رواية خلف الظلام الفصل السادس عشر 16 بقلم عادل عبد الله


 رواية خلف الظلام الفصل السادس عشر 

ماتت الكلمات بين شفتيها و تراجعت خطوة للوراء لتصطدم بالرفوف ، وهي تنظر للرجل الذي كانت تظنه غارقاً في الظلام ، فإذ به يغمرها بنور كاشف يفضح كل شئ ، فسقطت الأموال من يدها و سقطت كل الأقنعة في لحظة واحدة .
طارق بنظرة حادة كسيف يقطع أخر وتر بينهما : بقولك فلوس ايه دي يا رضوي ؟ وبتديهاله ليه ؟
حاولت رضوي تدارك الموقف وتصنعت الابتسام : أنت بتشوف يا حبيبي ! ألف مبروك .
طارق : أيوه بشوف ، وشوفت كل حاجة ، شوفت اللي كنت خايف لما أفتح أشوفه ، شوفت غمزاتك وهمساتك معاه ، شوفت خيانتك ليا في شرفي ومالي ، ياريتني كنت فضلت أعمي وأشوفك زي ما كنت فاكرك طاهرة .
رضوي : لأ ،أنااا....
يقاطعها طارق : أخرصي أوعي تنطقي ، هتدافعي عن نفسك تقولي ايه وكل حاجة واضحة زي الشمس ! كنتي فاكراني لسه أعمي ، لأ يا هانم أنتي اللي عامية ، عامية علشان مشوفتيش حبي ليكي ، عامية علشان مشوفتيش غير نزواتك ورغباتك الحقيرة ، حرمتك أنا من ايه علشان تخونيني مع الكلب ده !
يجري أسامة ويحاول طارق الإمساك به إلا إنه يفر هارباً .
تتساقط دموع رضوي : طب اسمعني وأنا هقولك كل حاجة .
طارق : أهو عشيقك سابك لوحدك وجري علشان جبان زيك .
رضوي : أديني فرصة أ...
طارق : عايزة فرصة لأيه ؟ عايزة فرصة علشان تضحكي عليا وتستعميني حتي بعد ما فتحت وشوفت كل حاجة بعينيا .
رضوي : لأ يا طاا...
يقاطعها طارق : أخرصي ومتنطقيش اسمي علي لسانك ، ده أنا صدقتك أنتي وكدبت أخويا ، صدقتك علشان كنت أعمي ومش شايف حقيقتك .
رضوي : اديني فرصة اقول كلمة واحدة .
طارق : أنتي فرصتك الوحيدة دلوقتي أنك تكوني في الشارع ، هو ده مكانك الطبيعي ... ثم سكت لحظة ثم قال : أنتي طالق .

صعد إلي منزله هذه المرة دون أن يرتدي نظارته السوداء .
يقف أمام المرآة المكسورة ، يشعر وكأن الحياة قد توقفت للحظات كان يتمني لو كان كل ما حدث مجرد كابوس مزعج . كانت الدموع تملأ عينيه بينما يري في مرآته صورته يملؤها الشروخ .
أخرج هاتفهه واتصل بصديقه يوسف وقال له بصوت " مختنق " : يا ريتني ما كنت فتحت يا يوسف .
يوسف : فيه ايه طارق ؟ ايه اللي حصل ؟
طارق : أنا أتأكدت إنها بتخوني يا يوسف ، رضوي بتخوني .
ثم أجهش بالبكاء .
يوسف : طب أهدا يا طارق ، أهدا وقولي عملت ايه ؟ أوعي تكون أتهورت ؟
طارق : طلقتها ، طلقتها يا يوسف .
يوسف : طب أهدا يا طارق ، أهدا خالص وبلاش تفكير .
طارق : أكيد اللي في بطنها ده مش ابني .
يوسف : يعني ناوي تعمل ايه ؟
طارق : بمجرد ما تولد هرفع ضدها قضية نفي نسب ، وقضية زنا .
يوسف : أنت متوتر يا طارق دلوقتي ، أجل التفكير في أي حاجة لحد ما نستشير محامي علشان يكون موقفك القانوني سليم .

خرج طارق من منزله ووقف أمام منزل أخاه متردداً ، يقدم خطوة ثم يقف لحظات ويتراجع  ، ثم يقدم خطوة أخري ، حتي وصل باب أخيه ودق الجرس .
فتح له عماد الباب ينظر لأخيه بدهشة : أنت باصص في عينيا يا طارق ! أنت شايفني ، صح ؟ أنت رجعت تشوف تاني ؟
يجيبه طارق و الحزن يملأ عيناه : أيوه أنا فتحت يا عماد ، فتحت وشوفت كل حاجة .
يأخذه عماد بين ذراعيه ويضمه إليه : الف مبروك يا طارق ألف مبروك يا اخويا .
طارق " بحزن " : مبروك ! مبروك علي ايه يا عماد ؟ أنا لما فتحت شوفت الحقيقة المرة اللي كنت عايش فيها وكنتش حاسس .
تقف أميرة والذهول يكسو وجهها ، بينما يسأله عماد : قصدك ايه ؟
طارق : أنا أسف يا عماد إني مديت إيدي عليك أمبارح ، أنا ظلمتك أرجوك سامحني  سامحني يا أخويا .
عماد : مسامحك يا أخويا ، المهم إنك عرفت الحقيقية ، عرفت مين معاك ومين ضدك ، مين أمين علي شرفك وبيصونك ومين بيخونك .
طارق : عرفت يا عماد ، عرفت لكن متأخر .
عماد : المهم إنك فتحت الحمد لله وعرفت الحقيقة ، بعد كده كل حاحة مقدور عليها .
تتدخل أميرة : ألف مبروك يا طارق .
طارق : الله يبارك فيكي ، رغم إنك كنتي عارفة كل حاجة يا أميرة وكنتي ساكتة .
أميرة " بأرتباك " : أنا ؟ لأ ، أنا معرفش حاجة .
عماد " بغضب " : لأ يا هانم ، أنتي كنتي عارفة كل حاجة ، كان واضح عليكي أوي أنك كنتي عارفة كل حاجة وساكتة .
طارق : أيوه يا أميرة ، أنا شوفتك بتتوشوشي معاها ، وسمعت كلامكم لما قالتلك أنها هتدفعله الفلوس .
أميرة بأرتباك واضح : أيوه ، أااانا ، أنا كنت عارفة لكن كنت عايزة أحافظ علي بيتكم وحياتكم يا طارق ، و هي وعدتني إنها ...
يقاطعها عماد : تبقي أنتي شريكتها في كل حاجة .
أميرة : لأ ، أناااا ...
يقاطعها عماد : أخرصي متنطقيش .
يسود الصمت للحظات ثم يقطعه عماد : من النهاردة أنتي مش مراتي ، من النهاردة حياتك مع بناتك وبس ، أعتبريتي مش موجود في حياتك خالص من دلوقتي .
أميرة : وأنا ذنبي ايه ؟!
عماد : خلاص ، الكلام بينا أنتهي ، ولو فتحتي أي كلام معايا تاني هيكون أخر يوم ليكي في البيت ده .
طارق : عماد .
عماد : نعم يا طارق .
طارق : الفاجرة كانت بتدي للكلب فلوسي ، وكمان حطت في أيده كل تجارتي ومحلي .
عماد : أكيد الكلب ده هو الواد اللي الهانم شغلته في المحل .
طارق : أيوه يا عماد ، جابت عشيقها لحد بيتي وعملتله محل بفلوسي  وكمان حطت في ايده كل مالي ، والنهاردة مسكتها وهي بتدفعله خمسين ألف جنية .
عماد : و سيبته يا طارق ياخد الفلوس ؟
طارق : للأسف معرفتش أوقفه قبل ما يهرب بالفلوس ويختفي .
عماد : طب سيبلي الواد ده وأنا هتصرف معاه .
طارق : هتعمل ايه ؟
عماد : أنا هجيبلك الفلوس لحد عندك ، وأجيبه هو شخصياً تحت رجلك ، تنت,قم منه زي ما تحب .

في منزل قديم حوائطه متهالكة ، فتحت رضوي الباب ودخلت وأرتمت بجسدها المنهك علي الأريكة .
هذا المنزل الذي شهد طفولتها و بداية شبابها ، تلك الشرفة المغلقة أمامها و التي كانت شاهدة علي أول نظرة حب من طارق .
هذا البيت الذي يقبع بالسكون الآن بعد وفاة والديها وزواج أختها وسفرها مع زوجها ، الآن عادت إليه وحيدة ، حاملة في أحشائها ابنها وعلي عاتقها عار يلاحقها ويلاحق سيرة أسرتها إلي الأبد .
وقفت أمام الشرفة المغلقة وتساقطت دموعها بغزارة ، لم تتوقع أبداً أن ينهار كل شئ فجأة .
في الوقت الذي ضحت فيه بصيغتها ودهبها مقابل سكوته ، وظنت أنها تضع بذلك نهاية لأبتزازه المستمر لها ، كانت ذاتها تلك اللحظة التي أنكشف فيها سترها وأفتضح كل شئ .
تشعر بشفرة سكين حاد تمر بين أحشائها ومرارة في فمها لم تتذوقها من قبل !
لم تتوقع أن يكون طارق بتلك القسوة ، لم تتوقع أبداً ألا يمهلها الفرصة للدفاع عن نفسها ولو بكلمة واحدة !

بعد أيام
في منزل أسرة رضوي
لأول مرة منذ أيام تسمع صوت دقة الباب !
تسائلت : هل عاد نادماً ؟
هل أتي ليسمعها ؟
تنتظره يقول لها نادماً : مقدرتش أعيش من غيرك .
قامت متثاقلة تجر أقدامها حتي فتحت الباب بوجه شاحب لتجد أمامها أميرة !
رضوي : أميرة ؟
أميرة : أيوه أميرة اللي ضيعتيها معاكي .
تنهار باكية ، فتتعاطف معها أميرة : أهدي يا حبيبتي ، حاولي تهدي شوية .
رضوي : أهدا أزاي بعد اللي حصل ؟! خلاص كل حاجة راحت .
أميرة :  اللي حصل حصل خلاص يا رضوي ، أنا عارفة إن قلبك مكسور ، بس كان لازم يحصل كده ، أنا حذرتك من الأول ! لكن أنتي مسمعتيش كلامي .
 تجيبها رضوى بصوت مبحوح ، مختنق بالبكاء ، وهي تمسح دموعها بكف مرتعش : أقولك إيه بس يا أميرة ،  أقولك إيه ؟ أنتي فاكرة إني كنت موافقة ومبسوطة ؟ أنتي فاكرة إنني كنت مستريحة للوضع ده ؟
أميرة : كنتي لازم تخلصي من الوضع ده قبل ما يوصل لكده .
رضوي : مكنش فيه حاجة في أيدي أعملها ، كان الزفت ده علطول بيهددني وبيطلب مني فلوس ، خوفت يا أميرة ، خوفت يتكلم .
أميرة : لو كنتي وقفتي قصاده من الأول ورفضتي أبتزازه ليكي مكونتيش وصلتي لكده ، حتي لو كان اتكلم وعرف طارق كل حاجة مكانش الوضع وصل لكده .
رضوي : كنتي عايز طارق يعرف ؟! كنتي عايزاه يعرف إن ليا أخ مجرم خارج من السجن ؟!
أميرة : كان هيبقي أهون من أنه يشك أنك بتخونيه ويفكر إن أسامة عشيقك مش أخوكي .
رضوي : مهانش عليا صورتي وصورة أبويا قدام طارق لما يعرف إننا عيلة فيها مجرمين .
أميرة : أنتي ملكيش ذنب في إنه مجرم ، كل عيلة في الصالح وفيها الفاسد .
رضوي : كنت خايفة طارق ليخاف يطلع ابنه مجرم زي خاله .
أميرة : أنتي قولتيلي إن أسامة مجرد أخ من الأب يعني تربيته غير تربيتك وحياته غير حياتك ، بلاش تجلدي نفسك أكتر من اللازم علي ذنب مش ذنبك .
تبكي رضوي : والله العظيم يا أميرة مكنتش أعرفه ولا أعرف إن بابا الله يرحمه كان متجوز ومخلف من ورا ماما .
أميرة : أنا عارفة يا رضوي ومصدقاكي .
رضوي " ببكاء " : أنا معرفتش عنه حاجة غير بعد موت بابا ، ولما الكلب ده عرف إن جوزي غني ومسافر الخليج ومعاه فلوس كتير بدأ ببتزني علشان ميفضحنيش و يقول لطارق أنه أخويا .   
أميرة : ياريت طارق كان عرف أن أسامة أخوكي ، كان أهون من إنه يفكر أنه عشيقك .
رضوي : أنا حاولت أقوله لكن مدنيش أي فرصة .
أميرة : طارق وأخوه دلوقتي نارهم مشعلله ومش هيسمعوا أي كلام من أي حد ، لما الأمور تهدا شوية أنا هقولهم الحقيقة .
رضوي : أوعي يا أميرة ، أوعي تقولي حاجة .
أميرة : ليه ؟ خايفة من ايه تاني ؟
رضوي : خلاص أنا مش خايفة من حاجة ، لكن بعد ظلم طارق ليا رغم كل الحب اللي كان بينا أنا اللي عايزاه يفضل علي عماه .
أميرة : ليه كده يا رضوي ؟ 
رضوي : طارق كان شايف حبي له وهو أعمي لكن لما فتح وشاف ، مشافش إلا الغدر والخيانة كأنه كان مستني يشوفني في صورة الخاينة بس .
أميرة : وابنه اللي في بطنك ؟
رضوي : هو دلوقتي أكيد شاكك فيه ، يبقي ميستاهلوش .


تعليقات