رواية الاخطبوط الفصل العشرون 20 بقلم اماني سيد


 رواية الاخطبوط الفصل العشرون 

رحيم صحي بدري، زى عادته  أخد نفس طويل، وطلع تليفونه وطلب رقم حنان عشان يطمنها.
حنان ردت على طول، صوتها باين فيه إنها منمتش دقيقة:
ـ ألو.. إيوه يا رحيم بيه ؟ طمني، زينب عاملة إيه دلوقتي؟
رحيم رد بصوت هادي ومطمن:
ـ صباح الخير يا ست حنان. اهدي خالص، زينب  نايمة سبيها لما تصحى لوحدها . أنا كلمتك عشان أقولك متقلقيش واطمني عليها خالص.
حنان بتنهيدة ارتياح:
ـ الحمد لله رب العالمين.. ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويهدي سرك. أنا بالي مشغول ومش عارفة أعمل إيه.
رحيم كمل بجدية:
ـ أنا محتاج بس أقعد معاها الأول لما تصحى، وأتكلم معاها على روقان عشان أعرف كل اللي حصل بالتفاصيل من أوله لآخره، عشان لما أتحرك وأتصرف أبقى فاهم راسي من رجلي.
حنان:
ـ انا مش عايزه اتعبك اكتر من كده كفايه انى قلقوك امبارح.
رحيم:
ـ لا مافيش تعب ولا حاجه الموضوع بسيط بإذن الله ، ولما تخلص وتتحسن وتطلب ترجع وتاني الدار، أنا هبعتلهالك فى  عربية مخصوص من عندي توصلها لحد عندك معززة مكرمة.
حنان حست إن جبل انزاح من على صدرها، وأعصابها بدأت تهدى وتطمن بعد كلامه:
ـ تسلم يا رحيم بيه. كتر خيرك، أنا كدة ارتحت.
ـ الشغل ده شغلي يا ست حنان، يلا اسيبك ترتاحي. سلام.
رحيم قفل مع حنان، وقعد في مكتبه. فتح اللاب توب وبدأ يتابع الإيميلات وشغل الشركات بتاعته، وعينه مركزة في الأرقام والتقارير، بس دماغه كانت لسه بتفكر في حكاية زينب واللي حصل معاها.
على الظهر كدة، زينب صحيت. فتحت عينيها وبصت حواليها وهي لسه بتحاول تستوعب المكان. قامت بتعب، وغسلت وشها.
في نفس الوقت، رحيم نادى على الشغالة وقالها بالحرف:
ـ جهزي فطار كويس للأستاذة زينب وطلّعيه ليها الجناح، وقوليلها لما تخلص فطار وترتاح، أنا مستنيها في المكتب عشان عايز أتكلم معاها.
الشغالة طلعت لزينب وفطرتها، وبلغتها بكلام رحيم بيه. زينب خلصت فطارها، ولمت نفسها، وطلعت من الجناح وهي متوترة، وراحت ناحية المكتب.. خبطت الباب، ورحيم قالها:
ـ ادخلي يا زينب.
دخلت زينب المكتب، عينيها في الأرض وإيدها بتفرك في طرف الطرحة، التوتر كان واضح على ملامحها.
رحيم كان قاعد ورا المكتب، عيونه مركزة عليها بحدة من غير كلام، شاور لها على الكرسي بإيده من غير ما يقطع سكوتة. وقبل ما زينب تنطق بكلمة، رحيم بص للشغالة اللي واقفة في زاوية المكتب وقال بصوت حازم:
ـ "اعملي لها عصير لمون..."
خرجت الشغالة وقفلت الباب وراها بهدوء، ليخيم على المكتب صمت تقيل ما يقطعهوش غير صوت عقارب الساعة اللي بيعلن إن الوقت فات.
رحيم اتعدل في قعدته، وشد الكرسي لقدام شوية، حط كوعه على المكتب، وشبك إيديه ببعض ببطء، وعيونه ما نزلتش من على زينب للحظة. نظراته كانت فاحصة، حازمة، وبتحاول تلمس الحقيقة اللي ورا وشها الشاحب.
زينب كانت واقفة زي التايهة، بتحاول تاخد نفسها وتتحكم في رفة جفنها، حست إن المكان ضيق عليها، وإن وجود رحيم بهيبته دي أصعب من أي شيطان واجهته امبارح.
رحيم بلهجة هادية بس حاده ، كسر السكوت:
ـ اقعدي يا زينب.. مافيش داعي للوقفة دي، أنا مش قاضي ولا محقق، أنا عايز أفهم الصورة كاملة عشان أعرف أحميكي.
زينب قعدت على طرف الكرسي، وإيدها بتعصر في بعضها، وشفايفها كانت بتترعش قبل ما تنطق.
رحيم مَالَ بجسمه ناحيتها أكتر، وكمل بنفس النبرة الجادة:
ـ اتكلمى .. أنا سامعك، ومن اللحظة اللي دخلتي فيها الشقه ، عايز أعرف كل تفصيلة، مهما كانت صغيرة أو شايفاها مش مهمة.. اتكلمي يا زينب، احكي لي اللي حصل بالتفصيل.
سكت رحيم، وساب مساحة لزينب عشان تبدأ تطلع اللي جواها، في حين عيونه كانت مستنية أي رد فعل، 
زينب بلعت ريقها بصعوبة، وخدت نفس طويل كأنه بيطلع من روحها المحبوسة، وبدأت تتكلم وصوتها بيتقطع:
ـ "يا رحيم بيه.. أنا رحت قبل الفرح بيومين، فرشت الشقة، وفرشت اوضه النوم والمطبخ ، وعملت أكل يكفي جيش، تعبت في كل ركن فيها عشان أبيض وشهم قدام الضيوف، وعشان أبدأ حياتي صح."
سكتت لحظة، دموعها بدأت تلمع في عينيها، وكملت بصوت مبحوح:
ـ "يوم الفرح.. دخلت الشقة اتصدمت من اللى شوفته. الأكل اللي عملته كله خلص، كأنهم كانوا عازمين نص البلد عليه، والشقة... الشقة كانت مقلوبة فوقاني تحتاني الشقه اللى فرشتها انا والبنات ، مفيش حتة نضيفة، حتى أوضة النوم ، لقيتها مبهدلة، الملايات مكركبه ومستخدمنها والفوط منعكشه والهدوم على الارض 
رحيم كان بيسمعها ووشه ثابت، زي الصخر، بس عيونه كانت بتلمع بغضب مكتوم. زينب مسحت دموعها بطرف طرحتها، وكملت بوجع:
ـ "حماتي دخلت عليا، ومن غير ما حتى تبارك لي، رمت في وشي فوطة وقالت لي 'قومي نضفي مكان الضيوف قبل ما تنامى  قلت لها يا خالتى أنا ميتة من التعب، ومن الطريق، والبيت كان زي الفل.. 
قالتلى الناس بهدلوا ودورك تلمى وراهم يعنى هنسيب الشقه كده 
زينب سكتت فجأة، شهقة خرجت منها غصب عنها، وبدأت تعيط بحرقة، كأن الذكرى دي سكاكين بتنهش في قلبها. رحيم فضل ساكت، مديها فرصة تطلع اللي جواها، بس ملامحه اتصلبت أكتر.
زينب بصت في الأرض، وقالت بصوت واطي ومكسور:
ـ "قالوا لي كلام... كلام يوجع يا رحيم بيه. قالوا لي 'إحنا جبناكي من الملجأ خدامة، لا ليكي أصل ولا فصل، يبقى تتعدلي وتسمعي الكلام من غير نقاش  ، وإلا الشارع أولى بيكي من بيتنا'."
ولما رفضت شدونى من الطرحه ورمونى على السلم 

خيم الصمت على المكتب تاني، بس المرة دي كان تقيل ومحمل بمرارة ما تتوصَفش. رحيم اتنهد تنهيدة طويلة، وفك تشبيكة إيديه، وبص لزينب وقالها بهدوء 
ـ أهدى يا زينب وحقك هيجيلك اجبلك عربيه دلوقتي ترجعك الملجأ وانا 
لسه هيكمل كلامه زينب قاطعته
رحيم سحب منديل من علبة المناديل اللي على المكتب وناولهولها بهدوء، صوته كان أهدى بكتير من الأول، فيه نبرة حماية واضحة:
ـ "أهدي يا زينب، امسحي دموعك دي.. حقك هيجيلك، وأنا مش هسيب حد يغلط فيكي ولا يكسر خاطرك. أنا مجهزلك عربية دلوقتي هترجعك الملجأ بتاعك، وهناك ارتاحي وأنا هعرف أتصرف مع الناس دي."
قبل ما رحيم يكمل باقي كلامه عن الترتيبات، زينب فجأة رفعت راسها، وعينيها اللي كانت غرقانة دموع لمعت برفض قاطع، قاطعته وهي بتنفض إيدها بحركة عصبية:
ـ "لا.. مش هرجع الملجأ يا رحيم بيه."
رحيم استغرب رد فعلها، ورفع حاجبه باستفهام:
ـ "ليه يا زينب؟ ده المكان اللي انتى عيشتى عمرك فيه  .
زينب سكتت للحظة، شريط ذكريات سريع عدّى قدام عينيها.. افتكرت "عزة"، صاحبتها اللي رجعت الملجأ  وهي مكسورة ومنهارة، وإزاي الناس هناك بقت تبصلها بشفقة مسمومة، وكلام الناس اللي مبيخلصش:  
ياترى لو انا رجعت تانى يوم جواز الناس هتقول "يا ترى فيها إيه؟ يا ترى عملت إيه عشان تترمي تاني يوم جواز؟".
هزت راسها بعنف وهي بتنفي الفكرة، ودموعها زادت وهي بتبص لرحيم  بوجع:
ـ "مش عايزة أرجع أكون زي عزة.. مش عايزة أرجع والناس تبص لي بشفقة وتقول 'رجعت الملجأ تاني يوم جوازها ياترى فيها ايه ووقتها الكلام هيطول باقى البنات ويشككوا فى اخلاقهم '. مش عايزة أرجع أعيش في حيطة سد، أنا عايزة أعيش، عايزة أشتغل، عايزة أثبت لنفسي وللدنيا كلها إني ليّ قيمة.. لو رجعت هناك، هبقى قضيت على نفسي بيدي، والناس مش هترحمني بلسانها."
زينب قامت وقفت بضعف، بس كان فيه إصرار في وقفتها، وكملت بصوت واطي:
ـ "أنا مش عايزه اسمع كلمه معيوبه اللى ممك تتقال لما ارجع وانى ممكن اشبهه بنات الدار .
ـ بس انتى ماعملتيش حاجه 
ـ إحنا عايشين فى فلاحين يعنى الناس فى حياتك اكتر منك ومش هيصدقوا يمكن عندكم هنا عادى انما هناك لا 
رحيم اتسند بضهره على الكرسي، وربّع إيديه وهو بيراقبها بنظرة تقدير ممزوجة بحيرة. ملامحه اللي كانت حادة بدأت تلين، وبان عليه إنه بدأ يحترم قوتها اللي ظهرت فجأة وسط انكسارها.
زينب مسحت عيونها بطرف صوابعها، وكملت كلامها بلهجة فيها رجاء وإصرار:
ـ "أنا عارفة ومقدرة جداً موقفك يا رحيم بيه، وعارفة إن قعدتي هنا لا تجوز ولا تنفع.. لا أنت ينفع تفضل مستضيفني، ولا أنا ينفع أقبل ده. بس أنا بطلب منك خدمة واحدة، مش عايزة مساعدة مادية، أنا عايزة 'طريق'.. ممكن تخلي حد من رجالتك يشوف لي أوضة صغيرة، أي مكان أستر فيه نفسي؟"
أخدت نفس عميق وتابعت:
ـ "ممكن أشتغل في حضانة، عيادة، أي مكان.. أنا متعلمة وشاطرة وهعرف أثبت نفسي. كل اللي محتاجاه منك بس إنك تأمن لي بداية، وأنا هكمل.. مش عايزة أرجع الملجأ تاني، مش عايزة أدخله إلا وأنا ناجحة وواقفة على رجلي، عشان لما حد يسألني 'إيه اللي حصل؟'، أقدر أرفع راسي وأقولهم أنا اللي مشيت لأني كنت أستاهل حياة أحسن من اللي كانوا راسمينهالي."
رحيم سكت ثواني طويلة، كان بيدرس ملامحها المرة دي بنظرة مختلفة، نظرة حد بيحط خطة مش مجرد بيسمع شكوى. نزل إيده من على المكتب، وبص لها بجدية وقال:
ـ "يعني إنتي واخدة قرارك؟ وعارفة إن الدنيا بره دي ذئاب، ومحدش بيرحم حد؟"
زينب هزت راسها بـ "أيوة" قاطعة، وصوتها طلع بثبات لأول مرة:
ـ "الذئاب اللي بره أرحم بكتير من اللي بيكسروا فيك وأنت جوه بيتك.. أنا مستعدة لأي حاجة يا رحيم بيه، بس المهم.. إني أخرج من هنا على حياة تانية، مش على ذكريات توجعني."
رحيم قام من مكانه ولف وشه ناحية الشباك، بص للشارع شوية، وبعدين رجع بص لزينب وقال بصوت حازم:
ـ "تمام يا زينب.. بما إنك اخترتي طريقك، فـ أنا مش هقف في طريقك

رحيم سكت، وبدأ يفرك دقنه بإيده وهو بيفكر في "زينب" وفي ابنه اللي محتاج حد أمين يتابع مذاكرته وياخد باله منه في غيابه. الفكرة لاحت في عقله، وبص لزينب بتركيز، كأنه بيوزن كلامه قبل ما ينطقه:
ـ "بصي يا زينب، أنا عندي فكرة.. مؤقتة لحد ما الأمور تتظبط. ابني محتاج حد متابع معاه المذاكرة، حد أمين ياخد باله منه ويكون موجود في البيت، وشغلة زي دي في البيت عندي أضمن ليكي من أي مكان تاني دلوقتي، وأهو منها تشتغلي ومنها تبعدي عن وش الناس."
زينب بَصتله باهتمام، فكمل هو بشرح عملي:
ـ "في ملحق ورا الفيلا، ده مكان مخصص للي بيشتغلوا هنا، هجهزهولك وأفرشهولك بحيث يكون ليكي خصوصيتك التامة، لا حد يضايقك ولا حد يعرفك. تشتغلي 'دادة' ومربية لابني، لحد ما ألاقي لك الفرصة المناسبة بره، وتكوني وقفتي على رجلك."
زينب حست ببارقة أمل، الفكرة كانت طوق نجاة، مكان أمان وشغل في نفس الوقت، بعيد عن أعين الناس وكلامهم. ردت عليه بصوت فيه رجاء:
ـ "موافقة يا رحيم بيه، وكتر خيرك إنك فكرت فيا.. بس عندي طلب صغير، خايفة على 'ماما حنان'. هتقلك عليه وممكن ترفص ، ومش عايزة أقلقها أو تفتكر إني رميت نفسي في التهلكة."
سكتت لحظة، وعيونها اتملت دمعة تانية، بس المرة دي دمعة خوف عليها مش على نفسها:
ـ "لو ممكن.. تساعدني وتقنعها؟ فهمها إني بخير، وإني بشتغل وببني مستقبلي، وإن ده قراري عشان أعيش بكرامة. هي لو سمعت منك، هتطمن  ، وأنا واثقة في حضرتك."
رحيم هز راسه بالموافقة، ونظراته كانت بتوحي إنه قَبِل المهمة:
ـ "متقلقيش من دي.. هعرف أطمنها كويس، وهخليها هي اللي تدعي لك لما تشوفك ناجحة. اعتبري الموضوع منتهي، جهزي نفسك، والنهاردة هبعت حد يوضب لك الملحق."
ملامح زينب اتغيرت تماماً؛ النظرة المنكسرة اتحولت لبريق أمل، وابتسامة خجولة بدأت ترسم طريقها على وشها لأول مرة من وقت ما دخلت البيت.
رحيم لاحظ التحول ده، ملامحه لانت أكتر، وابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيقوم من مكانه:
ـ "خلاص اتفقنا.. اعتبري دي صفحة جديدة."
دق على الجرس اللي جنبه، ودخل الخادم. رحيم أمره :
ـ "بلغ 'مالك ' يجيلي المكتب انا مستنيه
دقايق ودخل ولد صغير، عيونه ذكية بس باين عليه إنه زهقان من الروتين. رحيم شاورله يقرب، وقال لزينب 
ـ "زينب.. ده ياسين، ابني. ياسين، دي زينب، هي اللي هتهتم بيك وتساعدك في دروسك من هنا ورايح."
ياسين بص لزينب بفضول طفولي، وزينب نزلت لمستواه وابتسمت له بصدق، فالولد اطمن لها وبدأ يشدها من إيدها بحماس:
ـ "تعالي يا  زينب، أنا عندي ألعاب كتير فوق، بس مفيش حد بيلعب معايا.. بابا دايماً مشغول!"
رحيم بص لهم وهما خارجين، وضحكة خفيفة هربت منه وهو بيشوف زينب بتتحرك مع ياسين بتلقائية.
في أوضة الألعاب، الدنيا كانت عالم تاني. زينب وقفت مبهورة؛ الرفوف مليانة ألعاب حديثة، عربيات بتتحكم بالريموت، بازل، ومكعبات. ملامحها اتغيرت وبقت زي طفلة شافت الجنة لأول مرة، نسيت كل الهموم اللي حكت عنها من دقايق.
قعدت على الأرض مع ياسين، بدأت تمسك الألعاب وتجربها بضحكة طالعة من القلب، وعيونها بتلمع ببهجة حقيقية. مالك كان فرحان جداً إن لقى حد يشاركه لعبه، وزينب لقت في اللحظة دي مهرب من وجعها، كأنها بتسترد طفولتها اللي اتسرقت منها في دوامة المشاكل.
رحيم كان واقف عند باب الأوضة، بيراقب المشهد بصمت، 
سابهم ودخل الاوضه بتاعته واتصل بحنان 

تعليقات