رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثامن عشر
مرت قرابة ثلاثة أسابيع عانى فيها «طيف» بشدة، بدت له كأنها دهر كامل لا ينقضي. كانت تلك الأيام هي الأقسى عليه؛ ألمًا ينهش جسده، وتعبًا يثقل روحه، حتى كاد يفقد القدرة على الاحتمال. لم يكن الصراع داخله هينًا، بل كان معركةً مستمرة بين ضعفٍ يحاصره وإرادةٍ تحاول أن تبقيه صامدًا.
وفي المقابل، دفعت «نيران» ثمن تلك المعاناة معه؛ إذ كانت الأكثر إرهاقًا، تلازمه كظله ولا تفارقه لحظةً واحدة. تسهر إلى جواره، تراقب أنفاسه بقلق، وتحاول بكل ما تملك أن تخفف عنه وطأة ما يمر به، وكأنها تحمل عنه نصف ألمه إن لم يكن أكثر.
بدأ «رماح» في استعادة عمله رغم عدم تعافيه الكامل من إصابته، لكنه أصر على ذلك سعيًا لتصحيح الأخطاء التي وقع فيها، وتدارك الأمر داخل الفريق قبل أن يتأزم الوضع أكثر، خاصةً بعد رحيل «فهد».
تبقى ساعتان على أذان مغرب آخر أيام شهر رمضان، وقد اجتمعت الأسرة بأكملها في منزل «أيمن» حرصًا على ألا تفوتهم تلك اللحظات، خصوصًا بعد أن تجاوز «طيف» المرحلة الصعبة وتحسنت حالته بشكل ملحوظ.
خرجت «رنة» من المطبخ، وهي تتندن بصوتٍ مسموع:
- يا ليلة العيد أنستينا، ونورتينا يا ست الكل.
التقى بها «طيف» فتوقف ورفع أحد حاجبيه قائلًا بتعجب:
- ليلة العيد بقت ست الكل؟ أنتِ شوهتي الأغنية.
عقدت ذراعيها وقالت بسخرية:
- مالكش دعوة يا طيف، أنا حرة أبوظ الأغنية، ده أنا حتى عاملة الأكل اللي بتحبه علشان يبقى آخر فطار تفطره جميل.
اتسعت عيناه وقال بصدمة:
- ايه آخر فطار دي؟ هموت بعده ولا ايه؟
أشارت إليه بعدم رضا:
- أنت تاني؟! يا بني أقصد آخر فطار في رمضان. وسع بقى من وشي مش فاضيالك.
تركته ورحلت، بينما وقف هو للحظة وقال بدهشة:
- مش فاضيالي؟! ماشي يا اتصال غير مكتمل.
ثم اتجه نحو «أحمد» وقال بهدوء:
- بقولك ايه، تعالى نلعب جيمين بلايستيشن على ما المغرب يأذن.
قطب «أحمد» جبينه ونظر إليه بعدم رضا:
- يا أخي أنت مالك؟ فاضل ساعتين على مغرب آخر يوم في رمضان، وسعادتك عايزنا نلعب بدل ما ندعي شوية ونقرأ لنا جزئين قرآن؟
رفع «طيف» كفيه في الهواء وقال سريعًا:
- خلاص يا عم، إنت هتلبسني ذنوب ليه، هقوم أقرأ قرآن حاضر.
في تلك اللحظة حضر «بارق» ودلف إلى المنزل، ليتفاجأ بـ«طيف» وهو يرتل القرآن بصوتٍ هادئ، فرفع صوته قائلًا بمزاح:
- أعلنت إسلامك إمتى يا طيف؟
رمقه «طيف» بنظرة سريعة، ثم قال بصوت مسموع:
- صدق الله العظيم. بقولك إيه يا عم بارق، شوف إنت بتعمل ايه وسيبني في حالي، أنا جعان وعطشان وريقي ناشف ومش ناقص مناهدة معاك.
تقدم «بارق» وألقى بجسده على المقعد المجاور له، وقال:
- على أساس إن ريقي أنا اللي مبلول، ده أنا كنت في مطاردة النهاردة مع مسجل خطر، ابن اللذينة جراني وراه عشرة كيلو لحد ما قطع نفسي.
اعتدل «طيف» في جلسته وسأله:
- ومسكته بعد الجري ده كله، ولا هرب منك؟
رد «بارق» بثقة:
- لا يا عم مسكته طبعًا، ابن حلال هيقضي العيد في الفور سيزون عندنا.
عادت «نيران» بعد أن خرجت لشراء بعض متطلبات المنزل، وتقدمت نحو «طيف» قائلةً بحماس:
- حبيبي عامل ايه دلوقتي.
نهض من مكانه واقترب منها وهو يقول:
- الحمد لله بخير، أحسن بكتير أوي من الأيام اللي فاتت.
ابتسمت وقبضت على يديه وهي تقول بحب:
- مش قولتلك الأيام دي هتعدي، الحمد لله إنك بقيت أحسن وإن شاء الله الفترة دي تعدي على خير، يلا بقى هسيبك علشان أعمل عجينة الكحك مع تنة علشان نلحق نسويه بعد الفطار.
***
مر الوقت على الجميع؛ انشغل الرجال بقراءة القرآن والدعاء، مع تقديم بعض المساعدة للنساء اللاتي انشغلن في إعداد الطعام والاستعداد للعيد. وقبل الأذان بخمس دقائق، استدعى «أيمن» الجميع وقال بابتسامة:
- سيبوا اللي في إيديكم وتعالوا ندعي في الوقت اللي قبل المغرب ده.
جلسوا جميعًا، وبدأ «أيمن» في الدعاء، فأمنوا خلفه في جوٍّ من الدفء والطمأنينة. سكنت الراحة قلوبهم في تلك اللحظات، وغابت عنهم مشقة اليوم، وتمنوا لو امتدت هذه الدقائق لساعات.
ارتفع أذان المغرب أخيرًا، فأفطروا سويًا، ثم توجه الرجال إلى المسجد للصلاة، بينما صلت النساء في المنزل، وانشغلن بتجهيز الطعام حتى عودتهم.
اجتمعوا بعد ذلك على مائدة الإفطار في أجواء مفعمة بالبهجة والسرور. وما إن انتهوا حتى انطلق الأطفال للعب، بينما قامت «رنة» بتشغيل أغاني العيد.
خرجت «أسماء» من المطبخ وهتفت بصوت مرتفع:
- تعالى يا طيف، تعالى يا بارق، أغيثونا!
اتجه الاثنان إليها، فقال «طيف» مازحًا:
- نغيثك إيه يا ماما؟ أنا ماليش في شغل الكحك والحاجات دي.
ناولته عددًا من الصاجات وقالت:
- الفرن هنا مش هيكفي سوا بيتيفور وغريبة وبسكوت وكحك. هتاخدوا البسكوت والكحك للفرن اللي جنبنا تسووه، وإحنا هنا هنكمل البيتيفور والغريبة.
نظر «طيف» إلى «بارق» وقال:
- أنا هشيل الكحك، وأنت خليك في البسكوت.
رفع «بارق» أحد حاجبيه وقال:
- إشمعنا يعني؟ طب ما أنا أشيل الكحك وأنت البسكوت.
ضرب «طيف» كفيه ببعضهما بنفاد صبر:
- أنا لو كنت قلت العكس كنت هتقول إشمعنا برضو، شيل يا بارق اللي عايز تشيله، ربنا يهديك.
ضحك «بارق» ونكزه قائلًا:
- يا عم بهزر، دي كلها صاجات؟ ده إحنا هنتنفخ.
حمل «طيف» جزءًا منها وقال بصوت مسموع:
- اعمل بلقمة عيشك.
فحمل «بارق» هو الآخر بعض الصاجات وقال:
- لقمة كحك بقى، ما تقوم يا أحمد تساعدنا، هو وشك جاب شاشة بعد الفطار كده ليه؟
نهض «أحمد» بتكاسل وقال:
- حبكت تسوية الكحك دلوقتي؟ أنا بعد الفطار بتقل.
ثم حمل معهم وهو يدندن بصوت مرتفع:
- يا كحك العيد يا احنا، يا بسكويت يا احنا.
صاح «طيف» من الأمام:
- يا ابني ما تغنيش، هتخوف العجينة بصوتك ده.
- بتتريق عليا يا طيف؟ ده بدل ما تشجع موهبتي؟!
تدخل «بارق» ضاحكًا:
- اتقي الله يا أخي، موهبة ايه ده أنا الصاجات كانت هتقع مني من الخضة.
انتهوا من توصيل المخبوزات إلى المخبز، ووقفوا الثلاثة يتحدثون أمامه. وضع «بارق» يده على كتف «طيف» وقال بابتسامة:
- الحمد لله إنك عديت من المرحلة اللي كنت فيها يا طيف. ناقص الذاكرة بس، وتبقى اتعشت على الآخر.
ابتسم «طيف»، وأدخل يديه في جيبي بنطاله، وقال:
- يااه، مش عارف الأيام دي عدت إزاي. كنت فاكر إني مش هقدر أكمل. نيران كانت سبب كبير بعد ربنا إني أتخطى الفترة دي. تعبت معايا جدًا، وده مخلي عندي حافز إني ما أرجعش للقرف اللي كنت فيه تاني أبدًا.
وضع «أحمد» يده على كتفه الآخر وقال:
- خلص بس وقوم بالسلامة، ومكانك محفوظ في الشركة.
ضحك «طيف» وقال مازحًا:
والله الشغلانة دي مصيبة، ماشي يا سيدي أما نشوف آخرتها.
***
مر الوقت، وانتشرت الفرحة في الشوارع والطرقات في ليلة العيد. كانت السهرة لغة تلك الليلة؛ فلا أحد ينام، والجميع يستعد لصلاة العيد وأجوائها المبهجة.
نام «طيف» ساعتين قبل الفجر حتى لا يتدهور حاله، كما أوصاه الطبيب. أيقظته «نيران» بهدوء، وقالت بنبرة دافئة:
- حبيبي يلا الفجر أذن. انزل صلي الفجر وتعالى غير علشان صلاة العيد.
استجاب لطلبها ونهض من مكانه، واتجه إلى المرحاض، وما إن استعد حتى نزل إلى الأسفل، ليجد «أيمن» ومعه «بارق» الذي قال مازحًا:
- كويس إنك جيت، كنت لسه هطلع أجيبك من قفاك.
فرك «طيف» عينيه وقال:
- آه ده أنت فايق ورايق بقى، يلا يا عم نصلي الفجر، أنا هموت وأنام.
رد «بارق» ضاحكًا:
- تنام إيه يا حبيبي؟ ده فيه صلاة عيد وأنت من عشاقها.
توجهوا إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، وما إن انتهوا حتى عاد كلٌّ منهم إلى شقته ليرتدي ملابس العيد. اتجه «طيف» إلى خزانة الملابس، وأخرج عدة حقائب كان قد أخفاها قبل ساعات. أمسك بإحداها وتوجه نحو «نيران»، ثم أخرج ما بداخلها قائلًا:
- حسيت الفستان ده هيليق عليكي أوي في صلاة العيد، أول ما شوفته اتخيلتك فيه على طول.
اتسعت عيناها بفرحة، وأمسكت بالفستان بسعادة كبيرة، وقالت:
- الله الفستان جميل أوي يا طيف، أنا مش مصدقة إنك فكرت فيا، جبته إمتى؟ أنا فتحت الدولاب وما كانش فيه حاجة.
ابتسم وأجاب بهدوء:
- لما روحت أسوي الكحك في الفرن، أنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا.
تركت الفستان واحتضنته بقوة، وقالت:
- ربنا يخليك ليا يا طيف وما يحرمنيش منك أبدًا يا حبيبي يا أبو عيالي وكل دنيتي.
ربت على ظهرها بحنان وقال:
- ويخليكي ليا يا نيران، أنتِ استحملتي معايا أيام صعبة أوي، محدش كان هيستحملها. أنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي، وعمري ما هنسى كل اللي عملتيه علشاني.
ابتعدت قليلًا، وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت:
- أنا ما عملتش حاجة يا طيف ده واجبي، وأنت جوزي وحبيبي اللي ماليش غيره.
ثم مسحت دموعها سريعًا وقالت بابتسامة:
- بس مش أنت لوحدك اللي عامل مفاجأة.
أخرجت حقيبة تحتوي على علبة مستطيلة، وتقدمت بها نحوه:
- جبتلك بقى جلابية لصلاة العيد إنما ايه تحفة، يلا قيسها وشوف جبت مقاسك صح ولا لأ.
ابتسم وأخذها منها قائلًا:
- ربنا يخليكي ليا يا نيرو يا رب.
ارتدى الجلابية ونظر إلى نفسه في المرآة بإعجاب:
- الله الجلابية تحفة يا نيران، تسلمي على الهدية الجميلة دي.
ابتسمت وقالت:
- يا حبيبي، ده أنت اللي محليها.
ارتدت ملابسها هي الأخرى، ونظرت إلى نفسها في المرآة بإعجاب:
- مش معقول يا طيف، عرفت إني بحب اللون ده إزاي؟ الفستان تحفة بجد.
اقترب منها وضمها قائلًا بمزاح:
- أنتِ اللي قمر وبتدي لأي حاجة قيمة، بقولك ايه؟ ما تيجي نفكنا من صلاة العيد ونقعد هنا مع بعض؟
ابتعدت عنه ضاحكة:
- لا يا طيف، الناس مستنيانا تحت، زمانهم هييجوا يكسروا علينا الباب.
في تلك اللحظة، اقتحمت الصغيرة «ميلا» الغرفة وهتفت بصوت مرتفع:
- يلا يا مام، يلا يا بابا، عمو بارق تحت بيقولك انجز، مش فاضيلك.
رفع «طيف» أحد حاجبيه وقال مبتسمًا:
- ماشي يا بارق، انزلي أنتِ يا مولة وإحنا جايين وراكي.
انتهوا ونزلوا إلى الأسفل، وما إن رأتهم «تنة» حتى قالت بحماس:
- طيف ونيران جهزوا أهو، يلا بينا.
اجتمعوا جميعًا استعدادًا للذهاب لأداء صلاة العيد، فقالت «رنة» مازحة:
- العيدية فين يا طيف؟
رفع أحد حاجبيه متعجبًا وقال:
- إحنا لسة صلينا العيد يا أختي؟
ثم ابتسم وأضاف على الفور:
- بس أنا مبسوط أوي إن العيد جه، زمانك يا رنة شحنتي الفريزر آيس كريم، كده نهارنا هيبقى عسل إن شاء الله.
نظرت «رنة» إلى والدتها وصاحت:
- يا لهوي يا ماما، شوفي ابنك اللي مش ناوي يجيبها البر ده.
ضحكوا جميعًا، ووصل «أحمد» قبل أن ينطلقوا إلى إحدى الساحات لأداء صلاة العيد، وسط أجواء مبهجة تعلوها التكبيرات التي ما إن تلامس الآذان حتى تبث في النفوس السعادة، وتُزيح عنها ثقل الهموم.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر
لا إله إلا الله
الله أكبر، الله أكبر
ولله الحمد
