رواية اشباح المخابرات الفصل السادس عشر 16 بقلم اية محمد رفعت


 رواية اشباح المخابرات الفصل السادس عشر 


أمواج عاتية من المياه، تتهاوى بشرارةٍ وكأنها في صراعٍ دام لانتزاع الحياة عنه، وبينما يحاول هو محاربتها يشعر بأن ذراعيه مُقيدة بأغلالٍ ثقيلة، كأنهما قابعين أسفل أحجار ضخمة، حاول أن يخلص نفسه، فتفاجأ بأن ذراعه يحمل شقيقته ويضمن لها النجاة من بين تلك الامواج، أما ذراعه الآخر كان يجذب فتاة يُوضع من فوق رأسها وشاحًا أسودًا، اندهش وهو يراقب تلك الفتاة الغامضة، وبينما يدقق النظر فيها كان جسده يغمره المياه بينما ترتفع ذراعيه بشقيقته وبتلك الفتاة، التي إنزاح عنها الوشاح وقبل أن يغرق جسده أسفل المياه تمكن أن يراها بوضوحٍ، والتي لم تكن سوى "رحيق"! 

انتفض من نومه مفزوعًا، وأنفاسه تلهث كأنه كان في سباقٍ، تفاجأ "تيام" بالمكان الذي غفا فيه، والأحداث تتلاحق من فوقه، آخر ما تذكره هو بقاؤه بالأمس مع "ياسين"، وغفوته على الشاطئ. 

نهض ينصب قامته وهو يفرك صداع رأسه قدر المُستطاع، وخرج يبحث عنه بالمطعم الذي لم يبدأ بعد باستقبال الزبائن . 

التقطت أنفه رائحة شهية، جعلته يتجه إلى المطبخ مُباشرة، فتفاجأ ب" ياسين" هو من يصنع له الطعام بذاته، ويسكب فنجانين من القهوة لهما. 

_صباح الخير. 
قالها ومازال يوليه ظهره، واستدار بتلك اللحظة يمنحه نظرة دقيقة قبل أن يسأله: 
_أحسن دلوقتي؟ 

هز "تيام" رأسه ومازالت علامات التعب تختلج ملامحه، سحب المقعد المُقابل للرخامة الطويلة. وجلس من فوقها يراقبه بصمتٍ، حتى حمل "ياسين" الطبقين وجلس يضع واحدًا أمامه والآخر أمام "تيام"، الذي دقق النظر بتنسيق محتويات الطبق بدهشةٍ. 

لقد حول مكونات الفطور البسيط إلى طبقٍ فخم، فتح شهيته المفقودة، شعر بالفضول لتذوق طعمه ما إن كان بنفس الشكل الجذاب، جذب شوكته يبتلع أول ملعقة، وإذا به يرفع عينيه إليه: 
_إنت ليه مش طباخ؟ 

اتسعت ابتسامة" ياسين"، فترك كوب قهوته الذي شرع بتناوله، ورد: 
_أنا اشتغلت كل حاجة، لكن دي لا بصراحة! 

أثار اهتمامه فاذا به يمرر بصره على جسده القوي بشكلٍ واضح: 
_جسمك مش جسم شخص رياضي متعود يلعب رياضية عشان يحافظ على جسمه وخلاص، جسمك جسم مُقاتل! 

لم يرمش له رمش، وهو أحق بأن يكون الأدهى بذكائه، يعلم أن "تيام" بتلك اللحظة يضعه تحت مجهر التحقيقات التي يخضع لها عقله الذكي، وخاصة وهو يرى بعينيه ندمًا وعتابا قاتلا لما صرح به له بالأمس، على ما يبدو بأنه كان ثملًا أو لم يكن بوعيه، والذي أمامه ثابتًا مهما قرأ من تعابير مُقلقة: 
_ده يرجع لنفس الكلام اللي قولتهولك قبل كده، إني مسبتش شغلانه إلا واشتغلتها، كنت كابتن في نادي بعلم فيه كونغ فو لسنتين، واشتغلت بعدها فرد أمن لحراسة عقارات تخص رجال أعمال تقيلة، وبعدها اشتغلت في شركة حراسة، بس مفيش حاجة ثابتة كملت فيها، آخري كام كام شهر ونادرًا لو كملت سنة. 

سأله ومازال يتطلع له، بينما يأكل "ياسين" طعامه بثبات: 
_ليه مكنتش بتكمل؟ 

ترك الكوب من يده وقال وهو يبتسم: 
_يابني ما أنا حكيتلك قبل كده بردو، إني فنان دماغي رامية لحب الخيول والرسم، بس الحاجتين دول مستحيل يعني هيعيشوني، لا الفن  هينفعني في تدبير احتياجات حياتي ولا حتى الاعتناء بالخيول، لاني سبق واشتغلت في اسطبل. 

وأضاف وهو يشير للطبق من أمامه: 
_ما تأكل، الأكل مش عاجبك ولا إيه؟ 

هز رأسه وبدأ يستكمل طعامه وهو يمدحه: 
_بالعكس ده رائع. 

واستطرد بجدية تامة: 
_فكرت في كلامي؟ 

سحب منديلًا يزيح بقايا الطعام، بينما يردد بخبث: 
_ادارة المطعم بتاعك تقصد؟ 

أومأ برأسه بتأكيد، فاستطرد "ياسين": 
_معنديش مانع، بس زي ما حكيتلك كده أنا مبكملش في شغلانه كتير، بس عشان خاطرك هحاول. 

تبسم" تيام" في راحة انبعثت من حديثه: 
_هتستمر بإذن الله، وهتحب المكان جدًا، ده غير انه مش هيكتفك عن هواياتك. 

وأشار بيده على الشاطئ الذي يطل عليه المطعم: 
_ده غير إن مكانك المفضل للرسم على بعد خطوات منك، هتلاقي إيه أفضل من كده؟ 

رفع حاجبيه بسخطٍ: 
_فعلًا؟! 

ضحك "تيام" بصوته كله، وشاركه الأخير، ثم أمسك على ضحكته وقال بجدية تامة: 
_عمر امبارح قولت كلام مكنش ينفع أقوله، فياريت يفضل بينا وميخرجش أبدًا، ده مش لاني خايف على نفسي والله، ده من خوفي عليك، إنت متعرفش إجرامهم واصل لفين؟ اللي بيمر من قدام بابهم ولو بالصدفة بس حياته بتنتهي، وإنت بقيت غالي عليا أوي، أنا مش عايز أخسرك. 

عاد يسحب كوب قهوته، يستكمله وهو يشير له: 
_اعتبرني فقدت الذاكرة يا دكتور. 

اتسعت بسمته وتنهد في راحة، ثم نصب عوده يجمع مفاتيحه وأغراضه: 
_كده اتطمنت على المطعم، هسيبك تشوف شغلك، وهرجع القصر أطمن على تالا. 

وودعه بإشارة من يده: 
_سلام. 

هز "ياسين" رأسه ببطءٍ، وعينيه الغامضة تموج بما زاحمها، وخاصة بعد أن تأكد أن كل شيء بدايته بين أصابع "عثمان التميمي" حتى وإن حاول خداع "قُدس". 
                                 ******
ألمٌ مُبرحٌ يضرب رأسها، ثُقل جاسم فوق أهدابها، صوت تأوهاتها يخترق أذنيها، جاهدت لفتح عينيها، فاهتزت الصورة من أمامها بشكلٍ أرغمها على اغلاقهما مجددًا، ثم حاولت فتحهما ببطء حتى تثبتت الصور المهتزة من حولها، وكان أول ما رأته ذاك الذي يراقبها برمادية عينيه الخبيثة. 

استندت"قدس" على مرفقيها حتى تمكنت من الجلوس، ومازالت تتفقد الشاش الملفوف حول رأسها بدهشةٍ، بينما يصل لها صوته القوي: 
_حمد لله على سلامتك يا دكتورة؟ 

تركت جبينها وتطلعت له بحيرةٍ، بينما يراقبها هو بمكرٍ ولجواره يقف "ماتيو" في طاعة تامة، ينتظر فقط أي أمر يقدمه سيده له. 

أبعدت "قدس" الغطاء عنها، وزحفت من فوق الفراش الضخم حتى وصلت لحافته والخاضعة بالقرب من وجوده، جلست تضم رأسها التي تعتصرها في محاولةٍ لتذكر ما حدث، حتى أنها تساءلت بارتباكٍ: 
_هو إيه اللي حصل؟ أنا مش فاكرة أي حاجة! 

ابتسامة ساخرة تشكلت على شفتيه، وبدا أنه غير مُتفاجئ بأنها تناست الجزء الخاص بسقوطها، بل بصلابة قال: 
_اللي حصل إنك جريئة بتخالفي دايمًا الكلام والـ Rules اللي مينفعش تتخطيها. 

واستطرد وهو يطالعها بسخرية:
_الظاهر إن وحش القلعة مش مخيف ليكِ أبدًا، أو إنتِ اللي شُجاعة بدرجة أعلى من المتوقع! 

كانت تستند برأسها على ذراعها، تجتهد لتذكر ما حدث، وحينما فشلت نهضت عن الفراش وهي تنوي المغادرة، فاذا بالدوار يهاجمها مجددًا بشراسةٍ جعلتها كادت أن تسقط. 

تحرر صوت "عثمان" ببرود: 
_ماتيـو! 

إلتقط إشارة سيده وعلى الفور حال بينها وبين السقوط، بل أحاطها وهو يردد: 
_دعيني أساعدك سيدتي،إلى أي مكان تفضلين الذهاب إليه؟ 

رفعت عينيها المتعبة إليه، وهي تزيح يديه التي تحاوط احداهما خصرها والأخرى يدها، فخذلها جسدها وسقط أرضًا بضعف، انبلجت ابتسامة "عثمان" الساخرة، فحرك مقعده باشارة يده حتى بات قبالتها يهتف بنزق: 
_ممكن أفهم سبب رفضك لمساعدة ماتيو أكيد يعني مش هتنزعجي من آلة مصنوعة من المعادن إنها تلمسك!! ومعتقدش ده راجع لخوفك منه مع إني أشك إنك بتخافي أصلًا؟ 

ضمت يدها لرأسها بتعبٍ، وفي نفس اللحظة تحيط رقبتها، شعرت بأن هناك ألمًا غريبًا ينبعث فيها، أحاطت غرفته بنظرة متفحصة، حتى لاحظت المرآة الطويلة. 

زحفت "قدس" حتى وصلت لها، ومازال "عثمان" يراقبها بنظرة مستمتعة، تحسست "قدس" رقبتها، فلاحظت نقطة من الدماء التي توضح لها أن هناك إبرة طبية اخترقت وريدها، وبالرغم من صعوبة تذكرها لسقوطها ولما حدث، إلا أنها رأت مشهدا قصيرا أنعش ذاكرتها. 

رأت نفسها والدماء تنهمر على وجهها، بينما تضعها ذراعان قوياتان على سرير "عثمان"، وصوته ذاته يتردد لها: 
_قــــــــدس!! 

بينما تنغلق أجفانها استسلامًا للدوار، وقبل أن تغلقهما بشكلٍ قوي، رأته يشرف عليها بقامته، يرفع رأسها بين كفيه، وهو يتفحصها باهتمامٍ ولهفة كانت ظاهرة داخل عينيه الرمادية، وفجأة اجتاحها ألم خفيف حينما دس محقنًا  كان يحمله داخل وريدها، وحينها فقدت الوعي بشكلٍ كامل! 

أفاقت ومازالت تتمسك بالمرآة، وحينما فتحت عينيها الموصدة رأت انعكاس صورته بها، يجلس بنفس الهيبة والبرود، وكأنه يثق بما ستتمكن من تذكره وبما محى من عقلها بشكلٍ أبدي!! 

استدارت له" قدس"، ومازالت تحتمل على الانتيكات المتفرقة من حولها، وبغضبٍ شديد صرخت:
_إنت عملت فيا إيــــــــه؟

حافظ على نظراته الثاقبة نحوها، وبخبث سألها ببراءة تغادر مغادرة أبدية عن شخص مثله: 
_أنـــا!! عملت إيه يا دكتورة؟! 

تشبثت بما تميل إليه، وصاحت بانفعالٍ: 
_إنت حقنتني بإيه؟! 

اتسعت بسمته وبسخرية قال: 
_يعني إنتِ مش فاكرة وقعتي إزاي وفاكراني وأنا بحاول أخففلك وجعك يا دكتورة؟ 

زاد ألمها بشكلٍ كبير، مما جعلها تتيقن أن إصابة رأسها أكبر مما تتوقعه هي، احتملت على الحائط حتى دعمت وقوفها، وتساءلت وعينيها لم تخسر حدتها بعد: 
_تخففلي وجعي إزاي؟ واشمعنا في رقبتي، إنت ناسي إني دكتورة ولا إيه؟! 

راقب قوتها الكامنة ببنية عينيها الشبيهة بحبات القهوة، تلك الفتاة الغامضة تجعله يختبر شيئًا يجهله هو، يُجزم أن جسدها الآن يؤلمها لوقوفها الطويل، ومع ذلك تتمالك قبالته وكأنها ليست طبيبة، بل محاربة تجابهه في ساحة معركة هو سيدها أو كما ظن هو. 

تحرر عن صمته المدروس، وهو يطالعها بصلابة: 
_جرحك كان كبير وأي مسكن مكنش هينفعك، ده غير إنه كان هيأخد وقت، فأسرع طريقة عشان مفعوله يشتغل هي الطريقة اللي عملتها  عشان أقدر أخيطلك الجرح يا دكتورة. 

توسعت عينيها بدهشةٍ، ورددت بصدمة: 
_إنت اللي خيطتلي الجرح؟!! 

قالتها واستدارت للمرآة مجددًا، تنزع الضمادة بفزعٍ من أن يكون شوه جبينها ورأسها من الخلف، فاذا بها تتطلع لنفسها بصدمة تزداد عليها عنفًا، ومن خلفها ابتسامة واثقة كأنه يتوقع ما سيصيبها، بينما تتحرر نبرته الرزينة: 
_عيب البشرية كلها إنعدام الثقة. 

جبينها كان طبيعيًا بشكل مبالغ فيه، ولولا شعورها بالألم لظنت أنها لم تُصَب بأي جرحٍ، حتى رأسها من الخلف كان الجرح مُقطبا بنفس الطريقة الساحرة. 

استدارت تقابله بنظرة شك، وإذا بها تتساءل: 
_أنا وقعت إزاي؟  

زوى حاجبيه ساخرًا منها: 
_سلامتك يا دكتورة، إيه الضربة خليتك تفقدي الذاكرة ولا إيه؟ 

وتابع بمشاكسةٍ لم تنسب له قط: 
_هزعل لو كنتِ نسيتي اسمي، والشفرة السرية اللي كانت ما بينا. 

ضيقت عينيها بحيرة، ورددت: 
_شفرة إيه دي؟ 

ردد وهو يحافظ على جدية ملامحه: 
_الوحش والجميلة.

وأضاف بحزن غير ملموس، حتى أنه يبتسم في ذات الوقت:
_ مالك يا دكتورة، قلقتيني عليكِ! 

سددت له نظرة حادة، واستكملت طريقها وهي تستند على الحائط لتغادر من أمام عينيه، ولكنها كانت تتوقف بعد كل مسافة تلتقط أنفاسها بتعبٍ، والدوار يضربها بعنفوانٍ، حتى أتاها صوته: 
_اسمحي لماتيو يوصلك، ومتخافيش منه ماتيو مش مخيف خالص! 

استدارت له من محلها، تشيعه بنظرة غاضبة، أنهتها حينما قالت: 
_إنت مخيف أكتر منه! 

مال برأسه للخلف وهو يقهقه بشدةٍ، وصوته يظهر فيها بحته الرجولية: 
_مش هقدر أصححلك فكرتك عني طول ما أنتِ شايفاني وحش القلعة المخيف! 

وأضاف وهو يحرك مقعده صوبها: 
_الجناح كبير وفيه غرف كتيرة، لو تعبانه ممكن أديكِ غرفة، ومتقلقيش أنا مبزعجش الجميلات خاصة لو شايفني وحش مخيف! 

شيعته بنظرةحارقة، وتبسمت ساخرة منه: 
_أنا لو خايفة منك مكنتش اتصابت وأنا بحاول أكسر القواعد بتاعتك زي ما أنت بتقول. 

وأضافت بقوة جعلته يتابعها بحيرة: 
_أنا عمر الخوف ما عرف طريقه ليا، مهما حاولت أبينله ضعفي، قلبه بيكون حاسس إني فريسة مش سهلة، هتقف في زوره وتقضي عليه. 

ورفعت رأسها له تسأله بنبرة واثقة:
_الاوضة طريقها منين؟ 

رسم ابتسامة نبع فيها الإعجاب رغمًا عن أنفه، فاذا به يردد بهدوء: 
_ماتيــو. 

أتى الروبوت يقودها لممر ضيق صغير موجود بجناح "عثمان"، اتبعته وهي تتعجب أنه قد ذكر أن الجناح يمتلك أكثر من غرفة، فإذا بها تتفاجأ بانتهاء الممر الضيق وتجد من أمامها باحة واسعة، تتفرق فيها الطرقات لتؤدي لسُبلٍ مختلفة، سلك احدهما" ماتيو" وقادها إلى غرفتها.
                               ******
مكان معزول ومُقبض بشكل يوحي للأعين أنه يخص قبور الموتى أو تابعًا لمافيا خطيرة تختبئ خلف ذلك الصمت المخيف والرائحة المُقبضة، وكأن المدعو من قام بدعوته قاصدًا أن يبث فيه الرعب، ولكنه لا يعلم أن تلك الطرقات المخيفة لا يمكنها أن تؤثر في شبحٍ اعتاد على الأبشع من ذلك. 

أوقف "زين" الدراجة النارية الخاصة به، وهبط ينزع خوذته، وهو يشمل المكان المخفي خلف شلالات المياه بنظرة بطيئة، ابتسم ساخرًا حينما شعر بأن هناك أعين تراقبه، لذا عاد يميل على دراجته النارية ببرود، بعدما قرر أن لا يخطو خطوة واحدة، سيترك من يراقبونه يزفون الخبر إلى سيدهم ليأتي بذاته ويستقبله. 

بقى "زين" محله يلهو بنظارته السوداء، كان يرفعها للاعلى وفي كل مرة يلتقطها دون أن تمسها يديه، مضت عليه عشرة دقائق، حتى ظهر "كنان" من أمامه ويتبعه مجموعه من الحرس الخاص به. 

أشار لهم بالتوقف رغم اعتراضهم وبالأخص "حيدر" الغير راضي عما يفعله سيده، مضى إليه "كنان" بمفرده، يقدم يده ليصافحه بحرارة: 
_وأخيرًا،  مدخلتش ليه أول ما وصلت؟ 

نصب "زين" جسده العضلي، وراقب كفه بنظرة ساخرة، ومع ذلك مد كفه له وهو يتمتم: 
_كنت بدي فرصة للي بيراقبوني يتأكدوا إني جاي لوحدي. 

طالعه بإعجابٍ صريح، هو بالفعل بحاجه ماسة له، شخص بذكائه وقوته سيكون اضافة كبيرة له، وبالرغم من أنه يعلم القوانين الا أنه سيفعل ما بوسعه ليضمه إليه. 

أحاط "كنان" كتف "زين" وخطا جواره صوب الحوائط الحجرية السوداء، وهو يردد: 
_معلش، إنت أكيد متعود على الشغل ده، وعارف إن الحذر والاحتياطات من أهم قوانين البقاء. 

هز "زين" رأسه دون مبالاة، ومضى رفقته صوب الحوائط التي تتدفق فيها المياه فتجعلها رطبة للغاية، مرا من خلفه ومنه إلى الآخر كأنه في متاهة ملتوية، ومازالت مجموعة الرجال يتبعونهما حتى وصل للداخل حيثما رأى ساحة ضخمة تشملها طاولة كبيرة، وأكثر من عشرين مقعدًا، والرجال ذو الحلة السوداء يغمرون المكان بأسلحتهم، مشط "زين" المكان وقد وجد أن عددهم ينحصر ما بين ثلاثين لأربعين رجلا. 

أشار له "كِنان" على إحدى الغرف الجانبية، وهنالك انفصلت عنه مجموعة الحرس ولم يدخلوا خلفهما إلا "حيدر" الذي لمس فيه "زين" خطورته، ونظراته التي تحمل الضيق الصريح من وجوده، تجاهله "زين" ومضى صوب المكتب الذي احتله "كنان"، جلس" زين" على المقعد المُقابل له وهو يلهو بالطفاية الموضوعة أعلى سطح المكتب، بينما زيتونته تتوزع على المكان وهو يهتف بسخرية: 
_كل الحرس ده وعايزني أحميك! 

منحه "كِنان" بسمة هادئة وقال: 
_القوة عمرها ما كنت بضخامة الجسم يا سلطان،حتى لو كان الحارس قوي هتلاقي الذكاء نقطة ضعفه. 

وتابع وهو يشمله بنظرة دقيقة: 
_وإنت متوفر فيك الاتنين الذكاء والقوة وحاجة تالتة أنا مستغرب منها. 

رفع "زين" حاجبه ببرود، كأنه يتساءل عما يقصد، فتابع "كِنان": 
_الشهامة اللي نادرة جدًا في أي شخص شغله شمال. 

استدار" زين" للخلف حيثما يقف "حيدر" الذي يحيطه بنظرات تراقبه بنيران مُشتعلة، ثم عاد يشير إلى "كنان" الذي تعجب من اشارته ومع ذلك مال على المكتب ليكون جزئه العلوي قريبًا من همسه: 
_بطل تمدحني قدام الحارس بتاعك، عينه بتطلع شرار وشكله كده ناويلي على نيات كتيرة، بس عشان نكون على نور أنا ليا طاقة تحمل، ممكن أعدي مرة والتانية،التالتة رقبته هتكون بتدحرج تحت رجلك، فألحق عقل الجته دي عشان بدأت أزهق من الروس اللي بوقعها من غير ما أقبض عليها عمولة!  

تحررت ضحكات "كِنان" بشدة، وبصعوبة سيطر على اشارة يده وصوته: 
_استنى بره يا حيدر. 

ازداد الغضب بعينيه، وردد بخشونة: 
_إزاي هسيبك معاه لوحدك يا باشا. 

مال "زين" بمقعده له، وبثقة قال: 
_وأنا لو عايز أعمله حاجه إنت هتقدر تحميه مني! 

تأهب بوقفته من شدة العصبية، فشدد "كِنان" عليه: 
_نفذ الكلام اللي قولته بدون مشاكل يا حيدر. 

ردد باستنكارٍ: 
_بس يا باشا آ... 

ارتفع صوته الغاضب يوقفه عن اتمام جملته وهو ينصب عوده : 
_هو إيه اللي مش مفهوم في كلامي عشان أكرره ليك مرتين!! قولت غور بره يبقى تنفذ وإنت ساكت. 

أحنى رأسه بارتباكٍ، وشيع "زين" بنظرة متوعدة قبل أن يغلق باب المكتب من خلفه، وما أن جلس حتى عاد "زين" يتساءل: 
_ها قولي بقى، بتشتغل في إيه؟ أبيض ولا أسود؟ 

ارتسمت بسمة إجرامية على ملامحه، ورفع يده يشير له: 
_في الإتنين،  البودرة والسلاح. 

همس وهو يغمز له: 
_الله!  

وتابع وهو يستند على المكتب: 
_ده إنت سكتك طويلة أوي. 

هز "كنان" رأسه بتأكيدٍ،  وأجابه: 
_أطول مما تتخيل، ولو ركبت معايا أوعدك إنك هتمسك فلوس عمرك ما حلمت بيها. 

واستطرد وهو يشير له بغموض: 
_لو موافق البداية هتكون بعمليات بسيطة، لحد ما أحس إنك بقيت متمكن وجاهز للي جاي. 

اتسعت ضحكة "زين" الساخرة، وصحح جملته: 
_تقصد لحد ما أنجح باختباراتك وتحس إني آمين للخطوات اللي جاية. 

منحه "كِنان" ابتسامة تزداد اعجابًا بذكائه: 
_إنت مش سهل يا سلطان، وده اللي عاجبني فيك!
                                *****
 هبطت "رحيق" للحديقة تتبع الخادمة، التي أرسلتها لها "رزان" حتى تخبرها بأنها بحاجة لها، رأتها تجلس على إحدى الطاولات الخارجية للقصر، وحينما اقتربت منها أشارت لها "رزان":
_رحيق فينك من الصبح يا بنتي؟!

تحرر صوتها المبحوح وهي تجيبها:
_هكون فين يعني يا روز، كنت فوق. 

تعجبت من صوتها، ووقفتها الغير متزنة، فأشارت لها على المقعد المقابل لها: 
_طيب واقفة ليه اقعدي. 

اعترضت على طلبها، وهتفت بانزعاج:
_خايفة هارون يلاقيني بره جناحي فيزيد من افعاله عشان يغيظ تيام، وأنا والله ما بطيق قربه. 

شددت" رزان" على مطلبها بلطف: 
_الاتنين بره، اقعدي محتاجه أتكلم معاكِ. 

رضخت لها وأبعدت المقعد تجلس من فوقه باستسلامٍ، فبدت أكثر رؤية لمن تدقق النظر فيها: 
_إيه ده عينك مالها؟؟ 

تدفقت دموع "رحيق" بألمٍ، جعلها تتمنى الموت حتى تحصل على الخلاص: 
_تيام كسرني وهاني يا رزان، تصوري كان فاكرني رايحله أوضته بأمر من هارون، وبيلمح إني عاهـ**

ابتلعت باقي كلمتها وهي تنهار باكية، بشكلٍ جعل "رزان" تترك مقعدها وتجاور جلوسها حتى تمكنت من ضمها إليها، انهارت بين ذراعيها باكية بانكسار، والأخرى رغم الوجع الذي يستحوذ على قلبها تشدد عليها وتحاول بضعف التخفيف عنها: 
_معلشي يا روح قلبي، هو بردو معذور يا رحيق، اللي حصله مكنش سهل، ودلوقتي هارون القذر بيكمل على اللي فاضل فيه. 

وتابعت "روز" وهي تمرر يدها على خصلات شعرها وتطبطب بحنان عليها: 
_متستسلميش يا رحيق، حاولي بأي شكل عشان تقوليله الحقيقة، حتى لو اختار ميكملش معاكِ بس على الأقل يعرف إن الوضع اللي انتي فيه مفروض عليكِ وغصب عنك. 

أبعدت رأسها للخلف تطالعها بصدمة: 
_أقوله إيه يعني، أقوله إني غلطت مع هارون قبل الجواز وبإرادتي، ده كده هيستحقرني أكتر يا روز. 

أطبقت "رزان" على شفتيها بغضب وكرهها لأخيها يزداد يومًا عن يوم، واذا بها تقول: 
_على فكرة اللي حصل ده فيه حاجه غلط، انك تكوني مع هارون بالتوقيت ده وراه شيء هو اللي خططه ليكِ عشان يعمل كده في تيام. 

هزت "رحيق" كتفيها ورددت بآنينٍ: 
_حتى لو صح، النهاية إيه إنه حصل فعلًا، ومعاه فيديو أنا فيه معاه بارادتي، وطبعًا تيام عمره ما هيصدق غير اللي عينه هتشوفه. 

واستطردت وهي تخفي وجهها بين كفيها: 
_أنا تعبت يا روز، تعبت من كل حاجه ونفسي أرتاح. 

مسدت على خصرها والدموع زحفت على وجهها هي الأخرى، هي الوحيدة التي تُقاسمها وجعها: 
_مش عارفة أقولك إيه، أنا كمان خايفة من مصيري مع كِنان، خايفة يجي عليا الوقت اللي اتمنى أكون فيه أم، خايفة أكرهه وأشوفه أناني في يوم من الأيام. 

تمعنت بها "رحيق" بنظرة استشفت بها زواجها الرسمي من "كِنان"، وحزنها القطعي الظاهر بحديثها، ربتت على يدها بقوة:
_متفكريش في اللي جاي يا رزان، كِنان بيحبك وإنتِ متأكدة من ده، هتحتاجي إيه أكتر من كده. 

هزت رأسها وهي تجيبها: 
_أيوه بيحبني، بس الحب مش كفايا يا رحيق. 

كادت أن تجيبها، ولكنها توقفت حينما توقفت سيارة "نوح" على بعدٍ منهم، هبطت منها "تالا" وعينيها تكاد أن تخترق "رحيق"؛ فتجددت جذوع الألم داخلها حينما رأت صديقتها التي انقطعت صداقتهما مع انقطاع علاقتها ب"تيام". 

وقفت الاخيرة تطالعها بنظرات كانت غامضة ل" رحيق"، فاذا ب"نوح" يرنو صوبها ويذكرها بحديث أخيه: 
_تالا متنسيش اللي كِنان قالهولك. 

استدارت له ودموعها تشق الطريق على وجهها، فاكتفت أن تهز رأسها له بخفوت، ومضت للداخل على الفور، بينما أشار "نوح" إلى "رزان" هاتفًا بصوت مرتفع: 
_روز عايزك. 

تركتها "رزان" واتجهت إلى "نوح"، الذي ولج بها للداخل، بينما بقيت" رحيق" بالخارج تجفف دموعها، وتنتظر عودتها،  فاذا بمن يخطف المقعد المقابل لها، ويجلس وهو يردد باستمتاعٍ عجيب: 
_باركيلي البنت اللي بحبها رضيت عليا، ولبست خاتم الخطوبة، وعن قريب أوي هتيجي القصر ده وهي مراتي، بس مش عارف هتقبل بوجودك هنا ولا هتضطري تعيشي في بيت الخدم اللي ورا القصر!! 
                            ******
بالخارج. 
بقى في سيارته مترددًا في الدخول إلى القصر، لا يرغب حتى في رؤيتها وخصوصًا بعد رؤيته الحلم المُؤلم الذي بات مُتحيرًا في فك لغزه حتى تلك اللحظة، تنهد "تيام" بثقلٍ، ثم هبط يتجه إلى الداخل حتى يطمئن على شقيقته. 

ولج "تيام" إلى الداخل، وبينما كان بطريق دخوله لفت انتباهه صوت صراخ مرتفع، استدار تجاه المسبح الضخم فرأى "هارون" يشدد من مسك ذراع "رحيق"، ورغم أن صراخهما كان مرتفعًا للغاية إلا أنه لم يسمع لنص حديثهما لبعد المسافة. 

صرخت" رحيق" وهي تحاول أن تنتشل ذراعها منه، قائلة بقوة رغم ألم ذراعها: 
_تتجوز واحدة أو حتى مليون ميهمنيش، المهم إنك تطلقني، هتخيرها على وضع أنا مش قابلة بيه من دلوقتي، فبلاها واعتقني لوجه الله

غمس أظافره بذراعها، وباستمتاعٍ قال: 
_رجعتي لنفس الاسطوانة الحمضانة دي تاني، واضح إنك مش بتملي وأنا نفسي معاكِ أطول مما تتخيلي. 

وأضاف وهو يجذبها إليه بعنفٍ ومازال يشدد على ذراعها: 
_قولتلك قبل كده، وجود تيام هنا عمره ما كان فرصة لرجوعك ليه، تقبلتي ده أو متقبلتيش ده اللي هيحصل غصب عن عين أهلك. 

تأوهت وهي تحاول أن تنتزع يدها منه، قائلة بدموعٍ اشتقت طريقها: 
_سبني يا هارون. 

كاد أن يستكمل افعاله الدنيئة، ولكنه توقف مصعوقًا حينما رأى "تيام" يراقب ما يحدث، نجح برسم ابتسامة سريعة، وادعى أنه يلاطفها،  ثم جذبها لأحضانه، وقال قبل أن تحاول دفعه عنها: 
_حبيب القلب بيتفرج، لو المشهد باظ هعرف إن حزامي وحشك وأنا مقدرش أحوشه عنك. 

تهاوت دموعها تباعًا، وخاصة حينما رضيت بما يفعله عاجزة عن الاعتراض، بينما استكمل "تيام" طريقه للاعلى ولم يبتلع الطعم هذه المرة، لقد تيقن أن ذلك الشيطان يحاول اخفاء أمر ما،  بل بات متأكدًا أنها مرغمة على السماح له بأن يقترب منها!! 
                              *****
_يعني إنت عايزني أعمل إيه بالظبط يا نوح؟ 

قالتها "رزان" بحيرة بعد سماع ما قال، فتنهد بضيقٍ: 
_بقالي ساعة برغي مع حيطة!! يا بنتي إيه الصعب في الحوار، بقولك عايزك تقربي لتالا، هي دلوقتي ملهاش حد ومحتاجه لبنت تفهمها، فحاولي تكوني الحد ده. 

زمت شفتيها بنزقٍ على أحلامه التي يظنها سهلة الحدوث: 
_صداقة مع تالا اللي عمرها ما استلطفتني، وأنا ببادلها نفس الشيء! 

صاح يهددها بغضب أضحكها:
_إياكِ تغلطي في مراتي، أوعي تفكري نفسك بقيتي حاجة عشان بقيتي مرات أخويا الكبير يعني وكده، لا يا حبيبتي العلاقة ما بينا مش هتتغير عن إنك صاحبتي الانتيم اللي بتأخد فوق دماغها وتنفذ اللي بطلبه منها. 

ربعت يديها أمام صدرها بخبث لحق قولها الماكر: 
_ماشي يا نوح، لما كِنان يرجع نشوف رأيه بكلامك ده. 

انتفض عن سور التراس الذي كان يعتليه، وصاح بتوتر:
_وندخل كيوي في حوارتنا الحساسة دي ليه يا بنت الحلال، استهدي بالله كده وخليكِ مرات أخ عاقلة! 

رددت بعقلانية وهي تحاول حبس ضحكاتها: 
_هحاول، سيبني أفكر في موضوعك وأدرسه من كل الجوانب، ويا سيدي لو لاقيتها اتغيرت وبقت لطيفة كده معنديش مانع أضرب معاها صحوبية لأجل خاطرك إنت بس! 
                             *****

عاد "ياسين" إلى الشقة الخاصة به، بعد أن قضى اليوم بأكمله في إدارة مطعم "تيام"، وحينما وجد المراقبة تزداد عليه أراد أن يخدعهم بأنه يعود إلى منزله حتى يظنوا أن الامور تُجرى بطبيعتها. 

صعد بالمصعد للطابق الذي يقطن فيه، وما كاد بفتح باب شقته، حتى وجد" صوفي" تخرج من شقتها بوجهها المشوه وتتصنع أنها تضع القمامة خارج الشقة، تفاجأ "ياسين" بإصابتها البليغة، فقطع الطريق حتى يسهل خطتها، فاقترب يسألها باهتمامٍ مقصود: 
_ماله وشك؟ 

تطلعت له بسعادة، وهي لا تصدق أنه من بادر بأول خطوة، كانت تظنه ثقيلًا فبات سقوطه يزيدها ثقة وأملًا في سرعة تحقيق ما يريده "هارون"، لذا رددت بتعبٍ مصطنع: 
_بنت من اللي شغالين معايا، بتغير مني جدًا عشان المدير بتاعنا عينه عليا أنا، اتلككت ليا وبهدلتني. 

وتأوهت بألمٍ وهي تتحسس بشرتها المُتورمة، بينما يربط" ياسين" الأحداث ببعضها البعض، وقد استشف بأن من فعل ذلك هي قطته الشرسة العنيدة، قبض على بسمته بقبضة قوية، وراح يُبين لها حزنه وتأثره الشديد بها: 
_مفترية أوي البنت دي، شوهت وشك. 

ادعت بكاءها ومالت طرف فستانها عن كتفها وهي تشير له: 
_مش وشي بس، دي بهدلتني. 

خطف نظرة لما تريه إياه والتقزز يحتل معالمه نفورًا منها ومن أي أنثى قد يمنحها نظرة غير حبيبة قلبه، ولكنه سايرها بمكر وهو يرى علامات الأسنان التي خلفتها "مرين": 
_يا حرام، دي أكيد من أكلين لحوم البشر. 

هزت رأسها تؤكد له، ومالت تعبث بقميصه الأسود ومازال ثابتًا أمامها، بينما تهمس له بصوتها الخليع: 
_من ساعة ما رجعت البيت وأنا نايمة تعبانه، ومش قادرة حتى أعمل لنفسي أي حاجه، حتى الأدوية اللي  الدكتور كتبهالي قبل ما ينزل من شوية مش لاقيه حد يجبهالي. 

اهتز جسده أسفل يديها، فظنته أنه يستجيب للمساتها، بينما يزداد هو تقززًا وكأن عقربًا يتحرك على صدره، أبعد" ياسين" يدها وقال وهو يرسم بسمة هادئة: 
_بسيطة هاتي الروشتة وهنزل حالًا أجبهالك. 

اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وقالت وهي تشير له: 
_بجد؟ طيب تعالى. 

انصاع لها وولج للداخل حتى قدمت له الروشتة، جذبها "ياسين" وهبط لأقرب صيدلية، حمل الدواء وصعد يقدمه لها: 
_أدويتك وده أكل طلبته من المطعم اللي تحت كليه قبل الدوا. 

قالت برقة مصطنعة: 
_مش عارفة أقولك إيه، عذبتك معايا يا عمر 

رد عليها وهو يتفنن ليريها أنها سيطرت عليه بالفعل: 
_متقوليش كده ده إحنا حتى جيران. 

رسمت بسمة واسعة، وعادت تقرب يدها منه وهي تقترح: 
_طيب ما تيجي تتغدا معايا. 

منحها ابتسامة جذابة، وقال: 
_سبقتك يا قمر، أنا لو جعان فأنا جعان نوم، بس أوعدك تتعوض مرة تانية. 

هزت رأسها بتفهمٍ، ووقفت تراقبه وهو يدخل إلى شقته، وقبل أن يغلق بابها منحها ابتسامة ساحرة، وسرعان ما تلاشت مع انغلاقه، وعاد الوجوم يحتل وجهه، فإذا به يدخل لغرفة نومه يضيء أنوارها، ثم أضاء ضوء حمام الغرفة. 

وهم من يراقبه أنه أخذ شاور وبانطفاء الأنوار بأنه قد غفا نومًا، بينما ينسحب هو من الدرج الخلفي ويغادر إلى منزله السري. 
                             ******
حمل "ماتيو" صينية الطعام، وطرق على الباب وهو يردد بآلية: 
_الطعام سيدتي. 

فتحت "قدس" عينيها بتعبٍ شديد، وقد اجتاحتها حرارة غريبة جعلتها لا تستطيع أن ترفع جسدها عن الفراش. 

اقترب "عثمان" منه، فقال وهو يلف رأسه تجاهه: 
_سيدتي ترفض فتح الباب، هل أحطمه سيدي؟ 

أشار له بالتنحي جانبًا، ثم طرق هو الباب وقال حينما ظن أنها تخشى التعامل مع ماتيو: 
_افتحي يا دكتورة. 

لم يستمع لشيءٍ إلا آهات خرجت منها، جعلته يعيد فتح الباب الذي أغلقته هي من الداخل، عساها لا تعلم بأن كل شيءٍ داخل الجناح من صنع يديه. 

تفاجأ بها تغفو على الفراش بوجهٍ شاحب، العرق يبلل وجهها والوسادة من أسفلها، تحرك "عثمان" بمقعده، يتلمس حرارة جبينها، فاذا بها تدير وجهها بعيدًا عن كفه ، وهي تحذره بصوتٍ هامس: 
_ابعد عني، متلمسنيش. 

تجاهل ما تقول، وتابع ل"ماتيو": 
_ضع الصينية عن يدك واحضر لي بعض المياة الباردة وقطعة من القماش. 

نفذ ما يقول وهو يردد بآلية وبصوتٍ مزدوج: 
_حسنًا سيدي. 

غاب قليلًا وعاد بعد قليل يقدم له ما يحمله، جذب "عثمان" وجهها له ليتمكن من وضع قطعة القماش، فهددته بشراسة حتى بالرغم من تعبها الشديد: 
_إيدك لو لمستني هكسرهالك. 

تبسم رغمًا عنه، وردد ساخرًا: 
_مش لما تكوني قادرة تقفي، لسانك مقوي قلبك يا دكتورة. 

فتحت عينيها بصعوبة، وتطلعت له بتعب انتقل لصوتها: 
_مش لساني بس! أنا قادرة أدافع عن نفسي من أمثالك. 

توقف عما يفعله وتعمق بعينيها بنظرة غامضة وقولًا ماكرًا: 
_معتقدش واحدة في رقتك بالإجرام ده. 

ابتسمت بسخطٍ، رغم الآلام المُبرحة التي تصيب جسدها: 
_اللي اتربت يتيمة من صغرها من غير أب، وفي رقبتها أم مريضة، لازم تبقى بالإجرام اللي يخليها قادرة تعيش حياتها. 

ظهر الوجع برماديته، وقد اندمس بماضيه الذي يزيده وجعًا فوق أوجاعه، عاد منه سريعًا يجدد قطعة القماش بالمياه الباردة، وقبل أن يمسها سحبتها منه "قدس" ووضعتها بنفسها، وكل مرة كانت تغيب عن الوعي تعود سريعًا حينما تشعر بكفه يقترب ليضع لها قطعة القماش، كانت هي التي تضعها في كل مرة يقربها منها. 

نجحت أن تجعله ولأول مرة حائرًا فيمن أمامه، فإذا به يميل صوبها ويهمس وهو يدقق النظر فيها: 
_جايبة كل القوة دي منين؟! 
                           ******
قطعت الردهة ذهابًا وإيابًا، وهي تترقب عودته بلهفةٍ، انتقلت إلى قلق وهي تراقب الوقت من الحين والآخر، وحينما وجدت الباب السري يتحرك، أسرعت إلى الحاسوب الخاص بها، تفتحه وهي تدعي انشغالها به. 

ولج "ياسين" للداخل يراقبها بنظرة خبيثة، دخل إلى المطبخ حينما وجدها تجلس على مقعد الرخامة، يتصنع انشغاله بصنع كوب من القهوة، وهو يقول دون النظر لها: 
_زين فين؟ 

أجابته ومازالت تمثل انشغالها بالحاسوب: 
_خرج من ساعتين ولسه مرجعش. 

قال وهو يرنو لمكينة القهوة: 
_تحبي أعملك معايا قهوة؟ 

رفعت عينيها له تتطلع له بغيظٍ من بروده، وكأنه لم يتشاجر معها قبل مغادرته، وتنسى سريعًا ما قاله لها. 

_أخدتي كام صورة؟ 
قالها "ياسين" وهو يغمز لها، فعادت تتطلع إلى الحاسوب وهي تتجاهله تمامًا، بينما تزداد بسمته خبثًا، وقف ينتظر نضوج القهوة وهو يصفر باستمتاعٍ، جعلها تصيح بانفعالٍ: 
_في ناس بتحاول تشتغل هنا؟ 

حمل كوب قهوته، واتجه يجلس قبالتها ببرود: 
_والناس دول مش ليهم أوضة خاصة بيهم؟ 

أجابته وهي تهتف بنزق: 
_والله براحتهم يقعدوا مكان ما يحبوا، المكان مش بتاعك لوحدك يعني! 

هز رأسه بتأكيدٍ، ورفع كوب قهوته يرتشفها وهو يراقب أصابعها:  
_أمال فين خاتمك؟ قلعتيه كده من أول يوم، كده فال مش لطيف على فكرة. 

تعمد إغاظتها وقد تجسد الغيظ والحنق بأكمله على وجهها، وخاصة حينما تابع: 
_ويا ترى بقى هارون اداكِ الخاتم إزاي، بطريقة جديدة ومختلفة ولا التقليدية اللي بيعملها نص الشباب، انحنى وقدملك الخاتم؟ 

لوت شفتيها بتهكمٍ قبل أن تجيبه: 
_وده هيفرق معاك في إيه؟ 

منحها ابتسامة باردة، ثم سحب رشفة طويلة من كوبه قبل أن يقول: 
_فضول مش أكتر. 

استغلت ما قال حينما سألته: 
_إنت عملت إيه في يومك من باب نفس الفضول؟ 

أجابها وهو يتفحصها بنظرة ماكرة: 
_ولا حاجه، وقفت بالمطعم شوية عشان أقنع تيام إني قبلت بالشغل، وبعد كده عديت على شقتي. 

ما أن قال آخر كلماته حتى أبعدت زُرقتها عن شاشة الحاسوب، وتساءلت باهتمامٍ ملحوظ: 
_روحت الشقة ليه؟  

سدد لها نظرة عميقة، جعلتها تعيد خصلاتها البنية للخلف وهي تُهدئُ من لهفة حديثها: 
_هما رجالة هارون لسه مراقبينك؟ 

شرب جرعة من قهوته الساخنة، وقال بنبرة حويطة: 
_آيوه، وكمان صوفي عينيها عليا بالفترة الاخيرة. 

وأضاف بتلاعبٍ: 
_تصوري إنها بتألف عليا حوار مش عارف إذا كان صح ولا بتعمل كده عشان توصلي.

ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وتساءلت: 
_حوار إيه ده؟ 

أجابها وهو يركز مع كل حركة مرتبكة تصدر منها: 
_وشها كله كدمات، بتقول إن زميلتها بالشغل هي اللي عملت فيها كده بسبب غيرتها منها. 

واستكمل ومازال يتصنع ثباته: 
_صعبت عليا فنزلت جبتلها أكل ودوا

وقال بخبث داه: 
_دي حتى ورتني عضة رهيبة جدًا، لدرجة إني حسيت أنها كانت بتتخانق مع أكلين لحوم البشر. 

أغلقت "مرين" حاسوبها بعنفوانٍ كاد بكسر شاشته، بينما تصيح بغضب: 
_وإنت إيه اللي وصلك إنك تشوف كتفها يا سيادة القائد يا محترم!! 

وفور أن نطقت جملتها حتى برقت بصدمة لسقوطها في الخدعه التي عرقل ساقها فيها، تابع "ياسين" ارتشاف قهوته باستمتاع مستفز: 
_لأنها ببساطة ورتني الإصابة اللي اتسببت فيها قطتي الشرسة! 

رفرفت بعينيها بارتباكٍ وخجل، فنهضت تحمل الحاسوب الخاص بها وهي تتمتم بغضب تتخفى به منه: 
_الحق عليا إني كنت بحميك منها ومن مياصتها، كانت بتتفق عليك مع هارون، وطالعه من عنده وناويالك، بس الظاهر إن الرخص بتاعها عاجبك وواكل معاك يا محترم. 

ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسة، ولف مقعده حيثما تستعد هي للرحيل: 
_هيعجبني فيها إيه وأنا مش شايف غيرك قدامي. 

توقفت عن استكمال طريقها، واستدارت إليه تتطلع له بدهشةٍ، بينما يهمس لها "ياسين" مُبتسمًا: 
_وكأن جمال نساء حواء  كله اتجمع فيكِ. 

رمشت بتوترٍ والحمرة تتسلل إلى بشرتها من فرط الحياء، بينما يترك هو فنجانه وينهض قبالتها، يقدم تهديده الكامن بوضوحٍ: 
_خاتم القذر ده لو لمحته في إيدك تاني مش حابب أهددك باللي هعمله، تبلغيه انه وقع أو اتزنقتي فيه وبعتيه، تدوري على حاجة تالتة ورابعة ميهمنيش. 

عادت من ربكتها، تستعيد قوتها: 
_بتهددني سيادتك؟ 

هز رأسه بتأكيد: 
_آيوه بهددك. 

تركت ما تحمله على الرخامة، ووقفت تجابهه: 
_وإلا هتعمل إيه يا قائد؟ 

ابتسم وهو يتابعها بمكر: 
_هأمرك بالانسحاب من المهمة عنيدة هانم. 

ربعت يديها أمام صدرها بعناد: 
_متقدرش تعملها. 

غمز بثبات قاتل: 
_جربيني وشوفي آخر ما عندي. 

وتابع وهو يميل هامسًا: 
_سبق ودخلتي في تحديات كتيرة معايا من واحنا عيال صغيرين، فكريني في مرة كسبتي فيها؟ 

بدا الغيظ والغضب يحتفلان بانتصارهما على ملامح وجهها الجذاب، فرددت من بين اصطكاك أسنانها: 
_متستفزنيش بكلامك يا ياسين وإلا هعمل عكس كلامك غيظًا وعندًا فيك. 

تركها واتجه للبراد، يجذب الدورق الموضوع فيه وهو يقول: 
_أنا حاسس إني مفتقد الجوكر، بفكر أستدعيه. 

قالها واتجه للخَفَّاق وشرع بصنع مشروبها المفضل، بينما تتجه خلفه بغيظ: 
_إنت بتهددني ببابي يا ياسين؟! 

هز رأسه وهو يسكب معكبات الثلج المصنوع من النعناع: 
_تهديد ترويع ترغيب سميها بأي مسمى يتماشى معاكِ  . 

وتابع ما يفعله وهو يستكمل: 
_إنتِ عارفاني كويس بتاع فعل من يوم يومي. 

سكب محتويات العصير بالكوب، ولف يقربه منها: 
_ده هيساعدك تهدي أعصابك وتأخدي قرار. 

قدمه لها وإتجه إلى غرفته القاطنة بالطابق الارضي، يجهز ملابس بيتية مريحة له، ومازالت تقف هي بالخارج قبالته، ترمقه بغضب شديد اتبع صراخها: 
_إنت مستفز على فكرة. 

وتركت الكوب وهي تهم للصعود فأوقفها: 
_مـــرين. 

توقفت محلها على الدرج، تراقبه وذراعيها مُربعة أمام صدرها، في حين أنه يحمل الكوب الذي تركته ويصعد ليكون قبالتها: 
_مهما حاولنا نتحدى ونعاند بعض، أنا وإنتِ عارفين كويس إننا هنكون لبعض في يوم من الايام، فبلاش ندوس على مشاعر بعض أكتر من كده. 

فكت عقدة يديها وهي تتهرب من عسليته بارتباكٍ، فاسترسل هو ويمنحها الكوب: 
_ أول رصاصة اخترقت جسمي واحنا أطفال كانت وأنا بحميكِ منها، ودلوقتي وأنا بالسن ده توقعي هعمل عشان حمايتك إيه؟ 

ارتجفت حينما تذكرت تلك الفترة من حياتهما، شردت رغمًا عنها بالماضي الذي لطالما كان هو و"زين" جزءًا منه، ولم تفق إلا حينما استطرد بصوته العميق: 
_واللي بعمله دلوقتي جزء من حمايتي ليكِ، هارون لازم يتوضعله حدود حمرا وإلا هيحاول يخلي مصيرك زي ضحاياه. 

أفاقت من شرودها وهي تقول: 
_أنا فعلًا حطاله حدود يا ياسين. 

ارتسمت بسمة مُهلكة على شفتيه، فعاد يرفع الكوب لها: 
_واثق فيكِ بس معنديش ثقة فيه، عشان كده بحاول أهيئك لأي غدر جاي منه. 

هزت رأسها بتفهمٍ، وحملت منه الكوب وهي تخبره ببسمة رقيقة: 
_ميرسي. 

صوت انغلاق الباب جعلهما يستديران للخلف، فاذا ب"زين" ينزع جاكيته الثقيل وهو يتمتم ساخطًا بينما يستكمل طريقه لغرفته: 
_ييييه وقفوا قصاد بعض تاني، العملية ناقصة فض خناقات توم وجيري، أهو ده اللي ناقصني مش كفايا حيدر اللي شبه مزلقان العتبة ده. 

وصاح بصوتٍ جاهد ليجعله جهوريا مخيفًا: 
_قطعوا بعض بالاسلحة بس يا ريت من غير أي صوت. 

وولج للغرفة أمام نظراتهما المندهشة، بينما يعود برأسه للخلف وهو يصيح بهما:
_طبعًا ما انتوا بالكم هادي ورايق، أخدين أدوار سهلة، لكن إبليس توابيت اختياراته ليا دايمًا اسبشيل موقعني مع الكومندا. 

وعاد للداخل ثم خرج لهما يصيح منفعلًا: 
_فايقين للغيرة والمناكفة في بعض ولا على بالكم المصايب السودة اللي بواجهها بره، طالعين تتدلعوا وتحبوا في بعض ولا على بالكم!! 

ثم ولج برأسه وعاد لهما من جديد يصيح: 
_واحد بامكانياتك وضخامة عضلاتك دي ميدخلش هو لكِنان وحيدر ليه؟! 

ثم ولج لغرفته وعاد وهو ينزع قميصه ويستبدله ببيجامة رجالية: 
_داخلها بالواسطة وممشيها جوه المهمات بالواسطة بردو، وقائد على إيه معرفش!! 

وعاد للداخل ثم مد رقبته لهما: 
_راجع من بين الضباع عشان أفككم من بعض، فاضي أنا للعب العيال بتاعكم! 

وتابع وعينيه تشمل "ياسين" هذه المرة: 
_لو أبويا ماضيلك على كمبيلات صارحني وأنا هدفعلك الفلوس!! 

ثم دخل وعاد برأسه لهما: 
_يالا يا عالم يا مُهزأة. 

قالها ودفع الباب بقوة، جعلت "مرين" تتطلع الى "ياسين" مُتسائلة بذهول: 
_ماله ده؟ 

تمتم وهو يقدم لها المشروب ويتجه إليه: 
_هعرف منه، بس تقريبًا اتكشف والمهمة فشلت!
                                  *****
زفرت بضجرٍ وهي تحاول للمرة الثالثة حل تلك المسألة المعقدة، دست "تالا" الأقلام بخصلات شعرها المتشكلة على هيئة قطتين، بينما تنثر الأوراق من حولها وهي تتمتم: 
_هعمل إيه دلوقتي؟ الإمتحان بكره؟ 

وتنهدت بضجرٍ ثم لاح بعقلها زوجها ولحسن حظها أنه لطالما كان طالبًا مجتهدًا، وكل عام يحصد مركزا من المراكز العشرة على الدفعة بأكملها، فرقعت بأصابعها وهي تتمتم بسعادة: 
_لاقيتها. 

ولكن سرعان ما تبددت بسمتها حينما تذكرت وجود "تيام" بالغرفة المجاورة لها، تسللت "تالا" إلى الباب الفاصل بين غرفتها وغرفة أخيها، فتحته بهدوء وحينما وجدته يجلس على الأريكة ويعبث بالهاتف الذي يحمله،أعادت غلق الباب ثم تسللت إلى الخارج. 

بحثت "تالا" عنه بغرفته ولكنها لم تجده، تمتمت بانزعاجٍ: 
_راح فين ده؟ 

_تحت في ساحة الاسكيت. 
قالها "كِنان" من خلفها، فابتعدت عن باب الغرفة واستدارت تقابله بارتباكٍ، جعلها تتمتم وهي تشير على الكتاب الذي تحمله ببلاهة: 
_آآ... أنا... أصل المسألة صعبة وآآ... هو بيعرف يحلها وآآ... أه الامتحانات بكره وآ.. 

رفع كفه يمازحها: 
_بس بس، أنا قولت إيه لكل التوتر ده، إن شالله يشرحلك الكتاب كله مش جوزك! 

رفعت القلم أمام عينيه بتوتر مضحك: 
_لا والله دي هي مسألة واحدة. 

رفع يديه كأنما تثبته بالسلاح: 
_مصدقك.

سحبت القلم وهرولت إلى المصعد وهي تتمتم بسخطٍ: 
_إيه الهبل اللي بقوله ده! 

هز "كِنان" رأسه وتحرك إلى جناحه، ولج للداخل وهو يبحث عنها، فوجدها تغفو على الكرسي الهزاز بشرفته، نزع جاكيته وإتجه لها، حرك المقعد الساكن حركته، فرددت ببسمةٍ رقيقة قبل أن تفتح مُقلتيها: 
_كِنان! 

وجدته يطالعها بابتسامة جذابة، وقال من ذلك القرب: 
_إني أرجع البيت وألقيكِ بتستنيني في أوضتي كان حلمي البعيد عن الواقع. 

ارتخت بجلستها باطمئان، وتركته يحرك المقعد، بينما تشاكسه: 
_ولما هو حلمك كنت بتصدرلي الوش الخشب ليه يا كيوي! 

ضحك بملء ما فيه، وراح يهددها: 
_ما بلاش لفظ نوح اللي هقتله بسببه في يوم من الايام ده، ولا إنتِ غاوية تضلميها علينا والسما لسه منورة وشمسها منور بين ايديا. 

قالها وهو يقرص وجنتها، فاتسعت ضحكاتها وقالت: 
_خلاص خلاص، هختارلك دلع تاني. 

أشار على ذاته مستهدفًا شهادتها وهو يرفع قامته ليجلس على السور: 
_بذمتك أنا ينفعني دلع؟ 

شملته بنظرة متفحصة وأجابت: 
_بصراحه لا، بس بردو مش هستسلم. 

جذبها ليحيطها من الخلف بذراعيه بمكرٍ: 
_فكري وإنتِ في حضني عشان لو قولتي حاجة معجبتنيش هطير بيكِ وأسيبك من فوق تنزلي نزلة أورجينال. 

ضحكت بصوتها كله، وما كادت أن تجيبه حتى ابتلعت حديثها فور ان استمعا لصوتٍ من خلفهما، وما كان إلا صوت صراخ "تالا" على "نوح"، وقد تجرأت وصفعته صفعة جعلت كليهما يبرقان بصدمة، بينما تتمتم" رزان" بسخرية: 
_أخوك كان عايزني أبدأ أقرب من مراته المجنونه وأصاحبها، دي مش طبيعية بجد!! 
                                *****
بينما بالاسفل. 

صعق "نوح" من الصفعة التي تلقاها، بينما تصيح فيه "تالا" بغضب: 
_آه يا قليل الأدب يا مستغل. 

حافظ على تخشب ملامحه، رغم أنه كاد أن يسقط من شدة الضحك، بينما يشير على ذاته بصدمة: 
_أنا مُستغل يا تالا؟ 

هزت رأسها بكل تأكيد، وصاحت بعصبية دون أن ترى من يقف خلفها: 
_لما تستغل الظروف الصبح عشان أركب معاك في مقابل إنك تغششني في الامتحان تبقي مُستغل، ولما دلوقتي تستغل اني مش فاهمه المسألة وتآآ... آآ.. 

ابتلعتها بجوفها بحرجٍ، بينما تستكمل بانفعالٍ: 
_تبقي استغلالي و60ألف استغلالي. 

رمقها بنظرة غاضبة، وصاح: 
_هو احنا مش متجوزين يا بنتي، ولا أنتِ فقدتي الذاكرة! 

صاحت بانفعال ويدها تشير له بالقلم: 
_كنا، ودلوقتي تيام رجع يبقى علاقتنا رجعت لأول سلمة. 

تنهد "نوح" بضيقٍ شديد وراح يهددها: 
_اعقلي يا تالا وبطلي كلامك اللي يضايق ده، الامتحان بكره هتحتاجيلي وهكرفك. 

رددت بدهشة: 
_ها إيه؟ 

كبت ضحكته وأوضح لها: 
_هطنشك يعني. 

أتاه صوت ملاك موته يُزف له: 
_ده أنا اللي هكرف لأمك ووقتي، بتتحرش بأختي! 

جحظت عيني "نوح" صدمة، حينما رأى "تيام" قبالة عينيه، فجذب "تالا" يختبئ خلف ظهرها وهو يصيح بتلعثمٍ: 
_تحرش إيه دي مراتي!!! 

وكأنه كان يتوقع أن تهدئه تلك الكلمة، ولكنها أخرجت عنه غضبًا جعله يحاول الوصول إليه، والاخر يلف بزوجته من خلفها، فصاحت رعبًا عليه إن طالته يد أخيها: 
_تيام أنت فاهم غلط صدقني. 

منحها نظرة صارمة، وهدر ساخرًا: 
_ليكِ دور جايلك يا غشاشة الامتحانات، بقى أنا بعد كل اللي بعمله معاكِ ده وتطلعي ناقشة الامتحان ومن مين من الواد ده؟! 

حذره "نوح" وهو يصيح من خلفها: 
_مسميش واد اسمي دكتور نوح التميمي! 

ضربه من أعلى رأس "تالا" وهو يصيح باستهزاء: 
_اخرس يالا، دورك جاي. 

وعاد يجذب شقيقته بعنف: 
_ثم إني مش منبه عليكي متتحركيش من اوضتك من غير علمي، نازلة تتسحبي وجايله هنا ليه؟؟ 

قالت وهي ترفع الكتاب الذي تحمله: 
_وقف عليا مسألة واحدة والله، ونزلت عشان يفهمهاني. 

ضيق عينيه ساخرًا: 
_وهي المسألة دي اللي هتنجحك يعني!!  

ردد "نوح" في محاولة للفكاك منه: 
_متقلقش عليها يا تيمو، أنا معاها في اللجنة وهسربلها الامتحان كله، نجاحها من نجاحي أوعى تقلق!! 

ترك "تيام" شقيقته وتمكن من جذب "نوح" عنها، وهو يتوعد له بغيظٍ: 
_تعالالي هنا بره عشان نعرف نتفاهم. 

وعند ذلك الحد وانتقل "كنان" من الاعلى للاسفل، واقترب منهم بصدره المكشوف، الذي أفصح لزوجته عما كان يحدث سابقًا، فاذا بها تبرق وهي تبحث عمن كان يجاورها منذ قليل، وعينيها تبرقان بصدمة وهي تراه قد أصبح لساحة المعركة. 

سحب "كنان" أخاه من بين يدي "تيام"، وأشار له وإلى" تالا"، فأمسك يدها وهرول بها بعيدًا عنهما، وهو يهمس لها:
_بينا نهرب من هنا، هما تيران زي بعض وهيعرفوا يتفاهموا مع بعض! 

 وما أن تأكد "كِنان" من مغادرتهما حتى صاح: 
_في أيه يا تيام؟ إنت بتتعامل مع نوح كأنه عدوك اللدود ليه، ما تركز يا حبيبي مع عدونا الحقيقي وتسيب عصافير الكناريا في حالهم! 

تغضن جبينه غضبًا، انتقل لنبرته المتعصبة: 
_أخوك كان بيتحرش بأختي وتقولي سايب عدوك اللدود. 

ضحك بصوته كله، وراح يصحح له: 
_أولًا هي مراته، ثانيًا أخويا الوحيد اللي متربي جوه قصر الرزيلة ده فاطمن عمره ما يعمل حاجه شمال حتى لو تالا مراته. 

هدأ قسماته المتشنجة رويدًا رويدا، فهو صادق بحديثه عما يخص "نوح"، بينما تمعن فيه" كِنان" وسأله باهتمام: 
_نسيبنا من لعب العيال ده ونركز في اللي اتحدنا عشانه، واللي استحالة يتم الا برجوعك للساحة. 

وأضاف مُتسائلًا باهتمام: 
_هترجع المختبر أمته؟ 

ردد بصوتٍ مطموس بالوجع: 
_من بكره، بلغت ماتيو يبلغ عثمان. 

هز "كنان" رأسه بهدوء، بينما قال "تيام" بحدة: 
_كنان حاول تخلي الكلب ده يسحب الرجالة اللي بتراقبني وبتراقب صاحبي، ده لو مش عايزني أقتله واختصر عليك سكة الانتقام دي. 

انزوى حاجبيه بدهشة: 
_صاحبك! صاحبك مين يا تيام!! أوعى تكون حكيتله عنك حاجة، إنت عارف إن مستحيل نسمح لحد يدخل دايرتنا بسهولة. 

سيطر على ارتباكه وبدا ثابتًا: 
_لا متقلقش ميعرفش حاجه. 

رغم أنه لم يصدقه بشكلٍ كامل، الا أنه هز رأسه وهو يتمتم: 
_بتمنى! 

واذا به يتفاجأ ب"ماتيو" من خلفه، يردد بآلية مرعبة: 
_سيد كِنان، السيد عثمان يريد رؤيتك. 

شيع "كِنان" "تيام" بنظرة مستهزئه وهو يهمس له: 
_اذكرني بدعواتك لحد ما أرجعلك.

ضحك ساخرًا وهو يراقبه يغادر للاعلى، بينما مضى "تيام" بالحديقة وهو يضع يديه بجيوب بنطاله، حتى رآها تجلس بالتراس الكبير، المتصل بجميع الطوابق، عبر الدرج الحلزوني.

حارب "تيام" رغبته بالصعود لها، حتى يتمكن من النبش عن الماضي، وبالرغم من انتصار قلبه الا أنه كان يتراجع، وبالنهاية وجد ذاته بالقرب منها. 

كانت جالسة بسكونٍ تام، تحمل شيئًا بيدها لم يستطيع أن يراه جيدًا من مكانه، ولكنها كانت هائمة به بحزنٍ استطاع رؤيته بدموعها المُتساقطة. 

اقترب "تيام" بفضولٍ؛ لرؤية ما تحمله بيدها، فاذا به يرى قلادته التي سبق وشراها لها، والتي شدد عليها بارتدائها دومًا، خفق قلبه بقوة، وفجأة وجد ذاته يندفع إليها، ينتزع منها ما بيدها وهو يطبق عليه بقوة. 

صعقت "رحيق" مما حدث، اضافة لصدمتها بوجوده، وبما فعله، نهضت عن مقعدها تجفف دموعها سريعًا، وهي تستدعي صوتها المبحوح: 
_تيام! إنت بتعمل إيه هنا؟ هات السلسلة

وتابعت وهي ترفع يدها لتجذب ما أخذه منها بتوتر: 
_رجعلي السلسلة من فضلك. 

رسم بسمة ساخطة، ورفع من يده للاعلى حتى لا تتمكن من الوصول إليها: 
_غريبة إنك لسه محتفظة بالسلسلة لحد النهاردة، سايباها في رقبتك ليه؟؟ بتفكرك بإيه بالظبط؟؟  حبنا ولا خيانتك ليا؟؟ 

حاولت الوصول إلى يده، وقد بدأت الدموع بالانسياب على وجهها: 
_من فضلك يا تيام هاتها. 

اتسعت ابتسامته الساخرة، وراح يهتف بألمٍ: 
_إنتِ عايشة دور مش دورك يا رحيق. 

وأضاف وهو يطبق على يده بقوة: 
_كان لازم تتخلصي منها من زمان، زي ما عملتي معايا ومع حبي. 

صرخت فيه وهي تحاول الوصول لقبضته: 
_أنت عايز مني إيه، سيبني في حالي وهات اللي يخصني. 

ضحك باستهزاء وقال: 
_متخصكيش، ولا إنتِ تستاهليها، هتتلوث لو اتحطت حولين ست خاينة زيك. 

قالها وألقاها عن يده، ففزعت "رحيق" وهي تركض صوب سور التراس، تراقب محل سقوطها ببكاءٍ، ثم استدارت تقابله بنظرةٍ دامية، قبل أن تهبط من أمامه بصمت. 

تعجب "تيام" حينما وجدها تهبط للاسفل، حيث تلك البقعة التي ألقى فيها القلادة، تركز كشاف هاتفها باحثة عنها بجنون. 

مضت دقائق عليها ومازالت تبحث بين الحشائش الخضراء حتى وجدتها، حملتها بين يدها ونهضت عن الارض، فتفاجأت به يقف من خلفها، يطالعها بدهشة لحقت سؤاله: 
_إيه سر احتفاظك الغريب بيها؟ 

منحته ابتسامة منكسرة، ورددت بنبرة سوداء نقلت له ظلاما تخلله: 
_دي الحاجة الوحيدة اللي محسساني إني لسه عايشة! 

وتركته ومضت للداخل حيث جناحها، تنزوي من خلف بابه باكية، تنهار مثل قطعة من القماش تهدر عنها الخيوط خيطًا تلو الآخر! 
                              *****
بينما بالاعلى وبجناح "الديزل" بالاخص. 

وقف يراقبه بصمت، جعل الاخير يختبر ارتباكًا مما سيلقيه على مسمعه، وخاصة وهو يراقبه بنظرة عميقة لم يصل أحدٌ لأعماقها من قبل، حتى تحرر عنه الحديث: 
_مش شايف إنك بقيت بتتحرك بحرية زيادة عن اللزوم، عدم اتخاذ الحذر هيوقعك ووقوعك تمنه هيكون عسير. 

علم بأن الحديث الهادئ لن يكون مساره طبيعيًا الآن، فردد: 
_أنا واخد حذري متقلقش. 

تغاضى عن جملته ورفع كفيه يستند بهما على بعضهما وهو ينطق بما جعل به "كِنان" منصدمًا والرعب والخوف يتجليان على ملامحه: 
_نوح خلاص على وشك إنه يتخرج، ده الوقت المناسب عشان يخضع للجراحه، أنا حاسس إن نسبة نجاحها عليه هتكون كبيرة عن فشلها كل مرة مع هارون، خصوصًا إن الجينات بينكم متطابقة بشكل كبير ولا إيـه؟ 

برق بعينيه بصدمة، وراح يصيح: 
_لا يا عثمان، أخويا لاااا.  

رفع عينيه الرمادية المرعبة له، وردد بابتسامة أكثر رعبًا:
_إنت اختلط عليك الشخصيات ولا إيه يا كِنان، في فرق بين عثمان والديـــزل!! 

وتابع وهو يطرق على مقعده بغضب: 
_أعتقد إنك ذكي كفايا عشان تفرقني في وقت غضبي عن وقت تسامحي معاك!!!! 


تعليقات