رواية اشباح المخابرات الفصل السابع عشر 17 بقلم اية محمد رفعت


 رواية اشباح المخابرات الفصل السابع عشر 


جاهد لكبح غضبه بصعوبة بالغة، حتى وإن بلغ كرهه أعناق السماء، سيظل هو الزعيم، "الديزل" الذي يحقق لهم الأمان والحماية ضد العدوان الخفي الذي خلفه أباؤهم بعد موتهم، ولم يكن لهم ظهرًا قويًا يكون ساترا لهم من وابل الرصاص والفتن إلا الله شخص واحد "عثمـان التميمـي".

خرج" كِنان" عن صمته الذي طال وهو يجتهد ألا يثير غضب من أمامه، فقال برأفة وهدوء: 
_عثمان أنا عمري ما كنت ضدك في شيء، أنا دايمًا بكون في ضهرك، وأي حاجه بتطلبها مني مهما كانت درجة خطورتها بدخلها بدون أي حسابات، بالرغم من إن هارون بيحاول بكافة السبل إنه يثبتلك إنه الأجدر والأفضل، بس إنت عارف إن لو في يوم اتعرضت لأي رصاصة غدر هيكون هو أول واحد ينط من المركب، عكسي تمامًا أنت على ثقة إني جاهز أضحي بحياتي عشانك فبلاش تخسر محبتي الكبيرة ليك وتجني مني كراهية مهما حاولت أتغلب عليها مش هقدر، ومصيرها هتغلبني. 

انتهى من حديثه وراقب رد فعله باهتمامٍ، وجده مازال يستند على ذراعيه ويتابعه بهدوءٍ، تمزق فور أن تحرر صوته الثابت: 
_هجني كراهيتك بإيه بالقوة والسيادة اللي هقدمهم لأخوك!! 

ردد "كِنان" برجاء رغم أنه يحجب من خلفه قوة غضبه الساحقة: 
_سبق وقولتلك قبل كده أنا معاك في كل حاجة، بس بشرط بعد نوح تمامًا عن كل ده، وإنت ولأنك طول عمرك بتحترم قدسية وعدك مسبقش وطلبته ينضم لينا، فجاي دلوقتي وعايز تخلف بوعدك ليا!!! 

نبعت بسمة ساخرة على وجهه، وهتف بحزمٍ مخيف: 
_الديزل كلمته واحدة ومبينسهاش لو مهما عدي عليها زمن. 

واستطرد وهو يتابعه بنظرة غاضبة: 
_بلاش تخلط الأمور ببعضها، وخاليك عارف إن لولا اللي عملته معاك مكنتش وصلت للقوة وللي انت فيه دلوقتي. 

بدا الحزن ظاهرًا على معالم وجهه حتى صوته انطفأ مثله: 
_عارف إنك بالعملية دي خلتني بقوة مرعبة، بس أنا دفعت تمنها غالي أوي يا عثمان، فضلت سنة كاملة بحاول أتأقلم على الشريحة اللي ركبتهالي، الموضوع كان مُؤلم وغير محتمل، فأكيد مش هقبل بكده لنوح أبدًا. 

اتسعت بسمة سخريته، وردد بصوت صلب: 
_وبعد الألم ده وصلت لإيه؟؟ 

انتظر سماع إجابة منه، ولكن الآخر التحف بالصمت قدر ما تمكن، مما دفع "عثمان" لاستكمال ما يقول: 
_لولا الشريحة دي مكنتش وصلت لكل ده، اللي عملته فيك خلى العدو يخاف على حياتك قبل الصديق، وأولهم هارون اللي بيحميك بالرغم من كرهه ليك، والله أعلم لو مكنتش الوحيد من بعدي اللي جيناتك نجحت تتأقلم مع الشريحة كان هيحصل إيه؟

وأضاف بجمودٍ تام: 
_خمستاشر سنة وأنا شغال وبطور الشريحة بكل جهدي، وأول ما جربت زرعتها كانت فيا أنا، عشان معرضش حد منكم لأي أذى لو كانت ضارة، ولما نجحت عليا وإتأكدت إنها صالحه 100 في المية، جربتها عليكم كلكم، بس للاسف منجحتش مع حد غيري أنا وإنت بالرغم من إني طورتها أكتر من مرة، بس كل مرة بتفشل مع هارون وتيام. 

واستطرد وهو يطرق على ذراعي المقعد المتحرك: 
_ودلوقتي وبعد اللي حصل معايا زمان مبقتش قادر أسيطر على قوتي، بقيت عاجز عن كل حاجه، يعني حاليًا مبقاش في غيرك إنت، والأمل الكبير في نوح. 

اقترب منه خطوتين ورغمًا عنه غارت عينيه بالدموع: 
_نوح لا يا عثمان، عشان خاطري إبعده عن كل ده، أخويا ضعيف ومش هيتحمل كل ده. 

وسقط على ركبتيه وهو ينهار باكيًا: 
_أنا مش عايزه يبقى زيي، مش عايزه يعيش الأيام اللي عشتها، مش عايز رجليه تخطي خطوة واحدة في الحرام اللي محاوطنا، وحياة أغلى حاجه في حياتك ما تخليني أخسر الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتي يا عثمان. 

راقبه بنظراتٍ خاوية بظلامٍ دامس، وصل لقلبه قبل أن يتغلب على روحه، سحب نفسًا طويلًا يفرج به عن زحامه القابض على صدره، ثم تحرر صوته العميق: 
_مهما حاولت تحميه مصيره في يوم رجله هتتكعبل في الوحل اللي اتزرع لينا من قبل حتى ولادتنا. 

وببسمةٍ فاترة استكمل: 
_كلنا تم اختيارنا من وقت ما اتولدنا، وزي ما تم اختياركم لأدواركم واحد ورا التاني أنا كمان اختاروني للي أنا فيه ومن و أنا عيل عندي 13 سنة. 

رفع "كِنان" رأسه إليه يلمس وجعًا قابضًا، كان يحاول "عثمان" اخفاءه منذ سنواتٍ وقد نجح في ذلك سابقًا، حتى أفرج عن ذرة مما خاضه: 
_اللي ظاهرلك إنت وولاد عمك وفاكره طريق المعاصي والمحرمات نقطة في بحر في اللي أنا عايش فيه. 

وطعنه بنظرة يحوم بها الشيطان بملاذٍ مرعب: 
_لو حد اتفرض عليه دوري مش هيتحمل يقضي يوم واحد وسط اللي أنا فيه، عقله هيفلسع منه وهيعيش عمره كله يتعالج نفسيًا من الصدمات. 

وارتسمت بسمة لم تمت للضحك بأي صلة، بدت وكأنه مهرجٌ يستعد لإقامة حفل لسكينٍ سيمزق أعناق المدعوين: 
_أنا الشيطان نفسه بيشفق عليا من اللي بشوفه بعيوني! 

وقبض قبضة قوية في نفس تحرر قوله: 
_ومع ذلك واقف قدامكم زي الظل، باعد ألف عين وعين عنكم، ولو بعدت مسافة صغيرة، هتكونوا عرضة لمخلوقات أبشع من الشياطين. 

وتابع ببسمته الثابتة: 
_أول ما أرفع إيدي عنكم، ودعوا حياتكم لإنها هتكون آخر لحظات هتجمعكم بيها، بعدها هيستقبلكم موت وياريته زي ما في توقعاتكم، الموت عندهم أبشع كابوس ممكن يتخيله عقل البشر، مهما كان ذكائه، مستحيل يوصل لعقول ملوثة بالقذارة اللي اتغذت بيها أرواحهم! 

ومنحه نظرة قوية وهو يقول: 
_الشريحة اللي بتقلل منها دي لو اكتشفوها هيعجز عقلهم إن مهاراتي وقدراتي واصلة للذكاء ده كله، وهيعملوا أي حاجه عشان توصل ليهم. في حين إن سيادتك شايفها شر لأخوك، ومع ذلك رفعت إيدي عن نوح بمزاجي. 

وبرفعة إصبعه هدر بتحذير: 
_بس كل حاجة وليها تمنها، وبما إنك الوحيد اللي نجحت معاه شريحتي يبقى حريتك من دلوقتي ملكي أنا! 

ولف مقعده وهو يشير له بصلابة:
_أغلقي الباب من خلفه آيلا. 

علم بأنه قد أنهى النقاش المتبادل بينهما، لذا أنسحب بكل هدوء، وبداخله راحة واطمئنان بأنه تراجع عن قراره فيما يخص أخاه، ولكن مازال ماضي "عثمان" يثير فضوله وفضول من حوله، حيال عما خاضه بالصغر حتى تلك اللحظة! 
                              ******
إنتهت من عملها اليوم بجد ونشاط، ومازالت شاردة في باقة الزهور من حولها، وابتسامتها الساحرة تزيدها فتنة وجمالًا، مررت أصابعها على الزهور النادرة، وعشقها الفاضح يعلو مُقلتيها اعلان صريح بانتمائها إليه.

 مازالت تهتم بروي الزهور بالمياه، وهي تخشى أن تذبل وتغادر عنها الحياة التي قد وهبها إياها "زين" وهو زين الرجال. 

تنهدت "مارال" بعاطفة ترفرف دائمًا شوقًا إليه، فلطالما كان غائبًا عنها هي وشقيقتها، اعتادت أن تقوي شوقها وغرامها إليهما، وأن يكونا أول من تدعو لهما في صلاتها. 

نهضت تجمع أغراضها وتعيدها إلى درج المكتب الخاص بها، ثم خرجت حتى تستعد للرحيل إلى سكنها، ولكنها قبل أن تنعطف للدرج السفلي، غيرت اتجاهها للأعلى، حتى وصلت للطابق الرابع المخصص للحوامل! 

أوقفتها ممرضة كانت تمر بالطرقة، وقد ظهر عليها توتر ملحوظ وهي تتساءل: 
_دكتورة مارال، ماذا تفعلين هنا؟

زوت حاجبيها بدهشةٍ، وأجابت: 
_أغير مصرح لي التواجد هنا؟! 

ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وراحت تجيبها: 
_ بالطبع لا، كل ما قصدته هو عرض المساعدة عليكِ، هل بإمكاني مساعدتك بشيءٍ! 

هزت رأسها بخفة وهي ترسم ابتسامة ساحرة: 
_أشكرك على ذوقك الرفيع لينا، أنا لستُ بحاجة إلى مساعدتك. 

قالتها واستكملت طريقها نحو غرفة محددة، وما كادت أن تحررها حتى أوقفتها الممرضة: 
_إلى أين؟! 

تعجبت "مارال" من طريقتها الغريبة، وخوفها الذي تفوح رائحته لها. ومع ذلك أجابتها: 
_أريد الإطمئنان على تلك الفتاة التي كُسرت ساقاها منذ ثلاثة أيام، وقُمت بلف ساقيها. 

وتابعت بحنان لم تفتقده يومًا: 
_الفتاة صغيرة جدًا على أن تكون حاملًا في هذا العمر، وإصابة قدميها كانت مُؤلمة للغاية

وبالرغم مما قالته، مازالت تسد الطريق عليها، فقالت بضيقٍ: 
_والآن هل تسمحين لي بالمرور! 

زاد الخوف عليها بشكلٍ زرع القلق في نفس "مارال"، فانتقل لسؤالها المرتاب: 
_ما الأمر؟ 

ردت عليها والكذب يلوح بالأفق بذراعيه: 
_تلك الفتاة غادرت بالأمس. 

توسعت بنيتها دهشة مما قالت: 
_كيف وهي لم تستطع أن تقف على ساقيها!! 

هزت كتفيها بعدم مبالاة مصطنعة: 
_لا أعلم، لقد أتت عائلتها لاصطحابها بالأمس وغادرت برفقتهم. 

زادت شكوك"مارال" حول تلك الممرضة، وخاصة بما قالته، فاذا بها تنطق بصدمة: 
_لقد أخبرتني أنها وحيدة، وليس لها أحدٌ!!! 

تلون وجه الممرضة كآلوان الطيف، وإذا بها تثور غاضبة: 
_وما أدراني أنا!! لقد أتت امرأة ورجل لاصطحابها وقالا بأنهما عائلتها، وغادرت رفقتهما بإرادتها. 

وتركتها ومضت للأسفل دون أن تهتم بها، بينما وقفت "مارال" محلها مفزوعة من الأمر، ولم يرتضى فضولها حيال هذا الأمر، ولكن حينما وزنت الأمر رددت بصوتٍ منخفض: 
_وهي هتكدب عليا ليه يعني! يمكن الناس دي يكونوا جيرانها مثلًا! 

قالت جملتها وغادرت الطابق بأكمله، تحت نظرات تلك الممرضة التي تراقبها بنظرات خبيثة، تحيط بها خطر "سيمس" الفتاة الخاطئة، ربما تبدو رقيقة، ضعيفة أمامها، ولكن من خلفها سيحيط بمن يمسها الهلاك، وكأنهم يختارون اللعب مع الشخص الخاطئ! 
                              ******
جاهدت لفتح الملف المُتبقي على جهاز "هارون" وحينما فشلت دفعت الحاسوب وهي تزفر بغضب، جعل من يخرج من غرفة التدريبات يردد: 
_إنتِ عارفة إن الموضوع مش هيكون بالسهولة دي، هيحتاج شوية صبر منك عنيدة هانم! 

استدارت خلفها، رأته وهو يجفف العرق عن جبينه بالمنشفة، وعلى ما يبدو بأنه قضى وقتًا طويلًا بالتمرينات داخل الغرفة، تنهدت وهي تنطق بشرود: 
_أنا كل ما بكتشف صعوبة فتح الملف، بتأكد إنه شايل عليه مصايب، بس عقلي مش متخيل إن في مصايب أبشع من اللي لاقناه يا ياسين! 

رنا الجنرال منها، يجلس على المقعد قبالتها، وبصوته الرزين الهادئ قال: 
_احنا جايين هنا وعارفين إننا هنشوف ونسمع اللي ميحتملوش عقل البشر يا مرين. 

وأضاف وهو يعيد تنظيم الطاولة من أمامها: 
_علي ليڤل الشر خصوصًا مع العيلة القذرة دي. 

واستكمل وهالة الغموض تحاصر عينيه: 
_ومهما وصلنا هيفضل نقطة في بحر عثمان التميمي!  

عاد ببصره لها وهو يصرح عما يفكر فيه: 
_قدس لوحدها مش كفايا إنها تلاعب شخص قذر زي ده، وقوعه مش سهل، ومهما كان قدس مُدربة بالنهاية اعتمادها الكلي كان على الطب. 

قرأت ما بعينيه من غموض، فمالت على الطاولة، تلفت انتباهه عن تأمله للفراغ: 
_قائد. 

عاد ببصره لها، فتساءلت بمكر: 
_بتفكر في إيه؟ 

سند ظهره للمقعد من خلفه وردد: 
_وجودي مش هيقتصر على تيام وبس، أنا لازم أوصل لنقطة أخطر من كده وبأي تمن. 

ضيقت زُرقتها بدهشةٍ، وهي تنطق بما استشفته من حديثه: 
_عثمان؟ 

اتسعت ابتسامة ماكرة، وسحب زجاجة المياه يتجرعها مرة واحدة: 
_اللعبة بدأت من بره وهتنتهي جوه، وبالأخص عنده. 

زمت شفتيها بعدم رضا عما يفكر فيه: 
_مش حاسة إنها هتنتهي بالبساطة دي، احنا بنحفر في حيطة مليانه أعمدة، كل ما هتكسر عمود هتلاقي وراه عمود تاني. 

وأضافت ببسمة جذابة: 
_الرحلة فعلًا طويلة أوي يا قائد. 

راقبها بابتسامةٍ هادئة، زادت من وسامته التي لم يخسرها، وصوته الرجولي يردد: 
_مهما كانت طويلة نفسنا طويل ومعاها للآخر، والمرادي حاسس إنك  مهيئة بشكل كامل للنهاية وما بعدها، وخصوصًا لما الأمر بيتعلق عندك بكرامة الستات. 

هزت رأسها بكل تأكيد، وأظهرت جانبها الاجرامي: 
_الغل اللي عندي مش هيتمحي إلا برقبة روني. 

عبث بعسليته بانزعاجٍ وغضب: 
_برقبة مين؟ 

ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت: 
_هارون. 

هز رأسه بينما يطبق على أصابعه البارزة بقوة من أسفل القفازات الرياضية المكشوفة، وفجأة ردد ببرود: 
_طيب هقوم أخد شاور قبل ما أمشي، وإنتِ اعملي محاولة أخيرة لفتح ملفات سي روني، يمكن وقتها تتكيفي من قذارة خطيبك. 

وسحب المنشفة والزجاجة الخاصة به، ثم مضى للدرج، حبست "مرين" ضحكتها بخبث، ومالت على الدرابزين تهتف برقة مصطنعة: 
_متنساش وإنت طالع شقتك تجيب لجارتك قطن وشاش وأوعى تنسى المُعقم لحسن تتقلب لزومبي وتلتهمك وإنت حي يا جينرال! 

وقف بمنتصف الدرج، يطالعها بطرف عينيه الساحرة، وبثبات قاتل غمز لها: 
_عنيا حاضر، وهعقملها الجرح بنفسي كمان، إنتِ تأمري يا ميري. 

وهبط درجتان ثم عاد يتطلع لها بنظرةٍ خبيثة: 
_بس ياريت تخفي على البنت، من مصلحتنا إنها تقرب عشان نسهلهم اللي هما عايزينه، حاولي تتحكمي في غيرتك عليا أكتر من كده. 

جحظت عيناها صدمة، بينما يغمز لها بانتصارٍ: 
_أفعالنا بتخالف أقوالنا دايمًا عنيدة هانم! 

تزاحم الغضب في أمواج بحرها الساحر، فراحت تبحث حولها عن شيءٍ، حتى لمحت السكين الموضوع جوار طبق الفاكهة، جذبته وراحت تلهو به بيدها وهي تردد بمكر: 
_بتمنى المغامرة اللي مقضينها هنا دي متكنش نسيتك إني نشالي مش بيخيب، فلو عايز تنزل لأوضتك سليم انسحب وحالًا يا قائد. 

احتبس ضحكة كادت بالظهور أمام شراستها، ولكنه اقترب للدرابزين المقابل لها وراح يطالعها بقوةٍ وذكاء يجعلها تزداد جنونًا وغيظًا منه: 
_القادة علمونا زمان إننا لما يكون عندنا نية لفعل شيء منهددش بيه ونعمله على طول، فيا ترى تهديداتك ليا  خوف عليا ولا من قدراتي؟ 

ثبتت أصابعها على سن الخنجر الذي تعده ببراعةٍ للتصويب عليه، وقبل أن يصدر عنهما أي رد فعل خرج "زين" من غرفته يطالعهما بنفورٍ، وخاصة حينما رأى ابنة عمه تحمل خنجرا وتصوبه تجاه مكان رفيقه بالتحديد. 

شملهما بنظرةٍ قاتلة، ومضى لطريقه كأنهما هواءا غير مرئي ولسانه يردد: 
_عالم مُهزأة! 

تركت "مرين" محلها، وهبطت تقف جوار "ياسين" ومازالت تحمل الخنجر بينما تردد بدهشةٍ: 
_ماله ده؟ 

ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه وقال وهو يجفف وجهه: 
_طالع يسلم صفقة هيروين متهربة. 

طالعته بإعين مُتسعة من الصدمة، فهز رأسه وهو يتابع بخبث: 
_مش سهل تتحول من ظابط مخابرات لمجرم تهريب مخدرات. 

وأضاف وهو يحيط رقبته بالمنشفة: 
_الوضع اللي هو فيه ده ما قبل الصدمة، وخصوصًا إنه عارف الترويقة اللي هيتروقها عشان يسمحوله يدخل بينهم. 

علمت مقصده لإتقانها مثل تلك الأمور التي اجتازتها على يد قادتها، فراحت تهتف بحزنٍ مُضحك: 
_اختيارات رحيم زيدان لابنه اسبشيل أوي فعلاً! 

واضافت وهي تتطلع له في حيرة: 
_المفروض إني أخاف عليه صح؟ افرض اتوصوا بالتعذيب شويتين تلاتة والواد راح فيها، هعمل إيه مع مارال، دي ممكن تروح وراه!! 

عاد رأسه للخلف من فرط نوبة الضحك التي هاجمته، وبصعوبة هتف وهو يستكمل الدرج للمطبخ: 
_متقلقيش على زين، اقلقي عليهم منه. 

وأضاف وهو يسحب طبق الفاكهة ثم وضع طبقين أمامهما: 
إيديهم هتنكسر ودماغهم هتقف من التفكير في طرق مُبتكرة للتعذيب وعمرهم ما هيوصلوا معاه لحاجة. 

ومد يده لها قائلًا بسخرية:
_excuse me.  "عذرًا" 

زوت حاجبيها بعدم فهم، فأشار على السكين الذي تحمله، عكسته "مرين" وقدمته له بانزعاجٍ، قطع به "ياسين" الفاكهة وهو يتحدث بدهاء: 
_وبعدين لو المفروض هتخافي فيبقي عليا أنا، لإني بلاعب تيام ورجالة هارون وبوسعلي الساحة عشان أدخل لعثمان وش لوش. 

وأضاف وهو يصنع عصيرها المفضل بعدما قطع الفاكهة ووضعها بالأكواب: 
_هتخافي عليا لو حطوني تحت الإختبار، ولا هتتشفي فيا عنيدة هانم! 

طالعته بنظراتٍ قوية، لأنثى لم يُعهد عنها الضعف: 
_لو قدرتك في الإستحمال أقل من زين، اديني إشارة وهقتحم المكان كله، وفي لحظة هحررك، متخافش ووراك بنت الجوكر  يا قائد. 

هز كتفيه وهو يسكب العصير ببرود: 
_بالعكس مش قلقان خالص يا ميري. 

ودفع الكوب لها ببطء، فاذا بها تتأمله بدهشة، يصنعه أبوها دومًا بدون أن يقطع فيه أي فاكهة، وما تراه الآن هي إضافة جديدة منه، وبالرغم من أنها لم تكن تشعر بحاجة له، إلا أن فضولها لتذوقه دفعها لتناول أول ملعقة، فاذا بها تحمل الكوب وتتناول ما به بتلذذٍ: 
_أمممم، تحفففه. 

وأضافت وهي تمازحه: 
_عشان كده رحيم زيدان حاطك في طريق تيام، أكيد مش هيشوفك غير شيف محترم. 

ابتسم بسخرية وقال وهو يتناول ما بملعقته: 
_بالعكس نظرته ليا مختلفة حبتين تلاتة. 

تساءلت باستغراب: 
_إزاي؟ 

أشار على نفسه وهو يرتشف من الكوب: 
_شايفني مُقاتل! 

ضحكت بصوتٍ مسموع، ورددت بصعوبة بالحديث: 
_بصراحة زين معاه حق، المفروض إنت اللي تدخل لكِنان وهو اللي يدخل لتيام ده. 

ترك ما بيده ومال يتحدث بكل جدية: 
_نظرتك للأمور سطحية يا مرين، عكس رحيم زيدان، كل ما بتعمق في التفكير وراه دماغه بتعجبني أوي. 

طالعته باهتمام بينما يشرح لها: 
_اختار زين يدخل لكِنان لأنه لو شافني أكيد مكنش هيحس بفرق ما بيني وبين حيدر والحرس اللي عنده، هكون ملفت ليه إزاي وجسمي بيتحدث عني!! زيي زي أي حارس بيهتم بشكله. 

وتابع بذكاء: 
_زين جسمه متناسق، ذكي، متوقعش إنه يشوف منه ده، ده غير ان تيام مش سهل أبدًا، عقله صعب ومحتاج لعب على تقيل وعلى نار هادية، زين معندوش صبر مش هيقدر يجاريه واحدة واحدة لحد ما يثق فيه ويشد اللي وراه، وطبعًا اللي وراه بدايته من عند هارون وختامه بالقذر اللي عاملي فيها مُتحكم السيرك.. 

وختم وهو يعود لتناول مشروبه: 
_من الآخر رحيم زيدان حطني في مواجهة غير مباشرة مع كل الاطراف، بس على الهادي، وزي ما قولتلك البداية مع تيام وبعد كده سي روني، ونهايتها عثمان التميمي! 

وشدد على كوبه وعسليته تتأجج بفتيلٍ مُرعب: 
_اللعبة كلها اعتمادها الوحيد على الصبر، وأنا صبور جدًا ومستمتع بالجيوش وهي بتتحرك لحد ما يجي الدور على ملوك الجولة الأخيرة! 

انهت "مرين" كوبها، ووضعته على الرخامة، ثم سألته: 
_مفيش أخبار عن قدس؟ 

هز رأسه بالنفي، وقال: 
_مستلمتش إشارة منها من يومين. 

وأضاف وهو يجذب الكوبين ويمضي لغسالة الأطباق: 
_بليل هروحلها، حاسس إنها مش كويسة. 

ضيقت زُرقتها بذهول: 
_تروحلها إزاي؟ 

نصب عوده بعدما فعل الآلة: 
_زي كل مرة بروحلها!! 
                               ******
غادر النوم مُقلتيه وهجره قطعًا، فمال يقتبس نظرة لشقيقته التي تغفو فوق صدره بعدما أجبرها على أن تشاركه غرفته بعد أن رأى ما فعله "نوح" بالأسفل.

ضمها "تيام" وقبل جبينها، ثم وضعها على الوسادة، ونهض يتجه إلى الشرفة المفتوح بابها، وقف وعينيه تتجه لشرفة جناح "هارون"، وكلماتها تعيد طرق رأسه بكل قوتها، احتفاظها بالقلادة إلى تلك اللحظة تعد لغزًا فتيله أشعل الجمر داخله، ويا ويله من أملٍ قد يزرعه ويكون خاطئًا فيه، فيرغمه على العودة إلى بداية طريق شاق، مضى فيه بصعوبةٍ. 

تنهد وهو يشعر بصخرة ضخمة تجثو فوق صدره، ولج" تيام" للداخل، وغادر غرفته في صمتٍ، متوجهًا إلى الأسفل، ومن الباب الجانبي سلك طريقًا أنبوبيا يمر من أسفل القصر، نهايته كان مختبره السري الذي هجره لسنواتٍ. 

وحينما وقف على عتبة بابه الضخم، فُعلت الإضاءة تلقائيًا، وراح الآلي يردد: 
_مرحبًا بك دكتور تيام، هل أفعل نظام تشغيل الأجهزة؟ 

أجابها وعينيه تقتبس النظرات الباردة من مكانٍ لآخر: 
_لا. 

مضى إلى الداخل والنفور يعيث داخله بفسادٍ، فراق أعوام قد يخلق اشتياقًا بين طرفين افترقا، ولكنه لم يكن تلك المشاعر أبدًا، بل كلما يخطو خطوة شعر بالنفور يجتاحه، وبداخله يجزم بأنه من المستحيل أن يتمكن من العودة لتلك البقعة الفاسدة. 

جلس "تيام" على الأريكة الجلدية السوداء، يتفحص الأجهزة والثلاجات الضخمة التي لطالما احتفظ بداخلها على سموم، خرجت من تحت صنع يديه لتأذي البشرية. 

ذلك المكان نفسه الذي شهد على أدوية كانت لتنقذ البشرية من أمراض مزمنة كالسكر والضغط والسرطان، والفيروسات القاتلة مثل الكورونا ومشتقاتها وما كاد لعقله أن تتخلله المزيد من الذكريات حتى أتاه صوتٌ يعلم صاحبه جيدًا، والوحيد المصرح له بالدخول إلى هنا، لأنه يمتلك صلاحية التحكم في آيلا: 
_اشتقت لمكانك المفضل، ولا نازل تلوم نفسك يا دكتور؟ 

اتجه بصره إلى المصعد السري الذي ظهر فيه "عثمان" الذي لم يغادر جناحه الا لأضيق الظروف، رفع إصبعه فتحرك المقعد إلى الداخل، حيثما يجلس ابن عمه الذي عاد يطمس رأسه للأسفل، وكأنه يحارب وجعًا قاتلًا حرره بسؤاله الثقيل: 
_رحيق مظلومة ولا خاينة؟ 

بدا وأنه بذل عناءًا لبصق تلك الكلمات من داخل جوفه، وما أن رفع رأسه إلى "عثمان" حتى ردد: 
_ريح قلبي أرجوك، أنا عارف إن هارون طول عمره بيكرهني لإني كنت أقرب واحد ليك، وعارف إنه وقعها عشان يكسرني أنا، بس اللي مش فاهمه وقعها إزاي وبأي طريقة، مهو لو كان عملها حاجه أو بيهددها بحاجه كانت هتقول، أنا اترجتها تتكلم ومتكلمتش!! 

تحرر عن صمته الطويل، وقال بنبرة استحضر فيها الهيبة:
_لو راجع عشان البت دي خد بعضك وارجع مكان ما كنت.

وأدار المقعد حتى يعود إلى المصعد، لحق به "تيام" يصرخ: 
_لو عايزني أرجع زي ما كنت ساعدني أريح قلبي اللي شاعلة فيه النار ومش راضية تنطفي عنه! 

لف "عثمان" مقعده له، وبصوته الواثق قال: 
_نارك عمرها ما هتنطفي يا تيام، خليك فاكر إني زمان نبهتك من صنف الحريم، حذرتك تقع في شباكهم المخادعه، وإنت مسمعتش كلامي ووقعت. 

واستطرد وهو يتابع النظر إليه مباشرة: 
_الوجع هيطولك ده شيء أكيد، يا أما بخداعهم أو خيانتهم ليك أو بفراقها عنك سواء كانت حية أو ميتة، من الآخر مينفعش راجل يبني حياته على ست، الظاهر إنك متعلمتش حاجه، هتفضل زي ما أنت! 

تركه وغادر من أمامه بالمصعد الذي تحول لحائط أبيض فور اختفائه، بينما يعود "تيام" مهمومًا لنفس أريكته ومازال يفكر كيف وبماذا سيبدأ؟! 
                              ******
عاد "عثمان" إلى جناحه ووجهه جامد كاللوحة الثابتة، مضى صوب الشرفة يدقق النظر في ليلٍ سماه تلبد بالغيوم، وبينما هو على حاله اذ يتسلل له صوت حذائها، فأجلى صوته القاتم: 
_على فين يا دكتورة؟ 

أجابته وهي تتجاهل وجوده: 
_بقيت كويسة فمفيش داعي أفضل هنا أكتر من كده، هنزل الملحق. 

ووقفت أمام باب الجناح المُغلق، تتطلع له باستغراب من انغلاقه القوي، فاذا به يستدير تجاهها ويبتسم بمكرٍ: 
_آيلا مبتخدش أوامر من حد غيري. 

استدارت إليه بغيظٍ وغضب وهتفت: 
_قولها تفتح الباب، ده لو مكنش عند سيادتك وسيادتها مانع! 

حدق فيها بنظرة باردة، ثم قال: 
_العصبية غلط عليكِ يا دكتورة، أخاف تتعبي تاني! 

ربعت يديها أمام صدرها ببرود، لحق نبرتها: 
_هو المفروض مين يهتم بمين، إنت نسيت إنك المريض هنا وأنا الدكتورة؟ 

صدر عن ضحكته صوتًا مسموعًا، بينما يردد من بينهم: 
_هسيبك تهتمي بيا حاضر، بس لما تتعافي الأول. 

ازداد غضبها وهي تطالعه بحدةٍ: 
_خلي الهانم تفتحلي الباب إذا خلصت المهزلة دي!! 

ضيق رماديتاه بمكرٍ لها: 
_تحبي أناديلك ماتيو يوصلك، على فكرة هو سبق وشالك لما وقعتي، ولولاه رقبتك كانت هتنكسر. 

وقبل أن تعترض ردد بسخرية: 
_فكري كويس، لو نزلتي بالحالة دي لو وقعتي هتفقدي بصرك ومش هتقدري تكملي متابعتك لحالة مريضك اللي هو أنا! 

خرجت عن طور هدوئها وهي الباردة التي تتعامل مع كل شيء ببرود: 
_مش عايزة سي زفت بتاعك ده يظهر قدامي، افتح الباب وخليني أغور من هنا آآآه... 

قالتها وهي تضم رأسها بتعبٍ شديد، فابتسم وهو يصدر أمره: 
_عزيزتي آيلا، افتحي الباب للدكتورة قبل أن نحترق معًا حتى المسكين ماتيو سيخسر جاذبيته بنيران تلك الجميلة. 

رددت "آيلا" بآلية تامة: 
_حسنًا سيدي، سأسرع بإتمام الأمر في الحال. 

انفتح باب الجناح على وسعيه، فاذا ب"قدس" ترمقه بنظرة نارية ورددت قبل أن تغادر: 
_النار دي موجودة جواك أكتر، إنت مش محتاجني إنت محتاج لدكتور نفسي يعالجك من المهلبية اللي إنت فيها!! 

ورددت وهي تغادر من أمامه: 
_حد عاقل يسمي الروبوتات آيلا وماتيو!!  

غادرت بالمصعد بينما يكاد "عثمان" أن يسقط من شدة الضحك، وهو الذي ظن ذاته أنه بات آليًا مثل الروبوتات التي يصنعها، وها قد يفق على حقيقة مرعبة والأكثر رعبًا أن تلك الفتاة تمتلك داخله ما لم يتمكن من منحه لأحد.
                               *****
الظلام الدامس يحتل ظلمة الليل الكحيل، وبالرغم من أن الأجواء كان يسودها الرعب إلا أنه كان يتقدم رجال "كِنان" بشجاعة وجرأة جعلت من حوله يراقبونه باستغرابٍ. 

كان يخطو بين الصخور المجوفة بثباتٍ، وملابسه السوداء تخفي ملامحه الحادة، لثامه والكاب من فوقه يخفيه خفية ليل طمس النجوم في جوفه، وكأنه شبحٌ مُلثمٌ، لا يخشى الموت. 

وقف على نهاية الصخور التي تسفخها مياه المحيط، وبصره يمتد نحو المياه كالصقر، ينتظر وصول اليخت الحامل للمواصفات المطلوبة، وحينما ظهر على بعدٍ، تحرر عن صمته: 
_اجهزوا. 

استعد الرجال للتقدم خلفه، ولكنهم توقفوا على اشارة "حيدر"، الذي تقدم ليقابل" زين" وجهًا لوجه: 
_الباشا مطلعك الصفقة دي عشان يقيمك، وعشان تثبتله نفسك هتكمل طريقك لوحدك! 

راقبه بزيتونته بثبات، انتقل لنبرته: 
_مجرمين زي دول لما يلاقوني بطولي أكيد مش هينهوا الموضوع ودي يعني!  وده أكيد مش قابل بيه كِنان. 

مضى "حيدر" صوبه والحقد والغل يتربعان بمُقلتيه: 
_طيب ما أنت لازم تكون مستعد لأي حركة غدر، وبعدين إنت مش عاملي فيها شبح، اتفضل ورينا! 

قال المثل الشعبي بتلقائية ولم يعلم أنه شبح قولًا وفعلًا، منحه "زين" ابتسامة هادئة ضاعفت الغضب والنفور في نفس "حيدر"، الذي تمنى أن يحدث المتوقع، حينما يحصل هؤلاء الاوغاد على أقل فرصة للغدر بالطرف الآخر يفعلونها على أكمل وجهٍ، فكيف سيكون الاخلاص شيم هؤلاء المجرمين اللعناء! 

علم" زين" بأن هذا الحقير يود الإيقاع به، ومع ذلك صعد على "الجيت سكي"  الدراجة المائية وقادها ببراعةٍ إلى اليخت الذي يصدر الإشارات تباعًا صوب المكان المحدد لتسليم الحقيبة التي احتوت على كميات ضيئلة من السموم البيضاء، ولكنها كانت بتركيز يزيد عن تركيزها الطبيعي بنسبة تسعون بالمئة، وهذا ما نجح "تيام" بصنعه بالآونة الأخيرة. 

أوقف "زين" «الجيت سكي» أمام اليخت، وهبط يقفز فوق الدرج، حتى وقف بمنتصف الساحة ومن حوله خمسة عشر رجلاً مسلحًا، بأجسادٍ ضخمة، وبالرغم من حدة الاجواء كان ثابتًا أمامهم. 

انتشرت الدهشة والذهول على ملامحهم، لوجود رجل واحد لتسليم حقيبة هامة مثل تلك التي يحملها، من ذلك الأحمق الذي سيغامر ببضائع ثمنها يبلغ كل تلك الملايين بإرسال رجل واحد للعالم السفلي والذي يتلخص بانتسابه لعالم الجريمة! 

لم ينخدع كبيرهم بتلك الخدعة، فاذا به يميل صوب كبير حرسه وهمس بصوتٍ لم يكن مسموعا ولكنه مقروء إلى أعين "الشبح": 
_تأكد أنه بمفرده! 

هز رأسه بابتسامةٍ خبيثة، وانسحب للمياه يتفقد بذاته، بينما يقترب أحد الرجال من" زين" وهو يشير له على الحقيبة: 
_سأتفقد البضاعة. 

ارتسمت بسمة ثابتة على وجهه وببرود ردد: 
_لأتفقد أنا سندات المال أولًا. 

كان جريئًا للغاية، شجاعته بارزة كاضاءة هذا القمر المنير، استدار الرجل إلى كبيرهم فأشار بالموافقة بيده الحاملة للسيجار البني العريض، ففتحوا الثلاثة حقائب بالسندات أمامه، تفقدهم "زين" ثم جذبهم وألقى الحقيبة قائلًا:
_بامكانكم تفقد ما يخصكم. 

امتلك فرصة الذهاب على الفور، ولكنه قرأ الخيانة بوضوحٍ، استرجع أهم دروس الأسطورة الذي كان يمنحه اياها سرًا
«إياك تدي ضهرك لعدوك وخصوصًا لو شميت فيه ريحة الغدر!» 

فضل أن يواجههم وجهًا لوجه، حتى لا يستغلوا ذلك، وفي نفس اللحظة كان يمرر يده على جلد يده بطريقة ساحرة والبسمة الخبيثة تحتل شفتيه. 
                          *****
ولجت "قدس" إلى الملحق، والإرتباك والتوتر يسيطران عليها، جابت الردهة ذهابًا وإيابًا، وفجأة توقفت محلها حينما التقطت عيناها انطفاء وتشغيل إنارة حمام غرفة نومها. 

تعجبت من الأمر، وولجت للداخل تقدم خطوات وتؤخر الأخرى، وما أن فتحت الباب، كُمم فمها وعيناها تلتقط من خلفها بالمرآة، هدأت وتيرتها رويدًا رويدا، واستدارت إليه. 

كاد "ياسين" أن يتحدث ولكن "قد" س أوقفته بإشارة يدها، تعجب من تلك الإشارة التي توحي له بالخطر، ثم بدأت تحدثه بإشارات يديها لغة يجيدها جميع أفراد الفريق. 

اتسعت عسليته بدهشة حينما اخبرته عن سقوطها، وعن الإبرة الطبية التي اخترقت رقبتها ومن بعدها فقدت الوعي، فاذا ب"ياسين" يشير لها بالهدوء، وقد جذب جهازا من حقيبته، وضعه على رقبتها، حتى يتأكد مما فعله "عثمان" بها. 

ترنحت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وراح يتحدث بصوتٍ هامس: 
_متقلقيش مزرعش أجهزة تعقب، بس الظاهر إنه خاف تكوني شكيتي في حاجه شوفتيها قبل الواقعة، والدليل إن الملحق كله مليان كاميرات. 

اتسعت مُقلتيها بصدمة، فحذرها "ياسين":
_اتعاملي عادي يا قدس، متخلهوش يشك في حاجه. 

قالت بثقة وقوة: 
_اطمن انا مش هبلة عشان أقعله بسهولة كده. 

هز رأسه بخفوت، وسألها: 
_إصابة سطحية ولا؟ 

بسخرية أجابته بينما تضم جبينها: 
_أهي هي ولا دي يا شريك. 

ضحك وهو يشجعها: 
_كلنا لها يا صاحبي، شيد حيلك اللي جاي أصعب. 

زمت شفتيها بتعبٍ، فاذا ب" ياسين" يتحدث بكل جدية: 
_قدس ركزي معايا، معيش وقت كتير، عثمان مش سهل زي ما أنتِ متخيلة، عثمان هو اللي بيدير اللعبة كلها، وطبيعي انك متكتشفيش عنه أي حاجة بسهولة. 

هزت رأسها وهي تنتبه لكل حرفٍ صادر عنه، حتى داهمها بسؤال: 
_قدس إنتُ متأكدة إن عثمان فعلًا مشلول؟ 

أكدت له بثقةٍ: 
_أيوه طبعًا يا ياسين، دي كانت أول حاجه عملتها مرة واتنين وتلاتة عشان أتأكد، لأني أول فكرة كونتها عنه قبل دخولي هنا إنه يكون بيمثل عليهم كلهم، بس أنا بنفسي اتأكدت. 

اكتفى بتحريك رأسه، وفجأة انتبه لإشارة زين، والموقع الخاص به،  أخفض الجنرال يده، وهم بالرحيل وهو يرفع الكاب واللثام: 
_اصمدي على قد ما تقدري يا قدس، وأوعي تتهاوني مع القذر ده، عثمان أبشع مما تتخيلي، كل ما فترة قعادك هنا هتزيد هيحطك تحت المجهر والمراقبة، خليكِ مركزة معاه وأوعي تخليه يشك فيكِ. 

هزت رأسها في طاعة، ورددت: 
_اطمن يا قائد. 

ضحك على كلمتها وراح يمازحها: 
_أنا مش خايف غير منك إنت ومروان اشطا، شكلكم هتسلمونا تسليم أهالي. 

رددت بصوتٍ خشن اجتهدت فيه: 
_عيب يا شريك، ده احنا نفديكم بأرواحنا ان لزم الأمر، وإن شاء الله ميلزمش خالص. 

منحها نظرة أخيرة ساخرة، قبل أن يعود من حيث آتى، متوجهًا إلى حيثما تصل اشارة "زين"! 
                              ******

وصل" ياسين إلى الموقع المحدد، فتفاجأ باشارة آخرى يحصل عليها من بين الصخور، تتبعها حتى وصل لصندوق متوسط الحجم، يحتوي على بذلة غطس كاملة. 

بدون أن يضيع أي ثانية، ارتداها "ياسين" ووضع الأكسجين، ثم اتبع الإشارة السرية التي يحملها الصندوق، حتى حدد المسافة والإتجاه الذي سيسبح فيه بالتحديد. 

غاص بأعماق المحيط وبمهارة وحرافية عالية سبح بكل قوته، حتى وصل لليخت من الجهة المعاكسة للصخور المختبئ خلفها "حيدر" ورجاله. 

تعلق بجانبه وانتظر أن يتلقى إشارة رفيقه، الذي يجلس وهو يراقبهم ببرود، لقد مضت ثلاثون دقيقة وهم يتفحصون المخدر، والآن وحينما تأكد الرجال من أنه بمفرده، ردد وهو يضع ساقًا فوق الأخرى: 
_لا أعلم ماذا صنعت لسيدك ليضحي بك ويرسلك إلينا بمفردك. 

 واستطرد بينما يشير لرجاله: 
_لابد أنه يرغب أن تكون وجبة دسمة للقروش. 

أحاط الرجال "زين" الذي لم يهتز له جفنٌ، بل تحرر عن صمته بقوله: 
_كيف أكون وجبة دسمة وأنا بهذا الجسد الصلب، فلتنظر إلى نفسك جيدًا يا رجل، أنت تحمل تضاريس في البطن تكفي لإشباع عشرة قروش مساكين. 

وتمتم بتفكير: 
_ترى كم قرش سيشبعها كروش رجالك!! 

وما كاد بانهاء جملته حتى قفز بجسده من بينهم، وراح يتحول لآلة قتال مرعبة، في نفس لحظة نطقه: 
_شريـــــك! 

ظهر "ياسين" بالطابق السفلي لليخت، يقضي على الرجال بخنجره، كان يسدد لكماته وينهال عليهم بالطعنات بسرعة مرعبة، ثم يلقيهم بالمياه الممتلئة بأسماك البحر المفترسة، بينما يتكفل بهم "زين" من الأعلى، حتى وصل لكبيرهم الذي سدد سلاحه عليه، وفي كل مرة يصوب عليه الرصاص كان يتفاده "زين" حتى رفعه وهو يتطلع الى بطنه ويتساءل بحيرة: 
_كنت غلطان في عدد القروش اللي هتحتفل بيك تحت،  ده إنت هيتعمل عليك حفلة صباحي يالا!! 

وألقاه بالمياه، ثم قفز للأسفل وهو يرنو فاتحًا ذراعيه: 
_جارحـــــــي! 

تلقفه "زين" بالأحضان، و"ياسين" يطالعه بسخرية، بينما الأخير يحاوط خصره كأنهما يعيدان مشهد تيتانيك، دفعه "ياسين" غاضبًا: 
_لو ناسي إحنا واقفين فين وكنا بنعمل إيه من شوية حفلة الدم اللي حوليك هتفوقك. 

ابتعد وهو يقابله بضيق: 
_بتفصلني من أم اللحظة ليه!! صعبان عليك أفصل بعد حفلة الكروش اللي عزمت عليها القروش من شوية!!  

وأضاف وهو يلكزه بغضب: 
_ثم إنك إتاخرت ليه، طبعًا ما أنت كنت هتزيط لو حفلة القروش دي كانت عليا أنا!  

ضحك وهو يستفزه: 
_القرش قبل ما هيقربلك هيفكر مرتين في القرار الإنتحاري ده. 

واضاف وهو يستعد بمعدات السباحه: 
_ها عايز مني حاجه تانية، ولا أغادر من بين القروش ده لو عديت يعني بسلام! 

سند ساقه على طرف اليخت وهو يهدر بحقد: 
_بفكر أخدك ونهجم على حيدر الكلب ده، مش هعرف اكتفه لوحدي. 

واستدار يقابله ببسمة خبيثة: 
_ده هيبقى وليمة للقروش يتغذوا عليها سنة كمان! 

ربت على كتفه كأنه يلهمه الصبر، وهو يلقي بذاته بالمياه، بينما يستكمل "زين" ما يفعله، ليفجر اليخت بعدما حصل على السندات والبضاعة. 
                           ******

رحل الليل بقسوته، ورفرف النهار بجناحيه ليبرز فيه شمسه ببهاءٍ، ورغم جمال الطبيعة إلا أنها لم تعكس سوى ألمها القابع داخلها. 

نهضت "رحيق" بتعبٍ شديد، تحتمل على ذاتها حتى وصلت للمرحاض، تتقيأ بتعب شديد، ومن الخارج يعقد "هارون" جرفاته وهو يصيح بنفور: 
_كل يوم على الصبح اصطبح بالقرف ده، عيشتك تقرف زي وشك! 

ولحقها للحمام، فوجدها تجلس أرضًا وهي تضم بطنها بألم، بينما يهتف بسخطٍ: 
_من قبل الحمل وأنا مستحمل خلقتك الزفت، ودلوقتي بقيتي أبشع من الأول، معرفش أنا جايلي  من استحمالك وعيشتك هنا إيه!! 

رددت بصوتٍ مرتعش: 
_طلقني وارحم نفسك وارحمني. 

رسم لها بسمة باردة: 
_وأكيف مزاجي ازاي!! الحرب بيني وبين حبيب القلب طويلة، واستخدامي للكارت بتاعك هيطول شوية مع انه محروق وواكله النار والعفن!! 

استندت على حوض الإغتسال بصعوبة، ونهضت تهمس بتعب: 
_صدقني تيام معتش بيحبني، إنت بتتوهم ده، كل اللي بتعمله معاه ده في الفاضي، ومش فارقله بأي شيء. 

ضحك بصوته المقزز وقال: 
_لا دي أنا اللي أحددها مش انتي خالص. 

وأضاف وهو يشير للمرحاض بتقزز: 
_نضفي القرف اللي عملتيه ده، ولو لمحت في الكاميرات حد من الخدم طلع وساعدك هزعلك وزعلي وحش يا رورو. 

طالعته بكره شديد، بينما يغادر هو للمصعد، متوجهًا للطابق الأخير، للقاء ب"عثمان" مثلما طالبه بالأمس بأن يصعد له ولكن الآخر أجله لليوم. 

ولج للداخل يبحث عنه، فوجده بغرفته المخصصة للرياضة، يلعب رغم إعاقة قدميه ليحافظ على جسده الممشوق. 

وقف يراقبه بانبهار، بالرغم مما أصابه ولم يخسر قوته البدنية بعد، أفاق على صوته الحاد كنصل السيف: 
_لو خلصت بحلقة اتفضل ارمي اللي طالعلي عشانه. 

تنحنح وهو يحاول ايجاد كلماته المناسبة: 
_آآ.... أنا... كـ... آآ.... أصل... 

راقبه بسخرية، وانتقل لرفع الأثقال على يديه: 
_لسانك اتقطع لوحده ولا اللي بتحاول تتكلم عنها دلوقتي هي اللي قطعتهولك. 

اتسعت عينيه بصدمة، بينما يواصل "عثمان" تمارينه قائلًا: 
_البت اللي دخلت شقلبت حالك، وخليتك زي الخاتم بصوابعها. 

ابتلع "هارون" ريقه بصعوبة، بينما يستطرد "عثمان":
_مش دي اللي عايز تكلمني عنها؟  

وأضاف وهو ينتقل لجهازٍ آخر بمساعدة" ماتيو": 
_حقارتك ووساخـ** مع الستات وصلاني كلها،وأنا مطنشك بمزاجي طالما شغلنا في السليم ومبيتأثرش، والبت دي فكرت بالبداية هتكون مصيرها نفس اللي قبلها، ويمكن لما عصلجت معاك بتجاريها باللي بتعمله. 

ولف برأسه له يسدد له نظرة طاعنة: 
_بس اللي أنا شايفه إن الريالة نازلة على وشك ونجحت تخليك كلب وهي سحباك وراها! 

 ردد "هارون" بارتباك: 
_عثمان انا بحبها وهتجوزها. 

ارتسمت على شفيته ابتسامة ساخرة: 
_حب!! إنت يا هارون!! لا الظاهر إنها فعلًا جامدة عشان توصلك للمرحلة دي. 

وأضاف بغموض قاتل، بينما يتوقف عما يفعله: 
_جالي فضول أشوف البت دي، بكره تكون هنا بيها!!!! 


تعليقات