رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل العشرون
- طيف، يا طيييف أرجوك متبوظش اللي بنعمله وبطل ضحك. أنا عارفة إني كنت عبيطة بس امسك نفسك شوية.
قالتها «نيران» لـ«طيف» الذي لم يتوقف عن الضحك، فحاول كتمه وهو يقول:
- حاضر هحاول، أقسم بالله دي كوميديا مركزة. أنا لو كنتِ عيّشتِني المشهد ده قبل ما أبقى مدمن مكنش هيبقى ده حالي.
- طييييف.
- خلاص خلاص، هسكت أهو.
نظر إلى الورقة، ثم تابع ما هو مدون فيها قائلًا:
- تتسخطي قطة؟
حركت رأسها بالإيجاب قبل أن تقول:
-أيوة، ما تمنتش قبل كده تتسخط معزة؟
نظر إلى الورقة مرة أخرى، ثم قال:
- لا الصراحة أنا بني آدم وده شرف ليا. الحيوانات ما عندهمش عقل، ولازم تفتخري إنك إنسانة. أيوة طبعًا القطط حلوة ما قلناش حاجة بس تحبيها وتربيها مش تتمني تكوني منهم يعني.
لوت شفتيها وقالت بتحدٍ واضح:
- كلامك مغيرش فيا حاجة، أنا لسة عايزة أكون قطة.
وضع «طيف» قدمًا فوق الأخرى، وأسند ظهره إلى الخلف قبل أن يقول:
- طيب بصي عايزك تقولي أنا إنسانة أنا إنسانة أنا مش قطة. كرريها كتير وأنتِ مغمضة عينيك، واتخيلي نفسك بتجري في مكان واسع وكبير جدًا، وافضلي تقوليها لحد ما أقولك وقفي تمام؟
لاحظت «نيران» أنه لم يقرأ هذا الكلام من الورقة ونسيها تمامًا، لكنها لم تُظهر له ذلك، وأكملت السيناريو قائلة:
- أنا إنسانة أنا إنسانة، أنا مش قطة أنا إنسانة، أنا مش قطة، ميااااو ميااااو.
وضع يده على وجهه وقال بصدمة:
- خلاص وقفي.
ازدادت حماسًا عندما لاحظت أنه يتحدث من تلقاء نفسه، فتابعت:
- شوفت يا دكتور؟ مفيش فايدة أنا حاسة إني كنت قطة واتسخطت بني آدمة.
فكر لثوانٍ، ثم قال بهدوء:
- بصي يا نيران، أنتِ دلوقتي مشكلتك إنك متخيلة إن كل البشر حيوانات وإنك حيوانة زيهم، وده بالبلدي كده اسمه هروب من الواقع. أو بمعنى أدق حصل لك حاجة أثرت عليكِ جدًا ووصلتك للمرحلة دي. علشان كده عايزك تحكيلي كل حاجة عنك من ساعة ما وعيتي على الدنيا لحد دلوقتــ ...
توقف فجأة، وكأن شيئًا صدمه، ثم نظر إليها بذهول:
- نيران؟!
اعتدلت في جلستها ونظرت له بترقب، فنهض من مكانه وقال:
- نيران أنا فاكر اللقاء ده! أنا فاكر كل حاجة! فاكر لما كذبتي عليا وبعدين اتهمتك بالكذب وبعدها حكيتيلي الحقيقة
صمت لحظات، ثم تابع بصوت متقطع:
- فاكر لما نزلت من العيادة يومها، وروحت لبابا في الشغل وبعدها ركبت ميكروباص علشان عربيتي كانت بتتصلح وروحت لمازن…
اتسعت عيناه بصدمة، ونطق بصعوبة:
- مازن!
في تلك اللحظة، اجتاحته الذكريات دفعة واحدة، ذكريات صديقه «مازن» الذي كان بمثابة الأخ، لا مجرد صديق. ثم تلتها ذكريات أكثر قسوة حين تحول هذا الأخ إلى جلاد، وعذبه ليحرمه من ذاكرته.
همس بصوت متهالك، تغلفه المرارة:
- ليه يا مازن، أنا عمري ما كرهتك.
في ذاكرته، نهض «مازن» وقال بجمود:
- عارف إنك مكرهتنيش ووقفت جنبي كتير لكن الحياة ضحكتلك أنت وأنا لا. جاتلي الفرصة اللي الحياة تضحكلي فيها، متزعلش مني يا صاحبي.
أمسك «طيف» رأسه، وانهمرت دمعة من عينه وهو يقول بصدمة:
- ليه كده يا مازن؟! ده أنت كنت أخويا مش مجرد صاحبي؟!
لم يتحمل عقله المزيد لتُظلم الدنيا من حوله، ويسقط فاقدًا الوعي.
***
جلس «رماح» على مقعده بعد أن وضع هاتفه وسلاحه على المكتب، فاتجه «زاخر» ليجلس على المقعد المقابل له، فصاح بصوت حاد:
- أنا قلتلك تقعد؟
نظر إليه «زاخر» بتعجب، واعتدل في وقفته وهو يوجه بصره نحوه، فتابع «رماح» بحدة:
- أوعى تفتكر علشان أنت ابن خالتي يبقى هرحمك أو إن هيبقى ليك واسطة هنا. الشغل مفيهوش الكلام ده. هنا أنا العقيد رماح وأنت النقيب زاخر. شايف فرق الرتب يا حبيبي؟ بره أنت ابن خالتي، إنما هنا أنا هفرمك لغاية ما تبقى راجل، مفهوم؟
أومأ «زاخر» برأسه موافقًا، وقال بنبرة يملؤها القلق والتوتر:
- مفهوم يا رماح باشا.
عاد «رماح» بظهره إلى الخلف، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
- جدع، دلوقتي عندنا حوار مع واحد اسمه مرزوق الشيمي. الملف اللي قدامك فيه كل حاجة عنه. عايزك تذاكره كويس جدًا وتبقى حافظه أكتر ما حافظ نفسك. قدامك يوم واحد وبكرة في نفس الوقت تكون في مكتبي علشان أبلغك بالجديد.
مد «زاخر» يده والتقط الملف، ثم قال بهدوء:
- حاضر يا فندم، اعتبره حصل.
أشار له «رماح» بيده، فرحل على الفور. ظل «رماح» مكانه لحظات، وقبل أن يتحرك دلفت «فاطمة» إلى المكتب، فأغلق عينيه بعدم رضا، وقال:
- على فكرة فيه باب بيتخبط عليه قبل ما ندخل بالطريقة الهمجية دي.
تقدمت نحوه، وقالت بنبرة تحمل التحدي:
- أنت مخدتنيش في المهمة علشان كنت شاكك فيا؟
لم يرد، فتابعت بضيق واضح:
- بص يا رماح، أنا معنديش مشكلة معاك وتقبلت رفضك ليا لما رجعت، وبقيت في حالي ومبقتش حتى أحاول أتكلم معاك. لكن توصل إنك تشك في انتمائي للفريق وتفكر إني خاينة؟ ده أنا مش هسمح بيه نهائي. أنا بحب بلدي وبحب شغلي وبحب الفريق اللي شغالة فيه، وعمري ما أبيع حد منهم حتى لو بكنوز الدنيا. أنا مش فاهمة إزاي فكرت كده أصلًا، ولا إزاي صدقت نفسك. لو سعادتك عايز تدخل الحسابات الشخصية في الشغل فأحب أبلغك إنك غلط. وبطريقتك دي فهد مات بسببك مش بسبب خيانة حد. فوق بقى من نظرية المؤامرة اللي عايش فيها دي. أنا أنضف وأقوى من الصورة اللي رسمتها في دماغك عني.
وقبل أن يرد، استدارت ورحلت، تاركة إياه في مكانه. زفر «رماح» بضيق شديد، وقد أدرك أنه أخطأ حين شك في كونها تنقل معلومات الفريق إلى ذلك المدعو «مرزوق». ضرب بكفه على المكتب بعنف، وقال غاضبًا:
- من إمتى وأنت غبي كده يا رماح؟
***
انتقل «نائل» إلى مكتب زوجته، وطرق الباب بخفة قبل أن يدخل وهو يقول:
- البيه لسه ماشي.
نهضت من مكانها، وتقدمت نحوه بابتسامة خفيفة:
- ها حصل إيه؟
رفع كتفيه بضيق، وقال:
- مفيش، اتكلمنا عن شراكتنا في فروع أوروبا وقال إنه مدينا النسبة الأكبر يعني الاسم لينا والإدارة لينا. وبيقول إنها هدية منه علشان يثبت حسن نيته.
ابتسمت بسعادة، وقالت:
- مش قلتلك إن مرزوق الشيمي كويس ومش زي ما أنت فاكر؟
نظر إليها ولوى ثغره، وقال:
- يا خوفي، قلبي مش مطمن. حاسس إن الراجل ده بيجهزلنا كارثة بس معنديش دليل.
اعترضت على كلامه بحماس:
- كارثة ايه يا نائل؟ إيرادات الشركات زادت ٩٠٠٪ خلال شهر واحد بس، وده حصل أول ما اسم الشيمي دخل كشريك معانا. أنت متخيل إحنا وصلنا لإيه؟!
تركها وجلس على أحد المقاعد القريبة، نظر إلى الفراغ، وقال بصوت منخفض:
- الله أعلم، ممكن المكاسب دي تكون مجرد جر رجل مش أكتر. الأيام هي اللي هتثبت إذا كان فعلاً كويس ولا تعلب.
***
فتح عينيه ليجد «نيران» تنظر إليه بترقب بعد أن بذلت جهدًا مضنيًا لإفاقته إثر فقدانه الوعي. كانت مشاعر الخوف والقلق تسيطر عليها بشدة، حتى كادت تفقد وعيها هي الأخرى، لكنها تماسكت واستجمعت ما تبقى من قوتها، وظلت تحاول حتى استعاد وعيه أخيرًا.
كانت «نيران» أول ما وقع عليه بصره عند استيقاظه، فاندفع نحوها يحتضنها، وقال بنبرة يغمرها الشوق:
- نيران، ياااه يا نيران مش مصدق إني شايفك قدام عيني.
اغرورقت عيناها بالدموع بعدما أدركت أن ذاكرته قد عادت، فقالت وهي تبكي:
- طيف حبيبي، حمد لله على سلامتك، طولت أوي يا طيف، الحمد لله إنك رجعتلنا تاني.
ابتعد عنها قليلًا، ونظر إليها بعينين تمتلئان حبًا واشتياقًا، لكن سرعان ما تسللت إليه الذكريات المؤلمة، فقال بصوت مثقل:
- معقولة يا نيران؟ مازن يعمل فيا كده؟ هنت عليه إزاي؟ ده كان صاحبي الوحيد.
أمسكت بيديه برفق، وقالت بنبرة هادئة تحاول أن تبث الطمأنينة في قلبه:
- انسى اللي حصل يا طيف، مازن لو كان صاحب بجد ما كانش باعك بالسهولة دي. وبعدين هو أخد جزاءه خلاص.
امتلأت عيناه بالدموع، وقال بحزن واضح:
- أنا قتلته بإيدي يا نيران. أيوة هو كان السبب في كل اللي حصلي بس إزاي هان عليا وقتلته؟! المشهد ده مش قادر يسيب عقلي.
قبضت على يده بقوة، وكأنها تمنحه ثباتًا، وقالت بحزم:
- يستاهل يا طيف. اللي يعمل كده في أختك علشان يوقعك وبعدين يعذبك لحد ما تفقد ذاكرتك ويزرع جواك ذكريات وهمية، ويحولك لشيطان وكان هيخليك سبب في موت أختك وموتنا كلنا. شخص زي ده مريض ويستاهل اللي حصل له ألف مرة، ما تنساش وقفتك جنبه ودفاعك عنه، مازن أخد جزاءه.
خفض بصره إلى الأرض، وقال بصوت خافت:
- ربنا يرحمه ويسامحه على كل اللي عمله.
نظرت إليه بدهشة، وقالت:
- بعد ده كله بتدعيله بالرحمة؟
أجاب بهدوء يحمل مزيجًا من الألم والتفهم:
- مازن كل ذنبه إنه كان يعرفني، قدروا يدخلوا له من نقطة ضعفه علشان يوصلولي. رغم اللي عمله فهو ضحية، كنت أتمنى أعاتبه وأسأله هان عليك صاحب عمرك اللي اتربى معاك؟
صمت قليلًا، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت مرهق:
- أنا شفت أيام وحشة أوي يا نيران، عذاب محدش يقدر يتحمله. كنت بدعي ربنا أموت من كتر الوجع، كنت بعيط زي الأطفال وجوايا سؤال واحد ليه أنا؟ أنا عارف إن ربنا بيبتلي اللي بيحبه بس ساعتها ضعفت، ليه حد ممكن يؤذي حد بالشكل ده؟ وعلشان ايه؟ أنا كنت بموت كل لحظة.
انهارت دموعه، فاحتضنته «نيران» مرة أخرى، وقالت بحنان:
- هون على نفسك يا حبيبي، كان ابتلاء صعب وربنا نجاك منه لأنك طيب من جواك. انسى اللي فات يا طيف، هو ده اللي يستحق يتنسي. مراتك وحبيبتك جنبك ومش هتسيبك أبدًا مهما حصل.
أغمض عينيه وقال بثقل:
- أنا تعبتك أوي معايا يا نيران، حملتك فوق طاقتك. سيبتي شغلك علشاني وفضلتي جنبي خطوة بخطوة واستحملتي أيام صعبة جدًا. ما كنتيش بتنامي وكنتِ سهرانة وخايفة عليا وتعبانة، أنا آسف إني حملتك كل ده وأنتِ مالكيش ذنب.
ابتعدت عنه قليلًا، ونظرت إليه بنبرة عتاب ممزوجة بالحب، وقالت:
- ما تقولش كده تاني يا طيف. أنت بالنسبة ليا كل حاجة وعلى فكرة التعب ده كان فيه لذة عمري ما حسيتها غير الفترة دي. أنا واقفة جنب جوزي حبيبي وأبو عيالي وعمري ما همل ولا هزهق مهما حصل. خليك فاهم ده كويس يا طيف.
