رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل التاسع عشر
انتهت صلاة العيد، وبدأت فقرة إنزال البالونات في أجواءٍ مفعمة بالبهجة والسرور. كانت تلك اللحظات مبهجة لـ«طيف» إذ شعر بسعادة لم يعهدها من قبل، وكأنها أزاحت عنه وعن الجميع كثيرًا من الهموم والتعب.
التقوا بعد الصلاة مرة أخرى، فتوجه «طيف» إلى «رنة» وأعطاها هاتفه قائلًا:
- خدي يا رنة، صورينا شوية صور كده أنا ونيران.
أخذت الهاتف منه بابتسامة وقالت:
- ماشي يا عم، الله يسهله.
التقطت لهما العديد من الصور، قبل أن يهتف «طيف» بصوتٍ مرتفع:
- يلا يا جدعان، تعالوا نتصور كلنا سوا.
تجمعوا ووقفوا معًا، فالتقط لهم «طيف» عدة صور سيلفي وهو بينهم، ثم أعطى الهاتف لأحد المارة وطلب منه أن يلتقط لهم بعض الصور الجماعية.
مر الوقت سريعًا، وعادوا إلى المنزل في جوٍ من المرح والسرور. دخلت «نيران» ومعها الأختان إلى المطبخ لتجهيز وجبة الإفطار التي كانت مُعدة مسبقًا، بينما تسلل «طيف» بهدوء واقترب من الثلاجة، وأخذ قطعة من المثلجات.
شاهده «بارق» فضحك قائلًا:
- أنت مش هتهدى غير لما رنة تصورك قتيل.
ابتعد عنه «طيف» هامسًا:
- ششش اسكت هتسمع يا بني آدم.
في تلك اللحظة دخل «أحمد» الذي كان قد خرج لشراء بعض الأشياء، وقال بصوتٍ مرتفع:
- شوية آيس كريم على شوية مكسرات كده لزوم القعدة الحلوة.
نهض «طيف» واقترب منه قائلًا:
- طب كنت الحقني قبل ما أسرق من رنة، تعالى أنا عايز أدوس على وشك في البلايستيشن.
رفع «أحمد» أحد حاجبيه بعدم رضا وقال:
- يا بني أنا مش غالبك آخر مرة؟!
سحبه «طيف» من يده وهو يردد:
- ما علشان كده عايز آخد بتاري.
في تلك اللحظة نهض «بارق» وقال بصوتٍ مرتفع:
- أما أجيب بقى شوية كحك على بسكويت كده لزوم القعدة.
هنا اعترض «أيمن» قائلًا:
- يا بني أنت وهو ايه العك ده كله؟ آيس كريم وشوكولاتة ومكسرات وكحك وبسكويت، ولسه فيه فطار بيتحضر! أنت ظابط شرطة يا بيه، هتبوظ جسمك.
تحرك «بارق» وهو يرد مازحًا:
- سيبنا ناخد فرصتنا يا سيادة اللواء، هو العيد بييجي كل يوم يعني؟ نبقى نعوض في الجيم بعد كده.
***
قضم «رماح» قطعة من الكحك، ثم تبعها برشفة من الشاي بالحليب. ابتلع ما في فمه وقال بابتسامة:
- الله، كوباية الشاي بلبن مع الكحك في يوم العيد دي بتغسلني من جوا.
ابتسمت «سيزكا» وناولته قطعة أخرى قائلة:
- خد دي كمان وقولي رأيك بقى، بعرف أعمل كحك ولا لأ؟
ابتسم هو الآخر وقال فورًا:
- بتعرفي طبعًا، الكحك تحفة بس عرفتي طريقته إمتى؟ ده أنتِ ما كنتيش بتعرفي تعمليه.
استندت إلى الخلف بتفاخر وقالت:
- عيب عليك، مراتك مش هتغلب يعني، الشيف نادية السيد ربنا يبارك لها.
ابتسم «رماح» بخبث وقال:
- أممم نادية السيد، علشان كده الفترة الأخيرة كنتِ لازقة في فيديوهاتها ٢٤ ساعة؟
ضحكت وقالت:
- طبعًا، بس الحمد لله عرفت أطبق الوصفة صح.
قضم قطعة أخرى وقال بإعجاب:
- لا الصراحة عاش، الكحك بيدوب وزي ما الكتاب بيقول.
***
مرت فترة العيد، وواصل «طيف» رحلة علاجه، سواء للتعافي من الإدمان أو لاستعادة ذاكرته المفقودة. دخل إلى عيادة الطبيب برفقة زوجته، فنهض الطبيب ليستقبله بحرارة مصافحًا إياه وقال:
- أهلًا يا طيف، طمنا عليك.
ابتسم «طيف» بهدوء ورد:
- الحمد لله.
جلس، وبدأ الطبيب يسأله:
- ها افتكرت حاجة جديدة يا طيف؟
فكر قليلًا قبل أن يجيب بنبرة مترددة:
- مش قادر أحدد، ساعات بمر بمواقف بحس إني عيشتها قبل كده، وساعات بتصرف بشكل طبيعي لكن بتفاجئ إن محدش قالي قبل كده إني كنت بعمل كده أو متعود عليه قبل ما أفقد الذاكرة.
أومأ الطبيب برأسه بتفهم، وقال بابتسامة مشجعة:
- ده كويس جدًا. أنا هقولك على طريقة علاج تمشي عليها الفترة الجاية.
ثم نظر إلى «نيران» وأكمل:
- ولازم كل اللي حواليه يكونوا متعاونين في العلاج ده.
قطبت «نيران» جبينها وسألته باستغراب:
- إزاي يا دكتور؟ مش فاهمة.
اعتدل الطبيب في جلسته وبدأ يشرح:
- طيف محتاج يعيش مواقف كان عاشها قبل كده لأن ده هيحفز المخ على استرجاع الذكريات. بمعنى إنكم تعملوا زي سيناريو أو اسكربت مكتوب بالمكان والحوار والأشخاص اللي كانوا موجودين في الموقف. كل واحد يبقى عارف هيقول ايه بالظبط حتى طيف نفسه، كأنكم بتمثلوا المشهد من جديد. وطبعًا المكان مهم جدًا. الطريقة دي هتساعد بشكل كبير في رجوع الذاكرة في وقت أقل.
رفع «طيف» أحد حاجبيه وقال بتعجب:
- طب وهم هيفتكروا المواقف دي إزاي علشان يكتبوها ويحفظوها؟ ده أنا ناسي كلت ايه امبارح.
ابتسم الطبيب مطمئنًا وقال:
متقلقش يا طيف، في مواقف كتير عمرها ما بتتنسى، وبتفضل دايمًا محفورة في الدماغ. أنا عايزك بس تعيش كل يوم مشهد واحد على الأقل، وبعد أسبوع ترجعلي ونشوف التطور.
غادرا العيادة وتوجّها إلى السيارة التي قادتها «نيران». قال «طيف» مازحًا:
- سيناريو إيه اللي هنكتبه ونعيشه من أول وجديد؟! الدكتور ده يا إما غريب يا إما عجيب.
رمقته «نيران» بنظرة سريعة قبل أن تعود للطريق، وقالت بثقة:
- أنا مقتنعة بكلامه مليون في المية. أنت لما عشت مواقف شبه مواقف عيشتها قبل كدا بدأت تفتكر حاجات، ما بالك بقى لو عيشنا نفس الذكريات بالتفصيل؟ أنا متحمسة جدًا للتجربة وعارفة هنبدأ منين كمان.
عقد حاجبيه بدهشة وسأل:
- هنبدأ منين؟
ابتسمت وقالت:
- خمس دقايق بالظبط وهتعرف.
***
وصل «مرزوق» إلى شركة «نائل»، فكان الأخير في استقباله، وصافحه بحرارة قبل أن يصطحبه إلى مكتبه. جلس «نائل» وتبعه «مرزوق» الذي قال بابتسامة:
- أنا مبسوط جدًا بشراكتنا يا نائل، والفروع اللي اتفتحت في أوروبا دي بداية جميلة للتعاون بينا.
ابتسم «نائل» مجاملةً وقال:
- أكيد طبعًا يا مستر مرزوق، بس بصراحة مستغرب ليه ادتني الحصة الأكبر؟ يعني حصتي 51% وحصتك 49%، مش متساويين ودي حاجة غريبة شوية.
ابتسم «مرزوق» بخبث، وقال:
- علشان أثبتلك حسن نيتي سواء تجاهك أو تجاه شركاتك. الحصة الأكبر معناها إن القرار الأول قرارك وإنك المالك الفعلي للفروع دي. ودي أقل هدية أقدمهالك يا نائل. ولسه شراكتنا هتكبر أكتر، فرع الشركة الجديد في القاهرة قرب يخلص وإن شاء الله هنعمل افتتاح ضخم بدعاية كبيرة، وهنجمع عملاء في الحدث ده ما كنتش تتخيلهم.
***
توقفت «نيران» بسيارتها في أحد الشوارع، التي بدت مألوفةً لـ «طيف». ترجل من السيارة، وراح يتلفت حوله في حيرة قبل أن يقول:
- أنا حاسس إني جيت هنا قبل كده، حاسس إني عارف المكان بس مخي مش قادر يجيب الموقف أو الذكرى.
ابتسمت «نيران» واقتربت منه قائلةً:
- هنا أول مكان اتقابلنا فيه يا طيف. عيادتك كانت هنا. عمري ما أنسى اليوم ده، كنت تايهة ومشتتة،وسايقة من غير هدف وفجأة لقيت يافطة عيادتك على العمارة دي. حاجة جوايا قالتلي وقفي واطلعي اتعالجي هنا. واتاري هنا كانت بداية حكاية لسه مكملة وهتفضل إن شاء الله.
ابتسم لها، ثم رفع رأسه يتأمل اليافطة التي تحمل اسمه، وقد غطاها الغبار مع مرور الزمن.
مدت يدها إليه، فأمسك بها لتقوده نحو المدخل، ثم صعدا معًا إلى الأعلى. توقفا أمام باب العيادة، فتساءل بدهشة:
- معقولة سايب العيادة من ساعتها، ومفكرتش أبيعها أو حتى أتخلى عنها؟
ابتسمت وأجابت:
- رفضت تبيعها وسيبتها ذكرى لأنك كنت بتحب شغلك كدكتور نفسي. والذكرى دي شكلها هتنفعنا دلوقتي.
رفع أحد حاجبيه وقال متعجبًا:
- أنتِ ناوية ندخل جوا؟ زمانها مليانة تراب.
ضحكت وقالت بثقة:
- عيب عليك، أنا كل شهر ببعت حد ينضفها ويخليها زي الفل.
تقدمت وفتحت الباب، ثم دخلت، فتبعها وهو يتفحص المكان بعينيه. كان يشعر أنه رأى كل شيء هنا من قبل، لكن الذكريات ما زالت بعيدة عنه. سارا حتى وصلا إلى غرفة الكشف، وما إن دخلها حتى اندفعت إليه ومضات من الماضي؛ أغلبها كان يُظهر «نيران» مستلقية على الأريكة، وهو يجلس أمامها يستمع إليها.
رفع يده ليفرك جبينه، فلاحظت ذلك واقتربت منه بقلق:
- طيف أنت كويس؟
أومأ برأسه وقال:
- أيوة بس افتكرت مشاهد لينا هنا في الأوضة.
أشار بيده وأكمل:
- كنتِ نايمة على الشيزلونج هنا وأنا قاعد قصادك وبتكلم بس مش فاكر الحوار.
ابتسمت بحماس، وأمسكت بيده:
- حلو أوي، سيب الحوار عليا. إحنا هنطبق كلام الدكتور، هكتب الحوار اللي حصل بينا ساعتها ونكرر المشهد. والكلام اللي هتقوله هكتبهولك وغش منه عادي، تمام؟
أومأ موافقًا:
- تمام.
أحضرت مجموعة من الأوراق، وبدأت تكتب الحوار الذي دار بينهما في هذا المكان. وما إن انتهت، أعطته الورقة وقالت:
- ده الكلام اللي هتقوله، وأنا هرد عليك نفس الردود بتاعت زمان، جاهز؟
رغم التوتر الذي بداخله، أجاب:
- جاهز يلا.
استلقت على مقعد الكشف، ورفعت بصرها إلى السقف، بينما جلس هو على المقعد المقابل ممسكًا بالورقة. نظر إليها وقال:
- اتفضلي يا نيران احكيلي، ممكن أعرف مشكلتك؟
تبدلت ملامحها، وارتسم الحزن على وجهها وهي تقول:
- بحسهم كلاب، كل ما بشوف راجل بحسه هيهوهو في وشي يا دكتور. ولما باجي أتكلم مع حد ببسبسله كأني بنادي قطة. بقيت بعامل الناس كأنهم حيوانات، وكلهم بقوا يتجنبوني بسبب كده، أقولك على حاجة يا دكتور؟
أومأ «طيف» برأسه، ونظر سريعًا إلى الورقة قبل أن يقول:
- قولي يا نيران.
أسرعت وهي تكمل:
- أنا متخيلاك معزة قدامي دلوقتي وحسيتك هتقول ماء من شوية.
لم يتمالك «طيف» نفسه، وانفجر ضاحكًا، لكنها رمقته بنظرة تحذير حتى لا يُفسد المشهد. حاول التماسك، وعاد إلى الورقة:
- طيب كملي يا نيران، وايه تاني؟
عادت تنظر إلى السقف وقالت:
- مبقتش عارفة أتعامل مع حد يا دكتور. كل شخص بقى متسجل في دماغي على هيئة حيوان مختلف. والغريب إني بعامل الحيوانات على إنهم بشر، حاسة إني اتجننت. خسرت صحابي كلهم علشان افتكروني مجنونة بس أنا مش مجنونة، أنا تعبانة وكل حاجة في دماغي مقلوبة علشان كده جيتلك تساعدني.
ألقى نظرة خاطفة على الورقة، ثم سأل:
- أنتِ بتحبي إيه في الحيوانات؟
أجابت بسرعة:
- بحب القطط طبعًا ونفسي اتسخط قطة.
هنا لم يستطع «طيف» السيطرة على نفسه، وانفجر ضاحكًا، ونهض من مكانه وهو يقول بصوت متقطع من شدّة الضحك:
- يا مجنونة، مش قادر والله، أنا مضحكتش كده من سنين.
اعتدلت «نيران» وحدقت به بعدم رضا:
- يا طيف بوظت الاسكربت اللي بنعمله، الله يسامحك.
لكنه لم يتوقف عن الضحك، وقال:
- طب إزاي قلتي الكلام ده زمان وأنا مضحكتش؟! لا بجد يخربيتك يا شيخة، هموت من الضحك، تتسخطي قطة؟
