموم دي.
أخرج سرنجة من حقيبته وتابع:
- كل يومين هتاخد حقنة من دي لغاية ما الفترة اللي اتفقنا عليها تخلص. هتخلص الفترة دي، وبعدين تبدأ فترة النقاهة، ودي أسهل شوية، بس لازم تبعد بأي شكل عن أي مخدر وإلا كل اللي بنعمله هيبقى في الأرض.
فرك «طيف» فروة رأسه وقال بضيق:
- بس حوار إني محبوس من أسبوعين لتلاتة ده رخم أوي، مين يقدر يقعد في البيت محبوس الفترة دي كلها؟ ده أنا لو مامتش من المخدرات هموت من الخنقة!
ربت الطبيب على كتفه وقال:
- معلش يا طيف، إحنا مضطرين لكده. وبعدين حاول تشغل نفسك وتسلي نفسك بأي حاجة، اخرج البلكونة، شم هوا، العب جيمز، وبعدين معاك نيران خدت أجازة من شغلها الفترة دي كلها علشان تبقى جنبك.
هنا تحدثت «نيران» وقالت بابتسامة:
- وبعدين الفترة دي هتخلص على العيد بالظبط يا طيف، يعني أول خروجة ليك بعد الفترة دي هتكون صلاة العيد إن شاء الله. متقلقش خالص يا حبيبي، أنا معاك خطوة بخطوة لغاية ما ربنا يتم شفاك على خير.
***
تحركت سيارة ضخمة ذات صندوق كبير، وكان بداخل هذا الصندوق سيارة أخرى، ولكن أصغر حجمًا. توقفت السيارة في كمين للشرطة في أحد الطرق، فتقدم الضابط المسؤول نحو السائق وردد بجدية:
- رخصك.
أخرج السائق الرخص الخاصة به وبالسيارة، فاطلع الضابط عليها قبل أن يقول:
- الصندوق ده فيه إيه؟
أجابه السائق بنبرة هادئة:
- فيه عربية هتتسلم للمعرض يا باشا علشان تتسلم لعميل.
حرك رأسه بالإيجاب وأشار له قائلًا:
- افتح الصندوق.
استجاب السائق لطلبه، وقام بفتح الباب الخلفي لهذا الصندوق، فتقدم الضابط وصعد مع اثنين من رجال الأمن ليقوموا بتفتيش الصندوق وهذه السيارة. قاموا بتفتيش كل جزء، قبل أن يردد أحد الرجال:
- مفيش حاجة يا فندم.
أومأ الضابط برأسه إيجابًا وهتف بجدية:
- تمام، افتحلهم الطريق.
ترك الصندوق، وأغلق السائق بابه قبل أن يعود لمقعده خلف المقود ليقود السيارة إلى وجهتها التي حُددت لها. في تلك اللحظة أخرج السائق هاتفه وقام بمهاتفة الرقم الأخير على قائمة الاتصال، قبل أن يقرب الهاتف من أذنه وهو يقول:
- العربية عدت الكمين يا باشا، التسليم هيكون في ميعاده.
ابتسم «مرزوق» ونهض من مكانه وهو يقول:
-جميل أوي، بلغني بمجرد ما التسليم يتم.
