رواية الاخطبوط الفصل الثامن عشر 18 بقلم اماني سيد


 رواية الاخطبوط الفصل الثامن عشر 

دخلت زينب بيت عايده وكان جواها امل انها خلاص بدأت حياه جديده لكن اللى حصل كان اكبر وجع ممكن تشوفه 
اول ما دخلت كانت بتبص للبيت بفرحه لكن الفرحه راحت لما لقت البيت مكركب كانت واقفه مش عارفه تعمل ايه بصت لحماتها لقت حماتها واقفه بتبص للبيت بضحكه وقربت منها 
ـ البيت مكركب يا عروسه عشان اهل جوزك كانوا هنا واحنا كنا مضيفينهم واخدوا راحتهم شويه 
حبست زينب دموعها بالعافية، وحست بغصة مرار في حلقها، وقبل ما تنطق، كملت حماتها بكلام زي السكاكين:
ـ يالا يا حبيبتي، ادخلي غيري هدومك دي بسرعة، وقبل ما تخشي تنامي، تروقي الشقة وتلمي الكركبة دي عشان تصبح نظيفة.. مش هينفع نقعد في المنظر ده.
سحبت زينب رجليها بالعافية وهي حاسة إن جبل تقيل فوق كتافها، واتجهت للأوضة اللي المفروض إنها أوضة عرسان. فتحت الباب وهي بتمني نفسها تلاقي حتة نظيفة تقعد فيها، بس هنا كانت الطعنة اللي بجد!
الأوضة ما كانتش الأوضة اللي فرشتها بـ إيدها وتعبت في كل تفصيلة فيها؛ الأوضة كانت مبهدلة ومتبهدلة ع الآخر. السرير غطاه مرمي في الأرض، وهدوم محمد القديمة متنطورة في كل حتة، والتراب مغطي الخشب. كان واضح جداً إن محمد كان بينام فيها الفترة اللي فاتت وبإهمال شديد، ومحدش فكر حتى يحترم إن دي أوضة عروسة داخلة بالليل!
خرجت زينب من الأوضة وهي مش شايفة قدامها، الدموع خلاص هربت من عينيها. وافتكرت فجأة العشا اللي كانت ماما حنان مجهزاه ومنظفاه وباعتاه معاها بحب عشان ليلتها الأولى. جريت على المطبخ بخطوات مهزوزة، بس لقت المطبخ فاضي تماماً، ومفيش غير المواعين والحلل المتوسخة.
وقفت عند باب المطبخ، وبصوت مخنوق وبيرتعش من القهر سألت حماتها:
ـ هو.. هو الأكل فين يا طنط؟ الأكل اللي ماما حنان كانت مجهزاه لينا؟
لفت حماتها وبصتلها ببرود تام ولا مبالاة تقهر، وقالتلها:
ـ أكل؟ واكلينه طبعاً! وأنا كنت آكلهم إيه يعني؟ ناس جايين يباركوا لولادهم نجوّعهم؟ ابقي اصحي بكرة بدري واعملي غيره، الشغل مش هيطير يا عروسة
كلام حماتها كان القشة اللي قطمت ضهر زينب. حست بقهر وجع قلبها لدرجة إنها مابقتش قادرة تتنفس. لفت وشها وبصت لعايدة وجمعت كل شجاعتها، وبصوت رغم كسوره كان فيه نبرة رفض واضحة، قالت:
ـ أنا مش هقدر أعمل حاجة يا طنط.. أنا تعبانة ومقتولة من التعب طول اليوم، ومش قادرة أصلب طولي عشان أروق كل ده.
وقبل ما تلتفت وتدخل أوضتها، لقت إيد حماتها بتتشد على دراعها بقوة وقفتها مكانها. لفت عايدة ووشها اتقلب تماماً، والضحكة الباردة اتحولت لنظرة غل وعيون ضيقة مليانة شر. قربت وشها من وش زينب وقالت بنبرة فحيح زي الأفاعي:
ـ نعم يا ختي؟ مش هتقدري؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت أنتِ؟! شكل القعدة في وسطنا والدلع اللي شفتيه كام يوم دول لحسوا مخك وخلوكي تنسي أنتِ جاية منين!
شالت إيدها بقرف وزقتها لورا وهي بتكمل بمعايرة تقطع القلب:
ـ فوقي لنفسك يا حبيبتي واعرفي مقامك كويس.. أنتِ حتة بنت ملجأ، مالكيش أصل ولا فصل، واحمدي ربنا إن ابني بصلك ولمك من الشارع وكتب اسمه على اسمك! جاية تدلعي وتتهننى  من أول ليلة؟ الشقة دي تتغربل وتتروق دلوقتي، وإلا وعزة جلال الله هتشوفي مني وش عمرك ما تتمنيه!
دموع زينب اللي كانت حابساها نزلت غصب عنها، بس ما نزلتش من كلام عايدة.. نزلت لما لفت عينيها بتلقائية وبصت لمحمد اللي كان واقف جنب أمه طول الوقت. كان واقف مربع إيده، وعينه ماليها البرود، مفيش في وشه أي ملامح صدمة أو اعتراض على الكلام اللي أمه قالته.
كانت فاكرة إنه هيتحرك، إنه هينطق ويقول لأمه "عيب يا أمي دي مراتي"، أو على الأقل يطلب منها تراعي تعبها.. بس محمد خيب ظنها وخزلها خذلان عمرها ما هتنساه.
قرب محمد منها خطوتين، وبص لها بنظرة استحقار وسخرية، وقال بنبرة صوت عالية هزت الحيطة:
ـ أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه يا بت أنتِ؟ فوقي واصحي لنفسك وبطلي دور السنيورة ده!
صوته بقى أقوى وأقسى وهو بيكمل وبيغرس السكاكين في قلبها:
ـ أنا جايبك هنا عشان تبقي تحت رجل أمي! أمي اختارتك بنفسها من وسط الكل عشان مفيش حد هيرضى باللي أنتِ هترضي بيه.. أنا جبتك هنا خدامة ليها، تخدميها برموش عينيكي وتسمعي كلامها وهي مغمضة. أنتِ هنا عشان تريحيها، مش جاية تتأمري وتعيشي دور العروسة! يالا اخلصي شوفي وراكي إيه ورجلك فوق رقبتك!
الكلام نزل على زينب زي المية المغلية، حست إن الدنيا بتلف بيها، ومبقتش سامعة غير صدى الكلمتين دول: "جبتك خدامة.. بنت ملجأ". حست إن السقف بيقع فوق دماغها، والأمل اللي دخلت بيه البيت اتهد وبقى تراب تحت رجليها.
سكتت زينب.. الصدمة لجمت لسانها، ومابقتش قادرة حتى تصرخ. الكلمات كانت بتدور في دماغها زي الإعصار، بتموت كل حتة كانت صاحية وجواها أمل. بصت لمحمد والدموع مغرقة وشها، لكن فجأة، وسط السواد ده كله، لمعت في دماغها ملامح "ماما حنان".
افتكرت حضنها الدافي الصبح وهي بتودعها، وافتكرت الكلمة اللي حنان دايماً كانت تقولها ليها: "يا زينب، قيمتك في عين نفسك هي اللي بتجبر الكل يحترمك، أوعي في يوم تسيبي حد يكسر نفسك عشان أنتِ غالية".. وافتكرت حكاية "عزة"؛  واللى  حصلها لما حاولت ترضى الكل على حساب نفسها وكرامتها ، اللي وافقت من أول ليلة تتداس وتبقى خدامة عشان خايفة من لقب "بنت ملجأ"، وفي الآخر رموها في الشارع بعد ما أخدوا منها كل حاجة وصحتها راحت.
الحكايتين لفو في دماغها في ثواني، وحست بنبضة كرامة فجأة صحت جواها، نفضت عنها الخوف. مسحت دموعها بعنف، وبصت لعايدة ومحمد بثبات غريب
شالت إيد عايدة من على دراعها بقوة، وقالت بصوت قوي ومسموع:
ـ أنا مش هعمل حاجة.. الشقة دي أنا مش هلم فيها قشة واحدة دلوقتي. أنا مش خدامة يا محمد، وأنا ماليش ذنب في أهلك ولا في كركبتهم.
كلمتها نزلت على عايدة ومحمد زي الصاعقة. عايدة عينيها اتسعت من الصدمة والغل، ولفت لمحمد وصوتها علي بالردح:
ـ شفت؟ شفت السنيورة اللي لمتها من الشوارع؟ واقفه في وشي وبترد الكلمة بـ عشرة من أول ليلة! وريني هتعمل إيه مع حتة البنت دي يا محمد!
عروق محمد اتنفخت، والدم طار في عينه من الغضب. حس إن رجولته اتهزت قدام أمه. قرب من زينب بخطوات سريعة وزي الثور الهائج، ومن غير ما يدير أي حوار، رفع إيده ونزل بـ قلم قوي على وش زينب ردّ الشقة كلها صدى.
قوة الضربة رمت زينب على الأرض، حست بـ طعم الدم في بقها، وودنها بقت بتصفر. لكن محمد ما اكتفاش بكده، وطى عليها ومسكها من شعرها بكل غل، ورفع راسها لفوق وهو بيجز على سنانه:
ـ أنتِ بتعلي صوتك في بيت أمي؟ وبتقولي لاء؟! دانا هربيكي من أول وجديد يا بنت الملجأ!
زقها ناحية المطبخ وهو بيجرها من دراعها بعنف وهي بتقاوم وتصرخ، وحدفها قدام الحوض وقال بنبرة كله شر وجبروت:
ـ المواعين دي تخلص، والشقة دي تتروق، ورجلك فوق رقبتك! وإلا وعزة جلال الله ما هتشوفي ضوء الشمس تاني، وهعرفك مقامك اللي نسيتيه في المطبخ ده! يالا اخلصي
بصت له زينب وهي ع الأرض، إيدها على خدها اللي علم عليه الكرباج بتاع قلمه، والدموع نازلة بـ حرقان مع طعم الدم اللي في بقها. ورغم الوجع والجرجرة، عينيها مكنش فيها استسلام؛ كان فيها نظرة تحدي خلت محمد يتجنن أكتر.
محمد وقف فوق راسها وهو بينهج، وعينه بتلف في المطبخ يمين وشمال، وفجأة ملامحهد اتغيرت.. الغضب الأعمى اللي في وشه اتحول لـ حتة برود غريب، مخلط بـ لؤم وخوف هربان جوة عينيه. لفت دراعه وربع إيده، وبص لها بـ قرف مصطنع وقال بصوت عالي عشان أمه اللي واقفة برا تسمعه:
ـ وعشان تفوقي لنفسك وتعرفي إن الله حق.. وعقاباً ليكي على طول لسانك وقلة أدبك من أول ليلة، مش هيبقى في دخلة ولا جواز!
سكت ثانية، وبص لها بـ نظرة استحقار وهو بيكمل بـ نبرة كان بيمثل فيها الجبروت، بس كان باين فيها إنه ما صدق لقى القشة اللي هتعميه:
ـ أنا مش هقرب منك، ولا هلمسك، ولا هتبقي مراتي بجد غير لما تتربي وتعرفي يعني إيه تسمعي الكلام وتوطي راسك قدام أسيادك.. اقعي بقى في الشقة دي زي الوقف، لا أنتِ طايلة سما ولا أرض، لحد ما أشوف هتعملي إيه!
عايدة برا في الصالة سمعت الكلمتين، وزغرطت بـ غل وقالت:
ـ عفارم عليك يا واد يا محمد! تربية إيدي صحيح.. سيبها كدة زي البيت الوقف عشان تعرف إنها من غيرك ولا تسوى مليم في سوق الحريم!
وقفت الكلمات في حلق زينب، وحست إن الدنيا بتدور بيها وهي بتبص لمحمد ومش مصدقة إن في بني آدم بالقساوة دي.. كان كلامه بيقطّع في قلبها، وفي نفس الوقت صحّى جواها غضب ورفض مكنتش تعرف إنهم عندها. قامت وقفت على رجليها ببطء، مسكت حيطة المطبخ وسندت طولها، ومسحت وشها وبصت لعايدة ومحمد بـ نظرة مفيهاش نقطة استسلام واحدة.
بصت لعايدة وقالت بصوت مهزوز من الوجع بس مليان تحدي:
ـ مش هعمل حاجة يا طنط.. ومجبتش أنا اللي هتروق ولا هتحرك من مكاني. لو عايز تقعدني في البيت ده كدة اقعدني، لكن مش هكون ليكم خدامة من أول ليلة!
عايدة لما سمعت الجملة دي، وشها اتقلب ألوان، والغل عماها تماماً.. إزاي حتة بنت ملجأ ملهاش ضهر تقف في وشها وترد الكلمة بـ الكلمة في بيتها ومن أول ليلة؟ برقت عينيها بـ جنون وقربت من زينب وزعقت بـ فحيح يرعب:
ـ بقى بتتحدينا يا بت الملجأ؟ وكمان بتقلّي أدبك في بيتي؟! دانا هوريكي النجوم في عز الظهر عشان تعرفي مقامك كويس!
وفي ثانية، مدت عايدة إيدها بـ غل وعنف، وقبضت على طرحة زينب وشدتها منها بـ قوة لدرجة إن رقبة زينب اتلوت معاها لورا. زينب صرخت وبدأت تقاوم وتزق إيد عايدة عنها وهي بتحاول تخلص نفسها:
ـ سيبيني.. سيبيني بقولك! مش هتعملوا فيا كدة.. حرام عليكم!
لكن عايدة كانت زي السعرانة، بدأت تجر زينب من طرحتها وشعرها بـ كل عافيتها وتجرجرها في الصالة لـ حد باب الشقة، ومحمد واقف يتفرج ولا اتهزت فيه شعرة. زينب كانت بتقاوم بـ كل ما أوتيت من قوة، بتتشبث بـ الكراسي، بـ الحيطة، ودموعها نازلة من القهر والتعب اللي هد حيلها.
فتحت عايدة باب الشقة بـ إيدها التانية، وبـ دفعة قوية مليانة حقد، حدفت زينب برا على السلم، وزقتها لورا لدرجة إن زينب وقعت على ركبها وإيدها على البلاط الساقع، والتراب ملى فستانها، وطرحتها اتملخت في إيد عايدة وشعرها بقى متبهدل.
وقفت عايدة على عتبة الباب، وبصت لزينب اللي مرمية على الأرض بـ استعلاء ولؤم شديد.. عايدة كانت مقتنعة في دماغها المريضة إن الحركة دي هي اللي تكسر عين البنت، وتخليها تخاف من الليل وضلمة السلم وترجع زاحفة على ركبها، تبوس رجليها ورجل ابنها عشان يدخلوها الشقة وتنفذ كل اللي عايزينه.
سندت عايدة على الباب وقالت بـ صوت مليان تهديد وثقة عمياء:
ـ باتى  بقى على السلم زي الكلبة كدة! وريني هتروحي فين في نصاص الليالي يا مقطوعة من شجرة! م لكيش غيرنا يلمك من الشوارع.. قدامك خمس دقائق، يا إما تدخلي وتبوسي جزمة ابني وتغسلي الشقة دي بـ دموع عينيكي، يا إما قسماً بالله هسيبك لـ برد الليل وكلاب السكك تتفرج عليكي، والصبح الفضيحة هتبقى بـ جلاجل وسط الجيران!
رزعت عايدة الباب بـ كل قوتها في وش زينب، وسابتها في ضلمة السلم وبرد الليل، وهي مأمنة تماماً إن البنت هتترعب وتخاف هتيجي تخبط على الباب وتترجاها تفتح بعد دقيقة واحدة.
تفتكروا زينب هتعمل ايه ؟؟؟

تعليقات