رواية صياد النايا آل حانا الفصل السابع عشر
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الوقوف بحيرةٍ أمام مفترق طرق ، والتشتت بين الالتزامات والرغبات ، والصراع الذي يفصل بين الماضي والحاضر ، هم المثلث المعقد للإنسان..
ولكي يحلّ هذه العقد عليه أن يقرر ، ويعدم كل الاحتمالات ، ولكن يظل وحده من يتحمل نتيجة قراره ، إما أن تُصيب فينعم ، أو تخيب فيعاني ، وحينئذٍ تصبح العودة للاختيار مرةً أخرى ؛ أمرًا مكلفًا للغاية..
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
مكوثه في شركته لأوقات طويلة من اليوم ، وانشغاله بعمله ، وطموحه الكبير لتحقيق أهدافه، ومعاملته المرحة مع موظفينه، والتي لا تخلو من الحزم والحدة إن لزم الأمر..
كل هذه السلوكيات جعلتها تراه رجل أعمال ناجحًا بامتياز، وتوقعت له أن شركته خلال فترة قصيرة ستنافس الشركات الكبرى .
يعطيها حريتها ومساحتها للتدخل في أي شيء هنا، وبرغم أنها ليست متسلطة إلا أنه في بعض الأحيان تستعمل هذه الصلاحية حينما ترى القليل من اللا مبالاة ، خاصةً من شركائه وأولهم أحمد ذلك المستهتر..
وها هي تجلس تعبث بحاسوبها وقد لاحظت شيئًا غير مألوفٍ ، واستمعت بعدها لمناوشات آتية من الخارج لذا نهضت من مكتبها وتحركت تفتح الباب لترى ما يحدث .
كان يقف جابر في عند مكتب أحد شركائه اللذان يقفان أمامه ، يتجادلون حول أمرٍ ما، مما جعلها تتحرك وتقف بينهم مستفهمة :
- في إيه ؟
احتد جابر لا إراديًا وهو يخبرها بما فعله كمال :
- بسبب غلطة من المهندس كمال العظيم جدر مهاچم يستخدم صلاحياته .
دق ناقوس الخطر عقلها لتقترح على الفور :
- يبقى لازم نفعل فورًا ال (end-to-end encryption) علشان نحمي البيانات اللي اتكشفت .
باغت كمال بنظرة غضبٍ ولوم ثم عاد إلى ريم ينطق مستنجدًا :
- اعملي اللازم يا ريم .
أسرعت تتجه إلى مكتب كمال وتجلس خلفه ، ثم بدأت تعبث بالحاسوب لترى إلى أي مدى وصلت الثغرة ، لتردف بعملية :
- تمام ، هو سرق رمز الدخول ، والنظام عندنا فكر إن اللي بيدي الأوردرات هو كمال نفسه .
قبض جابر على خصلاته بعنف وتحرك يدور حول نفسه ، يمكنه حل هذه المعضلة ولكنه الآن في حالة هياج من شريكه لذا تركها تتولى هي الأمر، وكانت ثقته في محلها حيث صبت تركيزها على الحل لتنطق بعد دقائق من التركيز :
- أنا مضطرة اعمل Invalidate لكل ال active sessions في الشركة، حتى حضراتكم، ومش حنقدر نرچع غير بعد إعادة ضبط ال Access controls كله .
وقف أحمد يستمع إلى اقتراحاتها ببعض الضيق، بينما كان كمال ينظر إليها بعجزٍ وينطق مدافعًا :
- أنا فعلت التشفير فعلًا، يبقى وصل إزاي للصلاحيات؟
أجابته وهي منكبة على الحاسوب بنبرة عملية :
- التشفير حيحمي البيانات وهي ساكنة، بس انت سبت الباب الخلفي مفتوح في ال Auth logic ، النظام دلوقتي مش مفرق بينك وبين المهاجم اللي بيحاول السرقة.
سحب جابر مقعدًا وجلس بجانبها يتطلع عليها وهي تحرك أصابعها العشر كموظفين ماهرين يعملون لديها، لتنطق موضحة خطة الإصلاح :
- دلوقتي حالًا حعزل ال primary server عن الشبكة علشان نمنع تسريب البيانات .
يراها وهي تتعامل بمهنية عالية، يراها ثابتة ولا يوترها شيء، شخصيتها العملية رائعة لا تقدر بثمن، ليشعر بأن غضبه وتوتره بدآ بالتلاشي تدريجيًا، وبدأ بالفعل يقترح عليها بعض المقترحات التي ساعدتها في سرعة تنفيذ خطة الإصلاح ..
ليلتفت إلى أحمد وكمال ويلقي أوامره بحدة :
- روحوا دلوك فهموا الموظفين اللي حُصل وعرفوهم إن النظام كله واجف لحد ما نعيد ضبط الهيكل ..
أسرع كمال يتحرك شاعرًا بالذنب، بينما لم يتزحزح أحمد حيث نطق :
- ماعرفش إنت مضخم الموضوع ليه؟ أني كنت ححله على فكرة .
التفت يحدجه بحدة ونطق معنفًا بلا مبالاة :
- وماحلتوش ليه جبل ما اچي؟ ولا اخدت بالك حتى، جاعد للحكي وبس .
لم تكن ريم تستمع إليهما، ولكنه شعر بالإهانة أمامها لذا باغته بنظرة غاضبة واندفع يغادر المكتب وتركهما يتشاوران في تنفيذ الخطة ..
❈-❈-❈
تقف في فناء المشفى، تنتظر خروج جثمانه ليتم نقله إلى مثواه الأخير ..
تشعر كأنها في ساحة حرب، بعدما فقدت طريق العودة للمكان الوحيد الآمن ، كل شيءٍ من حولها أصبح رماديًا، تستمع لصوتٍ وهمي من الإنذارات الصاخبة التي تؤكد لها أنها فقدت تسعة وتسعون نسخة منها، ولم يتبقَ سوى نسخة واحدة، بائسة، لا معنى لبقائها على هذه الأرض، لمَ لا تذهب معه؟ ما الذي يمكنها أن تتعلق به هنا ويستحق البقاء ؟؟؟.
رأتهم يحملونه ويتحركون به نحو السيارة التي ستنقله، الكثير من الرجال، وهي فقط..
عقلها يستنكر ذهابه، سيتركها؟ سيصبح مكانه فارغًا؟
هزت رأسها بلا وهي ترى آخر الخيوط المعلقة بينها وبينه يكاد أن ينقطع، لذا اندفعت تندس بين الرجال ، تنقض على جثمانه بانهيار آخير وهي تصيح بصوتٍ مهزوز :
- ماتمشيش وتسيبني يا چدي، خدني وياك، ماعيزاش ابجى اهنة لحالي، احب على يدك خدني يا چــــــــــدي، ماليش حبايب بعديك، حتهملني لمين يا جـــــــــدي .
تعالت صيحات الرجال بكلمات معاتبة لفعلها، وأيوب يراها ولم يستطع فعل شيء، فحالته توازيها بؤسًا ، ولكن من حسن حظها أنها تمتلك حرية التعبير عما يعتليها، أما هو فلا .
لتجد يدين تحيطان بخصرها، تسحباها بقوة تفوق قوة تشبثها به، واستطاع إبعادها عنه وعن تجمع الرجال الذين أسرعوا يدخلونه السيارة، وبقيت هي تصرخ وتتلوى بين يدي عمار الذي يعانقها ويشاركها ألمها .
حينما تحركت السيارة توقفت عن المقاومة، وظلت تتطلع على الرجال وهم يستقلون سيارتهم ويغادرون خلفه، وآخرون يسيرون على أقدامهم، وهي تقف كالجماد، لن تراه مجددًا .
هذه الحقيقة جعلتها تلتفت تقابله، لم يغادر معهم، بل واقفًا يحدق بها ويطالعها باهتمام يفيض من مقلتيه وهو يردد بحذر :
- وحدي الله يا فرحة، مالناش حكم على أرواحنا.
تساءلت بحسرة :
- خلاص إكدة راح؟ ماحشفهوش تاني؟ اتحرمت منيه هو كمان؟
لم يستطع إلا أن يسحبها ويعانقها، وظنها ستقاوم ولكنه وجدها تتشبث بجلبابه وتضع رأسها على صدره وتخرج آهاتها عند قلبه واحدة تلو الأخرى ببكاءٍ يقطع النياط ، متجاهلة هويته الآن، فقط تريد متكئًا تستند عليه وتعلن انهيارها عنده، وفعلت حتى جعلت مقلتيه تلتمعان كأنه يفرج عن مشاعره بهذا اللمعان .
ضمها أكتر وقبل رأسها بحزنٍ بالغٍ عليها، ووجد نفسه يردد :
- أني چنبك، ماحسبكيش واصل، ماتعمليش في حالك إكده .
لم يلحظ سكونها إلا بعد ثوانٍ، لتعتليه الصدمة حينما وجدها تفقد وعيها داخله، وجسدها يرتخي ،حينما لم تعد تحتمل الصمود أو مواجهة الحقيقة .
أسرع يحملها ويعود بها داخل المشفى ليسعفها بقلبٍ متلهفٍ حزين، لا يعلم ماذا عليه أن يفعل كي يدخل على قلبها الفرح، الذي لو كان يُنقل لتبرع بسلامه النفسي جميعه لها ..
❈-❈-❈
واقفًا أمام غرفته يتطلع على الباب بابتسامة ساخرة، أبهذه البساطة بات فتح هذا الباب محرمًا عليه ؟
شيطانه يخبره بأن يفتحه ويلج، ولكن هذا سيضعف موقفه بكل تأكيد، لذا طرق مرتين شبه مسموعتين كأنه بهما رفع الحجة عنه .
ازدرد ريقه وانتظر لثوانٍ فلم تفتح، لذا لف مقبض الباب وفتح ودلف..
أغلق خلفه ونظر ليتفاجأ بها تنام على الأريكة متكورة، ومتلحفة بغطاء خفيف، التفت يمينًا ليجد صغيره ينام في سريره بعمق، انتابته الحيرة في أي جهة يذهب، وتعجب من نومها في هذا الوقت، فقد عهدها نشيطة، وفي هذا الوقت تحديدًا تقف في المطبخ مع البنات تحضر الطعام، ماذا حل بها؟ هل هي حزينة على الانفصال منه ؟ هذا ما يراه بوضوح ،أم أنه يحب أن يراه هكذا .
تحرك بخطواتٍ حذرة كاللصوص ، واقترب منها وجلس قبالتها يتطلع عليها لبرهة وبدأ عقله بطرح الأسئلة ، هل ستستطيعين تجاوزي بسهولة؟ هل ستتخطين حبكِ الكبير لي يا نهاد؟ أنا لم أستطع أن أتخطى معاشرتك، فكيف ستتخطين أنتِ حبكِ؟
أتته رغبة ليمد يده ويتحسس خصلاتها ولكنه امتنع بصعوبة، وظل فقط يحدق بها ويزدرد ريقه وعقله يدور في فلك مقتطفات حياته معها ...
وحينما وجدها تتململ أسرع ينهض وكاد أن يخطو نحو الخارج ولكنها استيقظت، تنتفض وتنهض تطالعه بصدمة متسائلة :
- إنت بتعمل إيه إهنه ؟ وازاي تدخل إكده من غير إذن ؟
قالتها وهي تنتشل حجابها وتغطي رأسها أمامه فطالعها باستنكار، وأردف بثباتٍ زائف وهو يشير نحو الصغير :
- چيت اشوف ابني، وخبطت ماحدش رد، لو كانت أمي إهنه ماكنتش طلعت واصل .
لفت حجابها وأومأت تطالعه بتحدٍ ثم تحركت تنوي الرحيل من الغرفة ، وحينما مرت من جواره قبض على ذراعها يمنعها، بحركة هجومية من عقله، فنفضت نفسها منه تنطق بملامح جليدية :
- بعد يدك عني ، إنت دلوك متحرم عليا .
لم يتقبل جملتها، ولا نفورها منه،ولا ملامحها الباردة، فنطق وهو يحذرها بعينيه :
- أني اجدر اردك دلوك واعمل اللي أني رايده، بس إنتِ خابرة زين إن الغصب مش طبعي .
ابتسمت بسخرية ونطقت :
- لا مخابراش، أني مابجتش عارفة إنت مين ولا بتفكر كيف ولا يهمني اعرف ، كل اللي اعرفه إن نجوم السما اجربلك مني، أني خلاص رميتك ورا ضهري يامهران .
بادلها السخرية فنطق مستنكرًا :
- صوح، والدليل إنك أول مرة تنامي في وجت زي ده، بدل ماكان زمانك دلوك بتتحركي من اهنه لهنه .
دقق النظر بها واستطرد حينما صمتت :
- ماحتعرفيش تتخطيني واصل يا نهاد، ماحتجدريش مهما حاولتي، أني خابرك زين..
حدقت به بصمت فظنه استسلامًا لذا شعر بالارتياح، يرفض فكرة أنها تخلت عنه، حتى حينما تزوج لم يتخلَ عنها ولم يرغب في ذلك، وهي تريد أن تقنعه أنها ستفعل؟ مخطئة ، هي تعاني مثله، الأيام الماضية مرت سيئة عليه وعلى صحته وعلى عقله، ومن المؤكد أنها عانت أيضًا ، وعما قريب ستعلن أنها لا تستطع بدونه، وحينها سيعودان ..
حسنًا وماذا عن تيا؟
هكذا طرح عقله سؤالًا يعد الأكثر منطقية من بين أفكاره العبثية، ليجيب نفسه بأن تيا هي الدليل الملموس لنفسه ولوالده وللجميع بأن قراراته صائبة، وأنه سيتحكم بقمرة قيادة حياته مع الاثنتين بنجاح ..
تحرك بعدها نحو الصغير يتلمسه وينادي بنبرة مشتاقة :
- حمزة، جوم يا جلب ابوك، اتوحشتك جوي..
التفتت تنظر له نظرة عابرة، ولأول مرة تشعر بالاشمئزاز منه، هل يرى انهيارها وجرح مشاعرها اشتياقًا له؟؟ ألهذه الدرجة هو أعمى؟؟ من أحببتِ يا نهاد؟؟ هذا كان يجب أن تشفقي عليه لا أن تحبيه ..
تحركت تغادر الغرفة وتتركه مع ابنه الذي استيقظ يتململ من إثر دلاله له، ولكن عقله انشغل بكلماته القاسية ، وضميره بدأ بطرح أسئلة لا إجابة لها، لمَ لم يطيب خاطرها بدلًا عن تحديها؟ لمَ لم يخبرها بأنها جزءًا مهمًا في حياته، ويصعب الاستغناء عنه بدلًا عن التشفي بحزنها ؟ لمَ يحاول أن يبدو أمامها بحالة جيدة ولم يخبرها بالحالة التي تملكته بعد الانفصال عنها؟ لمَ يخاف؟؟
❈-❈-❈
في شقة نوح .
تقف أمامه في غرفتهما، يضعان الأغراض التي ابتعاها سويًا في أماكنها،وتحديدًا في الخزانة الخاصة بالمفروشات .
لم تستطع أن تصل إلى الرف العلوى لتضع المناشف، فتناولهم منها يبتسم ويردف ممازحًا وهو يضعهم بسهولة :
- مش فاهم ليه مصممة تحطيهم فوق مادام إنتِ قصيرة .
ابتسمت من بين أفكارها الحزينة ونطقت توضح:
- أني حطيت اللي حستعملهم چنبي إهنه ، جولتلك نچيب ع الجد صممت تشتري كتير.
صمتت لبرهة ثم استطردت بعبوس :
- المفروض الحاچات دي تبجى عليا ، كان على الأجل مسعود چهزني وماكنتش عايزة منيه حاچة تانية، أني محروچة منك جوي يا نوح .
التفت يحيط كتفيها ليجد دمعة هاربة من عينيها لذا التقطها بإصبعه وتعمق فيها يستفسر بحكمة وحب :
- مين اللي فرض ده؟ ربنا؟
تعمقت فيه وهزت رأسها بلا فتابع :
- يبقى مهواش فرض، الفرض إني اچهز مسكن الزوچية على قد مقدرتي، سيبك بقى من العادات الظالمة في حق ناس كتير دي، وبعدين أنا فرحان وانا بچهز حبيبتي، مستكترة عليا الفرحة يا مودة؟
ألقت بنفسها داخل صدره، بعدما اعتادت على عناقه، تعانقه وتشكره وتسحب منه الاحتواء والحب، فأعطاهما لها ونطق وهو يحتويها ويستند بفكه على رأسها :
- انسي أفعال مسعود خالص، وانسي أي حاجة يقولها، ركزي معانا إحنا، عيشي وافرحي واضحكي دايمًا، ماتخليش أي حاجة تزعلك، لإن مافيش أي حاچة تستاهل تزعلي علشانها .
هذا الرجل يزرع فيها الحب والثقة والأمان والاحترام والاهتمام، هذا الرجل يمتلك رجولة تكفي لإنشاء مدرسة تأهيل لمسعود وأمثاله.
تنفست تستنشق رائحته الرجولية، ثم ابتعدت حينما عاد قلقها عليه يؤرقها، لذا طالعته ونطقت بترقب :
- طيب إيه رأيك لو رچعت ألبس النجاب تاني؟
تلمس وجنتها بكفه يتساءل :
- انتِ خايفة منه؟
هزت رأسها توضح :
- أني خايفة عليك، حاسة إنه حيعملك مشاكل كتير .
زفر وأردف يطمئنها :
- مايقدرش، مسعود چبان بيستقوى ع الضعيف وبس، وبالنسبة للنقاب لو عايزة تلبسيه علشان حاسة إنك بيه كنتِ مرتاحة أكتر تمام، لو حتلبسيه خوف من أخوكي يبقى ماتعمليش كدة، لإن أولًا لازم تعرفي تواجهيه علشان يعملك حساب ، ثانيًا النقاب مش مجرد قماشة بتغطي الوش، ده شيء ليه أساس وليه قيمة وهدف، ولازم تكوني متقبلاه ولبساه عن قناعة .
كالعادة يقنعها لذا أومأت فابتسم وقرص وجنتها بحب ثم غمز لها يشير نحو شيءٍ ما قائلًا :
- ناوليني بقى اللي هناك دول واللي حموت ونجربهم .
يقصد مئزريهما ، فالتفتت تطالعهما ثم عادت إليه بوجنتين متوردتين خجولتين فضحك بخفة ثم انحنى يهمس بمشاغبة جريئة :
- مهو لازم ابقى محترم إلا ربع، وإلا مش حنعرف ناكل عيش ، ولا إيه؟
شحبت وسحبت أنفاسها تطالعه بصدمة، ثم أسرعت تركض نحو الخارج وتختفي من أمامه، فعاد يضحك ويلتفت يطالع أثرها متنهدًا بارتياحٍ وحب قائلًا بعبث يراوده سرًا :
- شكلي كدة لازم اعودك على الوش التاني يا مندولينة ..
❈-❈-❈
في اليوم التالي في قصر آل حامد
وبعد انتهاء صوان العزاء ليلة أمس، والذي أقيم في حديقة القصر، واستقبل مئات الرجال ..
تجمعت النساء مجددًا في صالة القصر الواسعة ، تتلفحن بالسواد ، تأتين وتغادرن وهكذا ، تجلس بينهن قارئة تتلو آيات الله بصوتٍ مرتب وجميل .
تستمعن إليها بإنصات، وغيرهن توزعن الأطعمة والوجبات المطبوخة في القصر ، فلم يقبل يونس باستقبال أي طعامٍ من الخارج ، مما جعل بعض الأقارب والجيران يعاتبونه ، ولكنه أرضاهم دون أن يرضخ .
تجلس بينهن منصورة التي يفيض حزنها أمام الجميع ، فزيدان لم يكن والد زوجها، بل كان والدها هي، لم ترَ منه سوءًا منذ أن دلفت القصر، كان حنونًا ومراعيًا وداعمًا لها حتى في أصعب لحظاتها حين مقتل مؤمن، ربما حكمه الوحيد الظالم آنذاك أن تمتنع عن رؤية عائلتها والتحدث إليهم، ولكنها لم تنزعج منه، فهذا الحكم كان بمثابة مسكّن للجميع هنا .
تجاورها عن يمينها فرحة، منكسة رأسها، تواجه الصداع بصمت و صبر ،كأنه بات صديقًا لها ، وتستمع إلى تعزية من تأتي وتقابلها بإيماءة هادئة، ثم تعود إلى قوقعتها وذكريات جدها بألمٍ يشطر روحها .
جلست نوارة عن يسارها، وجاورتها صابحة، وأمامهما نجوى، ونهاد وولاء ورضوى وسجود ..
خطت إحداهن داخل القصر تلقي السلام ثم اتجهت على الفور نحو فرحة ومدت يدها للسلام تنطق :
- البجية في حياتك يا فرحة .
رفعت أنظارها فوجدتها سمية، لذا تعلقت بها ومدت يدها تبادلها السلام وتومئ لها، لتبتعد بعد ذلك وتجلس بين النساء ...
بعد وقتٍ
انتهت القارئة وبدأت السيدات تغادرن، ونهضت سمية تنوي المغادرة ولكنها توقفت حينما نادتها فرحة، التفتت لها لتجدها تقف وتقترب منها قائلة :
- رايداكِ في موضوع مهم، تعالي نطلع أوضتي فوج .
تعجبت وازدردت ريقها تتساءل :
- خير يا فرحة؟ رايداني في إيه؟
- حتعرفي .
أومأت وصعدت معها إلى الأعلى وسط نظرات من نساء العائلة، واللاتي اجتمعن على عدم تقبل سمية أو حبها، ولولا تصميم مؤمن عليها آنذاك وحبه لها لما أدخلوها القصر مطلقًا، فلا أحد يمكنه أن ينسى أو يتجاهل حقيقة كونها ابنة لص الآثار برغم محاولاتها البائسة في إثبات براءته أمام الجميع ..
دلفتا الغرفة وأغلقت الباب وأشارت لها أن تجلس قائلة :
- اجعدي يا سمية .
تحركت نحو الكومود تستل هاتفها وتطلب رقم شقيقها الذي أجاب فنطقت :
- تعالى على اوضتي دلوك يا أيوب ..
أغلقت معه واتجهت تجلس أمامها، لتجدها تتساءل بتوتر :
- ماتجولي رايداني في إيه يا فرحة؟ وبتنادي أيوب ليه؟
طالعتها بثقب تجيب :
- رايدينك تحكيلنا تاني عن اللي حُصل يوم جتل مؤمن.
شحب لونها وتلعثمت وهي تنطق :
- إيه اللي چاب السيرة دي دلوك؟ مانتِ خابرة زين إني مابتحملش اتكلم عن الحادثة دي .
جاء أيوب وطرق الباب ودلف يلقي السلام، فطالعته سمية بخوفٍ وازدردت ريقها وهي تراه يتقدم ويجلس بجانب فرحة قائلًا :
- احكي كل اللي حُصل في الليلة إياها يا سمية، ماحدش كان هناك وجتها غيرك وماحدش خابر الحجيجة صوح غيرك، احكيلنا تاني .
حُشرت بينهما لتوزع أنظارها وتنطق بحدة تخفي توترها :
- وافتح چرحي تاني ليه يا اولاد الحوامدية؟ أني ماصدجت اتعافى، هملوني .
نهضت تنوي الرحيل ولكن فرحة أوقفتها حينما نطقت بحدة :
- عمار مصمم إنه كان بيدافع عن نفسه، وإنه لو ماضربش طلجته كان مؤمن جتله بدم بارد، الحديت ده صوح؟ أخويا كان رايد يجتله هو لاول؟
حينما سمعت هذا، وشعرت أن فرحة على وشك تصديق عمار، اشتعل حقدها على الفور، والتفتت تطالعهما باستنكار وحدة ونطقت بغضب تواري به كرهها الانتقامي من عمار :
- اللي كنت خايفة منيه حُصل يا فرحة، صدجتي ولد الحنانوة؟ صدجتي إن أخوكي جاتل؟ صدجتوه ورايدين تهدروا دم مؤمن؟ ياريتني كنت أني اللي اخدت بتاره وجتها واللي يحصل يحصل..
ثار أيوب وكاد أن يصيح ولكنها استرسلت وهي توزع نظراتها بينهما :
- مهواش دفاع عن النفس يا فرحة، جتل عمد يا أيوب، أخوكو جبل ما يموت اترچاه وجاله خلاص يا عمار نزل سلاحك وهو ماسمعلوش وضرب عليه، لو الحچارة بتنطج كانت اتحدتت يومها، اتهمني في شرفي واتهم مؤمن إنه مشغلني وهو اللي چه يهاچمنا وجتها وكل ده علشان مش جادر يتجبل إني اختارت مؤمن وفضلته عليه،جتله ومشي ولولا اولاد الحلال اللي ساعدوني ونجلناه ع المستشفى هناك وكان عندي أمل نلحجه،بس بردك مات وسابني .
اختنقت وأجهشت في بكاء شديد واستطردت بنبرة متحشرجة بتمثيل إبداعي أمامهما :
- حرمني منـــــــيه، جتله جدام عيني وهو عارف إنه حيفلت منيها، راح سلم نفسه والحكومة صدجته واني اللي خسرت حبيب عمري، چايين دلوك تجولو دفاع عن النفس، ربنا يحرج جلب امه عليه كيف ماحرج جلبي، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا عمار يا ولد الحنانوة .
نطقتها واندفعت تغادر وقبل أن تفتح الباب التفتت تحدج فرحة وتسترسل بشراسة :
- خدي بالك زين علشان التعلب ده رايد يوجعك، وبعد إكدة يلعب بيكي كيف الخاتم في اصباعه، واهو جدر يخليكي تصدجيه وتصدجي على أخوكي مؤمن الحديت العفش ده، فوجي يا فرحة .
غادرت وتركتهما بعدها، لينطق أيوب وهو في مرحلة الغليان بعدما هب واقفًا :
- ماحتبجيش على زمة الكلب ده دجيجة واحدة، وتار اخوي أني اللي حاخده، خلاص مابجاش فيه حد يمنعني عنيه ..
غادر الغرفة أيضًا، وجلست تنظر للاشيء، بدون ذرف دمعة، بصمتٍ تام، تعيد كلمات سمية وتقارنها بأفعال عمار طوال الفترة الماضية، وأخرهم وصية جدها لها قبل موته، والآن عليها أن تصدق أحدهما
إما عمار التي رأت منه الخير طوال الفترة الماضية ، أو سمية التي لاحظت توترها وتلعثمها، لذا فكلماتها هذه لا تسمن ولا تغني من جوع، لتقرر أن تستمع له، وتتركه يسرد ما حدث آنذاك، وحينها ستتخذ قرارها ،وفي كلتا الحالتين القرار لن يتغير كثيرًا ، ولكن يكفيها أن تستريح ..
❈-❈-❈
غادرت القصر، تخطو بين الأراضي الزراعية، تجفف دموعها بعنف، ليتجلى الحقد على وجهها حينما شعرت أن فرحة وقعت في حب عمار، وهذا الشعور جعلها تتوحش بينها وبين نفسها، وتخطو بسرعة لتبدأ في استعادة ماحدث قبل خمس سنوات ،وخاصة يوم وقوع الحادث .
قبل خمس سنوات
في مقابر النبلاء في أسوان ، والتي تقع على الضفة الغربية لنهر النيل ، على منحدرات جبل صخري يسمى (جبل قبة الهوا) .
مكان سياحي يأتي إليه السياح كزيارة جماعية، ولكنه في معظم الأحيان يبدو ساكنًا لشدة حرارته نهارًا، خاصة وأنه يقع على ارتفاع 130 متر فوق سطح النيل، والوصول إليه يتم عبر سلالم حجرية ..
وقف مؤمن في أعلى الجبل، تجاوره سمية ينتظران أحدهم، لذا التفت يستفسر :
- حييچي امتى ده؟ مارايدينش حد يجفشنا إهنة يا سمية .
نطقت بخبث :
- على وصول، وحتى لو حد شافنا إهنة إحنا في السليم، مافيش معانا أي حاچة، هنجول بتنفرج ع المجابر.
زفر ينطق بضيق :
- كان معاكي حج لما سيبنا البضاعة في مكان تاني، لما ييچي ناخده على هناك ويسلمنا الفلوس ونسلمه الحاچة .
أومأت تبتسم ومالت عليه تنوي تقبيله فنهرها ينطق :
- وه؟ ماينفعش إهنة ، مايصحش عيب .
قهقهت وصممت أن تفعلها دون اكتراث فتجاوب معها كالمسحور، قبل أن يصدح صوت غاضب :
- انتوا بتعملوا إيه اهنة؟
انتفضا يبتعدان ويتطلعان على عمار الذي وقف يطالعهما باشمئزاز، قبل أن تتجهم ملامح مؤمن وينطق بكره :
- إنت؟.... غور من إهنة، مالكش صالح بينا .
طالعته سمية باندهاش، وحينما رأت نظراته أسرعت تستغل فرصة تواجدهما في مكانٍ خالٍ، وأرادت أن تشعل لهيب الانتقام وتوقظ كره مؤمن له لذا صاحت تنطق مشككة :
- أني جولتلك أنه بيراجبني من زمان ، صدجتني دلوك؟
التفتت تغمز له، قاصدة إقناعه بأنه يحبها، وبأنه يود التشهير بهما لفعلهما الغير قانوني كي يقضي على مؤمن ، لينطق عمار بغضب :
- مابجاش إلا بنت الحرامي اللي امشي وراها؟ إنتِ أخرك واحد زي اللي چنبك ده، لايجين على بعض .
التفت ليغادر المكان، وليخبر الفوج التابع له بالتمهل قليلًا في الصعود إلى هنا لصعوبة الحرارة ، ولكنه سمع صوت فك أجزاء سلاح، فالتفت ليجد مؤمن يشهر سلاحه ويطالعه بغضبٍ أعمى قائلًا :
- إنت چاي لموتك يا عمار، حجتلك وانتجم منك على كل اللي عملته في سمية .
نظر له عمار بعمق ونطق بانفعال حاد :
- مستصعب تكدبها ؟ جتلي اسهل عليك من إنك تصدج إنها بتلعب بيك الطابة ؟ يا چدع فوج بجى .
هز رأسه بلا يرفض تصديقه والأخرى بدأت تهمس بفحيح :
- اوعاك تسمعله يا مؤمن، ده كداب وخسيس، ماني جولتلك كان رايد مني إيه ولما ماوفجتش بيطاردني دلوك، خلص عليه يا مؤمن .
هز عمار رأسه بلا يحاول أن يتولى سيطرته على مؤمن الذي يراه مغيبًا، آسفًا على الحالة التي أوصلته لها، هو يدرك أن مؤمن لم يكن هكذا على الإطلاق، يدرك أنه كان صالحًا، ولكنه سمح لها أن تتوغل بشياطينها إليه، لذا نطق وهو يتقدم بتمهل شديد :
- لا يا مؤمن، إنت مش جاتل، نزل سلاحك واخزي الشيطان وخدها وامشي من إهنة .
يراه يقترب لذا صاح بحدة وهو تحت تأثيرها :
- اجطع الحديت ووجف مكانك، خطوة كمان والطلجة هتخرچ في نص راسك .
لم يتوقف عمار، فليست أمامه خيارات كثيرة بل تقدم وهو يردد مستغلًا ثغرة وقعت فيها أمامه دون أن تدري :
- ماشي، بس جبل ما تجتلني خليها تجولك كانت فين يوم الخميس بليل، لما كلمتها وجالتلك إن عمة ابوها ماتت .
التفت مؤمن يطالع سمية بجحوظ ينتظر منها تفسير، فأسرع عمار يقترب ويصفع بذراعه ذراع مؤمن فارتطم المسدس أرضًا، فأسرع مؤمن ينهال بالضرب على عمار الذي يقابله باللكمات وهو يصيح :
- بتستغلك يا غبي يا حيوان، فـوج، افهم، متبجاش مغفل.
لم يتحمل كلماته فظل يحاول لكمه وعمار يتفادها بلكمات معادية، ووقفت سمية تتابع ما يحدث بصدمة جعلتها تتنحى جانبًا تاركتاهما يتعاركان، لينطق مؤمن بغضبٍ عاصف :
- بردك حجتلك النهاردة، ماحترجعش لحضن امك صابحة يا ***** .
جن جنون عمار حينما ذكر اسم والدته، فدفعه دفعة قوية فسقط أرضًا بالقرب من مسدسه، بينما عمار أخرج سلاحه وأشهره نحوه ينطق بغضب :
- مش لوحدك اللي بتعرف ترفع السلاح، واني جادر دلوك اجتلك وماحخدش فيك ليلة، بس الراچل صوح هو اللي يعرف امتى يطلع طلجته يا غبي .
باغتهما بنظرة احتقار، ثم التفت ينوي الرحيل، فجن جنون مؤمن الذي نظر حوله ليجد مسدسه، لذا انتشله ينوي قتله فأسرعت سمية بنبرة تلقائية تصيح :
- عمـــــــــار
التفت يراه وقبل أن يضغط مؤمن على الزناد كانت الطلقة تخرج من مسدس عمار مستهدفة صدر مؤمن الذي وقع على الفور بين جحوظ سمية وصدمة عمار التي دامت لثوانٍ قبل أن يركض مهرولًا نحوه ويحاول فحصه وهو يصيح بلوم :
- ليـــــــــــه، ليه تعمل اكدة، ليه تخليني اعمل اكدة ليـــــــــــه .
وجده في وعيه يحاول أن ينطق عبثًا لذا التفت يصرخ بها:
- اطلبي مســـــــــاعدة بســـرعة ..
هزت رأسها بلا فطالعها بجنون، ثم دس يده في جيبه يخرج هاتفه ويطلب مساعدة من إحدى فلوكات الطوارئ قبل أن يغلق وينزع شاله ويلفه حول صدر مؤمن الذي يئن .
نهض ووقف ينظر له بتشتت ويمسح على وجهه، لا يصدق أنه فعلها، ماذا لو مات؟ هل سيصبح قاتلًا؟ ولكن إن لم يفعل لكان ميتًا الآن .
وقفت دون حراك ، تطالعه تارةً وتطالع مؤمن تارةً، لتجده ينظر لها وينطق بغضب :
- مافيش من وراكي غير الخراب، الله يلعنك ويلعن اللي رموكي علينا .
حدجته بحقد ونطقت من بين أسنانها :
- حيموت والحوامدة حيجتلوك وحرتاح منكو انتوا الچوز .
كلمتها أيقظته على حقيقة ما سيحدث إن مات، لذا يجب أن يوصله للمشفى ويسلم نفسه على الفور .
وهذا ما حدث حينما أتى شخصان للمساعدة في نقله إلى الأسفل ومنه إلى الفلوكة التي أسرعت تبحر إلى أقرب طريق للمشفى، ليتجه بعدها إلى قسم الشرطة ويسلم نفسه بالفعل ، بينما هي وقفت عند باب الطوارئ تنتظر خبر موته ..
ليخرج الطبيب بعد أكثر من ساعة يتنفس مطولًا ويخبرها حينما هرولت عليه تدعي البؤس :
- الحمد لله وقفنا النزيف وخرجنا الطلقة ، واللي من حسن الحظ إنها كانت بعيدة عن القلب والشرايين، وكويس إنك نقلتيه للمستشفى بسرعة لان ده فادنا جدًا، بس طبعا ال24 ساعة الجايين مهمين جدًا، هيبقى تحت الملاحظة في العناية.
أومأت له بشرود فتساءل :
- هو انتِ مراته ؟
نطقت توضح :
- إحنا مكتوب كتابنا، هو من عيلة كبيرة جوي في لوجصر،أني حكلمهم ييچوا دلوك .
أومأ بتفهم ونطق بعملية :
- طب ده كويس جدًا لإن هنا العناية مش على كفاءة عالية، لو يقدروا ينقلوه لمستشفى استثماري يكون أفضل، من حسن حظه إن النهاردة كان بيمر على المستشفى جراح تبع مستشفى دكتور مجدي يعقوب وهو اللي باشر ع العملية بنفسه، جوزك ربنا بيحبه.
ابتسمت تشكره وأومأت له :
- الحمدلله، شكرا يا دكتور .
أومأ لها وتحرك يغادر،لتتحرك وترتد على المقعد تتساءل داخلها بصدمة :
- مامتش؟ حيعيش؟ اعمل إيه دلوك؟ حيجتلوني ..
نظرت حولها تفكر سريعًا، ثم اتخذت القرار بأن تحاول بنفسها التخلص منه، وحينها ستبدأ قضية ثأر ويدفع عمار ثمن كرهه لها،وبذلك تكون تخلصت منهما سويًا ، هذا ما يجب أن يحدث .
حل الليل، وانشغل قسم الطواريء بحادثٍ آخر، فأسرعت قبل أن يأتي رجال عائلة آل حامد
تتسلل إلى العناية بحذرٍ وخبث، بعدما ارتدت كمامة وغطاء للرأس وروبًا ورديًا حصلت عليهم من خزانة طاقم التمريض الفوضوية .
دلفت العناية تستمع لصوت الأجهزة يصدح في المكان، وإضاءة خافتة تناسب أجواء جريمتها، تخطو نحوه حينما رأته يتمدد على الفراش، الخراطيم وجهاز الأوكسجين متصلين بجهازه التنفسي، ينام لا يشعر بشيء، لذا أسرعت تبحث عن مصدر التنفس لترفع يدها وتغلق المحبس مانعة عنه الأوكسجين، ووقفت تراه وهو يختنق أمامها دون أن يرف لها جفن، بل أسرعت تضغط بكفيها بقوة على صدره المصاب كي تنهي أمره سريعًا قبل أن يلاحظ أحد، وحينما تأكدت من موته عادت تفتح محبس الهواء وتغادر من حيث أتت .
عودة للحاضر ..
جلست في عربة القطار الذي استقلته تنظر من النافذة وتتمتم لنفسها بخفوت :
- اللي يجف في طريجك خلصي عليه يا سمية، ماحتفلتش من اللي عملته وتعيش حياتك مع اخت مؤمن يا عمار، مابجاش سمية ان ماخليت حياتك چحيم ..
❈-❈-❈
مساءً
جلس عبد الوهاب مع زوجته في بهو القصر ، يتحدثان عن مواضيع شتى جميعها تدور حول أولادهما ، حيث أخبرها برغبته في عمل نهاد داخل الشركة، لتميل عليه تلقي مخاوفها :
- والجرار ده صوح يا عبده؟ ولدك عنيد ومهواش حيبعد عن البت الامريكانية دي غير بكيفه،واحنا لساتنا ماعرفناش حاچة عنيها، ومهما جولنا حيعاند جدامنا، وبعدين إنت خابر زين إن نهاد لساتها بتحبه وحتتوچع لما تشوفه جدامها ومجصوفة الرجبة دي وياه، إيه اللي في دماغك ؟
شرد قليلًا يفكر، هذا القرار لم يتخذه عبثًا، بل سيحاول جاهدًا أن يقنع به ابنة أخيه لتقبل به، يجب أن تواجهه، يجب أن يراها أمامه وهي تتجرد من حبه مرة بعد مرة، يجب أن يشعر بخسراتها الحقيقية دون أي تدخل من طرف آخر، حينها إما أن يعود ابنه لرشده ، أو أن يضيع إلى الأبد مع تلك الغريبة الذي يود أن يراها ويتحدث إليها ...
انتظرت رده ولكنهما انشغلا بدخول عمار وجابر سويًا حيث التقيا في الخارج، ألقى عمار السلام واتجه يجلس بالقرب من والدته وجاوره جابر يرجع رأسه للخلف ويبدو على ملامحه الإجهاد على غير عادة ..
نطق عبد الوهاب بترقب وهو يتفحصه باهتمام :
- مالك يا چابر؟ مش عوايدك؟
اعتدل يطالعه ويوضح :
- مشكلة كبيرة يابوي، وجعّنا فيه غراب البين كامل اللي عامل نفسه چنيص ، بجالنا يومين طالع عيننا، بس الحمدلله اتحلت .
نطقت صابحة بارتياح :
- الحمد لله يا چابر، ربنا مايخسرلك تعب يا ولدي .
- آمين
أمنوا خلفها ليستطرد عبد الوهاب متسائلًا :
- روحت عزيت في الحاچ زيدان؟
أومأ يردف مرتديًا طريقته المرحة :
- طبعًا يا بوي روحت وعملت الواچب، بس تصدج الراچل ده ارتاح من جصر البؤساء اللي كان عايش فيه، ده كفاية اولاد ابنه علي، اللي مخابرش دول مسميينهم على أي أساس، واحد اسمه أيوب وخلجه في منخاره، والتانية اسمها فرحة وكئيبة كآبة السنين.
صاح عمار يلكزه ويعنفه حينما تحدث عن فرحة :
- مالكش صالح بفرحة، ولما تتحدت عنيها اتحدت زين.
طالعته صابحة باستنكار تلوي فمها، برغم وعدها بأن تعاملها معاملة جيدة، بينما نطق عبد الوهاب محذرًا :
- مايصحش حديتك ع الناس إكده عيب ، مانت كمان اسمك چابر ولا عمرك چبرت بخاطر حد.
انحنى يميل على والده ويرفع كفه قائلًا بمرح :
- وه وه وه يا حاچ عبد الوهاب؟ انت بتجصف چبهة ولدك لاجل الغريب .
ناوله والده كفه فصفق به يبتسمان، ثم عاد يعتدل ويسترسل وهو يلتفت لشقيقه الصامت :
- مالك يا حزين ؟ عليا النعمة إنت وأخوك مهران كنتو محتاچين تاخدو عندي كورسات في التعامل مع الحريم، بكرة تشوف اختيار أخوك چابر حيبجى كيف .
نطقت صابحة وهي تسند إصبعيها على فكها مستفسرة :
- في چديد يعني ولا حديت وبس؟
نطق عمار يستفزه ليتحدث :
- انتِ تايهة عن ولدك ياما؟ حديته كتير وفعله قليل، ده حيفضل إكدة من غير چواز ومافيش واحدة حتعبره .
نجح في استفزازه فالتفت يطالعه وينطق بثقة وتأكيد :
- لهو أني زيك ولا زي أخوك؟ اتچوز واحدة نكدية واچيب لحالي وچع الجلب؟ أني يوم ماختار حختار اللي حتدلعني وادلعها، الكئيبة دي خليها جاعدة مطرحها، أني عايز النغشة اللي ترجص لي كل ليلة وتفتح نفسي ع الدنيا .
- چــابـــــر .
صاح بها عبد الوهاب فتحمحم جابر ونطق مبررًا :
- يا حاچ مهو طول ما الوسط بيتهز البيت حيفضل ثابت، هي چوازة واحدة بس اللي حتچوزها ولازمن تعمر .
شهقت صابحة من ابنها تنطق مستنكرة مبتهجة :
- يخربيت شيطانك يا واد ، طب يارب انت اللي تعدل المايلة، اتچدعن واختار بنت حلال إكدة واحنا نروح نطلبهالك .
قفزت ريم إلى عقله فابتسم وحك ذقنه ثم نهض قبل أن ينكشف أمره ينطق بهدوء :
- جولي يارب يا حاچة صابحة، أني حطلع انام، تصبحوا على خير ..
نهض عمار يردف مماثلًا :
- وأني كمان حطلع انام، تصبحوا على خير .
❈-❈-❈
يتمدد على فراشه ويحتويها، لم يزُل حزنه على جده، يخشى أن تتشتت العائلة بعد موته، يشعر بالمسؤولية تزداد على عاتقه، يجب أن يصلب طوله ويساند والده ويقف بشموخ متجاوزًا حزنه، يجب أن يعمل بوصية زيدان حينما أودع العائلة والنجع في أمانته هو دون غيره، يجب أن يكون خليفة يحتذى به .
تراه شاردًا، مهمومًا، تشعر بنبضه حزينًا حيث تضع رأسها على صدره ، لذا ارتفعت قليلًا بجذعها تطالعه وتتساءل :
- بتفكر في إيه؟
حدق به وابتسم بخفة ثم تنهد وقرر مشاركتها لذا أردف :
- جدي حط في حچري مسؤولية كبيرة جوي يا نوارة، النجع والأراضي والعيلة، بس كل ده هين جدام أيوب ولد عمي، أيوب اللي كان حاكمه ومجيد تهوره هو چدي، دلوك ماعرفش حجدر عليه ولّا حيعمل حاچة خايبة تضيعه وتضيعنا معاه .
نطقت بخوف مستفسرة :
- جصدك إيه إنه يتهور؟ جصدك يأذي عمار؟
زفر بانزعاج ونطق يطمئنها ويده تتلمس رأسها :
- اهدي يا نوارة أني بفكر وياكي بصوت عالي، بتكلم في العموم،هو طيب، بس مندفع ويتخاف منه وعليه.
نطقت تبوح :
- أني علطول شايفة الكره في عيونه يا يونس، بس لازمن يفهم إن چواز عمار وفرحة ده حديت الكبار والصُلح تم ولو حاول يفتح جضية جديدة حتبجى حرب، اتحدت وياه يا يونس، أني خوفت جوي، عمار أخوي مايستاهلش اللي حُصل وياه ده واصل، ده أطيب واحن واحد شوفته .
شعر بالغيرة على الفور فنطق معاتبًا وهو يحدق بها :
- وه وه وه؟ جطر واخد في سكته وماشي؟ براحة يا ست نوارة، أني كمان بيجوله عليا راچل طيب وحنين جوي .
أدركت أنها وقعت في فخ حديثها، لذا أسرعت تضع رأسها على صدره وتنطق ويدها تلتف على خصره :
- يانهار أبيض، دانت زينة الرچالة كلياتهم وروح جلب نوارة، كفاية أنك اتحملت حالتي ووجفت چاري لحد مابجيت زينة واتعافيت، ربنا يخليك ليا يا ونسي ..
تفتحت أبواب قلبه كزهرة عباد أمام كلماتها، فاحتواها يضمها إليه أكثر بذراعيه، ونطق بإعجاب :
- عچبتني ونسي دي، أني ونسك صوح ولا بتجوليها لاجل الدلع؟
ارتفعت تقبل صدغه وتتلمس ذقنه النامية بكفها توضح بصدق :
- ونسي، وأُنسي، ومؤنسي، وكل حاچة حلوة في حياتي.
نهض بعد كلماتها، يقابلها باحتياج، باشتياق، بلهفة لقربها الذي يعطيه طاقة جيدة للتفكير،وينزع عنه حزنه، لذا ابتسمت له تستقبل احتياجه بترحاب في منزلها الآمن.
فانحنى يلقي بالسلام على شفتيها، وانهال عليهما باشتياق، ثم استضافته عند عنقها، يبيت داخله مغمغمًا بالحب، لتكرمه وتقدم له بين كفوفها ألذ أنواع المشاعر، فيتناول منها بشهية كبيرة، ويدردش معها بهمساتٍ خاصة جعلتها لا تسمح بذهابه قط ...
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة أيام .
دلف عمار قصر آل حامد ليرى فرحة ويتحدث إليها،ربما تراجعت عن قرار الطلاق،ربما وافقت على العودة معه،ربما أراحت قلبه .
رأته شقيقته فأسرعت تعانقه وترحب به باشتياق، يبادلها بحبٍ ثم ابتعد ونطق باهتمام وهو يتفحصها :
- إنتِ زينة؟
أومأت له تبتسم وتفحصت عيناه الحزينة لتنطق وهي تربت على ظهره بحنو :
- مالك يا عمار؟
ابتسم ينطق مطمئنًا :
- زي الفل، طالما شوفتك وحشوف فرحة دلوك يبجى أني زين جوي .
ابتسمت له ، ثم تحركت معه يجلسان على الأرائك، لتأتي منصورة من غرفتها وترحب به ثم جلست تتحدث إليه أيضًا ، يبادلهما وينتظر مجيء فرحة التي ظهرت تطالعه من أعلى الدرج .
سلطت أنظارها عليه وهي تترجل حتى وصلت، واتجهت تنظر له بثقب فبادلها ثم نهض يردف بترقب :
- أني چاي اتحدت وياكي يا فرحة ..
- مافيش حديت بينكو ـــــــــ
نطقها أيوب الذي يترجل من الدرج حينما سمعه، ونزل يقف أمامه يواجهه بكرهٍ ويسترسل :
- اللي بينكو خلص خلاص، وانت حتطلجها ..
أشار برأسه باستهانة يردف :
- بعد لاجل ما نتحدت راجل لمرته، مالكش صالح إنت .
اغتاظ أيوب ولوح بيده يهدده بغلٍ صريح :
- ليا صالح ونص يا ولد الحنانوة، خلاص اللي كان مجويك راح، دلوك حتنفذ وانت ساكت، وتطلجها برضاك بدل ما تطلجها غصبن عنك .
نهضت نوارة تطالعه بحدة وتنطق مدافعة عن شقيقها :
- مايصحش حديتك ده يا أيوب، على الأجل احترم كلمة چدي الله يرحمه .
باغتها بغضب وكاد أن يحتد عليها ولكن تدخل عمار الذي وقف أمامه يباغته بنظرة تحذيرية بألا يفعل، ليأتي يونس مع والده من الخارج ويشاهدان ما يحدث لذا تساءل حسان :
- إيه اللي بيحصل إهنة ؟
أجابته زوجته بتوتر وهي تشير نحو أيوب :
- أيوب رايد عمار يطلج فرحة يا حسان .
انزعج حسان وواجهه يردف بنبرة صارمة :
- يعني إيه الحديت ده؟ هو لعب عيال ولا إيه؟ طلاج إيه يا ولدي؟ ده حكم رچالة كبيرة، اللي بتعمله ده عيبة في حجنا .
صاح ينطق مجابهًا الجميع :
- بردك حيطلجها والچزمة فوج رجبته، اختي ماحتبجاش على زمة اللي جتل اخوها بعد إكدة، كانت غلطة وأني حصلحها دلوك .
- أيـــــــــــوب .
نطقتها فرحة بنبرة عالية فالتفت يطالعها وكذلك الجميع فاستطردت بشموخ عود خيزران أفرغ الحزن قلبه :
- ماتخدش جرار عني مرة تانية، أني اللي احدد رايدة اطلج ولا لاء .
تملكته الصدمة ووقف متجمدًا يطالعها وهي تنظر إلى عمار وتتابع :
- أني چاية وياك .
انفرجت أساريره بسعادة ونطق بحماس :
- على راسي من فوج، چهزي شنطتك وأني مستنيكي إهنة .
هزت رأسها بلا ونطقت وهي تتعمق فيه :
- لا، لازمن نتحدت لاول، وبعدها أي حاچة حطلبها منيك حتعملهالي ..
وقف يحدق بها بين الجميع، وتبخرت سعادته اللحظية بعدما أدرك أن قرارها مازال قائمًا، ولكنه أومأ ونطق بهدوء يشير لها نحو الخارج :
- اتفضلي .
نظرت إلى يونس تشير له بأن يتولى أمر شقيقها المكتوم غيظًا وحقدًا، فأومأ يطمئنها، لتتحرك بعدها نحو الخارج ويتبعها عمار عائدًا بها إلى القصر ..
❈-❈-❈
دلفا الشركة سويًا، وصعدا معًا للأعلى، وتحركا باتجاه مكتبه وهي تبادله الضحكات أمام الجميع دون اكتراث، لتنطق حينما دلف المكتب :
- بس على فكرة إنت كدة مديون لي بأكلة حلوة برا بدل اللي بوظتهالي .
طالعها مستنكرًا يستفهم :
- وه؟ وهو أني اللي حرجتها؟
اقتربت منه تتحسس ذقنه المشذبة قائلة بإغراء :
- مهو أنا انشغلت بحلاقة دقنك ونسيتها، يبقى مين السبب؟
ابتسم والتفت يبتعد ويجلس خلف مكتبه قائلًا بهدوء :
- ماشي يا تيا، لينا خروچة حلوة برا .
صفقت بحماس تنطق :
- خلاص يبقى بعد الشغل .
شبك كفيه وتنفس مطولًا يجيبها بتريث :
- مش حينفع النهاردة، لازمن اروح اشوف حمزة .
لم تستطع كبح غيظها فنطقت باندفاع :
- وهو إنت كل شوية هتروح تشوف حمزة ولا إيه؟
حدق بها بنظرة ثاقبة فتوترت وتابعته وهو يومئ ناطقًا بثبات ومغزى :
- أكيد، أني كمان هزود الأيام اللي بروح اشوفه فيها، عندك مانع من شوفتي لولدي؟
اقتربت وجلست أمامه تزفر باختناق وتنطق بخبث واستعطاف :
- لا طبعًا يا مهران إنت عارف إني مش قصدي على حمزة، أنا بس بغير عليك من نهاد اللي أكيد دلوقتي ندمانة على قرار انفصالها، أنا في الأول ماكنتش متقبلة إنك تطلقها، إنما بصراحة دلوقتي الوضع اختلف،وانا بغير عليك وعارفة انها أكيد هتبقى عايزة ترجعلك .
شغله ندمها على الانفصال ، ووجدته شاردًا لذا ضربت المكتب تنطق بغيظ :
- مهران بكلمك.
انتبه لها ونجحت في إثارة ضيقه لذا أردف بملامح باردة :
- روحي على مكتبك دلوك يا تيا، أني ورايا شغل كتير .
حدقت فيه،ومن نظرة عينيه أدركت أنها استفزته، لذا زفرت بضيق وقررت الابتعاد الآن لتبحث عن طاقة الخبث وتعيد ترتيب أوراقها .
❈-❈-❈
وصل عمار القصر .
ترجل ومعه فرحة وتحركا نحو الداخل ليجدا عبد الوهاب في استقبالهما، حينما رآها نطق مرحبًا بابتسامة لينة :
- حمدالله على السلامة يابتي، نورتي بيتك .
أتت على صوته صابحة من داخل المطبخ فرأتها وهي ترد عليه:
- الله يسلمك ، متشكرة .
نطقت صابحة بنبرة مماثلة :
- حمد الله ع السلامة يا فرحة .
نظرت لها بثقب ثم أومأت تردف بجدية :
- الله يسلمك .
نظر عبد الوهاب إلى ابنه المنشغل بالتطلع عليها ونطق يذكره :
- إيه يا عمار؟ كانك نسيت حديتنا بليل، مش جولتلك حناخد نهاد ع الشركة النهاردة؟
صفع عمار عقله ونطق متذكرًا :
- صوح يا حاچ، ماتأخذنيش، أني صحيت وجولت اروح اطمن على فرحة واچيبها .
برغم تعجبها من اصطحاب عمار لنهاد إلى الشركة إلا أنها التفتت تطالعه ونطقت بهدوء :
- روح إنت شوف شغلك ولما ترچع نبجى نتحدت.
كاد أن يعترض ولكنها تابعت وهي تنظر إلى عبد الوهاب :
- أصلًا جبلها عندي كلام اجوله للحاچ عبد الوهاب .
أومأ بقبول يردف :
- ومالو يابتي، على راسي .
ونظر لابنه يسترسل :
- خد نهاد واطلعو ع الشركة يا عمار ولما ترچع تتحدتوا يا ولدي، وكيف ما جولتلك عينك ماتفارجهاش .
أومأ له فنادى بعلو :
- حسنــــــــــاء .
أتت حسناء مهرولة تطالعه وتردف :
- نعم يا ابا الحاچ؟
أشار لها نحو الأعلى ينطق :
- اطلعي استعچلي أم حمزة، جوللها عمار مستنيها .
أومأت وصعدت تناديها بينما عادت صابحة إلى المطبخ بعدما وزعت نظراتها بينهم، ووقف عمار يحدق في فرحة التي تحركت تجلس بالقرب من والده وتنتظر رحيل عمار كي تتحدث معه...
❈-❈-❈
بعد وقتٍ
دلفت الشركة بأقدامٍ ثابتة، بملابس محتشمة وراقية، بملامح وجهٍ مشعة، وعينان تختبئان خلف نظارة شمسية سوداء.
قبلت بقرار عمها لا لتثبت له شيئًا، بل لتثبت لنفسها أنها ستتجاوزه .
لم تنسَ حديثه لها آنذاك، لقد اتهمها بالضعف تجاهه، نظر في عينيها وتشفى بحالتها ونومها وحزنها ظنًا منه أن انفصاله عنها هو السبب، لذا أتت لتراهما أمامها، وتعالج جرحها بالكي، وتغلق على قلبها ألف خزنة،يكفيه أن يصبح آلة لضخ الدم فقط، ومن الآن وصاعدًا من سيتولى زمام أمورها هو العقل ..
هكذا ظلت تقنع نفسها لأيام، إلى أن اتخذت قرارها أمس، وها هي تخطو مع عمار حيث استقلا المصعد، لينطق بنبرة داعمة :
- مكتبك حيبجى چنبي ، ولو أي حاچة ضايجتك عرفيني طوالي .
أومأت له وابتسمت تجيبه :
- مافيش حاچة حتضايجني غير إني ماكونش جد ثجة عمي وثجتك فيا .
ابتسم لها، وتحركا بعدما وصل المصعد، يخطوان في الردهة أمام الجميع، حتى رأتهما تيا التي تسمرت مكانها تتفحص نهاد من أعلى رأسها لأخمص قدميها، قبل أن تندفع إلى مكتب مهران لتخبره بما رأته .
تجاوزت السكرتيرة ودلفت دون إذن، فانزعج منها وكاد أن يحتد ولكنها نطقت :
- نهاد هنا في الشركة، جاية مع عمار .
هب واقفًا يميل برأسه ويتساءل باستفهام :
- چاية ليه؟
هزت كتفيها ومطت شفتيها بعدم معرفة، ثم نطقت وهي تتفحصه بثقب :
- ماعرفش، إنت اللي هتعرف، لإنها مادخلتش عندك، هي راحت ناحية مكتب عمار علطول، تفتكر ليه؟
أصابه التعجب وانهالت الأفكار على عقله ولكن فكرة عملها هنا لم تصل إليه مطلقًا، لذا تحرك خارج مكتبه وخطا معها باتجاه مكتب شقيقه ليرى سبب مجيئها ..
وصل بعد ثوانٍ ليجد حولها عددًا من الموظفين من كلا الجنسيين يهنئونها، فقطب جبينه باستفهام وتساءل بعلو :
- خير يا چماعة؟ إيه اللي بيحصل إهنة؟
التفتوا يطالعونه وهو ينتظر شرح أحدهم له، وتجاوره تيا تترقب وعينيها لا تفارق نهاد، ليطالعه شقيقه قائلًا بنبرة هادئة وثاقبة بتعمد واضح وهو يضع كفيه في بنطاله :
- نهاد بدأت شغل معانا في الشركة، هتبجى الـ Tour operator (منظم الرحلات) اللي بتطلع تبعي .
ازدرد ريقه بصدمة وخيبة تطلع بها إلى شقيقه الذي قابله بابتسامة باردة، ليلتفت إلى نهاد التي وقفت تتحدث إلى الموظفات المبتهجات لعملها هنا بعدما علمن بانفصالها ، ولم تعِره نظرة واحدة لا هو ولا من تقف تجاوره تحاول استيعاب ما سمعته، بل اعتبرتهما شفافان لا تراهما ..
