رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل التاسع عشر
دلف إلى الداخل وما هي إلا ثوانٍ حتى خرج بالحاسوب الخاص به وفتح شاشته أمام «طيف» قبل أن يضيق ما بين حاجبيه وهو يقول بتعجب:
- ايه ده؟ أنا لازم أبلغ اللواء أيمن حالا
انتبه له «طيف» وقال بتساؤل:
- فيه ايه؟
تردد هل يُخبره أم لا لكن «طيف» لم يتحمل صمته فقال بجدية:
- ما تقول يا إلياس فيه ايه ما اللواء أيمن يبقى أبويا بردو
وجه بصره له وقرر أخيرا إخباره بما عرفه وأردف:
- بص اللواء أيمن بعد اللي حصل قالي أحط موبايلك موبايل مراتك نيران وبارق تحت المراقبة علشان لو حصل أي حاجة طبيعي هتتحركوا من نفسكم، متزعلش مني يا طيف بس اللي عملته ده كحماية ليكم بس ومش بشوف غير لو فيه رسايل من الناس دي وصلت ليكم ولا لا ودلوقتي جيه رسالة لنيران مضمونها بيقول لو عايزة تنتقمي لأولادك الرسالة الجاية هيبقى فيها عنوان اللي نفذ
نهض «طيف» في الحال وردد بجدية:
- بلغ اللواء ايمن يا إلياس، أنا هروح ألحق نيران قبل ما تمشي ورا الطعم ده
لم ينتظر موافقته وركض إلى الخارج بسرعة ثم استقل سيارته وانطلق إلى منزل «نيران» بسرعة كبيرة. مر من الوقت عشرون دقيقة حتى وصل إلى المنزل. ترجل من سيارته وتوجه إلى الداخل لكنه استراح قليلًا عندما وجد سيارتها بالخارج. توجه إلى الباب ورن الجرس لتفتح له «نيسان» التي تفاجأت به وردد بهدوء:
- طيف؟ تعالى اتفضل
تقدم إلى الداخل ونظر حوله قبل أن يقول:
- هي فين نيران
ظهر الحزن على وجهها وقالت بهدوء:
- في أوضتها فوق
- طيب ممكن أطلعلها؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت على الفور:
- ممكن طبعا تعـ..
وقبل أن تتحرك ظهرت والدتها التي قالت بترحيب:
- أهلا بيك يا طيف يابني
صافحها وقال يهدوء:
- ازي حضرتك يا حماتي، معلش ممكن أقابل نيران؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت:
- أيوة طبعا بس قولي ايه اللي وصل الحال بينكم كدا، دي أول مرة تحصل إنها تسيب البيت وتيجي هنا
نظر إلى الأسفل وقال بحزن واضح:
- من بعد اللي حصل وهي معتبراني عدوها، معتبراني السبب في اللي حصل لعيالنا وكأني مخسرتس خسارة أكبر، لو هي زعلانة على ولادنا قيراط فأنا زعلان 24 قيراط، أقسم بالله أنا بموت ألف مرة كل يوم لأني مش بس خسرت لا أنا عشت الخسارة
ربتت على كتفه بهدوء بعد أن انهمرت عبرة من عينيها وقالت بحزن:
- طبيعي يا حبيبي بعد اللي حصل، كلنا مصدومين وكلنا عايشين كابوس صعب، نيران محتاجة بس تفوق من صدمتها وتحاول تنسى، هي بس مش عارفة تعمل ايه ولا تخرج حزنها ده في مين وكنت أنت اللي قصادها، اطلع لها وحاول اتكلم معاها وربنا يبعد عنكم الحزن يابني
صعد بالفعل إلى الأعلى واقترب من غرفتها قبل أن يطرق بهدوء على الباب. لم يستمع إلى رد فطرق مرة أخرى لتقول هي من الداخل:
- ادخلي يا نيسان
فتح الباب بهدوء ودلف إلى الداخل مما جعلها تتفاجأ به وأبعدت نظرها عنه. تقدم حتى جلس على فراشها من الجهة المقابلة وردد بعتاب:
- دي هتبقى آخرتها يعني يا نيران؟ أنا مش هعاتبك على رد فعلك ولا على زعلك لأني زعلان أكتر منك بمراحل، الفرق بينا بس إني كاتم الزعل ده جوايا ومخليني بغلي من جوا لكن أنتي طلعتي الزعل ده، بس مش لدرجة التمني بالشكل ده يا نيران، تتمني أكون أنا اللي تخسريه؟ أنا أيوة كنت بتمنى ده ومازلت بتمنى ده ولو الزمن عاد نفسه هضحي بنفسي علشانهم لكن لما تقوليها أنتي وتخرج من حبيبتي ليها طابع تاني، أكنها رصاصة مسمومة لو صابت صاحبها مش هيعيش أبدا
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت بهجوم:
- عايزني أعمل ايه يعني؟ اخدك بالحضن واقولك معلش يا حبيبي اللي حصل حصل ونركز في اللي جاي؟ أنت مش مدرك مين اللي مات؟ عيالنا ماتوا يا طيف عارف يعني ايه عيالنا ماتوا؟ ومش بس كدا ده امك وأخواتك البنات الاتنين كمان ماتوا وأنت قدمت ليهم ايه؟ فضلت تتفرج عليهم ومقاومتش حتى علشان تقلل الخساير، يا جدع ده أي حد عادي في حالتك دي كان هيضحي بنفسه علشان ينقذهم لكن سيادتك ظابط ومتدرب على أعلى مستوى ومقاومتش بحركة واحدة حتى، سيبتهم يمشوا وفضلت تعيط زي العيال الصغيرة، بعد ده كله عايزني أعمل ايه؟ أنا مبقتش طايقة أشوفك ولا اتعامل معاك طلقني يا طيف لأني مش هعيش معاك تاني
رفع أحد حاجبيه وقال بصدمة:
- اطلقك؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت بجدية:
- أيوة طلقني ومتحطش أمل إني ههدى لأني زي ما قولتلك مش طايقاك
نهض من مكانه ونظر لها وهو يقول:
- تمام يا نيران هعملك اللي أنتي عايزاه بس قبل ما أمشي هقولك حاجة، إني مقاومش زي ما قولتي هو علشان حاجة واحدة بس وهي إني اتصدمت، واحد داخل بيته فجأة لقى كل واحد من عيلته فيه سلاح متوجه لراسه وكلهم بيبصوا له بعينين مليانة دموع، أنا في اللحظة دي أصلا نسيت إني ظابط وإني معايا سلاح وإني متدرب على أعلى مستوى زي ما بتقولي، كل اللي قولته في اللحظة دي سيبوهم واقتلوني أنا، خدوا حقكم مني أنا، استغنيت عن روحي في سبيل إنهم يكونوا بخير من غير تفكير ومن غير كلام لكنهم كانوا موجودين علشان هدف تاني وهو إنهم يدمروني مش يقتلوني وده اللي حصل، اللي عاش الموقف بتفاصيله غير اللي جيه بعد ما كل حاجة حصلت وشاف النتيجة
تركها ورحل وما إن نزل الدرج حتى تحركت «نيسان» صوبه وقال بتساؤل:
- عملت معاها ايه؟
حرك رأسه بمعنى انتهى كل شيء وقال:
- اختك مقتنعة إني السبب في كل حاجة وعايزاني أطلقها
اتسعت حدقتاها وقالت بصدمة:
- يلاهوي؟ أوعى يا طيف تسمع كلامها ده مجرد كلام بتقوله بسبب زعلها
حرك رأسه بمعنى "لا" وأردف:
- لا مش مجرد كلام، نيران وصل بيها الحال إنها تكرهني وقالت ده في وشي، مبقتش طايقاني واتمنت موتي بدلهم، لا مش مجرد كلام يا نيسان، أنا عارف إن حياتي اتدمرت بمجرد ما حصل اللي حصل بس كان عندي أمل تخفف هي عني شوية من الحمل ده لكن كانت هي من ضمن الحمل، وبما أن حياتي كدا كدا باظت وضاعت فعادي أي حاجة تحصل بعد كدا، قولي لأختك إني هبعتلها ورقة طلاقها
تركها ورحل وسط صدمتها الشديدة بتطور الأمور إلى هذا الحد.
استقل سيارته وظل مكانه بشرود شديد لكنه تحرك في النهاية إلى منزله وأثناء سيره استمع إلى صوت رنين هاتفه فأخرجه ونظر إلى شاشته ليجد «إلياس».أجاب على الفور وهو يقول:
- أيوة يا إلياس فيه جديد؟
جاء صوت «إلياس» الذي كان مرتفع من الجهة الأخرى:
- طيف بعتوا رسالة تانية بالعنوان لنيران وهي اتحركت على هناك، اللواء ايمن عرف وحرك رجالته، لو أنت قريب منها الحقها
ضغط على الفرامل وأوقف سيارته وهو يقول بجدية:
- ابعتلي مكانها بالظبط يا إلياس
- لا هبعتلك العنوان اللي هم بعتوه تروح تستناها قريب منه وتمنعها من إنها توصل أفضل ما تمشي وراها وممكن متلحقش
حرك رأسه بالإيجاب وقال:
- تمام تمام ابعت بسرعة
أنهى المكالمة وظل موجهًا بصره صوب الشاشة إلى أن أرسل له «إلياس» العنوان وانطلق على الفور.
على الجهة الأخرى قادت «نيران» سيارتها بسرعة كبيرة ونظرت إلى المقعد المجاور حيث كان سلاحها. أمسكته وقالت بتوعد:
- أمكم هتاخد حقكم يا حبايبي
تركت السلاح مرة أخرى وتابعت القيادة
أما عن «طيف» فوصل بالقرب من المكان المحدد وخرج من سيارته قبل أن يسند ظهره عليها وهو يتابع الطريق من بعيد في انتظار وصولها وما هي إلا دقائق قليلة حتى وصلت هي الأخرى وترجلت من سيارتها لأن هذا المكان لا يمكن دخوله بالسيارة.
تحركت بضع خطوات لكنها توقفت عندما ظهر «طيف» أمامها وهو يقول بتساؤل:
- ياترا رايحة فين؟
نظرت له بضيق وأردفت:
- أظن ميخصكش رايحة فين وبعدين أنت مراقبني ولا ايه!
حرك رأسه بمعنى لا وهتف:
- لا مش مراقبك بس كويس إني عرفت إنك هنا علشان أمنعك من الهبل اللي جاية تعمليه
نظرت له وقالت بتحدي:
- مش هتقدر تمنعني
ابتسم بسخرية وردد:
- جربي كدا تخطي خطوة واحدة وهتشوفي إزاي همنعك، أنتي إزاي مش مدركة إن ده كمين؟ بطلي غباء وتسرع بقى
أدركت في تلك اللحظة أنه لن يسمح لها بمتابعة ما جائت من أجله لذلك نظرت حولها بحثًا عن وسيلة للهروب وما إن وجدت الطريق حتى ركضت بسرعة شديدة.
تفاجأ بركضها دون أي مقدمات فركض خلفها بسرعة كبيرة ليحاول منعها قبل فوات الأوان فهي لا تدرك ما هي مقدمة على فعله.
كانت الأجواء هادئة إلى حد كبير في هذا المكان الذي اعتاد على الهدوء والصمت. كان يوجد بعض الأشجار بشكل متفرق وتتراقص أغصانها من حين لآخر بسبب غزو الهواء لها؛ لتُعطي صورة رائعة لكن سرعان ما تبدل هذا الهدوء واقترب صوت من بعيد ليزداد تدريجيًا حتى ضربت قدم الأرض بقوة لتثير الأتربة والغبار من تحتها لكن لم تكن لهذه الأتربة فرصة للهبوط مرة أخرى حيث ضربت قدم أخرى الأرض لتثير الأتربة من جديد بشكل أقوى.
كانت تركض بسرعة كبيرة إلى المجهول وكل ما تفكر به هو الهروب منه قبل أن يلحق بها ويمنعها بالقوة. ركض هو خلفها بكل ما أوتي من قوة وسرعة دون أن يتوقف فهي على وشك تدمير كل شيء الآن. تابعت هي ركضها ولاحظت اقترابه منها فتوقفت ووجهت سلاحها تجاهه قبل أن يتوقف هو ويوجه هو الآخر سلاحه تجاهها قائلًا:
- اقفي عندك يا نيران، متضطرنيش اوقفك بالقوة غصب عنك
نظرت له وقالت بتحدي وغضب في آن واحد:
- سيبني أنت يا طيف وملكش دعوة بيا، هعمل اللي في دماغي ومحدش هيقدر يمنعني
تقدم بخطوات هادئة نحوها وهتف بصوت مرتفع:
- اللي هتعمليه ده هيسبب كارثة وبدل ما الخسارة تبقى قليلة هتبقى كارثية بسبب تهورك وغباءك ده، اقفي يا نيران ومتتحركيش بدل ما اضرب عليكي
نظرت له بنظرات نارية تحمل الغضب وهتفت:
- أنت اللي لو قربت يا طيف هضرب عليك رصاص، ابعد يا طيف وسيبني بدل ما تخليني اعمل حاجة اندم عليها باقي عمري
لم يستمع لها وتقدم بثقة وهو يقول:
- متقدريش يا نيران، مش هتقدري
ضغطت على أسنانها وحركت سلاحها وهي تقول بنبرة تحمل التهديد:
- قولتلك متقربش يا إما هضرب عليك
تابع اقترابه بثقة منها دون أن يتوقف فضغطت هي على الزناد لتنطلق رصاصة من سلاحها وتخترق جسده في الحال.
توقف في تلك اللحظة ونظرات الصدمة تملأ عينيه، وضع يده على مكان إصابته ورفعها ليجد الدماء، سقط على ركبتيه ونظر لها بألم قائلًا:
- ليه يا نيران؟
شعرت هي بالصدمة لما فعلته لكنها رددت:
- أنت كنت مستعد تستخدم سلاحك علشان توقفني
حرك رأسه بمعنى "لا" وقام بالتوضيح قائلًا:
- عمري ما كنت هستخدمه ضدك يا نيران، عمري ما كنت هأذيكي بأي شكل
انهمرت العبرات بغزارة من عينيها وهتفت بصوت باكي مرتفع:
- اعمل ايه يا طيف، أي حاجة هتقف قصاد إني انتقم لولادي هعملها حتى لو أنت يا طيف
رفعت صوتها وتابعت بنبرة باكية:
- حتى لو أنت يا طيف
تركته وركضت بسرعة وتابعها هو بتعب حتى اختفت من أمام عينيه؛ هنا شعر بالدوار فسقط على ظهره وعينه تنظر إلى السماء. ما هي إلا ثوانٍ حتى أغلق عينيه بعد أن سالت دمائه على أرضية هذا المكان الخالي من السكان.
التقط أنفاسه وتابع سرد ما حدث قائلًا:
- في اللحظة دي غبت عن الوعي وأنا بفكر في حاجات كتير أوي، بفكر في خسارتي اللي فاتت وخسارتي الجاية لكن هل اللي أنا فيه ده هي الخسارة الجاية وخلاص جيه نصيبي اللي بتمناه علشان اترحم من العذاب ده؟ للأسف بما إني هنا فأكيد لا
اقترب الطبيب منه وقال بجدية:
- كمل يا طيف حصل ايه بعد ما نيران ضربتك بالرصاص؟
حرك رأسه وهو يقول بجهل تام:
- مش عارف، صدقني مش فاكر حاجة بعد كدا خالص وكأن الفترة اللي بعد دي اتمسحت تمامًا من ذكرياتي، كل اللي فاكره إني غمضت عيني بعد ما ضربتني وفتحتها تاني كنت هنا في أمريكا وعندي شقة قاعد فيها ومش بس كدا ده فيه عيادة لدكتور نفسي جنب البيت واللي فيها دكتور مصري
ابتسم بسخرية ونظر للطبيب وهو يتابع:
- ممكن نقول ده صدفة بس أنا شايف إنها مش صدفة خالص، أكيد يعني مش هاجي المسافة دي كلها لوحدي وهيبقى عندي شقة لوحدي وفي النهاية يكون جنب بيتي دكتور نفسي مصري، هل ده كله صدفة؟
حرك رأسه بمعنى "لا" وأمسك بياقة قميص الطبيب قبل أن يعتدل ويقبض على رقبته بقوة وهو يقول:
- أنا عارف من البداية إنك تبعهم وإنك تكون هنا في المكان ده بالذات مش صدفة، أنت عارف الصدفة الوحيدة هي ايه؟ هي إني حسيت برغبة إني عايز اتعالج نفسيًا بعد اللي حصلي وجيتلك زي العبيط بس بمجرد ما لقيتك بتتكلم مصري عرفت إن كل ده عمره ما يكون صدفة
أمسك بتمثال حجري كان بجواره ورفع يده وهو يقول:
- أنا عارف إني لما أخلص عليك مش هيكفيني اللي عملتوه في عيلتي وعارف بردو إني هموت بمجرد ما أخرج من مكتبك ده لكن على الأقل مبقاش خسرت من غير ما آخد حد منكم معايا
وقبل أن يضرب رأسه بهذا التمثال ضرب أحد رأسه بقوة من الخلف ليفقد وعيه في الحال ...
