رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثامن عشر 18 بقلم اية العربي


 رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثامن عشر 

بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم 

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .

اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين  ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين 


لم يزُل من قلبي بعد
مازال عالقًا في أحد أركانه، متشبثًا بجدارٍ مهتريء يأبى الابتعاد مهما حاولت 
وكأنه اعتصم بجبلٍ عالٍ كي لا يبتلعه الطوفان الذي أحدثه بداخلي 
أسمع أنينه كطفلٍ صغير يعرف جيدًا كيف يستعطفني  . 
طفلًا أنانيًا يطمع في لعبةٍ تخلى عنها وحينما رأى أحدهم يقترب منها كشر عن أنيابه وتوعد أن يقيم حربًا  
ربما لأنني حينما أدخلته ذلك الأيسر لم أضع خطة خروجه منه ولم تكن لدي أي نية 
وربما لأنني اتقن رسم التجاهل فوق ملامحي ، ولكنني لا أجيد نحت القسوة  
وبرغم يقيني بأني لم أخسره، بل هو من خسرني، إلا أنني ابتليت بحبٍ لا تناسبه تربةً سوا قلبي 
بقلم آية العربي

❈-❈-❈

جلست أمامه تشعر بالتوتر، لا تعلم كيف تبدأ بالحديث الذي رتبته ، الجلوس أمامه وهو يطالعها هكذا ، وهنا في هذه الصالة، والأصوات من حولهما، جميعها أشياء توقعها في دائرة التردد  . 

- تحبي نجوم ندخل المكتب؟ 

نطقها عبد الوهاب بعد إلقاء نظرته الثاقبة عليها، لترفع رأسها وتومئ بارتياح لذا نهض يردف بهدوء  : 

- جومي يابتي. 

تحرك فنهضت تتبعه نحو غرفة المكتب وتحت أنظار صابحة التي أطلت برأسها من داخل المطبخ، عقلها منشغلٌ ما الذي تريده منه؟ ولكنها قررت ألا تستسلم لفضولها وتكمل مافي يدها  ... 

دلف عبد الوهاب واتجه يجلس على المقعد الأمامي لمكتبه وينطق بترقب  : 

- اجفلي الباب وتعالي اجعدي يا فرحة . 

أطاعته ونفذت ما قاله ، وجلست أمامه لتجده يستطرد ويفرش لها مساحة من الراحة  : 

- جولي كل اللي عندك وأني سامعك للآخر، واعتبري حالك بتتحدتي مع أبوكي، ده لو ماعندكيش مانع يعني  . 

حدقت فيه لبرهة، كلمة أبيها أعادتها لأعوامٍ مضت، تتذكر ملامحه ، فقد كانت في ربيعها الخامس حينما توفي ، ومازالت تحتفظ بها داخلها، لذا تنهدت بعمق وبدأت تنطق  : 

- أني خابرة إن چدي وصاك عليا جبل ما يموت، ومن زمان واحنا بنسمع عنك كلام زين، وإنك راچل حجاني بتنصف المظلوم ، وخصوصي الحريم والبنات إهنه وبتردلهم حجوجهم، بس اللي متوجعتوش واصل إنك تجف جار نهاد وتطلجها من ولدك الكبير، اللي حُصل ده مافيش حد إهنه عمله جبل إكدة ، إنت وجفت في ظهرها وسندتها في وجت هي كانت مكسورة فيه، واللي شوفته دلوك إنك كمان خليتها تشتغل في الشركة ، ويمكن ده يخليني اتحدت وياك براحة أكبر واجولك ع اللي عندي  . 

ابتسم ونطق يوضح  : 

- كله إلا كسرة خاطر الصبايا يا فرحة، مايستاهلوهاش، وإهنة في بلدنا الرچالة اتعلمت الجسوة وبجوا يتعاملوا وياهم بغشومية، محاچيش أني كمان واكمل عليهم، لازمن انصفهم وإلا هبجى ظالم وهما كمان حيظلموا غيرهم، ماهو كتر الظلم يابتي بيخلي الانسان يتوحش جوي ، إلا من رحم ربي  . 

تحمحم يتابع بمغزى حينما شعر بما تود قوله  : 

- يعني اديكي شوفتي مهران ولدي، شايف أني ظلمته لما چبرته يتچوز بت عمه، فضل ساكت سنتين ومكتوم ورافض يفتح جلبه ويشغل مخه، وفي الآخر ظلم اللي ماتستاهلش منيه غير كل خير، وزي مافي مهران فيه عمار، واهو ده بجى على النجيض ، لدرچة بييچي على نفسه عشان مايوچعش اللي چدامه، يتوچع هو ولا يتوچع حد بيحبه، چابر بجى ده ليه دماغ لواحده وعامل فيها سبع البرومبة وفي الآخر أني عارف زين إنه حيجع واجعة مربربة  . 

نطقها ممازحًا، فابتسمت بخفة تطرق رأسها، برغم أن كلماته عن عمار شغلتها، ولكنها زفرت بقوة وعادت تطالعه وتردف بذكاء  : 

- طب خليني احكي لاول يا حاچ عبد الوهاب، جبل ما تجولي على ولدك عمار اللي يتوچع ولا يوچع غيره، صدجني كلهم وجت الچد بيبجو سعادتهم وراحتهم على أي حاچة تانية. 

تنهد يومئ مرارًا، فهي تحكم دون أن تعاشر، لذا نطق بتريث  : 

- طيب جولي يا فرحة وأني سامعك. 

نطقت بعدما نظفت حلقها  : 

- فيه حديت لازمن اتحدته ويا عمار لما يرچع، وبعدها جراري حيبجى صعب ،ممكن اتحاسب عليه من عشيرتنا كلياتها، بس لو انت وجفت جاري كيف ما وجفت جار نهاد ماحدش حيكلمني ولا حد حيجدر يجول حاچة بعد كلمتك  . 

أدرك أنها تريد الانفصال، ولم يتقبل هذه الفكرة، وكيف بإمكانه مساعدتها؟ هل سيصبح الجلاد الذي ينفذ حكمًا مؤلمًا على ولديه ؟ هل عليه أن يعيش هذا ؟ ويفصل عمار أيضًا عن زوجته

- رايدة تطلجي من عمار؟ 

نطقها مباشرةً بضيق ، فأومأت ونطقت بعدما غيم الحزن تفاصيلها وعيناها  : 

- أني كمان اتچبرت على چوازي منه، أني كمان ماجدراش اتجبل أني أكون مرته، عجلي رافضها واصل، هتنصفني ولا علشان أني بنت الحوامدية ماحتهتمش؟ 

تألم لما يحدث مع أولاده، أيصعب على الحياة أن تراضيهم ؟ خاصةً عمار ؟ 

نطق بنبرة حكيمة  : 

- أني مايهمنيش إنتِ بنت مين واصل لاجل ما انصفك أو اظلمك، بس إنتِ إكدة بتغلطي غلطة مهران، لازمن اجولك إنك لو اطلجتي من عمار ولدي ماحترتاحيش يابتي ، ماحتلاجيش حد يحبك زيه، ومابجولش حديت والسلام، أني بجول الحجيجة ، اللي الماضي مانعك تشوفيها. 

مال قليلًا عليها يسترسل بصدق  : 

- إنتِ تستاهلي تتحبي يا فرحة، تستاهلي تفرحي وتعيشي حياتك اللي ضيعتي منها كتير في الهم والحزن، تستاهلي تضحكي يابتي وبزياداكي إكدة . 

سمعته فبكت وأسدلت رأسها تهزها بلا وتجيبه باستنكار  : 

- حعمل ده كيف مع اللي جتل أخوي؟ 

- مكانش جصده ، ولدي كان بيدافع عن نفسه. 

نطقها عبد الوهاب دفاعًا عن ابنه فرفعت رأسها تطالعه بثقب ونطقت  : 

- إنت ماشوفتش اللي حُصل ، إنت سمعت بس  . 

- ولا إنتِ شوفتي ولا تعرفي الحجيجة ولا تعرفي حاچات كتير . 

حدقت فيه باستفهام فزفر يلف وجهه ويستغفر، لا يحب أن يقع في زلات اللسان ويتحدث عن شخص توفى ، ولكنه أيضًا يبغض أن يُظلم أحدهم، خاصةً وأن ذلك الأحدهم هو ابنه عمار ، وأقربهم إلى قلبه ، لذا عاد إليها يسترسل  : 

- شوفي يا فرحة، أني حوعدك أني اعملك أي حاچة تريحك وتفرحك، بس ماحيبجاش على حساب وچع ولدي عمار، عشان كيف ماجولتلك هو حيختار اللي يريحك على حساب نفسه ، ودي حاچة أني متوكد منيها. 

نهض بعدها والتفت يجلس خلف مكتبه واستطرد حينما وجدها تصمت بحزن  : 

- اتحدتي وياه الاول، واسمعي اللي حيجولهولك واعجليه، واني خابر زين ان عجلك يوزن بلد، وبعديها فكري زين حتى لو حتجعدي شهر، بس ماتبجيش ظالمة انتِ كمان  . 

ثم تابع بعاطفة وهو يميل نحوها حينما رأى حزنها  : 

- حترتاحي لما تطفي النار اللي جايدة في جلبك يابتي، والنار ماحتطفاش غير لما تحكمي عجلك، وأني بزيادة عليا أيوب اللي لازمن اكون وعيله بعد موت چده  .. 

يبدو أنه يفهم جيدًا ما يدور حوله ، لذا حدقت فيه لبرهة ، ثم أومأت بصمت ، ونهضت تغادر وتفكر في كلماته ، وهل هي قادرة أن تتنحى عن قرارها ؟ 

❈-❈-❈

- أنا مش فاهمة حاجة؟ يعني إيه هتشتغل هنا؟ هي كدة بتستفزك يعني؟ 

نطقتها وهي تحدق به حيث جلس خلف مكتبه يفكر بشرود ، بذهول ، بعدم استيعاب.

رأسه تكاد أن تنفجر من الأفكار المتناحرة داخلها، خاصة وأن شقيقه هو من ساعدها  .. 

حينما لم يشاركها الحديث نطقت بخبث  : 

- إنت من حقك تتكلم يا مهران لان ده مش قرار عمار لوحده ،إنت المسؤول عن التعيينات ولازم أي تعيين يعدي عليك الأول ، حتى علشان الموظفين مايتكلموش ، خصوصًا إنها طليقتك وكلهم عارفين، يعني مش حلو تدخل مع عمار كدة حتى لو عايزة تضايقك  . 

لم يشاركها أيضًا، يسمع حديثها ولم يتفوه ببنت شفة، بل يتطلع أمامه بصمت، فنهضت تميل على المكتب وتنطق بغيظ  : 

- مهران لما اكون بتكلم معاك رد عليا  .. 

لف نظره إليها يطالعها بمقلتين حادتين ثم نطق بهدوء يسبق عاصفة هوجاء  : 

- اخرچي دلوك  .. 

ابتعدت تتكتف وتطالعه مستنكرة ، وحينما لمحت تصميمه قررت أن تغادر، فتحركت نحو الباب وفتحته وغادرت بالفعل  .. 

أما هو فظل جالسًا لبرهة، يعيد التفكير هل يفعل أم لا، وحينما لم يحتمل المزيد من الأفكار انتفض يقف ويتحرك خارج مكتبه ليذهب إليها، لن يسمح لها بالتواجد هنا وبممارسة هذا العمل  الذي يدرك جيدًا الهدف منه .. 

كانت تجلس خلف مكتبها الجديد المخصص لها بناءً على رغبة عبد الوهاب ، بعدما رحب بها الجميع ، وأمرهم عمار بالتوجه إلى مكاتبهم ومعاودة العمل  .. 

تتطلع على الأغراض والحاسوب وكل شيء حولها ، وتستعيد صدمته وصدمة من معه حينما رآها، لتتنفس بثقل وتخفي ملامحها بين كفيها مستندةً على المكتب، لا تصدق أنها اتخذت هذه الخطوة ، وأنها من الآن وصاعدا ستراهما دومًا لذا نطقت تحفز نفسها  : 

- حتجدري يا نهاد ، لازمن تجدري ، لازمن تجوي وتخلعيه من جلبك للأبد  . 

أسدلت كفيها تطالعه بعدم استيعاب حينما اقتحم غرفتها فجأة ، يوصد الباب خلفه بالمفتاح المعلق داخله ، ولكنه لم يتركه بل نزعه يدسه في جيبه ويتقدم منها ناطقًا بغضب  : 

- فهميني دلوك إيه عمايل العيال الصغيرة دي؟ اشمعنى دلوك چاية تشتغلي إهنة؟ مافكرتيش تشتغلي طول السنتين اللي فاتو ولا لمحتي إنك حتى بتفكري، اشمعنى دلوك لما اطلجنا عملتيها؟ 

تحلت بالملامح الباردة ونطقت وهي تشير نحو الباب  : 

- افتح الباب واطلع برا ، مالكش صالح بيا  . 

تملكه غضبًا مفاجئًا ، وتحرك نحوها فتوغل إليها الخوف قبل أن يقبض على ذراعها ويوقفها لتقابله، مستطردًا بقسوة وهيمنة ذكورية  : 

- كل ده لاجل ما تستفزيني وتطلعيني عن شعوري، بتعاجبيني عشان اتچوزت؟ مش يمكن چوازي ده نتيچة السحر اللي عملتيه؟ 

توسعت حدقتيها وحاولت نزع ذراعها البائس الذي يتعرض له دومًا، وحينما لم تفلح نطقت من بين أسنانها  : 

- سيب يدي واطلع برا وهملني بجى، اللي بينا خلاص انتهى ، ولو السحر هو السبب اديك خلصت مني  . 

نطق بغيرة لاذعة تملكت منه  : 

- علشان اكدة داخلة الشركة ويا اخويا جدام الموظفين كلياتهم ؟ اشمعنى چاية ويا عمار ؟ اظبطي حالك يا نهاد  .. 

نشب حريق في صدرها من مقصده جعلها تكتسب عزيمة نزعت بها يدها التي رفعتها ونزلت على صدغه بصفعة قوية عقابًا على ما تفوه به للتو ، ونطقت تقصفه بالكلمات حينما لمحت صدمته التي لم تبالِ بها : 

- جطع لسانك ولسان اللي يجول عني حرف واحد ، فوج واعرف انت بتتحدت مع مين ، عمار ولد عمي وعم ابني ، لكن إنت دلوك بالنسبالي زيك زي أي راچل غريب إهنة ،اطلع برا .. 

وجدته يطالعها بغضب ، لا يصدق أنها صفعته برغم أنه يدرك جيدًا استفزازه لها، ويدرك بأنها امرأة يصبغها الشرف ، و قد اندفع بكلماته نسبةً لشدة غضبه ، ولكنه لا يقبل أن تصفعه لذا احتدت نظراته لها، فقابلته بنظرات أشد حدة ، ليجد نفسه في موقفٍ لا يحسد عليه ، لا يحب أن يقع فيه ، لذا أومأ كأنه يتوعد، واندفع بعدها يتحرك ويفتح الباب ويغادر من حيث أتى ، وتركها تقف تتنفس بانفعال وتخاف من عدم استطاعتها الصمود أمامه وأمام من معه، ولكن هذا الخوف لا يضعفها، بل تأخذه حافزًا لها كي تصمد وتقوى وتتجاهلهما بشكلٍ تام، لتعتبر أنها تعمل في شركة غريبة عنها، نعم هذا ما يجب أن تفعله  . 

❈-❈-❈

جالسًا يفرك حبات مسبحته و يطالعها وهي تتناول قطع الفاكهة بتمهل ورقة مصطنعان ، رفعت نظرها إليه ثم تركت الشوكة البلاستيكية ونطقت بابتسامة هادئة  : 

- حلوة جوي . 

- جولتلك حتعچبك جوي ، الأنواع دي مهياش موچودة في لوجصر كلياتها غير عند العبد لله. 

أومأت والتفتت تلقي نظرة على المحل ثم عادت تطالعه وتتساءل  : 

- ممكن تعرفني بجى إنت چايبني إهنة ليه؟ 

تحمحم ينظر حوله، ثم تقدم بجذعه ونطق بخبث  : 

- أني لما سألت جالولي إن سچود كلمتها مسموعة في الچامعة ، وإنك ليكي شعبية كبيرة واصحاب كتير، جولت يبجى هي اللي حتحللك مشكلتك يا مسعود. 

ابتسمت بتباهٍ على هذا الإطراء ، وتململت في جلستها تستفسر  : 

- مشكلة إيه ؟ 

أعاد ظهره للخلف وعاد يكمل فرك مسبحته وهو ينطق مطرقًا رأسه لثوانٍ  : 

- الدكتور نوح  . 

بنظرة سفلية ماكرة طالعها بها ليرى ردة فعلها ، وحينما وجدها مترقبة ابتسم ورفع رأسه يستطرد: 

- فكرته راچل زين وغيور وحيراعي اختي، بس طلع مش تمام، وخلاها تجلع النجاب، وبعدها عني، ودلوك حتى مابجتش عارف لا اشوفها ولا اتحدت وياها  . 

أومأت تؤيده في حديثه  : 

- الچامعة كلياتها بتتحدت عنيهم ، حتى طريجة لبسها اتغيرت كتير عن لاول، وبصراحة ليك حج تضايج، يعني تبجى اختك ومربيها على الأدب والأخلاج وييچي واحد عامل حاله دكتور ومثجف يخليها عرضة للشباب، يعني بأمانة البنات مضايجين منها جوي، داحنا كنا واخدينها جدوة ووجت ما لبست النجاب بنات كتير جلدوها، بس هنجول إيه، الله يسامحه دكتور نوح، وانت بردك غلطان، إزاي تسمحله يتحكم في اختك اكدة حتى لو كان كاتب كتابها.. 

نجحت في تأجيجه فتولى الغضب قيادة ملامحه ونطق بغيظ  : 

- علشان اكدة أني چبتك النهاردة، لاجل ما نتفج وتساعديني، وأني حعملك اللي إنتِ رايده، المهم اعرف اطلج اختي من الدكتور ده، واچوزها لراچل يكون عنديه نخوة وغيره على أهل بيته  . 

ضيقت عيناها تطالعه بترقب وتساءلت  : 

- وحتعمل ده كيف ؟ 

غمز لها يضحك باصفرار ونطق مرتقبًا: 

- دي عليكي إنتِ بجى، مهو للاسف عرف زين كيف يدخل لاختي ويخليها ماتسمعليش، لازمن نعرفها ونعرّف الچامعة كلياتها على أخلاجه الحجيجية، ولازمن مودة اختي تتأكد إنه مابيحبهاش ، هو رايد يستغلها ومفكر إن مابجلهاش حد، خصوصًا إنه اتچوزها چوازة سهلة مادفعش فيها مليم واحد . 

ابتسمت بخبث وأومأت بعدما فهمت مقصده لتضع ذراعها على المكتب وتستند عليه محدقة به ومستفهمة  : 

- مجابل إيه  ؟ 

ضحك بسماجة وأكد ناطقًا  : 

- كل اللي تطلبيه تحت امرك، احنا اهل كرم بردك، المهم عندي اخلص اختي منيه، وهو يتفصل بجى أو ينطرد، اصل مهواش أمين ولا ينفع يبجى دكتور ويدرس لطالبات كيف الجمر زيكو  

ابتسمت بانتشاء ونطقت وهي تمد له كفها  : 

- يدك ع العربون يا معلم  . 

ظن أنه يستطيع استغلالها دون دفع مقابل، ولكن ابتسامتها أكدت أنه يجب أن يدفع، لذا فتح درج المكتب وسحب منه مبلغًا ماليًا ثم ناولها إياه يردف  : 

- وكمان طبجين فاكهة من عندي لاجل عيون ست البنات، المهم اشوف نتيجة زينة  . 

التقطت المال تعده لتتجهم ملامحها وتطالعه بطمع مردفة  : 

- إيه ده ؟ ألف چنيه؟ حعمل بيهم إيه دول؟ اللي إنت طالبه ده محتاچ كام بنت معايا، يعني شخلل چيبك شوية لاجل مايحصل اللي إنت رايده  . 

صُدم من حديثها، هل يجب عليه أن يدفع أكثر من ذلك ؟ لينطق باستنكار  : 

- الفلوس دي عشانك لحالك، ومهياش لاجل المصلحة، دي المفروض تعتبروه عمل تطوعي وفيه خير إنكو حتلحجوا البنات منيه. 

نهضت وتركت الأموال على المكتب وهي تردف بتصميم تكشر عن أنيابها : 

- لا يفتح الله، بلا عمل تطوعي بلا بطيخ بلا طبجين فاكهة ، عن اذنك. 

التفتت فأسرع ينهض ويخطو نحوها و هو  يردد : 

- وجفي بس ماتبچيش جفش إكدة ، رايدة كام يعني؟ 

وقفت تلتفت له بضيق ليسترسل  : 

- اجعدي يابنت الحلال وجولي، حدفعلك اللي إنتِ رايداه  . 

زفرت وعادت تجلس وتفكر وتحسب حسبتها ثم نطقت بنظرات ثاقبة  : 

- يعني جول 20 الف  . 

- كــــــــــــــام؟ ليه إن شاء الله؟ حتوجعوا احمد زويل؟ ده هو كله على بعضه مايسواش في عيني خمسوميت چنيه  . 

رفعت حاجبيها ونطقت بلا مبالاة : 

- ده اللي عندي ، اللي إنت طالبه مهواش سهل، ونوح سمعته زينة في الچامعة كلياتها، وأني واصحابي حنخاطر مخاطرة كبيرة جوي ، يعني المبلغ اللي حتدفعه ده جليل جوي، بس أني كمان عاملة وياك واچب ، عشان خاطر إنت غرضك شريف  . 

نطقتها وأطلقت ضحكة رنانة فتحمحم ينظر حوله ثم عاد يطالعها وينطق بضيق  : 

- ماشي ، حدفع ، بس لما اشوف نتيچة  .. 

❈-❈-❈

تحرك عمار يخطو باتجاه غرفة مكتبها، الباب كان مفتوحًا لذا نادي بنبرة لينة  :

- نهاد  .

رفعت رأسها فرآها تباشر العمل وتحاول الاندماج ، ابتسم لها وتساءل  :

-إيه الأخبار؟ في حاچة مدايجاكي؟

هزت رأسها بلا تخفي عنه ما فعله شقيقه بها ، بل نطقت بتريث  :

- لاء كله تمام ، وچه كام حچز على الفندج واكدت عليهم دلوك .

أومأ مشجعًا  :

- برافو ، طب جومي يالا عشان الغدا  .

أومأت ونهضت تتساءل  :

- حنروح صوح ؟

هز رأسه بلا يوضح  :

- لاء حناكل إهنة في الكافيتريا تحت لإن عندينا ضغط شغل ، عايزة تروحي ؟

ابتسمت بعدما تقدمت منه ونطقت وهما يتحركان نحو الخارج  :

- اصل حمزة وحشني ، بس خلاص نتغدا إهنة مافيش مشكلة  .

أومأ ونطق وهما يتجهان نحو المصعد  :

- هو عامةً شغلك حيخلص كمان ساعتين ، يعني حتروحي بدري النهاردة  .

أومأت فضغط زر المصعد ووقف ينتظره ، بينما خرج مهران من مكتبه ، تجاوره تيا التي التصقت به ، ليجدهما أمامهما لذا تملكه الضيق وقبض على كف تيا وتحرك يستخدم الدرج .

كانت سعيدة بهذا التجاهل الذي تدرك جيدًا واقع تأثيره على نهاد ، لا تعلم أن زوجها تلقى منذ قليل صفعة جعلته لا يستطيع النظر إلى وجه نهاد  .

اجتمع الموظفون في الكافيتريا الخاصة بالشركة، وجلست نهاد على طاولة مع عمار ومعهما جهاد و سامر صديقا عمار واللذان يعملان مرشدان سياحيان وتربطهما علاقة حب من جهة سامر فقط  .

أما مهران فجلس هو وتيا التي تتحدث إليه وتضحك بحركات متعمدة قاصدة بها استفزاز نهاد ، ولكنه لم يرحب بهذا بل نظر لها بحدة ونطق  :

- خفي الضحك شوية يا تيا ، إحنا وسط الناس .

ازدردت ريقها ومطت شفتيها تومئ بصمت وبدأت بتناول الطعام ، وكذلك هو بدأ الأكل ويدعي الجمود ، ولكنه كان يسترق النظر إليها ، حيث كانت تبتسم وتتحدث إلى جهاد .

لم يرُق الطعام لسامر الذي أردف بتهكم  :

- الواحد كانه بياكل كاوتش ، من لما الشيف اتغير والوكل مابجالوش طعم .

أيدته نهاد ونطقت  :

- كلامك صُح ، الطريجة اللي مسوي بيها اللحمة غلط.

ابتسم عمار ونطق بنبرة بدت طبيعية ولكنها مسموعة لمن حوله  :

- دانت چيت في ملعب أم حمزة ، وكلها مالوش كبير بعد وكل الوالدة طبعًا .

ابتسم سامر ونطق بحماس  :

- تصدج الوكل البيتي وحشني جوي ، مجضيعها مطاعم لما معدتي خربت .

نظرت له جهاد ، تعلم أنه يحبها ، ويريد أن يرتبط بها، ولكنها تخشى أن تقبل ، خاصةً  أن مرض والدها يعيقها من الدخول في أي علاقة ، لذا ترفضه برغم تأكيده لها بأنه يرحب بها وبوالدها في حياته فهو يعيش بمفرده ويريدهما عائلته ، ومع ذلك لم تقبل، تخشى أن يُظهر وجهًا آخر بعد الحصول عليها، ويؤلم والدها ولو بنظرة ..

نطقت نهاد بنبرة كريمة ولطيفة  : 

- يبجى بكرة إن شاء الله الوكل عليا ، حعملكم وچبات واچبهالكم بس يارب تعچبكم  . 

نهض سامر ينطق بعلو مرحبًا بقرارها وسط الموظفين  : 

- يا شباب ، وكلنا بكرة من يد أم حمزة ، كنتِ فين يا أم حمزة من زمان . 

رحب الجميع بهذا العرض الرائع ، وجلست تبتسم بخجل على ترحيبهم وضحكات عمار الذي رفع كفيه متنصلًا من توريطها . 

بينما على الطاولة المقابلة كان مهران يتابع بصمت، وتيا تتلظى بالغل والغيرة حيث طالعته تنطق باستنكار  : 

- إيه التصرفات دي؟ هي مفكرة نفسها فين؟ لازم تفهم إن دي شركة سياحة كبيرة يا مهران وليها قواعدها، ماينفعش كدة أبدًا. 

نظر لها نظرة عابرة، ثم عاد يكمل طعامه بصمت، وعقله يستعيد لذة طعامها، وقهوتها، وكل شيء تعده يداها وكان يعتبرها من المسلّمات ، ولكنه بدأ يدرك لتوه أنه فقدها، وأن شقيقه هو من يشهد لها أمام موظفي شركته جميعهم ، والذين سيستمتعون بها غدًا، فهل يقبل بهذا؟ ولمَ يجب أن يكون مجبرًا على القبول ، لينهض الآن ويرفض هذا الأمر، لينهض ويسحبها ويعود بها إلى القصر ويأمرها ألا تطأ قدماها الشركة مجددًا، ليحترق العالم مثلما يحترق هو الآن، وليحرّم طعامها على الجميع مثله  .

حينما أدرك أنه فقد حق الاعتراض لم يتحمل ذلك، لذا ترك طعامه ووقف ينظر إلى تيا ويردف قبل أن يندفع ويغادر  :

- خلصي انتِ، أني شبعت  .

غادر وتركها تنظر حولها بضيق، وبرغم أن الجميع منشغلون بأنفسهم، إلا أن بعض الموظفات كنّ يضحكن خلسة بتشفي على حالتها، مستمتعات بنصر نهاد وخسارتها أمامها ، وناعتات سرًا مهران بكلمات التوعد والتشفي... 

❈-❈-❈

- أزي الحال يا أيوب ؟

نطقها يونس الذي جاء من خلفه، أتى ليرى العمال ويراه ويتحدث إليه  .

وقفا على بعدٍ مناسب من العمال، والأراضي الخاصة بهما على مرمى بصرهما ، السيارات التي أتت لتحمل المحاصيل وتوزعها، والعمال يقطفون ويعبؤون ويحملون . 

نطق أيوب يجيبه ويشير برأسه  : 

- هانت أهو، جربوا يخلصوا، لوماحدش واجف عليهم كان الشغل ده جعد يومين تلاتة. 

رفع يونس كفه وربت على كتفه ينطق بإيماءة بسيطة : 

- عفارم عليك، ماحدش حيعرف يشد عليهم كيف چدي الله يرحمه ماكان بيعمل غيرك، هما إهنة بيعملولك حساب. 

نطقها ليزرع داخله المسؤولية ، فاستقبلها أيوب بتباهٍ خفي، ولكنه تذكر أمر عمار الذي لم ينسَه، لذا التفت إلى يونس يستفسر: 

- تفتكر بيعملولي حساب صوح؟ ولا بيجولوا عني ضعيف عشان ماعرفتش آخد بتار اخوي، وسبت اختي تتچوز اللي جتله؟ 

لا يعلم لمَ يشارك يونس هذا الحديث، ولكنه سينفجر، وهذا ما أراده يونس الذي تساءل بترقب بعدما أخبرته والدته  : 

- هو انتو اتحدتوا مع سمية عن الموضوع ده؟ 

أومأ له وتجهمت ملامحه يجيبه وهو يتطلع أمامه ويشبك كفيه خلف ظهره  : 

- اتحدتنا وجالت اللي عارفينه، عشان ماحدش منيهم يجول دفاع عن النفس، جتله غدر وعن عمد، ودلوك عايز يفلت من غير حساب وياخد اختي كمان، بس أني ماحجبلش بالحديت ده. 

نطقها بغضب والتفت يطالع يونس وا سترسل  : 

- أني خابر إنو ولد خالك، وانك مصدجه، وإن چدي جبل بالصُلح، بس أني مش جادر ومش جابل ولا حجبل. 

أومأ يونس ونطق بتروٍ وهدوء مبهم : 

- ماحدش يجدر يناجشك في اللي بتحسه، بس لازمن تحط في حساباتك إن ممكن يكون كلامه صُح حتى لو بنسبة 1 ٪، لإن حديت سمية مهواش مسلم بيه ولا مُنزّل، وماتخلنيش أجيب في سيرة حُرمة بس الحجيجة معروفة. 

وجده صامتًا والغضب لم يزُل فاستغفر وتابع وهو يشير برأسه على العمال  : 

- سيبك دلوك من إنه ولد خالي، مظلوم أو ظالم، بص إكدة حواليك، و بص على احترام الناس دي ليك وسماعهم لكلمتك، بس على شبابك يا أيوب، اخدك بالتار حيخليك تفجد كل ده، وشبابك يا إما يضيع بالموت أو السچن، ونظرات الاحترام دي حتفجدها وحتبجى جاتل، فكر زين يا أيوب، يشهد ربي إن امرك يهمني وواچب عليا احذرك من الوجوع في معصية كبيرة زي دي، إحنا بيحكمنا شرع وجانون، لو كل واحد خد بتاره حتبجى غابة. 

هذا الكلمات سمعها من قبل، ينطفئ غضبه لبعض الوقت و لكنه سريعًا ما يعاود الاشتعال ، إنه لا يزول ولا يعلم كيف يجعله يزول لهذا يريد أخذ ثأره، تنهد مطولًا ولم يجب فنطق يونس وهو يحثه على التحرك  : 

- تعالى نصلي العصر  ...  يالا يا رچالة نصلي.. 

نطقها بعلو وتحركا يغادران وتبعهم الرجال إلى المسجد لتأدية الصلاة، وهو يتمنى أن يشرح الله صدر أيوب، وينزع عنه الأفكار الشيطانية هذه  .. 

❈-❈-❈

تتحدث معه عبر الهاتف وتوضح له  : 

- يا نوح لو وجودي مش مهم أكيد ماكنتش ححب أحطك في موقف زي ده، بس المقابلة چت فچأة، ماتزعلش بقى. 

زفر بضيق ثم تساءل بترقب  : 

- ورايحة بعربيتك ولا معاه؟ 

ازدردت ريقها ونظرت خلسة إلى جابر الذي يجاورها ونطقت بتوتر  : 

- مع مستر چابر، في عربيته. 

مسح على وجهه يستغفر، ثم نطق بهدوء ينافي ضيقه  : 

- ماتحطنيش مرة تانية في موقف زي ده يا ريم، لو سمحتي إنتِ عارفة كويس إن مايصحش، خلصي المقابلة واركبي تاكسي يوصلك لعربيتك وتعالي ع البيت  . 

تدرك أنه محق، ولولا إلحاح جابر ووضعها في هذا الموقف الحرج لما قبلت، لذا نطقت بخفوت  : 

- تمام يا نوح، حاضر. 

أغلقت معه ودست الهاتف في حقيبتها تتنهد وتنظر أمامها ليتساءل جابر  : 

- اضايج صوح ؟ لو تحبي اتحدت وياه ؟ 

هزت رأسها ونطقت توضح وهي تحيد مقلتيها عنه  : 

- لا مافيش داعي، أنا حخلص المقابلة واروح في تاكسي  . 

أومأ بتفهم وشرد في طريقة تفكيرها وتفكير عائلتها، وراق له هذا الأمر، فنادرًا مابات أحدهم يهتم، ليدرك كل مرة أنها مميزة، فقد استطاعت أن تجمع بين العمل والخلق بامتياز، لذا نطق يوضح : 

- هو معاه حج بردك، إحنا الصعايدة عرجنا حامي

ابتسمت قائلة  : 

- صعيدي أصيل  . 

ضحك يردف بتباهٍ  : 

- واللي يضايج بنت جدامي بكلمة أو بحرف حوريه النچوم في عز الضهر،إنتِ مخابراش وش چابر التاني  . 

التفتت تتطلع عليه لبرهة فوجدته يبتسم لذا نطقت بمزاح وهي تعاود النظر أمامها  : 

- مش متخيلاك مخيف خالص حتى مع الوش التاني، يمكن لإن ملامحك مختلفة شوية! 

أدركت أنها بالغت في الحوار معه لذا تحمحمت وانتابها التوتر وقرر أن تصمت ، ولكنه شعر بالود في حديثها لذا أردف  : 

- معاكي حج، هما الحاچ والحاچة چابو كل واحد فينا ليه شكل لواحده، مهران أخويا كيف القاهروين، وعمار صعيدي صوح، ونوارة بجى كيف الجمر  ... 

التفت يطالعها بثقب ويتابع بمكر  : 

- طلعالي  . 

ابتسمت تومئ بصمت فأدرك أنها تود التحفظ لذا زفر وأكمل طريقه إلى وجهته حيث سيلتقيان بعملاء هامين تابعين لشركة عالمية افتتحت فروعها الجديدة في مصر، وتريد التعاقد مع شركة أمن سيبراني موثوق بها، وقد وقع الاختيار على شركة جابر بعد محاولاته منذ وقت للحصول على هذا العقد الذي كاد أن يذهب إلى معتز النعماني كغيره  . 

❈-❈-❈

انتهى الدوام  . 

وتحرك عمار ليصطحب نهاد معه ويغادران، وجدها تقابله وتبتسم قائلة وهي تمسك بحقيتها  : 

- كنت چاية أنادي عليك  . 

أومأ مبتسمًا ونطق وهو يحثها على التقدم  : 

- يالا ننزل... 

تحركا نحو المصعد، وقبل أن يدخلاه ناداهُ مهران فالتفت يطالعه ليجده يتقدم منهما، ولم ينظر نحوها حيث يحيد عينيه عنها بصعوبة بالغة، لن يتجاوز صفعتها له، لذا نظر لشقيقه يردف تزامنًا مع مجيء تيا  : 

- أني چاي ع الجصر عشان اشوف حمزة. 

لا يعلم لمَ أراد إخبار عمار بهذا، ربما يريدها هي أن تعلم، لتسرع تيا تتشبث في ذراعه وتردف بلهفة مصطنعة  : 

- ينفع اچي معاك يا مهران؟ إنت عارف إني نفسي أوي أشوف حمزة. 

باغتها عمار بنظرة غاضبة، بينما فُتح باب المصعد ودلفت نهاد تستقله قبل أن تصرخ بوجهها، ألا يكفيها أخذ زوجها؟ أتريد أخذ صغيرها أيضًا؟ هيهات هيهات أيتها الأفعى ذات الأجراس . 

غادرت تحت أنظارهم فتركها عمار تفعل حتى لا تقف أمامهما، بينما تطلع مهران عليها قبل أن ينغلق الباب وشيئًا ما بداخله أراد أن يصرخ بها بألا تتجاهله، ولكنه ينحر أي صوت يناقض عناده. 

التفت ينظر إلى تيا ويناولها مفتاح السيارة قائلًا بهدوء  : 

- خدي العربية وروحي إنتِ يا تيا، واني حروح مع عمار اشوف حمزة وارچع. 

إذًا سيستقل معها السيارة؟ هل ستترك لهما فرصة؟ 

نظرت له باستعطاف ونطقت بنبرة مستكينة ممنهجة  : 

- خلاص يا مهران هنروح سوا وهستناك في العربية بس مش حعرف اسوق لوحدي، ولو مش عايز تخليني اشوف حمزة مش مشكلة. 

نكست رأسها بحزنٍ تمثيلي رآه عمار واستنكره مهران الذي زفر وأومأ لها فنطق عمار بمغزى  : 

- حنزل أني عشان أم حمزة ماتجفش كتير تحت، خد بالك لحسن العربية اللي سايجها تدخل بيك في حيطة سد  . 

نطقها وهو يحدجها بثقب ثم استقل المصعد وغادر وتركها تغلي غيظًا لتلتفت تشتكي له  : 

- هو يقصدني أنا صح؟ معقول أنا ممكن ادخلك في حيطة سد يا مهران؟ 

يدرك أن شقيقه يقصدها بالفعل، ولكنه نطق بملل  : 

- مايجصدكيش يا تيا، ماتشخصنيش كلامه جوي إكدة، جولتلك عدي لعمار وماتجفيش على الواحدة.. 

ازدردت ريقها وسريعًا ما أومأت ترتدي قناع الحنان وهي تربت على صدره وتردف بنعومة أفعوانية  : 

- صح يا راني، معاك حق، المهم إنت واي حاجة تانية ملهاش أي معنى، بس بجد أنا نفسي اشوف حمزة أوي  . 

زفر يحاول أن يهدأ ثم نطق وهو يخطو داخل المصعد الذي عاد بعد ثوانٍ  : 

- ماشي يالا  .. 

❈-❈-❈

دلفا المطعم وتحركا سويًا نحو طاولة العملاء الثلاث، رجلان أسيويان وامرأة تحمل نفس الجنسية  . 

رحبا بهم وبادلوهم الترحاب وجلسوا يتعرفون على بعضهم بلغة انجليزية يتقنها جميعهم  . 

ليبدأ أحد العملاء يوضح ما لديه  : 

- نحن نهتم بخدماتكم سيد جابر، ولكن الميزانية المرصودة للتأمين هذه السنة مرتفعة جدًا عن غيرها، وهناك عروض قُدمت لنا بسعر أقل من شركتكم، فما الذي يجعلنا نتعاقد معكم؟ 

ابتسم جابر وبدأ يشرح لهم التميز المقدم من شركته ففتح حاسوبه ووضعه أمامه ليبدأ في إرسال الملفات لهم،يوضح بعملية وهو يعبث بمهارة على اللوحة أمامه  : 

- لأكن صريحًا معكم سيد ميتشوري، جدار الحماية التقليدي اليوم أصبح مثل القفل القوي على بابٍ خشبي، بإمكانه الحماية من مهاجم مبتديء، ولكنه لا يستطيع أن يقف أمام من يمتلك المفتاح الأصلي، أو من ينوي ردم الحائط نفسه، لذلك فإننا هنا كي لا نبيع أقفال، بل نعرض عليكم نظام ذكاء يتوقع الضربة قبل حدوثها  . 

نطقت السيدة التي ترافقهما  : 

- ماذا تعني بتوقع الضربة؟ لأن السوق ممتلئًا بالشركات التي تخبرنا بأنها تمتلك أقوى الأنظمة. 

ابتسمت ريم بدبلوماسية ونطقت موضحة مقصد جابر  : 

- الفرق أن أغلب الشركات تعمل بنظام رد الفعل، لكننا هنا نعمل بنظام الاستباق الرقمي، وأولى خطواتنا هي اختبار اختراق شامل، كأننا نضع أنفسنا داخل تجربة فعلية. 

نظروا العملاء لبعضهم وأومؤوا ليردف الأول مستفسرًا  : 

- حتى لو تم تأمين بياناتنا على السحابة، هل مازال هناك خطر؟ 

نطق جابر وهو يوضح بيده بعدما ترك الحاسوب  : 

- السحابة وسيلة تخزين ولكنها ليست حصانة، الحقيقة المُرة أن 90% من الاختراقات الناجحة عالميًا سببها العنصر البشري أو سوء الإعدادات، ولكن تعاقدكم معنا يشمل أننا سنقدم مراقبة شاملة من فريق متكامل يلاحظ أي ثغرة، وتأمين سمعة، لذلك فإن التكلفة المدفوعة لا تقارن بتكلفة اليوم الواحد  . 

تساءل العميل الأخير وهم على شفا حفرة الاقناع  : 

- وما هو الضمان أن نظامكم لن يعطل سير العمل اليومي لدينا؟ 

نطقت ريم بعدما أومأ لها جابر  : 

- هذا جوهر عملنا، الأمن الذكي هو الذي يحمي دون أن يقوم بالتعطيل، نحن نفعل نظام "أتمتة" لأغلب العمليات الأمنية لكي يمارس الموظف عمله باعتياد، وهناك درعٍ يعمل في الخلفية، نحن لسنا فقط مهندسين، نحن شركاء نجاح، إن كنتم بأمان فنحن ناجحين. 

عادوا ينظرون إلى بعضهم ويومؤون ثم أردف الأول  : 

- حديثكما منطقيًا جدًا، دعونا نرى خطة عمل مبدئية تناسب حجم بياناتنا  . 

ابتسم جابر ونطق وهو يعود لحاسوبه  : 

- هذا تمامًا ما قمنا بتجه‍يزه، والآن تم إرساله لحضراتكم  .. 

بدأوا يتابعون خطة العمل، وجابر وريم ينظران إلى بعضهما بتفاؤل، ولكنهما صُدما حينما ظهر معتز صدفةً، ووقف أمامهم يردف مرحبًا بالعميل الأول وهو يرسم ابتسامة زائفة تواري غيظه  : 

- مرحبًا سيد ميتشوري، كيف حالك،ماذا تفعل هنا؟

نهض الرجل ورحب به ثم تحدث يشرح ويشير نحو جابر وريم  : 

- أهلًا بك سيد معتز، لقد جئنا لنتعاقد مع شركة السيد جابر لتتولى تأمين شركة **** هنا. 

أومأ بتفهم والتفت ينظر إليهما، حدج جابر بكره بينما ثبت أنظاره على ريم يردف بمغزى  : 

- بما أن الآنسة ريم هنا إذا فالتعاقد سيتم بكل سرور  . 

نطقها بضيقٍ واضح لاحظه الجميع، ليردف العميل بهدوء  : 

- شكرًا لك، اسمح لنا من فضلك  . 

أومأ وتحرك يغادر قبل أن ينفجر غيظًا وحقدًا، كان يتوقع أن تعود إليه وتعترف بخطئها وتتخلى عن جابر الفاشل وشركته الصغيرة، كان يظنها تمتلك طموحًا أكبر لن تحصل عليه سوى معه، ولكنه متعجبًا من حالتها، وقد بدأ يشعر أنه بالفعل قد تسرع حينما تخلى عنها ..  

❈-❈-❈

وصلت سيارة عمار إلى القصر أولًا، فترجلت نهاد تسرع خطاها نحو الداخل لتتجنب رؤيتهما هنا ، لا تنكر أنها تحترق، فآخر ما تريده أن تخطو تلك الأفعى إلى القصر، وأن ترى صغيرها، أو تقترب منه ، أو أن يتعامل معها الجميع بشكلٍ اعتيادي، لِمَ يتلذذ ويبدع في حرق قلبها ؟ أقتلت له قتيلًا ليفعل هذا بها؟ لِمَ يتعامل معها بهذا الاستسلام المخزي ؟ هل هذا هو حبه؟ ياله من حبٍ يثير الاشمئزاز وعلاقة منفرة جعلتها تفتخر بأنها لم تحصل على مثل هذا الحب منه. 

دلفت وتبعها عمار، تلقي السلام لتجد عبد الوهاب وصابحة يجلسان في بهو القصر، والصغير يتوسط حجر جده.. 

تساءل عبد الوهاب وهو يوزع أنظاره بينهما بترقب  : 

- طمنيني يابتي، أخبار الشغل إيه؟ 

التقطت منه الصغير تعانقه بقوة وتعتصر عيناها كأنها تكتسب منه دعمًا وصمودًا، ثم زفرت تنطق بعد ثوانٍ وهي تطالعهما  : 

- الحمدلله ياعمي، حطلع اغير واچي،عن اذنكو.

تعمدت أخذ صغيرها معها، لن تسمح لها برؤيته، لن تسمح لها بالاقتراب منه، إن أراد رؤيته فعليه أن يأتي فردًا دونها  .. 

نظر عبد الوهاب إلى عمار يتساءل ليجيبه الآخر متفهمًا  : 

- مهران چاي ورانا يشوف حمزة، بس مرته صممت تيچي وياه . 

نطقت صابحة بضيق واستنكار : 

- وه؟ يعني إيه صممت؟ چاية إهنة ليه دي، ليها إيه إهنة؟ 

استند عبد الوهاب على عصاه ونهض يردف بنبرة صلدة  : 

- رچليها ماحتخطيش عتبة الجصر طول ماني عايش، ولو أخوك مالوش كلمة عليها يبجى ياخدها ويرچع من مكان من چه هو كمان . 

تحرك يخطو نحو الخارج ليقف لهما ويمنعها من العبور ، بتأهبٍ واضح وحالة من الاستنفار جديدة عليه بسبب تلك الدخيلة، بأيٍ حقٍ لها أن تأتي إلى  هنا؟ وماذا يعني صممت؟ 

تحرك عمار يخطو نحوه ويجاوره وهو يقف عند الباب ويتساءل  : 

- حتمنعها وهي وياه كيف يابوي؟ 

أجابه وهو ينظر نحو البوابة الكبيرة باستعداد  : 

- يدخل لحاله يشوف ولده، وهي كرمًا مننا تستناه برا، وكويس إنها چت، عندي كلمتين عايز اجلهوملها في وشها  .. 

أومأ بتفهم ووقف معه ليتابع عبد الوهاب: 

- اطلع انت لمرتك، ماعيزش يحس إنك واجف ضده في كل حاچة. 

- على عيني يا حاچ.. 

تحرك يعود للداخل ليصعد إلى فرحته ويرى ما لديها ، بينما تقدمت صابحة تجاوره وتتساءل  : 

- هتعمل إيه يا عبده؟ 

لم يجبها، حيث صب تركيزه على سيارة ابنه التي ظهرت، ينتظر فتح البوابة ليعبر، فكاد أن يأمر الحرس بعدم فتحها، ولكنه لمح ابنه يستقل سيارته بمفرده، ولا يجاوره أحد.. 

لذا زفر بارتياح، لأول مرة منذ زمن لم يخِب ظنه به، ليلتفت إلى زوجته ويبتسم لها فبادلته ووقفا يتطلعان عليه وهو يعبر البوابة حتى توقف جانبًا، وترجل من السيارة يراهما في استقباله، فعلم ما الذي يدور هنا ، وأيقن أن والده لم يكن ليسمح لها أن تدخل القصر ، ولولا صعوبة الأمر لمنعه هو أيضًا  . 

عبست ملامحه وهو يتقدم منهما ويلقي السلام ، فطالعته صابحة بحنين واشتياق قبل أن تسرع في عناقه وتنطق بعاطفة ونبرة متحشرجة  : 

- وحشتني يا ولدي، جلبك جسي على امك كمان ؟ 

بادلها باشتياق مماثل لم يخلُ من الحزن، وابتعد ينطق بجدية  : 

- مافيش جسوة ولا حاچة ياما، أني جيت من كام يوم بس إنتِ كنت بتعزي في الحچ زيدان ، عاملة إيه ؟ 

طالعته باستنكار على جملة ( من كام يوم)  ، هل أصبحت كلمة  الأيام هينة لهذه الدرجة ؟ بعدما كانت تراك عيني كل يوم، ويطمئن قلبي حينما يغلق باب قصري وأنتم داخله بأمان؟ 
أتظن أنني أغفو بسلام، وأنت تمكث مع تلك الغريبة بعيدًا عن قلبي ؟ ماذا فعلت بك وبي يا ولدي ؟ 

نظر لوالده الذي يتطلع عليه بثقب ليبتسم ساخرًا وينطق  : 

- ماتجلجش يا حچ عبد الوهاب، مش لدرچة اچيبها لاهنة وأني خابر زين إنها مش مرغوب فيها، ووچودها حيعمل مشكلة، أني چاي اشوف ولدي واتوكل على الله،هو فين ؟  

أومأ عبد الوهاب ونطق بمغزى ونبرة بدت متسلطة  : 

- لازمن تيچي تشوفه وتطمن عليه كل يوم ، وخير ماعملت إنك ماچبتهاش إهنة،لإن رچليها ماحتخطيش الجصر واصل  . 

تعمق فيه لبرهة، ونطق متسائلًا بنبرة معاتبة وإيماءة حزينة  : 

- عندك طلبات تانية يا حاچ تؤمر بيها؟ لاجل خاطر نهاد وخاطر مشاعرها ؟ 

نطق بجملة ربما ستظل خالدة في ذهنه دومًا حيث قال بنظراتٍ ثاقبة  : 

- أبوك اللي واجف جدامك ده مالوش أي طلبات غير إنك تفوج لنفسك وتلاجي راحتك، وأني لحد دلوك شايفك عمال تدور عليها مالجيهاش  . 

أسرع يخفي تأثره بتنهيدة يوهمه بالانزعاج ، ففسح له المجال ليعبر، فتحرك يدخل وتبعته والدته واتجها يجلسان سويًا لتنادي صابحة بعلو  : 

- يا حسناء  . 

جاءت مهرولة من المطبخ تطالعها ، ثم نظرت نحو مهران وابتسمت مردفة  : 

- حمدالله على السلامة يا مهران بيه. 

لم يجِبها، حيث كل يومٍ يزداد منسوب ضيقه منها ، فقرر أن يتجاهلها ويطرق رأسه أرضًا فنطقت صابحة  : 

- اطلعي هاتي حمزة من فوج  . 

أومأت بحرج وصعدت، بينما نهضت صابحة تردف بحنين  : 

- لما اروح اجبلك طبج بسيسة من اللي عملاها دلوك بيدي  . 

تركها تتحرك نحو المطبخ، وجلس يفكر في كلمات والده، و يطالعه حيث يراه يقف خارجًا، يواليه ظهره، ويفكر بشرود، وكلاهما منشغلان بالأفكار ذاتها بعدما شيدا بينهما جدارًا يتمنى كلٍ منهما لو ينهار يومًا .. 

❈-❈-❈

جلس على طرف الفراش ينتظرها كي تنتهي من صلاتها بعدما اغتسل وبدل ثيابه بأخرى مريحة استعدادًا للحديث معها  . 

وجدها تنهض بعدما سلمت،تطالعه بنظرة عابرة، وتطبق سجادتها وتضعها على المخدع، ثم تنفست بعمق، وتحركت تجلس على الأريكة وتنطق بترقب وهي تفرك كفيها وتتطلع عليه : 

- أني دلوك ريداك تحكيلي اللي عندك كله، واللي حُصل يوم الحادثة. 

نهض من مكانه، وتحرك نحوها، يجلس قبالتها ويحدق بها، فتوترت ولكنها لم تحِد نظرها بل أخفت توترها بتكرار طلبها  : 

- جول كل اللي عندك، حتى من جبل الحادثة، جولي إيه سبب العداوة اللي بينك وبين أخوي إن ماكنتش سمية هي السبب. 

وجدها تقف على عتبة تصديقه، وهذا ما استشفه من ملامحها وهدوءها، فزفر يلتفت ويدور بعينيه على الغرفة، يستعيد تلك الأيام وهذه الحادثة التي أصبحت نقطة فاصلة في حياته،حيث جعلته يقف عند مفترق طرق،وينساق مجبرًا لطريقٍ لم يختره، فامتنع بعدها عن أشياءٍ كثيرة، سُجن خلف الأبواب والحراس، وحُرم من السفر مجددًا إلى أسوان التي يعشقها ، وودع فرسته التي كانت بالنسبة له الصديق الوفي  . 

ليعود يطالعها ويتساءل بترقب وحذر  : 

- حتتحملي تسمعي كل اللي عندي يا فرحة ؟ 

أدركت أن ما يخبئه ينافي ما تعلمه وألمه مختلفٌ ، ولكنها الآن في أكثر لحظاتها استجابة لسماعه، لذا أومأت ولم تنبس بحرف، ليسترسل مباشرةً وعينيه تتفحصها باهتمام  : 

- أني اللي بلغت عن زينهم أبو سمية.

لمح صدمتها فعزم أمره و تابع  :

-  كنت لسة باديء اشتغل في الشركة، بس جبلها وأني في الچامعة كان عندي شغف وحب استكشاف لأي حاچة متعلجة بالآثار والمجابر ، والكل كان عارف عني إكدة، ومن شغفي كنت بعرف افصل بسهولة بين الجطع التجليد والحجيجية، وفي مرة لجيت زينهم بيكلمني ورايدني اشتغل معاه، وطبعًا بيغريني بنسبة كبيرة ليا، المهم اسهله الدنيا وادورله على زباين أجانب لإن اللي شغال وياهم واكلين حجه، طبعًا أني رفضت، فحاول يضغط عليا لاجل ما اوافج، المهم جولتله إني موافج ولما وثج فيا وصدج وبدأ يجولي على معلومات ومكان نتجابل فيه كنت أني معرف الحكومة ووجعناه هو اللي معاه ، ومن وجتها والنار ولعت في جلب بنته مني لما عرفت من أبوها لإن ماحدش غيره يعرف ، وحلفت لتنتجم، بس هي كانت أخبث من أبوها بكتير، استعطفت الخلج وجالت إنها رافضة عمايله وملهاش علاجة باللي عمله، وإنها أصلًا تربية ستها وماتعرفش عن شغله حاچة واصل ، وحاولت تتجرب مني وترسم عليا الدور ده، بس أني كنت خابرها زين، وعارف إنها كيف الحية تتلحف حوالين الواحد وماتهملوش غير لما تجيب أچله. 

وجدها متأهبة تستمع له بإنصات وذهول فاستطرد  : 

- لما لجيتني حيطة سد وماعرفتش تاخد مني لا حج ولا باطل جالت تدور على غيري، عشان كان لسة فيه شغل كتير ابوها ماكملوش وكانت رايدة تكمله من تحت لتحت، وإنتِ خابرة إن مؤمن كان بردك هاوي مچال السياحة والآثار زيي، دخلت عليه بالحب واللف والدوران، طبعًا حاولت انصحه واحذره منيها كتير ،بس لحد النهاردة ماعرفش كيف وجعته وخلته يصدجها ومايسمع لحد تاني واصل، وماخبرش كيف كتب كتابه عليها،عرفت زين تتملك منيه كيف الشيطان، والغريب إنها اجنعته إني بعمل إكدة علشان بحبها ورايدها وهي اللي رفضاني،وألفت حكاية إني حاولت اتجرب منيها ولما رفضت بلغت عنيه ، غلطتي الوحيدة وجتها إني ماجدرتش افضحها كيف ما عملت مع أبوها، وخفت تتهمني وسط الخلج بتهمة باطلة وهي مهما كان واحدة ست وأني ابن الحاچ عبد الوهاب وسمعة أبوي وعيلتي أهم عندي من أي حاچة، وانتِ خابرة زين إن العيار اللي مايصبش في بلدنا بيدوش، علشان إكدة بعدت عنيهم هما الچوز، ودعيت له ربنا ينور بصيرته ويشوفها على حجيجتها، بس للأسف هي كانت كيف المرض الخبيث اللي اتمكن منيه . 

استمعت له ولا تستوعب أن تلك هي نفسها سمية التي اعتبرتها في يومٍ من الأيام صديقة ورفيقة، فكم كانت تبدو حنونة ومتفهمة لها، وعاشقة لشقيقها،ومتوغلة داخل عائلتها،أكانت كالمرض الخبيث حقًا؟ 

أيمكن أن يكون عمار كاذبًا؟ سرده للماضي يتوافق مع خلايا عقلها ولكن كم من الحكايات توافقت معها وصدقتها والآن تدفع تمن ذلك؟

ولكن لم يخفَ عليها كيف كانت سمية تريد تبرأة والدها برغم حديثها بأن لا علاقة لها به، وكيف كانت في بعض الأحيان تبدو غامضة .. 

لتطالعه بملامح متحشرجة وتردف بارتعاشة خفيفة توغلت إليها حينما فُتحت جراحها  : 

- وبعدين؟ كمل؟ احكيلي اللي حُصل يوم الحادثة.. 

تملكتها غصة فقط من ذكرها، وتعالت وتيرة أنفاسها فوجد نفسه يمد يده ويربت على كفها مترجيًا حتى لا يؤلمها  : 

- بلاش يا فرحة لو إنتِ مش جادرة تسمعي، خلينا نكمل حديتنا وجت تاني. 

هزت رأسها بلا، ولكنها لم تنزع يدها من أسفل قبضته، كأنها أرادت أن تشعر بالدفء بعد الصقيع الذي أصابها، كأنها تشتهي تصديقه ويكن هو الوحيد الصادق، ليزدرد ريقه ويكمل بحذر  : 

- كنت طالع رحلة لأسوان مع فوج تبع شركتنا  ــــــــــــــــــ  . 

❈-❈-❈

لم يسمح لها أن تستقل سيارة أجرى، بل صمم بأن يوصلها ، خاصةً بعدما تم التعاقد. 

سعيدًا لدرجة غير مسبوقة، فقد رأى كيف غادر معتز ، لتطالعه معاتبة بعد إلحاحه الشديد وتنطق  : 

- على فكرة أنا أول مرة أخالف كلام نوح، مكانش ينفع ارجع معاك،لو سمحت مرة تانية ماتصممش بالشكل ده . 

التفت يطالعها بمقلتين ملتمعتين بوميض السعادة، وابتسم وهو يردف مستنكرًا  : 

- بصراحة يا ريم نوح منطجه غريب بردك، يعني مجبول تركبي مع سواج تاكسي غريب ومش مجبول تركبي معايا ؟ وبعدين اسيبك كيف ترچعي بتاكسي؟ ماليجاش واصل، المهم أني الحمد لله مبسوط جوي، تصدجي إنك المفروض تشاركيني بدل الاتنين اللي معايا دول واللي مابيچيش من وراهم غير وچع الراس  . 

راق لها هذا الاقتراح، وتساءلت سريعًا لم لا،هي بالفعل فكرت في هذا الأمر قبل أن تعمل معه ولكنها أجلته لتجرب الوضع أولًا  ،فهذا سيوثق حقها ومجهودها ، لذا نطقت مستفسرة  : 

- ممكن فعلًا ؟! 

حينما لاحظ اهتمامها ابتسم ، وعاد يلتفت ويتفحص ملامحها ليجدها تتساءل بجدية، وبرغم أنها ستقاسمهم أشياءٍ كثيرة، ولكن هي بالفعل أحق بهذا من أصدقائه، لذا نطق بحماسٍ : 

- ممكن چدًا   . 

ابتسمت ونظرت أمامها بشرود، هل تفعل؟ من المؤكد الأمر يبدو صعبًا الآن، وتحتاج أن تجمع مبلغًا كبيرًا سيفوق مدخراتها، ولكنها ستحاول، ويجب أن تشارك عائلتها هذا الأمر، لذا التفتت تطالعه وتبتسم قائلة بتروٍ  : 

- الموضوع مثير ومفاچئ ، مع إني كنت فعلًا بفكر فيه أول ما عرضت عليا الشغل، بس قولت اجرب الأول، وكمان ماينفعش كنت اتكلم معاك في حاچة زي دي، بس حقيقي يستحق التفكير.. 

نطقتها لتتأكد من نواياه كي لا تبني قصورًا رملية، ولكنه أومأ مؤكدًا   : 

- فكري، ولو رايدة تتحدتي مع المحامي وتعرفي منيه تفاصيل ماعنديش أي مانع، وهو مين يرفض شريكة زيك يا ريم  . 

غذاها بالثقة الزائدة، وحقن أوردتها بالحماس الذي جعلها تعاود الشرود، لتنطق بعدها وهي تلتفت له بترقب  : 

- بس طبعًا مكانة أحمد وكمال زي ماهي، أنا مش عايزة اتعدى على حق أي واحد فيهم  . 

أومأ متفهمًا يجيبها  : 

- ماتجلجيش، فكري إنتِ بس واتناجشي مع أهلك وبعدها أني حتحدت وياهم ونتفج  . 

أومأت بقبول وقررت بالفعل أن تفتح الموضوع مع شقيقها ووالدتها، والحماس وصل مبلغه داخل عقلها، وهي ترى حلمها يلوح في الأفق، حتى لو ستبدأها بالشراكة معه ، فهي باتت تراه بشكلٍ مختلفًا ونال إعجابها هذا الاختلاف   ... 

❈-❈-❈

سرد لها ما حدث في ذلك اليوم. 

ضاق نفسه بعد أن انتهى، وشعر بأنه يختنق، فنظر نحوها ليجدها تبكي وتحاوط وجهها بكفيها في صدمةٍ مدوية، ليته يكن كاذبًا، ليت عقلها يحاول التشكيك بكل كلمة نطقها، ليتها تصرخ وتستنكر كل ما قاله، ليت صورة شقيقها لم تهتز داخلها أبدًا،خاصةً مؤمن الذي كان الأب والصديق،أيعقل؟أتصدق؟أتثق؟ . 

وبرغم هذا الصراع والعجز والصدمة والذهول إلا أن هناك حريقًا كان مشتعلًا داخلها لسنوات، وانطفأ لتوه، لم تعد نيران الثأر تلتهم روحها، إن كان فعلها بيده دون عمد، فالسبب الأكبر في مقتل شقيقها عن عمد هي سمية، تلك الشيطانة الحقيقية . 

رآها في حالة مُزرية فنطق بتشتت انتفض داخله لربما أجابته   :

- فيه حلجات مفجودة يا فرحة،فيه حاچات أني مافهمهاش،يومها هي اللي نبهتني للرصاصة اللي كانت حتخرج من سلاحه،ولما طلبت منيها تنادي مساعدة جالتها بوضوح إنه حيموت وأني حدخل في جصية تار وتخلص منينا إحنا التنين،واحد زي مؤمن حبها وعملها كل اللي رايداه ليه تفرح في موته؟

وجدها تهز رأسها استنكارًا،أتعيش في وهمٍ لسنوات؟كيف ومتى ولمَ؟ عن أي حلقات مفقودة يتحدث؟ هل يشككها؟ ماذا إن كان يخدعها؟ولكنها تشعر بمدى صدقه،تشعر أن هناك أمرًا ما لم يكتشفه أحدًا بعد،ولكن كيف تعرفه؟؟ 

لأول مرة لم يستطع مواساتها، استعادته للماضي فتح جرحًا في روحه لم يندمل بعد، لذا نهض يتحرك صوب الشرفة، فتح بابها وولج يتنفس ويحاول سحب الأوكسجين بصعوبة، تذكره وهو ينزف، ونظرته الأخيرة لم تكن كرهًا بل كانت استنجادًا، ونظراتها الكريهة لهما آنذاك، لم يكن ليفعل قط، ولكن في النهاية الطلقة التي قتلته خرجت من فوهة سلاحه وبيده . 

لذا فالجدار المقام بينهما لم يسقط بعد، والقلب الذي يسكن أيسرها لا يجوز له أن يبوح بأسراره، وعيناها الفاتنة لا يجب أن تحدق به بنظرات الحب،فهو لم يخلُ من الذنب ، وخنجرها إن لم يخترق قلبه انتقامًا فلا يجب أن يخترقه عشقًا، إنها امرأة قدر لها أن ترافق المعاناة دومًا، وتصطحبها معها إلى القبر  . 

مسحت على وجهها، والتقطت نفسًا قويًا، ونهضت تخطو بخطواتٍ حذرة نحوه، حتى توقفت خلفه تمامًا، ولأول مرة تراه من الداخل، ظاهريًا يقف ثابتًا، عريض الكتفين، بظهرٍ شامخ، ورأسٍ مرفوع. 

ولكن كل هذا لم يمنعها من رؤية الطفل الصغير المقيد داخله، ويستجديها لتحل وثاقه وتعانقه، فسقطت دمعة عاجزة منها وهي تعتذر له لعدم استطاعها ومقدرتها على فعل ذلك،بل تشعر بصراعٍ يكاد يفجر رأسها . 

وامتدت يدها تربت على كتفه فانتفض والتفت يطالعها ليجدها تزدرد ريقها وتطالعه بعينين ثاقبتين ونظرة لامعة كانت كصعقة أنعشت قلبه المغدور به، ولكن نبرتها فصلت عنه أوكسيجينه حينما نطقت  : 

- طلجني يا عمار  .

تعليقات