رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل السادس عشر 16 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل السادس عشر 


بمجرد أن عبرت السيارة الكمين ورحلت عن المكان، أخرج الضابط جهازه اللاسلكي وقال بجدية:
- ألو عمليات، ألو عمليات، هدف مشتبه فيه، الهدف دلوقتي اتحرك وهو في طريقه لطريق الواحات.. جاري اتباع الهدف

***

دلف «رماح» إلى مكتب اللواء «أيمن» في عجالة شديدة، فنهض وتقدم صوبه قائلًا:
- رماح فيه قوة من القوات الخاصة جاهزة دلوقتي، هتتحرك معاهم على العنوان اللي هيوصلك، بنسبة كبيرة دي عملية التهريب اللي إحنا مستنيينها، الهدف عبارة عن عربية نقل كبيرة عليها صندوق، والصندوق ده جواه عربية مخفي فيها حاجة، الفريق كله هيبقى معاك
أومأ «رماح» برأسه إيجابًا وقال على الفور:
- تمام يا فندم.

***

انطلقت قوة كبيرة من الشرطة إلى مكان تحرك تلك السيارة، وسط تنسيق مستمر بين «رماح» قائد هذه القوة، والضابط المسؤول عن تأمين الكمين، والذي استمر في مراقبة تحركات هذه الشاحنة باستخدام سيارة غير تابعة للشرطة.

تحدث «بارق» الذي قبض على سلاحه وقال بجدية:
- اللواء أيمن قال الفريق كله، مبلغتش فاطمة ليه ورفضت تيجي يا رماح باشا؟

تابع «رماح» النظر إلى الطريق وقال بجمود:
- خليك في حالك يا بارق، أنا عارف أنا بعمل ايه.

فضل الجميع الصمت وعدم التحدث عن هذا الموضوع في الوقت الحالي، حتى الانتهاء من المهمة التي حضروا من أجلها.

وصلت القوة إلى المنطقة المحددة، وتابعوا تحركات السيارة دون التدخل المباشر حتى يتمكنوا من إلقاء القبض على الجميع أثناء التسليم.

وقفت السيارة أخيرًا في منطقة أشبه بالصحراء على طريق الواحات، وترجل السائق ومعه اثنان آخران. انتظروا لبعض الوقت قبل أن تحضر ثلاث سيارات سوداء اللون، خرج منها تسعة مسلحين ومعهم القائد الذي تقدم وقال بهدوء:
- الدهب جاهز، فين العربية؟

أشار السائق إلى أحد رجاله، فتوجه إلى السيارة وقام بفتح الباب الخلفي للصندوق قبل أن يصعد إلى الداخل ويقود السيارة إلى الخارج، بعد أن مهد الآخرون الطريق لها للخروج.

استلم أحد المسلحين السيارة، وتوجه الآخرون إلى السيارات الخاصة بهم وأخرجوا عدة حقائب. وضعوها أمام السائق ورجاله، ففتحوها لتكشف عن سبائك كثيرة من الدهب. ابتسم السائق وأشار لرجاله بأن يأخذوا هذه الحقائب إلى داخل السيارة.

في تلك اللحظة أعطى «رماح» الإشارة لرجاله بأن يتحركوا، وبالفعل هاجموا هؤلاء المسلحين، لكنهم لم يستسلموا وأطلقوا الرصاص على رجال الشرطة.

أشار «رماح» إلى جزء منهم وهتف بقوة:
- أنتم من هنا.
ثم أشار إلى جزء آخر:
- مش عايز حد يهرب.

تحرك ومعه بقية القوة، وهم يطلقون الرصاص دون توقف على هؤلاء المسلحين الذين اختبؤوا خلف السيارات. كانوا يخرجون ويطلقون الرصاص، ويعودون للاختباء من جديد وسط معركة قوية.

لم يتوقف «رماح» عن إطلاق الرصاص، وأوقع اثنين منهم، بينما تقدم «بارق» بسرعة كبيرة حتى وصل إلى أحدهم وركل سلاحه بقوة، قبل أن يطلق عليه الرصاص، فأطلق عليه ليسقط في الحال.

حاصروهم من كل الجهات، وتبقى اثنان فقط منهم بعد أن قُتل الجميع، وسقط رجل من الشرطة. رفع الاثنان أيديهما وأعلنا استسلامهما، فابتسم «رماح» وتقدم وهو يصوب سلاحه الرشاش تجاههما. وصل إليهما وقال بابتسامة:
- وقعتوا يا حلوين، مخدرات ودهب؟! فاكرينها سايبة؟

قال أحدهما بتحدٍ:
- فين المخدرات دي يا باشا؟ ده دهب بس، هي الحكومة حرمت تجارة الدهب ولا إيه؟

ابتسم «رماح» وصوب سلاحه صوب السيارة التي خرجت من الصندوق الكبير، ثم أطلق عدة رصاصات على أحد الإطارات، فتطايرت البودرة بقوة. عاد لينظر إليهما وهو يقول:
- أهي يا روح أمك، مخدرات دي ولا سكر بودرة علشان أمك تعمل بيه كحك العيد؟!

أشار إلى رجاله، فتقدموا وألقوا القبض عليهما، لكنه استمع لصوت إنذار يعرفه جيدًا. في تلك اللحظة نظر صوب السيارة الكبيرة، واتسعت حدقتاه وهو يصرخ قائلًا:
- كله يبعد!

في تلك اللحظة انفجرت السيارة انفجارًا ضخمًا هز الأرجاء، وتطاير على إثره العديد من رجال الشرطة في الهواء.

طار «رماح» في الهواء وسقط بعيدًا عن الساحة كالدمية. تألم بقوة وحاول النهوض بصعوبة، لكنه فشل وسط صفير قوي في أذنه بفعل قوة الانفجار. شعر بأن العالم يلتف من حوله ويُظلم تدريجيًا، حتى اختفى الضوء تمامًا وفقد وعيه في الحال.

***

- أيوة يا مرزوق باشا، العملية فشلت لكن سعادتك كنت سابقهم بخطوة، العربية انفجرت ومات تسعة من الشرطة، وفيه خمسة اتنقلوا للمستشفى في حالة خطيرة والبقية جروح بسيطة.

نهض «مرزوق» من مكانه وصرخ بغضب قبل أن يُلقي هاتفه بقوة ليتفتت إلى أجزاء. ضغط على أسنانه وكوّر قبضة يده قبل أن يقول:
- ضيعت مني الدهب والمخدرات يا أيمن، الانفجار ده مجرد بداية لجحيم هتعيشه أنت ورجالتك، أنا بقى هوريك مين هو مرزوق الشيمي. حظك إني عرفت متأخر إنك هتهجم على التسليم.

***

فتح «رماح» عينيه ليجد زوجته تمسك بيده، والدموع لا تفارق عينيها. ابتسم بمجرد أن رآها وقال:
- حبيبتي.
انتبهت له وقالت بلهفة:
- رماح حبيبي، أنت كويس؟

أومأ برأسه إيجابًا وقال بهدوء:
- زي القرد.

ثم تذكر ما حدث، فعبس وجهه وقال على الفور:
- بقية الناس جرالهم حاجة؟ للأسف ملحقتش أنبههم بدري.

حاول النهوض، لكنه أوقفته قائلة:
- اهدى يا رماح، أنت واخد شظية في كتفك بسبب الانفجار.

في تلك اللحظة دلف اللواء «أيمن» ومعه «بارق» الذي رُبطت يده واحتلت بعض الجروح وجهه. اقترب «أيمن» منه وقال بهدوء:
- البطل بتاعنا عامل إيه دلوقتي؟

نظر له وقال بحزن واضح:
- سيبك مني يا فندم، بقية الرجالة عاملين إيه؟ حد حصله حاجة؟

نظر «أيمن» للأسفل بحزن، بينما تحدث «بارق» بأسف:
- للأسف استشهد تسعة من رجالتنا.

صمت للحظات ثم استطرد بنبرة منكسرة:
- فهد كان من ضمن الشهداء.

وقع الخبر عليه كالصدمة، وحاول النهوض وهو يصرخ بغضب:
والله ما هسيب حقهم، سيبوني... سيبووووني!

في تلك اللحظة دلف الطبيب ومعه ثلاثة ممرضين، وقام بإعطائه حقنة مهدئة، فتلاشت قواه تدريجيًا وغاب عن الوعي من جديد، وسط بكاء «سيزكا» التي لم تتحمل رؤية زوجها وحبيبها بهذا الشكل.

***

ارتفع صوت القرآن الكريم في العزاء الذي أُقيم في حديقة الفيلا الخاصة بـ «فهد» وسط حضور كبير. خيّم الحزن على الجميع، وكانت الصدمة لم تفارق وجوههم حتى هذا الوقت.

بالداخل كان عزاء النساء، ومن بينهن «نيسان» التي كانت شاردة وكأنها غائبة عن هذا العالم، وعقلها يرفض تصديق ما حدث اليوم. كان وجهها شاحبًا، لا تبكي، لكنها شاردة في الفراغ.

احتضنتها شقيقتها «نيران» التي انهمرت دموعها وقالت بنبرة تحمل الانكسار:
- مالك يا نيسان؟ ردي عليا يا حبيبتي، عيطي بس متعمليش كدا بالله عليكي.

نظرت والدتها إلى «نيران» وقالت بنبرة تحمل الخوف والقلق:
- أنا خايفة عليها يا نيران، دي مبتتكلمش من ساعة ما سمعت الخبر، فضلت تصوت وبعدين بقت على الحالة دي.

عادت «نيران» لتنظر إلى شقيقتها وهي تقول:
- نيسان حبيبتي؟! أنا عارفة إن اللي حصل مش قادرة تستوعبيه ولا تصدقيه، كلنا مصدومين والله ومش مصدقين. فهد مات شهيد يا نيسان، نال الشهادة ودي حاجة كبيرة أوي يا حبيبتي.

نظرت إليها «نيسان» وانهمرت عبرة من عينيها وهي تقول:
- كنت لسه بكلمه قبل ما يطلع المهمة، قالي ادعيلي عندي مهمة هخلصها وأجيلك على طول علشان نفطر سوا. كنت مستنياه يا نيران وبحضر الفطار بحب، لكن مجاش؟! معقولة مش هشوفه تاني ولا هيفطر معايا تاني؟ طب أنا كنت بعمل الأكل بحب علشان يعجبه وأشوفه مبسوط، دلوقتي هعمل الأكل لمين وهعمله ليه أصلًا؟! لا لا فهد عايش يا نيران.

نظرت إلى والدتها وتابعت:
- فهد عايش يا ماما وهيخش علينا دلوقتي، أصلًا مينفعش يموت! إزاي أصلًا يسيبني لوحدي كدا؟ فهد عايش وهييجي وهنعيد ونصلي العيد مع بعض زي كل سنة.

حضنتها والدتها فانفجرت في البكاء وكأن ما كان بها من هدوء لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة.

*** 

بالخارج وقف «طيف» في العزاء رغم منع الطبيب له من الخروج، لكنه لم يتحمل البقاء وأصر على حضور العزاء.

كان يُصافح كل من يدخل وسط حزن داخلي لم يعرف مصدره، فهو لا يتذكره إلا أنه التقى به مرات معدودة. وعلى الرغم من ذلك، فهو يحزن بشدة لما أصابه وأصاب شقيقة زوجته.

في تلك اللحظة هاجمته ذكريات عديدة، لم يفسر منها إلا ذكرى وحيدة كانت تجمعه بوالده «أيمن» في مكتبه في الماضي. حضر المشهد في رأسه وكأنه يعيشه للمرة الأولى.

دلف إلى داخل المكتب ليجد والده يجلس ويقول بتعجب:
- طيف! أنت مش المفروض عندك شغل؟

جلس وهو يقول مازحًا:
- المفروض بقى يا سيادة اللواء، بس أعمل ايه مفيش مرضى، الناس كلها بقت عاقلة وأنا اللي شكلي هتجنن.

حرك «أيمن» رأسه باستنكار ليقول:
دلوقتي ندمان! ما أنا قلتلك ادخل كلية الشرطة علشان تطلع لأبوك، لكن أقول ايه بقى، أصريت تدخل طب وياريت طب عادي، ده أنت دخلت قسم المجانين.

- خلاص بقى يا حاج، أنت هتقعد تقطم فيا؟ اللي حصل حصل، وبعدين أنا حابب الشغل اللي فيه بس اللي مزعلني قلة الشغل بس، ما بيجيش حالة غير كل يومين مثلًا وبيحضروا جلسة ومش بيكملوا، ما تشغلني معاك هنا إن شاء الله أمين شرطة.

أشار «أيمن» إلى الباب ليقول بجدية:
- شايف الباب ده؟

حرك رأسه بالإيجاب ليقول:
- أيوة شايفه.

تابع والده حديثه:
- قوم واخرج ومتنساش تشده وراك، مش فاضيلك عندي شغل.

وقف «طيف» ليقول مازحًا:
- بتطردني من مكتبك يا سيادة اللواء؟ ماشي ماشي، حسابنا في البيت.
- يلا بدل ما أنادي لرمزي ياخدك على الحجز.

رفع حاجبيه بتعجب قائلًا:
- تسجن ابنك! لا وعلى ايه، أنا ماشي يا باشا

شعر بالدوار فجلس دون أن يلفت الانتباه له، بينما لاحظ «أيمن» ذلك فاقترب منه وقال بهدوء:
- مالك يا طيف؟ تعبان؟ حاسس بحاجة؟

حرك رأسه بمعنى "لا" وقال بهدوء:
- مش تعبان بس افتكرت موقف معاك يا بابا، جيتلك المكتب وأنت طردتني وقلتلي أنت اللي اختارت تبقى دكتور نفسي ومسمعتش كلامي ودخلت شرطة.

مسح «أيمن» على رأس ابنه وقبلها بحب قبل أن يقول:
- ربنا بيستجيب دعائي، مفيش يوم عديته في رمضان إلا وكنت بدعيلك ربنا يردلك الذاكرة، ربنا يعدي الأيام دي على خير يا طيف.

نهض «طيف» من جديد، وقد تبدلت ملامحه إلى الجدية، ثم قال بصوت خافت حازم:
- يلا نقف علشان محدش يلاحظ حاجة.

اعتدل في وقفته محاولًا السيطرة على ذلك الاضطراب الذي لا يزال يعبث برأسه، بينما أخذ نفسًا عميقًا كأنه يحاول استعادة توازنه أمام الجميع. لم يكن يريد لضعفه أن يظهر، خاصة في هذا المكان المليء بالعيون المترقبة.

في تلك اللحظة حضر «زاخر» وما إن وقعت عيناه على «طيف» بين الواقفين حتى تجمدت ملامحه لثوانٍ قبل أن تتحول إلى نظرة حادة تحمل قدرًا واضحًا من الحقد والكراهية. تقدم خطوة للأمام، ثم قال بسخرية لاذعة:
- بتعمل إيه هنا يا شمام يا مدمن؟!

تعليقات