رواية الاخطبوط الفصل التاسع عشر
وقفت زينب على السلم، جسمها بيترعش من البرد والوجع، وفستان الفرح الأبيض اللي كان المفروض يبقى رمز لبداية حياتها، بقى متبهدل ومطين من تراب السلم. كانت واقفة مكسورة، بس جواها نار قايدة.. نار كرامة مفيش قوة في الدنيا تقدر تطفّيها.
بصت لباب الشقة المقفول في وشها، وسمعت صوت ضحك عايدة المكتوم وصوت محمد وهو بيزعق وبيتحكم، فضلوا مستنيين دقيقة.. اتنين.. تلاتة.. كانوا متخيلين إنها هترجع تزحف وتخبط عليهم.
لكن زينب، اللي حست إنها ماتت جوه وهي لسه عايشة، أخدت قرارها. مسحت دموعها اللي نشفت على خدها بظهر إيدها، ورفعت راسها لفوق بـ إصرار. هي عارفة إنها لو رجعت، هتعيش "خدامة" وهتموت بالبطيء، يبقى ليه الخوف؟ والشارع أحسن ألف مرة من ذل ناس باعت ضميرها.
بدأت تنزل درجات السلم ببطء، وجع جسمها بيزيد مع كل خطوة، وفستانها بيمسح السلم
خرجت لباب العمارة، وبصت للشارع الضلمة اللي كانت بتخاف منه، حست إنها تايهة.. لا فلوس، لا موبايل، لا مكان تروح له.. بس فجأة، لمعت في دماغها فكرة
افتكرت "مدام منى"، جارتهم اللي في الدور التاني، الست الطيبة اللي كانت دايماً بتبتسم في وشها لما كانت بتيجي تفرش الشقة، والست اللي كانت دايمًا بتقول لزينب: "يا بنتي لو احتاجتي أي حاجة، أنا جنبك".
طلعت تاني بخطوات تقيلة، ووقفت قدام شقة مدام منى. إيدها كانت بتترعش وهي بتخبط.. خبطات خفيفة ومترددة.
فتحت مدام منى الباب وهي لابسة روب النوم، وشها اتغير تماماً أول ما شافت "العروسة" بالمنظر ده.. فستان مقطع، وش محتقن بالضرب، وعين مليانة دموع وقهر.
اتخضت الست وشهقت:
ـ يا ساتر يا رب! زينب؟ يا بنتي في إيه؟ إيه اللي حصل؟ وليه لابسة كدة؟
زينب مقدرتش تتكلم من شهقاتها، بس قدرت تطلع صوتها بالعافية وهي بتقول:
ـ طنط منى.. بالله عليكي.. محتاجة موبايلك.. أرجوكِ، مكالمة واحدة بس.
دخلتها مدام منى بسرعة وقفلت الباب وراها وهي بتسألها بلهفة وقلق:
ـ ادخلي يا بنتي، ادخلي يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكي كدة؟ ده إحنا لسه سامعين صوت زعيق.. ده محمد؟
زينب مكنتش سامعة كلمة، كل اللي كان شاغل بالها هو الموبايل. مدت إيدها التانية بلهفة، وأخدت التليفون. كتبت الرقم اللي محفور في ذاكرتها.. رقم "ماما حنان". إيدها كانت بترتعش لدرجة إنها كانت هتوقع التليفون من اديها
رنت الرنة الأولى.. التانية.. التالتة.. وكل رنة كانت بتعدي عليها بـ سنة. وفجأة، رد صوت ماما حنان بصوت فيه قلق وخضة:
ـ ألو؟ مين معايا
زينب أول ما سمعت صوت حنان، مقدرتش تسيطر على نفسها، انفجرت في العياط، وقالت بـ صوت مبحوح ومكسور:
ـ ماما حنان.. أنا زينب.. تعالي خدي بنتك من هنا قبل ما أموت!
صوت حنان في التليفون كان فيه رعب وصدمة وخوف . اول ما سمعت صوت زينب المنهار
ـ "زينب؟ بنتي؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ ردي عليا يا زينب، إيه اللي حصل في ليلة فرحك؟"
زينب كانت بتشهق بصوت مسموع، ومش قادرة توصف لها حجم الذل اللي شافته، غير إنها كررت جملة واحدة بوجع:
ـ "تعالي يا ماما.. أنا في الشارع.. محمد وأمه طردوني.. مش عايزة أرجع.. أرجوكي تعالي."
الضغط النفسي في العربية بقى لا يُطاق، وحنان أعصابها بدأت تنهار مع كل متر بتبعده عن زينب. بصت للسواق بلهفة ورجاء، وصوتها بيترعش من القهر:
ـ "يا ابني بالله عليك، مفيش يوتيرن؟ أي فتحة نلف منها؟ البنت بتموت مني هناك، أرجوك شوف أي طريق!"
السواق بص للمراية بأسف، ووشه كان باين عليه الحيرة والتركيز، رد بصوت هادي ومحبط:
ـ "يا ست حنان والله مافيش! الطريق ده مقفول بحواجز خرسانية لمسافة طويلة عشان التصليحات، مفيش أي يوتيرن قدامنا غير بعد محطة التحصيل اللي جاية، وده لسه قدامنا وقت طويل."
حنان خبطت على إيدها بقهوة، وحست إن الدنيا بتضيق أكتر. السواد اللي في عينيها زاد، وهي لسه محبوسة في الطريق، كأن الزمن بيعاندها. بصت للساعة، الوقت بيجري
العربية ماشية في طريق السفر الضلمة، ومن جوه العربية الهدوء كان مريب. البنات، اللي كانوا لسه مأثر فيهم تعب اليوم والارتباك، بدأوا يفوقوا تدريجياً. حنان كانت قاعدة جمب السواق ، عينيها مثبتة على الطريق المظلم، وبتفرك فى اديها عشان تداري الرجفة اللي في جسمها.
واحدة من البنات اللي معاها بدأت تفرك في عينيها وبصت لحنان بقلق:
ـ "يا طنط حنان، إحنا لسه بعيد؟ أنا حاسة إني قلقانة ومش عارفة ليه، قلبي مقبوض من ساعة ما ركبنا."
التانية بصت لحنان ولاحظت شحوب وشها، وسألت بخوف:
ـ "طنط.. مالك؟ وشك مخطوف خالص، في حاجة حصلت؟ حد اتصل بيكي؟"
حنان اتجمدت مكانها، حاولت ترسم ابتسامة باهتة وهي بتداري وجع قلبها، وبصت لهم بصوت حاول يكون طبيعي:
ـ "لا يا حبايبي.. مفيش حاجة، ده بس تعب السفر وقلة النوم. ناموا أنتم وارتاحوا، الطريق لسه طويل."
بس ملامح حنان كانت بتفضحها؛ عينيها كانت بتلمع بدموع محبوسة، وإيدها اللي كانت ماسكة الموبايل بتترعش بشكل لا إرادي. السواق بص في المراية وقال بجدية:
ـ "يا ست حنان، أنا بجد محتار، الطريق كله حواجز ومافيش يوتيرن يرجعنا، لو لفيت عكس الطريق هتبقى مخاطرة كبيرة."
حنان خلاص، الصبر خلص ومعدش فيه مكان للهدوء. قلبها كان بيتقطع على زينب اللي سابتها لوحدها في مواجهة الوحوش. طلعت الموبايل بسرعة، واتصلت بزينب مرة أخيرة عشان تتطمن، ولما سمعت صوتها المكسور وعرفت إنها لسه عند الجارة، قفلت وهي بتمسح دموعها اللي غلبتها.
بسرعة البرق، وبإيد بترتعش، دورت في الأسماء وطلبت رقم "رحيم".
الرقم رن مره واتنين وتلاته لحد ما رحيم رد بصوت نعسان
ـ "ألو.. يا ست حنان؟ خير، في حاجة حصلت؟
حنان مقدرتش تسيطر على أعصابها، وانفجرت في البكاء وهي بتقول بنبرة مكسورة:
ـ "رحيم.. الحقني.. الحق زينب! محمد وأمه طردوها في الشارع، والبت لوحدها ومبهدلة عند جارتها، وأنا في طريق السفر والسواق بيقول مفيش يوتيرن وأنا مكتوفة الإيدين.. يا رحيم البنت ضاعت مني، أمانة عليك تروح لها، متخليش حد يقرب منها لحد ما أوصل!"
ـ "بتقولي إيه؟ طردوها؟ ليلة فرحها؟! اسمعيني يا ست حنان، انسي كل حاجة، اقفلي دلوقتي، وزينب في رقبتي لحد ما أوصل."
قفل رحيم المكالمة، وحنان حست إن فيه جبل انزاح عن صدرها، بس الخوف على اللي ممكن يعمله رحيم كان لسه موجود. البنات في العربية بقوا باصين لها بصمت مريب، مستنيين يفهموا إيه اللي حصل، وحنان مش قادرة تنطق بكلمة، بس نظرتها كانت بتقول إن اللي جاي مش عادي.
قفل رحيم مع حنان واتصل على السواق والرجل اللى بعته قبل كده عشان يسال عن محمد فى المنطقة اللى ساكن فيها وطلب منهم يقابلهم عشان يوصلوه وفعلا خلال ربع ساعه قابلهم واخدوه عند البيت وبعدها اتصل رحيم بحنان عشان يطمنها وياخد منها رقم جارتهم اللى زينب قاعده عندهم
ردت حنان بسرعة وهي بتلهث من القلق:
ـ "ألو.. يا رحيم؟ عملت إيه؟ طمني يا ابني!"
رحيم رد بنبرة تقيلة ومطمنة:
ـ "اطمني يا ست حنان، أنا وصلت العمارة ومعايا الرجالة.. اديني رقم الجارة اللي زينب قاعدة عندها دلوقتي، عشان أطلع أجيبها
حنان، وهي بتتنفس الصعداء وبتحاول تسيطر على رجفة إيدها، أدته الرقم. رحيم سجل الرقم ، وقفل معاها، ووقف قدام العمارة بيبص للدور اللي فيه الأنوار منورة، وعيونه كانت بتبرق بوعيد شديد للبيت اللي فوق.
طلع رحيم على السلم هو ورجالته، خطواتهم كانت تقيلة ومسموعة في العمارة كلها، زي دقات طبول الحرب. وصل قدام شقة الجارة، وضرب خبطتين تقال على الباب. مدام منى فتحت وبصت وراها لزينب اللي كانت قاعدة بتترعش، وبمجرد ما شافت رحيم وهيبته ورجالته وراه، فهمت إنه ده رحبم اللي حنان كانت بتكلمه عنه.
رحيم بصلها بصه كلها طمأنة وقال بصوت واطي ومحترم:
ـ "يا مدام ، أنا رحيم.. جيت عشان آخد زينب وارجعها بيتها
زينب قامت بضعف وهي ماسكة في طرف طرحتها المتبهدلة، عيونها كانت مليانة دموع،
. رحيم ما اتكلمش كتير، بس إشار لرجاله يسبقوه، وخد زينب بوقار، نزل بيها من العمارة من غير ما يبص حتى ناحية باب شقة محمد، وكأن محمد وأمه مش موجودين أصلاً في حساباته دلوقتي.
ركبها ، وبعد ما اتطمن إنها بخير، طلع تليفونه واتصل بحنان.
حنان ردت في أول رنة، صوتها كان ميت من الرعب:
ـ "رحيم؟! زينب؟ طمني يا ابني، حصل إيه؟"
رحيم اتكلم بصوت هادي ورزين يطمنها:
ـ "اهدي يا ست حنان.. زينب معايا في العربية وفي أمان، ولا شعرة منها اتأذت. ارجعي أنتِ مع البنات للدار، وبكرة لما الأمور تهدى لينا كلام تاني ونشوف هنعمل إيه. ارتاحي يا ست حنان، بنتك في عينيا."
قفل رحيم المكالمة، وبص لزينب اللي كانت ساندة راسها على إزاز العربية وبتنهج من القهر والوجع. العربيات بدأت تتحرك بيهم بهدوء في شوارع الفجر الهادية، بعيداً عن كابوس بيت محمد.
السكون كان هو اللي مسيطر في العربية، مفيش غير صوت أنفاس زينب اللي بدأت تهدى شوية بشوية، كأن جسمها بدأ يصدق إنها خلاص بعدت عن كابوس ليلة الفرح. رحيم كان بيسوق بهدوء، عينيه مركزة في الطريق، بس كل شوية يبص في المراية، نظراته كانت خليط بين غضب مكتوم من اللي حصل للبنت، ومسؤولية كبيرة حس إنها بقت في رقبته.
مع الوقت، التعب والإرهاق النفسي بدأوا ياكلوا في زينب، وعنيها اللي ورمت من العياط تقلت، ومقدرتش تقاوم.. استسلمت للنوم من كتر الوجع. العربية فضلت ماشية لحد ما بدأت تظهر قدامهم أسوار القصر العالي.
ركن رحيم العربية قدام بوابة القصر. بص لزينب اللي كانت غرقانة في النوم، ووشها رغم السكينة اللي فيه، لسه مرسوم عليه وجع الساعات اللي فاتت. مكنش عايز يصحّيها بفزع، فمال عليها بجسمه وبالراحة قال بصوت واطي ومطمن:
ـ "زينب.. يا زينب، اصحي .. وصلنا. اطمني، إحنا في أمان."
زينب فتحت عينيها ، بصت حواليها وهي تايهة ومصدومة، ولما استوعبت اللي حصل، جسمها اتشنج. رحيم حس بـ خوفها، وقالها بنبرة واثقة:
ـ "محدش في الدنيا يقدر يلمسك هنا. انزلي، القصر ده بيتك من اللحظة دي لحد ما نشوف هنعمل إيه."
نزلت زينب من العربية . الخدم كانوا مستنيين، والكل كان بيتعامل باحترام شديد حسب تعليمات رحيم. نادى رحيم على واحدة من الخدم اللي بيثق فيهم، وقالها بصوت فيه حزم وحنية:
ـ "خدي الأستاذة زينب لجناح الضيوف، جهزي لها لبس نضيف ومريح، وهاتي لها حاجة دافية تشربها، وتأكدي إنها تاخد راحتها تماماً.. وممنوع أي حد يزعجها."
زينب مشيت مع الخادمة، كانت ماشية بخطوات تقيلة، كأنها شايلة فوق كتافها حمل السنين. قبل ما تختفي من قدامه، بصت لرحيم اللي كان واقف بيراقبها وعنيه كلها حماية، ومقدرتش تنطق بكلمة، اكتفت بإيماءة شكر مكسورة.
دخلت الجناح، وبمجرد ما خلعت فستان الفرح اللي بقى شاهد على ذلها، حست إن جسمها خلاص بيفصل. لبست الهدوم اللي جابتها الخادمة، ورمت نفسها على السرير الكبير، وفي ثانية، غابت عن الدنيا ودخلت في نوم عميق، كانت محتاجة له عشان تهرب من الواقع اللي لسه مش قادرة تستوعبه.
أما رحيم، ففضل واقف في بلكونة جناحه، باصص للسما، إيده ورا ظهره، ودماغه بتغلي. مكنش بيفكر بس في إزاي يرجع لزينب حقها،
وزينب دخلت اوضه الضيوف وغلبها النوم عن أى حاجة تانيه
بس متعرفش إن القدر ليه رأى تانى
ـ ياترى مصير زينب ايه فى قصر رحيم ؟؟
وهل زينب هتقبل بماصيرها وترحع الملجأ زى عزه ولا ليها رأى تانى
