رواية صياد النايا آل حانا الفصل التاسع عشر
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
وسواسٌ لا يعتقني
يناجيني
يراقبني
ويحزنني وأنا راضٍ
ويؤلمني وينحر رشدي
فأسعى ليذهب بعيدًا ، فيتسلق نافذتي ويستولي على عقلي
أراها تضحك أمامي ، أراها تنظر لغيري ، فأفتح باب وسواسي وأستقبله في كنفي
يعاتبني، ويزعجني على ضعفي، فأستوحش وأبحر في عمقه المظلم من الأفكارِ
ويرغمني بنجواه بألا أبوح لها بأسفي.
يغذيني بكلماتٍ تأكل الأخضر واليابس، فأتركها دون أسفٍ وأتوارى عنها بندمي
أنا رجلٌ بلا حكمة كتائهٍ أضاع بوصلته ، أنا الموهوم بالظلمِ، أنا المحكوم بالعجزِ
ومازلت إلى الآنِ أدور وأطلب وأبحث عن نصيبي من اسمي ..(مهران آل حانا)
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
في مدرج الجامعة
انتهى نوح من محاضرته وغادر القاعة ليذهب لأخرى ، وجلست هي تقرأ قرآنها إلى أن تبدأ المحاضرة التالية..
ولكن اخترقت عقلها همهمات زميلاتيها حيث كانتا تتحدثان بخفوت فقالت إحداهما :
- بلا وسيم بلا خيبة، اللي عمله مع شيماء واعر جوي، واتسببلها في علجة موت لما امها عرفت واهي منعتها من الچامعة بسببه، وهو مجضيها ضحك على كل واحدة شوية وعامل فيها أبو الأخلاج.
نطقت الأخرى تلكزها :
- وطي حسك لحد ياخد باله ونروح في داهية ، ماحدش حيصدج عليه حاچة زي دي ، وبعدين ماهي تستاهل، حد جالها تعمل إكده بردك ؟
أجابتها تدافع عن صديقتها :
- هو اللي دخل عليها بالحنجل والمنجل، لما كانت بتابع محاضراته أون لاين بجى يدخل يتحدت وياها بحچة يشوف فهمت ولا لاء، وبعدين جالها إنه معچب بيها، ومرة في مرة لحد ما اتچاوز حديته معاها وهي بجى صدجته والحديت بيناتهم بجى ع المكشوف.
قضمت الثانية شفتيها بتعجب ثم نطقت :
- منه لله، استغل إنها مفتجدة الحنية والاهتمام وإن أبوها مسافر برا وسايبهم وملهاش حد يجف له صوح، ده طلع **** .
أومأت الأولى مؤكدة ونطقت تبوح بما أخبرتها به صديقتها آنذاك :
- ده مرة طلب منيها تفتح الكاميرا وهي خافت وماوفجتش بس بعد إكدة فتحتها ولجته جاعد جدامها وفاتح زراير جميصه وجعد يضحك ويهزر وياها ويوريها الوحمة اللي في صدره لاجل ما تأمنله ويخليها تعمل اللي هو رايده، بس هي ماوفجتش وطلبت منه يتجدملها رسمي.
تساءلت الثانية متأهبة بضيق من أفعال ذلك المعيد :
- وجالها إيه؟
- انتوا بتتحدتو عن مين؟
تساءلت بها مودة فانتفضتا تنظران خلفهما ليجداها قد سمعت همسهما ، قفزت الصدمة على ملامحهما وازدردت الأولى ريقها تنظر للثانية التي هزت رأسها بألا تخبرها، فعادت مودة تتساءل وقلبها ينبض بعنف وعقلها لم يستوعب حديثهما بعد :
- مين الدكتور ده؟ ده لازمن يتبلغ عنه .
كادت الثانية أن تتحدث ولكنهما وجدتا المعيد يدخل القاعة ويلقي بالسلام عليهن فالتفتن تنظرن له .
لكزت الأولى الثانية كي لا تخبرها بشيء وإلا وقعتا في ورطةٍ كبيرة، خاصةً وأن هذا هو المعيد المقصود بحديثهما.
ولكنهما تركتا مودة غاضبة مما سمعته ، تريد أن تعرف هويته ، يجب أن يوقفه أحدهم عند حده ، ويجب أن تشارك نوح هذا الأمر ...
في الخارج
وتحديدًا عند كافيتريا الجامعة، جلست سجود التي جاءت لتوها، وحولها صديقتيها تسرد لهما الخطة وتحمسهما قائلة :
- وجبل ما ترفضوا فكرو زين، حتطلعو من المصلحة دي بجرشين حلوين.
ابتسمت بخبث وتكتفت تنتظر ردهما،فهي تدرك تدهور حالتهما المادية وقد استغلت شكوتهما لها ، لذا نطقت إحداهما بقلق :
- بس إحنا خابرين زين إن الدكتور نوح مش إكدة واصل .
لوت شفتيها بسخرية ومالت عليهما تتساءل :
- وإيه اللي مخليكم واثجين جوي إكدة؟ هو مش جلّع مودة النجاب ؟ مايمكن تحت السواهي دواهي .
نظرتا لبعضهما بشكٍ، فعادت تسترسل وتطرق على الحديد الساخن :
- اسمعو مني أني،الچامعة دي فيها أسرار لو اتكشفت ماحدش حيبص في خلجة التاني، اشمعنى يعني ده اللي حيبجى معصوم من الغلط! إنتو بس حتحذروا البنات منيه وفوجيها حتاخدو جرشين حلوين .
لم تشعرا بالرغبة في فعل ذلك، ولكنهما تصبحان ضعيفتان أمامها ولا تمتلكان حق الرفض المباشر لذا نطقت إحداهما :
- هملينا نفكر يا سچود وبعدين نبجى نشوف، الموضوع مهواش سهل بردك، والعميد اهنة مابيهزرش في حاچة زي دي واصل .
زفرت تطالعهما بضيق، ونطقت وهي تنهض :
- ماشي ، فكرو ونتحدت بكرة نشوف حنعمل إيه ، بس حطو في راسكو إن اللي حتعملوه ده يعتبر خدمة للبنات إهنة، مهياش حاچة عفشة يعني .
تحركت تغادر وتركتهما تنظران لبعضهما وتفكران لتنطق الأولى :
- إيه رأيك يا دلال؟ عايزة تورطنا إحنا وتطلع هي منيها .
نطقت الثانية وهي تفكر بطمع :
- باينها حتطلع بمصلحة كبيرة من ورا الحكاية دي، بس لو كانت جالت الحديت ده عن حد تاني كنت جولت ماشي، إنما دكتور نوح صعب جوي، ده الكبير إهنة بيحترمه جبل الصغير، حنعملها كيف دي ؟
لكزتها الأولى تنطق موبخة :
- إنتِ بتفكري ولا إيه؟ ماحنعملش حاچة، اللي ييچي منيها ييچي من عند ربنا يا دلال، مش حنطلع ع الراچل المحترم ده سمعة زي دي، وبعدين هو لو كان إكدة كان اتچوز زميلتنا؟ ماهو بردك لازمن نعجلها، إحنا نجولها لو عايزة تعمل حاچة تعملها بنفسها، اوعي يا دلال تسمعيلها بدل ما تردم على نفوخنا..
صمتت تفكر قليلًا، صديقتها محقة، وذلك الدكتور لا يستحق أن تفعلا به هكذا، لو كان مثلًا ذلك المدعو باسل لكانت فعلتها بكل تأكيد، فذلك الحقير استغلها من قبل، ولكن نوحًا مختلف ٌ، يا لها من محظوظة كثيرًا تلك المودة ..
❈-❈-❈
تجوب صالة المنزل والغضب يرافقها، ظنت أنها أقنعته باصطحابها إلى القصر، كانت تود استفزاز نهاد والنيل منها كما فعلت تلك حينما أتت إلى الشركة تتبختر .
ولكنه جاء بها إلى هنا وأمرها بكل برود أن تصعد ، وأُجبرت أن تطيعه .
أحيانًا يبدو لها غامضًا، كانت تظنه صيدًا سهلًا ولكنها تكتشف مع الوقت أنه يحتاج لمجهودٍ كبير كي تستقطبه إليها وتبعده عن عائلته التي لن تتقبلها قط، خاصةً والده وشقيقه عمار .
يجب أن تشغله وتهيء له كل السبل كي تنزع نهاد من عقله، فهي تدرك أنه مازال عالقًا في رمالها ولا ينفك عن التفكير فيها ، لن تستسلم وتتركه لها كما فعلت هي، ستحارب بكل الوسائل المشروعة والمحرمة ليبقى مهران لها وحدها، هي لم تواجه كل تلك الصعاب والتحديات والأسرار عبثًا .
سيحبها ولن يرى سواها، لن تخسر رجلًا مثله أبدًا، ولن تخسر هذه الحياة معه ..
فكرت سريعًا ما الذي يمكن أن تفعله ، لذا طرأ على عقلها تحضير طعام منزلي، ولكنها لا تتقن صنعه، لذا ستستعين بفيديوهات لوصفاتٍ معينة .
ابتسمت بخبث، وتوقفت عن الحركة وخطت نحو المطبخ لتبدأ في صنع طبقٍ شهي، لتنهيه سريعًا ثم تذهب تعد غرفتهما لقضاء ليلة رومانسية مميزة..
❈-❈-❈
طلبت الطلاق والتفتت تعود إلى الداخل، ولكنه أسرع يلحق بها ويسحبها إليه، يعانقها بلهفة ورفضٍ وحزن ، ينطق بنبرة مؤلمة :
- لاء يا فرحة، ماحجدرش اعملها، مش بعد ما لجيتك حسيبك، أبوس يدك ماتعمليش فينا اكده ، ماتدفنيش حبنا جبل ماينولد .
حاولت أن تبعده عنها ولكن محاولتها بائسة وهي تردد وتهز رأسها داخله استنكارًا :
- ماحينفعش، مافيش حب ينفع ينولد ويكبر بينا، أني اتچوزتك لاجل ماخلص عليك، ودلوك لازمن نطلج وابعد وانت لازمن تنساني، بعد عني .
لم يحل وثاقها بل شدد من عناقه وأخذ ينطق بنبرة متملكة لجأ لها حديثًا وقلبه يوخزه حينما تخيل الابتعاد عنها :
- ماحنساكيش، وماحسبكيش واصل، جولتهالك جبل سابج أني لو حبيت حعمل المستحيل لاجل اللي بحبها، حاخد بالأسباب وحاخدها، وأني حبيتك يا فرحة وطلبتك من ربنا ، ومادام چتيلي يبجى مافيش جوة حتبعدني عنك .
نفضت نفسها بصعوبة من براثنه ، اعترافاته تزيد من تخبط مشاعرها ولا ترحم تشتتها ، لذا نظرت له باستنكار ونطقت بقسوة تواري بها ما تشعر به :
- مش مكفيك اللي عملته ، كمان رايد توجعني في حبك ؟ للدرچادي أناني ومش همك غير حالك وبس؟رايدني كل ليلة أبص لحالي في المراية واحتجر نفسي؟حط نفسك مطرحي وجول حتتجبلها ولا لاء؟
أرادت أن تؤلمه أكثر فنطقت بغلٍ مصطنع :
- لو أني جتلت نوارة غصب عني حتجدر تكمل معايا؟حتجدر تحبني؟ حتجبل تعيش حياتك عادي إكده واللي راح راح ؟
كسرت عوده فتحرك يجلس على الأريكة قبل أن تخونه ساقاه ، أطرق رأسه بصمتٍ مؤلم، لم يعد يعلم ماذا يفعل، ليته لم يسافر تلك الرحلة قط.
أخفى ملامحه بين كفيه، وتخلى عن الكلام ، فقد وضعت أمامه مثالًا فتاكًا جعله يصارع نفسه.
اقتربت تجلس أمامه، وفعلت مثله، كلاهما متعبان ، لوقتٍ لم يحصيانه .
حتى رفع رأسه يطالعها وينطق بهدوء بعدما اهتدى لحلٍ وسط :
- خدي هدنة يا فرحة، حسيبلك الأوضة ولو ماريداش تشوفي خلجتي واصل أني ماعنديش مانع، بس خدي هدنة وفكري زين، أني مش طالب منك غير شوية رحمة وفرصة واحدة بس.
انتظرها لتقبل، ثانية، اثنتين، ثلاثة مروا عليه كالدهر حتى رفعت رأسها ونطقت وهي تومئ :
- تمام، بس مش حجعد إهنة .
برغم صعوبة ذلك عليه إلا أنه أومأ بقبول ونطق وهو ينهض :
- ماشي ، جهزي حالك وحوصلك دلوك ..
تحرك نحو الفراش، يتمدد عليه لأول مرة منذ أن تزوجها، ويضع يده على رأسه ويغمض عينيه بتعبٍ جسدي ونفسي تملكا منه، لينتظرها حتى تنتهي ، أو ليهرب قليلًا في غفوة تمنى لو يستيقظ بعدها فيجدها متخلية عن قرارها .
وقفت تطالعه و تفكر
لا يمكن أن يكون رجلًا كهذا سيئًا أو قاتلًا أو ظالمًا، تلك الصفات تتواجد في قلبٍ لا يعرف كيف يحب، ولكن هذا يبرع في حبه ويتنازل من أجلها كما أخبرها والده ، ربما بالفعل هناك أمورًا يجب أن تنبش فيها لعل تحدث المعجزة ، ستفعلها من أجل نفسها أولًا، ثم من أجله .
❈-❈-❈
مساءًا
قررت أن تتحدث معه عما سمعته اليوم، فتوجهت إلى شقتهما حيث عاد إلى المنزل منذ قليل وأخبرهن بتجهيز العشاء إلى أن يبدل ثيابه .
خطت تحمل نيتها البريئة وتوقفت أمام باب شقتها لتجده مواربًا فانتبهت تتساءل، وأطلت برأسها تنادي بهدوء :
- نوح !
فتحت الباب وخلعت خُفها ودلفت تكرر نداءها فلم يُجب ، فتأكدت أنه في الحمام، خاصةً حينما اقتربت وسمعت صوت المياه يصدر من الداخل .
وقفت تفكر أتغادر أم تنتظره؟ زارها التوتر مصطحبًا معه الخجل، ولكنها عزمت أمرها أن تنتظره لتخبره فهذا الموضوع يشغل عقلها، وكانت ستفعل أثناء عودتهما من الچامعة ولكنه كان منشغلًا بالحديث عبر الهاتف مع صديقه عن أمورٍ خاصة بالعمل ، وكان مندمجًا فلم ترد تشتيته ..
اتجهت وجلست على الأريكة في الصالة، ورفعت رأسها تنظر حولها بسعادة، هنا مملكتها، هذا البيت ستعيش فيه مع من أحبت وستحظى فيه بالسعادة التي افتقدتها.
تذكرت والدها فالتمعت عيناها ودعت له بالرحمة، فقد كان رحيمًا بها حينما أصر على جعلها تكمل تعليمها ووقف أمام مسعود الذي كان ضد هذا القرار، وبرغم سيطرة مسعود على عقله إلا أنه لم يفعل، برغم أنه سمح له في أوقاتٍ كثيرة بتعنيفها، ولكنها تسامحه، لا تحمل في قلبها أي ضغينة تجاهه، يكفيها أنه تركها في أمانة رجلٍ يعرف جيدًا كيف يتعامل معها ويحبها ويدللها، رجلًا يستحق أن تحارب من أجله .
نهضت بعدها تتحرك نحو المطبخ لتراه مجددًا بحماس، وعقلها ينسج ما ستفعله هنا، فقد حرص نوح أن يجهزه بطريقة عصرية رائعة ووضع به الكثير من الأجهزة التي ستريحها كثيرًا .
مدت يدها تتحسس الرخامة والأغراض الموضوعة فوقها والتي كانت تظنها مخصصة للطبقة المخملية فقط، وها هي باتت ملكها، ابتسمت ببراءة تشبه أحلامها الوردية، لم تتمنَ هذه الأشياء بل تمنت نوح، فأتى ومعه كل سبل الراحة والرفاهية..
ابتسمت وحينما كانت تسحب يدها اصطدمت دون قصد في أحد الأكواب المعلقة فسقط أرضًا متهشمًا ومحدثًا ضجة جعلتها تشهق وتنظر له بصدمة دامت لثوانٍ وهي تضع كفها على قلبها وتوبخ نفسها داخليًا، ثم انحنت لتلتقط الزجاج بحذرٍ ولكنها سمعت صوته يأتي من خلفها ويستفسر :
- بتعملي إيه يا مودة.
انتفضت واعتدلت تلف له على الفور، ولكنها تجمدت حينما وجدته يقف أمامها عاري الصدر، يحيط خصره بمنشفة .
نشبت حُمرة حرارية على وجنتيها، وتوترت أنظارها وهي تحاول أن تهرب مما تراه، ونطقت بتلعثم بعدما فقدت ثباتها :
- أنـ أني، الكاس وجع غصب عني .
لاحظ حالتها فامتدت يديه تقبض على كفيها وينطق بهدوء وحب :
- طب اهدي ماتتوتريش كدة، أنا سمعت الصوت خرجت علطول اشوف في إيه ، تعالي اقعدي برا وسيبي الازاز أنا حغير واجي المه .
أومأت وكادت أن تتحرك معه ولكن دون عمدٍ وقعت عيناها على صدره، لتلاحظ وحمة بنية اللون تشبه حبة الفول السوداني ، بحجمٍ أكبر ، جعلتها تتجمد وترفع بصرها نحوه محدقةً في عينيه، ولا إراديًا هبت كلمات تلك الفتاة على عقلها، لتزدرد ريقها وتتساءل :
- دي إيه ؟
قالتها تشير برأسها نحوها فنزل بنظره يطالعها ثم ابتسم وترك كفيها يستند بضلعه على حافة الرخام ويتكتف ناطقًا بمزاحٍ مساكش :
- دي وحمة على شكل فولة، مع إن أمي مأكدة لي إن بابا الله يرحمه جابلها شيكارة فول فضلت تاكل منها طول الحمل ، بس بردك طلعت لي ..
زال توترها وحل محله شكًّا شيطانيًّا ، لتقف تنظر نحوه بشرود جعله يبتسم بغير فهم وتساءل بجرأة وهو يمد يده ليحاوطها :
- وإنتِ بقى عندك وحمة ولا بردو كنتِ بيبي قنوع ؟
حينما لمستها يده وعت وابتعدت خطوة للخلف غير منتبهة للزجاج فانجرحت قدمها لذا تألمت ترفعها وتنطق :
- أه رچلي .
أسرع يبعدها بلهفة عن الزجاج، وحينما لمح قدمها تنزف مال يحملها ويتحرك بها نحو الخارج ولم يبالِ باعتراضها .
أجلسها على الأريكة وعاد سريعًا إلى غرفته يرتدي بنطالًا و تيشرتًا ، ثم دلف الحمام يحضر علبة الإسعافات الأولية وعاد إليها يجلس أرضًا وبدأ يطهرها ويطمئنها، ولكنها كانت تحارب أفكارها، من المؤكد أنها مخطئة ، من المؤكد هاتان الزميلتان لا تقصدانه .
- مودة ؟
انتبهت تطالعه فسألها بعدما لاحظ حالتها :
- فيه حاچة ؟
هزت رأسها بلا وحاولت نفض تلك الأفكار فنطقت تشعر بالحرج مما يفعل :
- لاء تمام، جوم انت يا نوح وأني حلفها .
لم يطِعها بل وضع القطنة ولفها برباطٍ طبي، ثم نهض يجلس جوارها ويلفها إليه ويدقق النظر بها مستفهمًا :
- لاء فيه حاچة، احكيلي مالك؟
تملكها التردد، ولم تعد تعلم أتخبره أم لا، ولكن قطع ترددها صوت نجلاء التي أتت لتناديهما ونطقت وهي تقف خارجًا :
- يا نوح؟ يالا العشا جاهز، وسايبين باب شقتكم مفتوح ليه؟
انتبها لها فنهض نوح يخطو نحوها ويفتح الباب على آخره قائلًا :
- اتفضلي يا ماما .
أشارت له وهي تتحرك عائدة :
- لاء يالا تعالو، العشا حيبرد .
التفت ينظر إللى مودة التي نهضت وحاولت التحرك تردف مبتسمة بتريث :
- تعالى نتعشى لاول يا نوح وبعدين نتحدت .
أسندها وتحرك بها إلى شقة والدته، ولكن عقله انشغل بها، وبنظراتها الغريبة، وبما كانت تريده عندما أتت ؟
❈-❈-❈
دلف شقته بإجهاد بات يلازم ملامحه ، تحرك نحو الأريكة يرتد عليها ويلقي المفاتيح على الطاولة بإهمال، وجلس يفكر بها، اختفت في غرفتها ولم تنزل إلى الأسفل طوال فترة تواجده مع صغيره ، تعمد أن يطيل مدة تواجده وبرغم ذلك لم تظهر، لم يأخذ تيا معه وبرغم ذلك لم تظهر، لم يبدِ رد فعل على صفعتها والتزم الصمت وبرغم ذلك لم تظهر، ماذا حل بها ؟ لقد كانت تهرول حينما تسمع صوته؟ أكرهته حقًا؟ هل كانت صادقة حينما أخبرته أنها نزعته من قلبها؟
كان يفكر ولم يلحظ تيا التي ظهرت تطالعه بترقب ، تطالع شروده وانشغال عقله، تحاول أن تتغافل حتى لا تغضب فتخسر .
لذا تقدمت تجلس جواره وتميل عليه مقبّلة صدغه بنعومة، فالتفت يطالعها ولكنه تفاجأ بها ترتدي رداءً جريئًا .
قطب جبينه ومال برأسه كأنه يتساءل فنطقت وهي تحاول نزع جاكيته عنه :
- عملالك مفاجأة هتحبها أوي ..
حل ربطة عنقه بعدما نجحت في تجريده من الجاكيت، وجلس يتساءل مبتسمًا :
- مفاچأة إيه ؟
ابتسمت ونهضت توقفه، ثم سحبته خلفها وتحركت نحو المطبخ لتفاجأه بطاولة معدة بطريقة رومانسية، ورودًا حمراء وشموعًا وطعامًا مميزًا .
التفتت تنظر إلى تعابير وجهه ، برغم أن هذه التجهيزات يفترض أن تسعده، خاصةً وأنها من المرأة التي اختارها وتزوجها، وها هي تعمل على راحته وتحاول إسعاده، ولكن هناك حاجزًا يقف بينهما، والأكثر غرابة أنه لا يود هدمه ، ليتعجب من نفسه ومن حالته ومن حيرته التي ستودي به إلى حافة الهاوية .
تفاجأ بها ترتفع قليلًا لمستواه وتبادر بتقبيله فاستقبلها ببرود غريبٍ عليه ، عقله لم يترجم ذات المشاعر التي كان يشعر بها ، فأسرع يصوّر له كيف كانت قبلته مع نهاد، وتذكر المشاعر التي كانت تراوده آنذاك ، لذا حاول أن يعاند نفسه ويندمج معها، فابتسمت حينما فعل ونطقت بهمس مثير :
- بحبك .
كلمتها جعلته يبتعد قليلًا ويطالعها بعمق ويتساءل داخله لمَ لا يحبها؟ أم أنه يكره نفسه ، لقد احتار في فهم ما يشعر به .
تحمحم يتهرب وينطق وهو يتلمس ظهرها ويحثها على التقدم :
- ماتجوليش إن انتِ اللي طابخة !
جلس على المقعد، وجلست تجاوره وتنطق بحماس وهي تضع في طبقه الطعام :
- أيوا طبعًا، قلت لازم اعوضك عن الأكل اللي اتحرق بدل ما نخرج ناكل برا، بصراحة عايزة اتعود اطبخ أنا، يالا دوق وقولي رأيك .
مد يده يتناول قطعة من اللحم بالبصل ويلوكها في فمه ، طعمها ليس سيئًا، ومطهوة بشكلٍ جيد، ولكنه اعتاد على تذوق ماهو ألذ، وكأن حواسه جميعها أعلنت تمردها عليه ، وكأنها أضربت عن العمل مع حالته المتخبطة هذه، تريد منه اتخاذ قرار يريحها لتريحه .
تحمحم ونطق وهو ينهض متحججًا :
- تسلم يدك ، أني نسيت اغسل يدي ، حرچعلك حالًا .
تحرك نحو الحمام على الفور، وتركها تجلس تتآكل غضبًا، وقد باتت على المحك كي لا تريه وجهها الآخر، يجب أن تتخذ موقفًا .
عاد بعد دقائق ولكنه لم يجد الطعام ولم يجدها، التفت يبحث عنها فجاءت ترتدي بيجامة قطنية وتطالعه بضيق ، فتعجب وتساءل :
- إيه اللي حُصل؟ وفين الوكل؟
تكتفت وطالعته بتجهم تجيبه بحدة :
- رميته .
- رميتيه ليه؟
استطردت بتجهم ونبرة حادة :
- لإنك مش مهتم أصلًا ولا مبسوط، وبقيت علطول سرحان ومش معايا ولا حاسس بيا ولا مهتم بمشاعري، لو شايف انك ندمان واتسرعت في جوازنا عرفني، لكن ماتتعاملش معايا بالأسلوب ده يا مهران، أنا مش زي غيري هقبل منك التجاهل ده، إنت قولت انك اخترتني وحبيتني يبقى انت مجبر تحسسني بكلامك ده وتبقى قده ، يا كدة يا اما كل واحد يروح لحاله .
تحركت بعدها تعود إلى الغرفة لتنام وتتركه وبرغم غيظها وحقدها إلا أنها كانت تبتسم بخبث ، من المؤكد سيعاني من تأنيب الضمير الآن وإلقاء وابلًا من التهم على نفسه، من المؤكد هذا الحديث سيجعله يتعامل معها بحذر ..
وكانت محقة حينما ظل مكانه يردد كلماتها التي تلقاها دون أي دفاعٍ منه ، هي محقة ، هو رجلٌ لا يعرف ماذا يريد ، هو بات يسير في طريقٍ موحل .
❈-❈-❈
تناولوا طعامهم ونهضت ريم تنظف الطاولة والمطبخ نظرًا لإصابة مودة ، ثم تحركت تجلس معهم أمام التلفاز بعدما حضرت لهم الشاي وبدأوا يحتسونه ..
كانت مودة شاردة، تلوم نفسها على هذه الأفكار، يجب أن تتحدث إليه وتغلق أي بابٍ يدخل منه الوسواس .
يجلس يلاحظها ويريد أن يعلم ما بها ، ولكن ريم نظرت إليهم ونطقت بترقب :
- كنت عايزة اتكلم معاكم في موضوع مهم .
نظروا نحوها وتساءلت نجلاء بترقب :
- خير يا ريم ؟
تحمحمت ونظرت نحو نوح تنطق :
- جابر عرض عليا الشراكة ...
كالعادة ظهرت الفرحة سريعًا على وجهه نجلاء بينما تساءل نوح مستفهمًا :
- تشاركيه يعني ؟
أومأت فتابع موضحًا ومستفسرًا :
-بس دي خطوة مش سهلة خالص يا ريم، وعايزة رأس مال كبير، وبعدين مش هو معاه شركاء؟ حصل بينهم خلاف ولا إيه؟
هزت رأسها تجيبه بتروٍ :
- لاء يا نوح هما معاه، بس هو شايف إني الحمدلله بقدر أفيد الشركة أكتر، وتقريبًا كدة عايز يثبتني فيها بالشراكة دي، وإنت عارف يا نوح إن دي خطوة تخليني افرح واثق فيه، لإن أنا اشتغلت مع معتز 3 سنين قدمت فيهم مچهود كبير، بس ولا مرة فكر يعرض عليا حاچة زي دي حتى لو أسهم بسيطة، إنما چابر مُرحب چدًا، ودي حاچة أنا كان نفسي فيها فعلا أول ما عرض عليا الشغل، ولو على رأس المال أنا ممكن أفك الوديعة بتاعة چوازي وأبيع الدهب، وفيه مبلغ كنت شيلاه بردو على چنب، يعني حبدأ بنسبة صغيرة چدًا، رأيكو إيه؟
نطقتها وهي تعاود النظر نحوهم بحماسٍ لمحه نوح فزفر يحك أنفه ويفكر ثم مط شفتيه ينطق :
- أنا معاكي هي خطوة كويسة ومهمة ليكي، بس بردو لازم تفكري كويس يا ريم، هما 3 شباب وإنتِ المهندسة البنت الوحيدة معاهم، وبحكم الشراكة حتحتاجوا تتناقشوا مع بعض في كل حاچة، وممكن الاتنين التانيين يحسوا إنك دخيلة عليهم، خليه يتكلم معاهم الأول وبعدين شوفي رد فعلهم وفكري تاني بردو، واستخيري ربنا واللي فيه الخير يقدمه .
عنفت مودة نفسها بأن الشك راودها نحوه، فكيف لأخٍ هكذا أن يفعل ذلك السوء الذي سمعته صباحًا، حزنت وتجلى هذا على ملامحها ونظرت إلى ريم التي نطقت :
- حاضر يا نوح حعمل كدة .
بينما نطقت نجلاء مبتسمة وداعية :
- ربنا يفتح لكم أبواب الخير والرزق وييسر أموركم ويبعد عنكم أصدقاء السوء والقلوب السودة ويخليكم دايمًا سند لبعض .
أمنوا خلفها فنظرت مودة إلى نوح تردف بتوتر :
- نوح ممكن نتكلم شوية ؟
أومأ لها ونهض يخطو نحوها مردفًا بابتسامة حنونة :
- تعالي نقعد في أوضتك .
أومأت ونهضت تخطو معه بعرجٍ فأسندها ودلفا غرفتها وأغلق الباب، تحركت نحو الأريكة تجلس عليها وتقدم يجاورها ويتناول كفيها بين راحتيه ونطق متفحصًا :
- احكي يا ستي سامعك .
ازدردت ريقها ونطقت تسرد له ما حدث:
- النهاردة في الچامعة بعد مانت خرچت من المدرچ سمعت بنتين بيحكو سوا عن دكتور معانا ضحك على واحدة صاحبتهم ودخلها خاص يحدتها إنه مهتم بيها وبيحبها واكدة يعني ، وهي صدجته وبسببه امها عرفت ومنعتها تحضر الچامعة، وبيجولو إن مهياش البنت الوحيدة اللي عمل وياها إكدة ، هو متعود يصطاد بنات من اللي بيدخلوله أونلاين .
شرد يفكر في هوية ذلك المعيد ، وبالفعل تملكه الشك حول أحدهم ، لتتابع بتوتر :
- من ضمن الحديت جالو إن في يوم طلب منيها تفتح الكاميرا وكان لابس قميص وفاتح زرايره ومبين صدره ووراها وحمة طلعاله وكان رايدها يعني تعمل حاچات بس هي ماوفجتش .
نطقت الأخيرة بخجلٍ وهي تخفض رأسها، فشعر بالغضب يتعاظم داخله من وجود معيد كذلك معه في نفس الجامعة، ويجب عليه أن يعرف هويته ويحذره إما أن يبتعد عن البنات أو يبلغ عنه ..
ولكنه تصنم حينما تذكر شحوبها عند رؤية وحمته، لذا التفت لها يقطب جبينه ويتساءل بشك :
- علشان كدة لما شوفتي وحمتي اتخضيتي؟ معقول فكرتيني أنا ؟
رفعت نظرها تطالعه ولم تستطع أن تكذب بل نطقت معتذرة :
- أني أسفة يا نوح، أني عارفة إنك مستحيل تعمل إكدة، بس لما شوفتها الشيطان لعب في عَجلي
صفعته الصدمة، فلم يستوعب أن تشك به، لذا حدق بها ولم يجد ما يقوله بل نكس رأسه يستعيد نظرة الخوف التي رآها منها، وآلمه شكها به.
نهض بعدها يخطو نحو الخارج بصمت فأسرعت تلحق به وتقبض على ذراعه قائلة :
- نوح حجك عليا.
- تصبحي على خير يا مودة.
سحب ذراعه بهدوء وغادر الغرفة والشقة بأكلمها وتركها تواجه تأنيب نفسها وكيف فعلتها ، وتحرك إلى شقته بحزن ، ولكن حزنه لن يمنعه من معرفة ذلك المعيد والإبلاغ عنه ..
❈-❈-❈
جالسًا معها يحاول إقناعها بما يريده قائلًا :
- ياما اسمعي مني بس، بجولك دايبة في دباديبي ، حنتچوز واسافر معاها كام سنة وارچع، يعني عاچبك واجفة الحال اللي إهنة دي؟
نطقت نجوى بنبرة صلدة وهي تجلس ترتشف الشاي :
- جولت لاء، وغير الحديت ده بدل ما اجوم احط همي كله فيك .
زفر بضيق وعاد يحاول بإلحاح :
- ياما فكك بجى من نوارة والحديت الفارغ ده، خلاص هي بجت مرت الشيخ يونس وأعمالك دي ما بجتش تأثر فيها، خليني اشوف نفسي بجى وماتربطنيش چارك كأني بنت بنوت ، أني بشور عليكي أهة بدل ما اعملها من وراكي، همليني وكلها سنتين ولا تلاتة وحرجعلكو إهنة، وساعتها اخوكي واهل النجع كلياتهم حيشوفوا راضي ولد الحنانوة عمل إيه .
التفتت تحدجه بنظرة مفزغة ونطقت بتصميم :
- جولت لاء وجفل ع السيرة دي بدل ما اخليك تلف حوالين نفسك انت والشمطة اللي عينها منيك دي، إنت ماحطلعش برا لوجصر ونوارة حتطلج من ولد منصورة وانت حتتچوزها واختك حتتچوز چابر، وكل اللي في يد عبد الوهاب حيبجى في حچري ، ودي آخر حديت عندي، فاهم ولا اجوم افهمك بطريجتي ؟
زفر باختناق يطالعها لثوانٍ قبل أن يلف وجهه عنها ويبحث عن مخرج، سيغادر مهما حدث، لن يجلس ويجعلها تخطط لحياته كما تريد، ولتفعل ما لديها.
❈-❈-❈
تمطأ فجرًا فوجد نفسه نائمًا على سريره، نهض على الفور ينظر حوله فوجدها تنام متكورة على الأريكة، لم توقظه كي يعيدها كما طلبت، بل تركته ينام ويهرب من مشاعره السلبية .
ترجل يخطو نحوها وتوقف يحدق بها ، نائمة بسلام ، هادئة، مستسلمة، متوقفة عن البكاء الذي يأججه .
ناداها بهدوء :
- فرحة !
فتحت عيناها تطالعه بترقب فاسترسل :
- ماصحتنيش ليه لما خلصتي؟
ازدردت ريقها تجيبه وهي تنهض وتحيد نظرها عنه :
- جولت لما تصحى براحتك، أني چهزت شنطي وحاچتى، خلينا نصلي الفچر ووصلني .
تنهد مطولًا، ثم أومأ مرارًا وخطا نحو الحمام ليتوضأ ، وكلاهما يدوران في فلكٍ مظلمٍ دون هدى .
❈-❈-❈
في الظهيرة .
وقفت تساعد الحرس وهم يضعون العبوات الكرتونية في صندوق السيارة التي ستوصلها إلى الشركة ، حيث لم تذهب مبكرًا مع عمار .
بل استيقظت قبل الجميع وبدأت في إعداد الطعام بعدما جلب لها عبد الوهاب كل ما تحتاجه، وساعدتها صابحة والبنات في التجهيزات حتى انتهت من إعداد أكثر من مئة وجبة.
تم وضع الوجبات، والتفتت تنظر إلى صابحة التي تحمل الصغير الذي مالت تقبله ولكنها لاحظت لمعان عينيه وتقلب مزاجه فقطبت جبينها وتساءلت :
- بينه مأريف يا مرات عمي ؟
نطقتها وهو تحاول التأكد من حرارته ولكن صابحة نطقت تطمئنها :
- ولا مأريف ولا حاچة، زي الفل أهو جلب سته من چوة، اتيسري إنتِ يالا ولو فيه حاچة حكلمك، لازمن الوكل يوصل سُخن .
أومأت وودعت صغيرها تلوّح له، ثم تحركت تستقل السيارة ويقود بها السائق إلى الشركة..
عبر حدود القصر وانعطف يقود في شوارع النجع ، كانت تتطلع على الناس الذين يباغتونها بأنظارٍ مستنكرة، وأخرى متعجبة، وغيرها من الأنظار الذكورية الحاقدة ومن بينهما والدها وشقيقها حيث مرت السيارة من أمام منزلهما ورآياها وهما يغادرانه .
أسرعت تلف وجهها عنهما، ولكن تعكر صفوها كليًا، فلم تعد تنكر كرههم لها، بل تراه بوضوح، وكلما حاولت تجاهل هذا الكره قفز على عقلها سؤالًا لم تجد له إجابة ، لماذا؟
زفرت بقوة وحاولت أن تهدأ وتنظر للنصف الممتلئ ، هي الآن متجهة إلى عملها، كاسرة كل القواعد الظالمة، تمتلك دعمًا شاملًا من عمها، وتمتلك عزيمة جديدة تؤهلها لتثبت للجميع أن المرأة لها حقوقًا وتستحق الحياة ..
أما حسنين فتملكه الضيق، وصب عليه ابنه المزيد حينما نطق بغل :
- عملت اللي على كيفها واشتغلت في الشركة وحتبجى من الحريم اياهم، وبكرة تشوفها وهي واجفة جدامك في البرلمان وبتنافسك، عار ما بعده عار يا حچ حسنين، ياريتك كنت خلصت منيها ولا چوزتها للبغل اللي اسمه مهران، ده مش راچل ولا عرف كيف يكسر شوكتها ويخليها تحت رچليه، أبوه جاله طلجها راح مطلجها وخلع، وبردك أني عازره،ليه حج يزهج منيها، مين يتحمل مرة تحط عينها في عينه وتعلي صوتها عليه حتى لو اتچوز عليها عشرة، دا لو مرتي كنت كسرت رجبتها.
استشاط حسنين ونطق وهو يتوقف عن المشي ويطالعه بنظرات قاسية :
- يبجى رجبتها تتكسر صوح، ماحنسبهاش إكدة تفضل ماشية على حل شعرها وعمك ماخسرانش حاچة، الناس حتاكل وشي أني وحيجوله بنت حسنين بتعمل وبتسوي، شوفلك صرفة وعلمها الأدب صوح علشان تخاف وترچع لورا، وإلا يبجى نخلص عليها ونرتاح من الهم ده، جال انتخابات جال، ده بتتشهى موتها .
❈-❈-❈
أوصلها إلى القصر صباحًا وغادر، وتحركت إلى غرفتها تختفي بها قبل أن يراها أحد مستغلة عدم استيقاظهم بعد .
لم تفعل شيئًا سوى أنها تمددت تنام وتحاول أن تتخطى ذلك الشعور المؤلم الذي يراودها، تنام قبل أن تستيقظ وتبدأ في نبش الماضي .
وها هي قد استيقظت بالفعل ، تضع أغراضها في خزانة الملابس، وتفكر به، بكلامه، بحنانه، وباعترافه أمس، وبما يخبئه القدر لهما غدًا .
طرقات على الباب تبعها اقتحام أيوب للغرفة، دخل يطالعها وهي تقف أمام خزانتها وترص بها أغراضها فانفرجت أساريره ونطق وهو يتجه ويجلس على الفراش :
- صوح إكدة، إكدة بجى الواحد ياخد بتاره زين، ونجطع الحبل اللي واصل بينا وبينهم، ويحصل اللي يحصل .
تركت ما في يدها والتفتت تواجهه وتتكتف قائلة بنظرات ثاقبة :
- مافيش تار يا أيوب، الجضية چدي جفلها جبل ما يموت، وماحتتفتحش تاني.
جحظ يباغتها بنظرات حادة ونهض يجابهها ويستطرد مستنكرًا :
- يعني إيه مافيش تار؟ إنتِ صدجتيه؟ ولا لتكوني حبتيه يا فرحة؟
صاحت تصد كلماته قبل أن تخترق قلبها :
- اضبط حديتك يا أيوب ومتتعداش حدودك معايا من إهنة ورايح، أني مش عيلة جدامك، أني اختك الكبيرة والجضية دي أني اللي شيلتها سنين وأني اللي انكويت بنارها واني اللي وجفت حياتي عليها، واني بردك اللي بجولك دلوك مافيش تار، لو فيه احتمال ولو واحد في المية إنه جتله وهو بيدافع عن نفسه يبجى تارنا ذنب كبير حنشيله، وماحنبجاش جد الشيلة دي واصل.
هاج ينطق بحدة :
- مهواش دفاع عن النفس يا فرحة، هما زوروا الحجايج وضحكوا ع الحكومة إنما ماحيضحكوش علينا، ولد الحنانوة كان بيغير من اخوكي من زمان وجلبه ولع نار لما سمية اختارت مؤمن عليه .
هزت رأسها بعدم اقتناع ونطقت :
- لاء، فيه حاچة غلط، فيه أسرار ماعرفينهاش، لازمن ننبش في الماضي تاني يا أيوب ونعرف الحجيجة..
رفعت سبابتها تحذره مسترسلة :
- ومن دلوك لوجتها إنت حتوعدني ماتجربش من عمار ولا تعمل أي حاچة من ورايا.
أسدل كتفيه وتخلى عن تأهبه يهز رأسه بعدم استيعاب ثم تساءل بتشتت :
- حننبش في الماضي يعني إيه؟ عايزانا نعمل إيه يا فرحة؟
ازدردت ريقها ونطقت بصعوبة بالغة تفتح جراحها أمامه :
- حندور ورا مؤمن يا أيوب، حنبدأ من أوضته اللي ماحدش فينا جرب عليها من يوم موته، حعملها لاجل ماعرف الحجيجة، وحنوصل لاصحابه ونسألهم واحد واحد ، حتى لو وصلت نروح أسوان حنروح، لازمن نعرف كل حاچة، وماتنساش حديت چدك لينا جبل ما يموت، وحاچة كمان .
ارتد على الفراش فلم تعد تحمله قدماه، ليتساءل بتشتت وحيرة :
- حاچة إيه؟
اتجهت تجاوره وتستند بكفيها وتنطق بشرود :
- أني جولتله يحكيلي على كل اللي حصل، وزي ما سمعت من سمية سمعت منيه، بس عمار جال حاچة غريبة جوي وماظنش إنه بيكدب فيها ، جال إنه حاول يسعفه وطلب من سمية تنادي عالإسعاف ، بس هي رفضت وجالتله خليه يموت وعيلته تجتلك وارتاح منيكم انتوا الچوز، كانت رايدة ترتاح من مؤمن ليه؟
- وإيه اللي مخليكي متأكدة من حديته؟
تساءل بها بتهكم لتجيبه بمغزى :
- حيجولي التفاصيل دي ليه؟ لما سألنا سمية اتوترت واتعصبت وجالت نفس الحديت اللي بتكرره من سنين، لكن عمار لما اتحدت كان جاعد يحكي كأنه بيجرا كتاب، التفاصيل اللي جالها كان ممكن مايجولهاش ويتحدت عن المهم وبس ، إنما هو كان عايز يثبت لي إنه صادج فجال كل حاچة .
التفتت تحدق به وتابعت بتأكيد :
- لازمن ندور يا أيوب، النار اللي انجادت في جلوبنا طول السنين دي كلها لازمن ماتنطفيش غير لما نعرف الحجيجة، ونعرف چدي جالنا إكدة ليه جبل ما يموت، ومين اللي خبره عن مؤمن واللي عمله.
مسح على وجهه بعنف يستغفر ومازال لا يستوعب ولكنه التفت لها وتساءل بترقب :
- ولو نبشنا في الماضي وعرفنا إن مؤمن غلط زمان، ولو طلع فيه احتمال إنه صوح جتله دفاع عن نفسه، حتعملي إيه يا فرحة؟ حترجعيله؟
آلمها فطالعته بنظرة عتاب، ووخزها قلبها بإحساسٍ مدفون لتجيبه بنبرة بائسة :
- مارچعاش يا أيوب، اطمن، مايفعش يبجى بيني وبين عمار أي حاچة.
لمح نظرتها المتألمة، وتأكد من أن شقيقته وقعت في حب عمار، وحدث ما لم يكن في حسبانه، لذا لم يحتمل فانتفض ينهض ويغادر الغرفة قبل أن يفقد عقله ..
❈-❈-❈
وصلت إلى الشركة، وترجلت تطلب المساعدة من الأمن وكذلك السائق وبدأوا يحملون العبوات ويصعدون بها إلى الأعلى ..
دلفت واتجهت إلى قاعة المكاتب والتي تشمل عددًا كبيرًا من الموظفين، ليلمحها سامر الذي هرول يصيح بحماس أمام الجميع :
- وأخيرًا أم حمزة وصلت يا عالم، الواحد عصافير بطنه بتحتضر ومصبر نفسه بالوكل اللي چاي .
ابتسمت ونطقت وهي تفسح المجال للسائق والحارس بوضع العبوات على إحدى الطاولات الجانبية :
- معلش اتأخرت عليكو .
خرج عمار من مكتبه على صوتها، واتجه يبتسم ونطق بحماس ودعمٍ مستتر خاصة حينما لمح تيا تتقدم منهم :
- وزعي عليهم يا أم حمزة، وربنا يستر ومايخدوهاش حلوانة في سلوانة ويخلوكي تعمليلهم الحكاية دي مرة في الشهر ولا حاچة.
اعترض سامر يباغته باستنكار ويردف :
- وه؟ مرة كل شهر كيف يا عمار؟ هي بس تعملهالنا مرتين في الأسبوع واحنا حنشيلها فوج راسنا، وانت تصرفلها مكافأة زينة لإن ده يعتبر عمل ترفيهي لموظفينك .
ضحك عمار وتجمع الموظفين حولهم وبدأت توزع عليهم الوجبات وسط نظرات تيا الغاضبة التي اقتربت منها ومالت عليها تنطق بخبث :
- ماتعمليش حسابنا أنا ومهران يا أم حمزة، إحنا حنطلع نتغدا برا .
التفتت تباغتها بنظرة عابرة ثم عادت تكمل توزيع الوجبات ولم تجِبها، فابتسمت تواري حرجها وانسحبت إلى أحد الأركان تشاهد التفاف الجميع حولها والغيظ يتآكلها .
- إيه اللي بيحصل إهنة ده؟ شركة دي ولا حديجة عامة؟
أنفرجت أساريرها حينما نطق مهران جملته بعد أن خرج من مكتبه على أصوات الموظفين، ليقف عمار يتابعه بترقب وهو يتقدم بخطوات ثابتة حتى توقف أمام نهاد يستشيط من التفاف الجميع حولها، لذا تابع بنبرة تهكمية :
- اتفضلي على مكتبك وسيبي الوچبات غيرك يوزعها، وبعد إكدة تحضري بدري كيف الخلج وموضوع الوكل ده مايتكررش واصل .
ابتسمت تيا بتشفي حينما ظنت أنه أحرجها أمام الجميع، ووقف هو أيضًا ينتظر ردة فعلها بتأهب، ولكنها ابتسمت بثبات ونطقت بهدوء استهدفه في مقتل :
- حضرتك مش مديري، ولا ينفع تديني أوامر، أني واخدة الإذن من مستر عمار .
التفتت إلى عمار تسأله :
- عندك مانع يا فندم؟
هز عمار رأسه ونطق بتأكيد وابتسامة هادئة تخفي استمتاعه بغيظ شقيقه وغيظ تيا :
- لا طبعًا يا أم حمزة إنتِ صاحبة مكان، بس اوعي تنسي وچبتي .
انتشلت وجبة وتحركت تناوله إياها قائلة بابتسامة امتنان :
- اتفضل .
تناولها منها وعادت توزع على البقية ووقف مهران يتابع ما يحدث كمن تم تجريده من ثيابه، لتلتفت له وتنطق معتذرة :
- معلش ماعملتش حسابك انت والمدام، ع العموم هي جالت دلوك إنكو حتاكلو برا الشركة.
باغتها بثقب، ثم التفت ينظر إلى تيا التي تتمنى لو تصب الوقود على الجميع وتشعلهم دون شفقة.
تحرك بخطوات خائبة يعود إلى مكتبه خالي الوفاض، يشعر أنه يود تحطيم أي شيء يقابله، ولم يجد أمامه سوى قطعة أثرية مقلدة موضوعة فوق المكتب، فقبض عليها ورطمها بعنفٍ في الحائط فلم تتأثر كأنها تتعمد استفزازه.
اتجه يرتد على مقعده ويحل وثاق ربطة عنقه التي تخنقه وبات يتنفس بتخبط .
بينما في الخارج رن هاتف عمار فالتقطه ليجده والده لذا أجاب بترقب :
- اؤمرني يا حچ !
نطق عبد الوهاب بمغزى :
- بجولك يا عمار، ابجى هات نهاد بعد ماتخلصوا شغل وتعالو على جصر الحوامدية ، حنروح كلياتنا زيارة عائلية، لاجل ما نطمن على عمتك ونجرب المسافات من فرحة بردك، ولا إحنا حنستسلم إكدة يا ولدي؟
رحب بفكرة والده، وأدرك أنه يحاول تحسين العلاقات، وكم تمنى لو تتحسن، لذا تنهد بلوعة وأومأ بقبول :
- اللي تشوفه يا حچ، اسبجونا على هناك وأني حچيب أم حمزة واچي لما نخلص .
أومأ عبد الوهاب واستطرد بثقب :
- وابجى جول لخوك بردك ياچي ويانا، لو رايد يعني.
- حاضر يابوي حجوله، مع السلامة .
أغلق مع والده وتحرك نحو مكتب شقيقه ليخبره، دلف فوجده في حالة غضبٍ صامتة كعادته، فاتجه يجلس أمامه ولم ينبس بحرف، بل ظل صامتًا لبرهة ليلتفت مهران يباغته بنظرات معاتبة وتساءل بنبرة منكسرة :
- بتعمل معايا اكدة ليه يا عمار؟
نطق بثبات وتأكيد :
- عشان لو عملت غير اكدة انت حتزعل، اتعامل مع نهاد اهنة على إنها بنت عمك وبس، ماينفعش تخرچ وتحرچها جدام الشركة وهما مبسوطين بيها، سيبها تتنفس يا مهران، إنت چرحتها چرح كبير جوي، خليها تتعالچ وسطينا .
لم يجبه، لم يستطع أن يجيب، ولم يتجرأ أن ينطق بشيءٍ معاكس، لذا نهض عمار يردف بترقب :
- إحنا حنتچمع عند عمتك منصورة الليلة، لو حابب تاچي تعالى، حنبجى كلياتنا هناك.
تحرك خطوتان ولكنه التفت يستطرد بحذر :
- وخد بالك من مرتك وابجى جولها ماتجربش على أم حمزة وما تدايجهاش بحديت مالوش عازة كيف ما عملت دلوك، عيب التصرفات الهابطة دي .
غادر وتركه يحاول البحث عن الهدوء، ولكن تيا لم تتركه يهدأ حيث دلفت تغلق الباب واتجهت تجلس أمامه متسائلة بخبث :
- عمار اعتذرلك صح؟
حدق بها لثوانٍ ثم نطق بنبرة ثاقبة يعمل بنصيحة شقيقه :
- مالكيش صالح بنهاد يا تيا، ماتتحدتيش وياها واصل .
تجهمت ونطقت بنبرة مستنكرة :
- ياسلام؟ هو أنا قولتلها إيه إن شاء الله؟ هو جاي يشتكيلك مني ؟
وجدته يحيد وجهه ويزفر بملل فنهضت تغادر مندفعة وهي لا تصدق ردة فعله، كانت تظن أنها ستنجح في زرع فتنة بينه وبين شقيقه ولكنها ترى أنه هو من زرعها، وظنت أن حديثها له أمس سيثمر بنتائج إيجابية، خاصة وأنها تعمدت اللعب على أوتار ضميره، ولكن حتى هذا لم يفلح، لذا عليها أن تغير استراجيتها كليًا قبل أن تخسر، لن تخسر مطلقًا ..
❈-❈-❈
دس أيوب المفتاح في فوهة باب غرفة مؤمن ليفتحها ويدخلها هو وشقيقته التي تجاوره والتي تعالت وتيرة أنفاسها بشكلٍ ملحوظ .
فتح باب الغرفة التي لم تُفتح إلا للتنظيف مرة كل شهر فقط.
أشعل إضاءتها ودلفها ينظر حوله لأغراض شقيقه ليشعر بالاختناق، والتمعت عيناه وهو ينظر لها ويحثها على الدخول .
خطت مجبرة إلى الداخل، ووقفت تنظر لكل شيءٍ بها بعدما حرمتها على نفسها، رأت سريره، فراشه، خزانته، ومكتبته الجانبية، وانهالت عليها الذكريات تلكمها بقسوة..
تذكرته وهو يطيب خاطرها هنا، ويضحك في وجهها هناك، ويدللها في ذلك الركن، ويفاجأها بالهدايا الذهبية أمام هذا السرير، ذكريات جعلتها تتحشرج ويلتهم النشيج صدرها وتضع كفها عليه عله يهدأ ولكن عبثًا، باتت تنتحب ليسرع أيوب في احتضانها ويسحبها خارج الغرفة يسمعها تردد :
- اتوحشتك جوي يا مؤمن .
نطق يواسيها وهو يعانقها أمام باب الغرفة :
- اهدي يا فرحة، ماتدخليش إنتِ، روحي على اوضتك وأني اللي حدور .
هزت رأسها بلا مرارًا ثم نطقت بعد ثوانٍ :
- حدور معاك .
انتظرها لتهدأ، فطلبت العون من ربها .
وعادت تدخل معه، وعادت الدموع تنهمر من مقلتيها، ولكنها تحاملت وتحركت نحو الخزانة تفتحها، لتجد جلابيبه مطبقة بترتيب وقمصانه وأغراضه الشخصية ، فازدادت دموعها وبدأت تتلمسهم وتمرر أصابعها عليهم باشتياقٍ كبيرٍ له، بينما أيوب يرفعهم ويبحث عن أي شيء، رفًا تلو الآخر، حتى اصطدمت يده بشيءٍ معدني فالتقطه ليجده مفتاحًا صغيرًا .
تعجب ونظر إلى فرحة التي صبت نظرها عليه فتساءل :
- مفتاح إيه ده؟
هزت كتفيها بعدم معرفة ونطقت بشك:
- باينه مفتاح درچ .
التفتا حولهما يبحثان عن أدراجٍ موصودة، وتحركا نحو الكومودان يتفحصانهما ولكن ليس بهما شيء.
وقف أيوب ينظر حوله ويفكر، وكذلك فرحة التي نطقت مؤكدة :
- أكيد ده مفتاح حاچة إهنة، خلينا ندور زين يا أيوب .
أومأ لها وبدآ يبحثان في الغرفة بشكلٍ دقيق، ولكن عبثًا فلم يجدا شيئًا، حتى توجها نحو المكتبة الخاصة به ، والتي تحتلها الكثير من الكتب، فامتدت يد فرحة تنزع كتابًا كتابًا وتبحث خلفهم وحولهم، وكذلك أيوب يفعل بالمثل حتى تفاجآ ببابٍ خشبي صغير، مغلقًا بواسطة قفلٍ تقليدي، نظرا لبعضهما وأسرع أيوب يفتحه بالمفتاح، وبالفعل فتح القفل فنزعه وقبض على الباب يفتحه ليتفاجآ بخزنة حديدية مختبئة داخل فتحة مربعة في الجدار نفسه ..
مد أيوب يده يحاول إخراجها بصعوبة ، و نجح بعد عدة محاولات ، وبرغم صغر حجمها، حيث كانت عبارة عن صندوق 40*40،إلا أنها كانت ثقيلة جدًا.
أحكم قبضته عليها وحملها يتجه بها نحو الفراش يضعها عليه وتبعته فرحة تنظر له وتتساءل بتأهب :
- حنفتحها كيف دي؟
- حنجرب ندخل كام رمز إكدة ، ولو ماعرفناش يبجى نفتحها بصاروخ، بس ماعيزينش حد ياخد باله .
أومأت مؤيدة ونطقت :
- لفها في حاچة يا أيوب وحاتها على أوضتي .
أومأ ينفذ وأسرعا يغادران الغرفة ويتحركان صوب غرفتها، ودلفا يغلقان الباب سريعًا قبل أن يراهما أحد ، ومن حسن حظهما انشغلت نوارة مع عمتها في تجهيز الضيافة لاستقبال عائلتها، وغادر يونس مع والده إلى العمل منذ الصباح .
وضعها أيوب على الطاولة وجلس أمامها يحاول تجربة عدة رموز كعيد ميلاد شقيقه أو تاريخ خطبته التي أخبرته به فرحة، ولكن المحاولات فشلت، حاول برموزٍ أخرى كرقم هاتفه أو تاريخ وفاة والدتهما أو والدهما ولكن أيضًا لم يفلح الأمر .
زفر أيوب بضيق ونظر إليها يردف :
- إكدة حنحتاچ صاروخ.
أومأت مؤيدة ونطقت وهي تنهض :
- خلينا نخفيها في دولابي دلوك، ونبجى نشوف حنفتحها كيف بس لما الحنانوة ييچوا ويمشوا ..
أومأ لها ونهض يحملها وساعدته في فتح خزانتها ليخفياها داخلها إلى أن يريا كيف سيفتحانها .
التفت يطالعها بثقب وتساءل :
- تفتكري حنلاجي چواها إيه؟
نطقت متأملة :
- أي حاچة غير إن أخوي يبجى مذنب يا أيوب .
❈-❈-❈
مساءً
تجمعت العائلة في قصر آل حامد.
تحديدًا في بهو القصر الواسع .
جلسوا يتبادلون أطراف الحديث بينهم، ونطقت منصورة بعتاب محبب وهي تنظر إلى شقيقها :
- مكانلوش لزوم كل الحاچات اللي چايبها دي ياخوي.
نطق برصانة :
- مافيش أي حاچة تكتر على أختي وبناتي .
شمل فرحة بجملته، فنظرت له وابتسمت بهدوء فبادلها بابتسامة حنونة ثم نظر إلى يونس وتساءل :
- المسچد اللي بيتبنى چديد ناحية الضفة ده تبع مين يا يونس؟
- تبع أولاد عمنا يا خال، أخدو التصريح وبدأوا فيه طوالي..
أومأ بتفهم ونطق مرحبًا :
- ربنا يچازيهم خير، المنطجة دي كانت محتاچة مسچد صوح، الزاوية اللي هناك صغيرة والناس كانت بتطخ مشوار ياما لحد مايوصلوا للچامع الكبير.
نطق حسان مندمجًا معهما :
- كان فيه جطعة أرض بردك في النواحي الچنوبية عايزين نطلعها تصريح يا يونس ونبني عليها چامع صدجة چارية على روح چدك .
- ومؤمن .
نطقها أيوب فنظروا نحوه وأومأ يونس مؤيدًا :
- حنحل الموضوع ده أني وأيوب إن شاء الله يابوي .
كانت صابحة تجلس تهدهد الصغير الذي بدأ يئن فاقتربت منه نوارة تقبله ونطقت وهي تتحسه :
- بين حرارته عليا ياما؟
تحسسته صابحة وأومأت :
- صوح يابتي، هو من الصبح مأريف إكدة.
تزامن حديثهم مع مجيء نهاد وعمار ودخولهما يلقيان السلام فرحب بهما الجميع عدا أيوب الذي لم يرحب بعمار ولم يواليه اهتمامًا .
جلسا بينهم واتجهت أنظار عمار إلى فرحته يتساءل باهتمام أمامهم :
- عاملة إيه يا فرحة؟
أومأت بحرجٍ مختلط بملامح حزينة تجيبه :
- الحمد لله .
بينما حملت نهاد الصغير وتحسسته لتتبدل ملامحها وتردف بانزعاج :
- حرارته علت يا مرات عمي.
أومأت لها صابحة ونطقت بأسف :
- أيوة يابتي، وبين بطنه وچعاه يا حبة عيني عمال يتلوى، چومي ناخده ع المستشفى.
نطق عبد الوهاب باهتمام :
- جوم وياهم يا عمار ، وابجو طمنونا .
نهضوا ثلاثتهم وتوجهوا نحو الخارج تحت أنظار الجميع حيث نقش الحزن ملامحهم على حال الصغير .
ولكنهم تفاجؤوا بظهور مهران الذي ترجل للتو من سيارته، يطالعهم باستفهام وحينما لمح صغيره يئن ويتلوى بين يدي نهاد خطا نحوه يحمله منها ويتفحصه متسائلًا :
- ماله حمزة ؟
لم تجبه نهاد بل نطقت صابحة بروية :
- ماتخافش يا ولدي شوية مغض وحيروحوا لحالهم، إحنا وخدينه ع المستشفى عشان نطمن .
التفت بالصغير يتجه على الفور نحو سيارته ليستقلها ولكن نهاد تملكها الخوف والغضب واندفعت خلفه تردف :
- وجف يا مهران وهاته أني حاخده واروح.
لم يعِرها اهتمامًا ، بل استقل سيارته بالفعل وكاد أن يقود فلم تجد مفرًا إلا أن تستقل جواره قبل أن يتحرك.
لتنظر صابحة إلى عمار بنظرات الحيرة والحزن وتتساءل :
- نروح وياهم يا ولدي؟
وقف حائرًا، فبرغم رغبته في الاطمئنان على الصغير إلا أن شيئًا ما داخله يرغب في جعلهما يقتربان من بعضهما مجددًا، و لعل هذا الظرف الطارئ يحدث أمرًا وتعود المياه إلى مجاريها .
❈-❈-❈
بعد وقتٍ .
توقفت سيارته داخل حديقة القصر.
كانت تجاوره تحمل الصغير الذي نام بفعل المسكن ، صامتةً طوال الطريق وهو كذلك .
حينما توقف فتحت الباب لتترجل ولكنه أسرع والتفت يقابلها وينتشل منها الصغير وسط أنظارها المتعجبة ولم تستطع أن تعترض حيث حمله وتحرك به نحو الداخل على الفور .
التقطت كيس الدواء وتبعته بغيظ من تصرفه، ودلفت حيث لم تعد العائلة إلى القصر بعد، فقد تحدث عمار مع شقيقه عبر الهاتف واطمأن منه على حالة الصغير التي صنفها الطبيب على أنها نزلة معوية .
صعدا بالصغير إلى الأعلى ودلف الغرفة وخطا يضعه في فراشه بتمهل شديد وانحنى يقبله ثم اعتدل يزفر بارتياح وظل يحدق به لبرهة.
كانت قد وصلت ووقفت أمام الغرفة رافضة الدخول إلا بعد أن يخرج، تقف تنظر عليه وهو يتأمل صغيره وتبتسم ساخرة على هذا الأب الحنون المراعي، كلما حاول قلبها أن يتأثر به نهرته وعنفته وأرغمت عقلها على تذكر كل ذنوبه في حقها .
وجدته يتحرك وينوي الخروج فاستعدت لتدخل غرفتها ولكنها شهقت حينما اقترب منها بشكلٍ مفاجئ وسحبها من كفها إلى داخل الغرفة وأغلق الباب ..
حبسها خلف الباب ووقف يحيطها ويتفحصها بعينيه، ولكنها دفعته حينما وعت ونطقت معنفة بضيق :
- إنت مچنون؟ إيه اللي بتعمله ده، اطلع برا.
التفتت وكادت أن تفتح الباب ولكنه أسرع يضغط عليه بكفه ونطق بنبرة هجومية معنفة :
- اسمعيني زين ، سيبك من شغل الشركة ده، لازمن تبجي چنب ولدك وتراعيه ، انشغلتي عنه يومين بالشغل والطبخ للموظفين لحد ما تعب، كنت فاكرك اعجل من اكدة .
أثار غضبها فنطقت بمجابهة :
- وإيه كمان يا مهران بيه؟ ده على أساس إن حمزة أول مرة يتعب؟ تعرف إنت إيه أصلا عن تعبه؟
رفعت سبابتها تحذره :
- مالكش صالح بيا واصل، اللي ليك إنك تهتم بحمزة وبس، ماتمليش عليا واچبات أني خبراها زين ووعيالها .
كانت تتحدث بنبرة يراها منها للمرة الأولى، تدافع عن حقها بجسارة، وتلقنه درسًا بأنه من تخلى عن واجباته وليس هي .
وجدته صامتًا يحدق بها، فأسبلت عينيها ونطقت وهي تشير برأسها نحو الباب :
- اخرج دلوك ولو كررت اللي عملته ده مرة تــــــ..
قاطعها وهو يقترب منها حد الالتصاق، لم تعد حصونه قائمة ، ذنبها الوحيد أنها حتى في شراستها تغريه دون قصد .
أحكم ذراعيه حولها فطالعته بصدمة وحاولت دفعه ففشلت لتنطق بحدة وتوعد :
- لو مابعدتش عني دلوك يا مهران ــــــــ
- حتعملي إيه؟
نطقها باستهانة حيث أنها في موقف ضعف، فطالعته بنظرة ثاقبة تحتل بؤبؤي عينيه ونطقت بتأكيد :
- حكرهك ..
هذه الكلمة كفيلة لتبعده عنها على الفور، فآخر ما يتمناه هو كرهها له، ولكنه بات مسحورًا، ونزل بنظره نحو شفتيها، يفترسهما، ثم عاد ينظر إلى عينيها المتوعدة، لينطق بتيه :
- أني آسف .
لم تكن كلمة، ولا اعتذارًا ، بل كانت قنبلة موقوتة انفجرت داخلها فجعلتها تدفعه بعنف أدى إلى ترنحه لخطوات ، فأسرعت تفتح الباب وتغادر الغرفة وهي تتوعد بأن تنتقم منه أشد انتقام.
لم تكن لتفعل، كانت تنوي تجاهله والمضي قدمًا، ولكنه يبدو بحاجة إلى درسٍ مهمٍ في الحياة، وهي من ستلقنه إياه ، وأهم هذه الدروس هو ألا يعتذر على أرضٍ أفسد تربتها بيديه ..
أما هو فوقف لبرهة يتطلع على أثرها ويفكر بما كاد أن يفعله، وبالحالة التي استحوذت عليها حينما وقف أمامها، وبالضعف الذي أظهره لها، وباعتذاره الذي تعجب منه قبلها..
رن هاتفه فالتقطه ليجدها تيا، زفر وفتح يجيب بخفوت :
- إيوا يا تيا!
- الحقني يا مهران ...
