رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل العشرون
- آآآه
حاولت كتم صوتها حتى لا يستيقظ زوجها ونهضت من مكانها لتسير في الغرفة بتعب شديد. زاد العرق على وجهها بشدة ولم تعد تتحمل الألم أكثر من ذلك مما جعلها تقترب من الفراش وتربت على كتفه وهي تقول بألم شديد:
- إلياس الحقني
فاق من نومه ليجدها على هذا الحال. انتفض على الفور وقال بنبرة تحمل الخوف والقلق:
- مالك يا حبيبتي؟
حركت رأسها بتألم وسندت ظهرها على الوسادة وهي تقول بألم شديد:
- شكلي بولد يا إلياس، شكلي بولد
شعر بالصدمة ووقف في الحال ليتحرك في الغرفة بسرعة كبيرة بعد أن سيطر التوتر عليه بالكامل. ظل ينظر حوله ليجد حل لكن مع صراخها انتفض وقال على الفور:
- تعالي أساعدك تلبسي، لازم نروح المستشفى حالا
بالفعل ركض صوب خزانة الملابس وأخرج ملابسها قبل أن يقترب منها ويساعدها على ارتدائها.
انتهى أخيرا وحملها بين ذراعيه وركض إلى الأسفل لتظهر «سارة» أمامه وهي تقول:
- خير يا باشمهندس؟ حصل ايه
تحرك دون أن ينظر لها إلى الباب وهو يقول:
- إيلين بتولد يا سارة، افتحي الباب بسرعة
ركضت وفتحت الباب وما إن خرج حتى قال:
- خليكي هنا ولو احتاجتك هبعتلك السواق بالعربية
- تمام تمام، ترجعوا بالسلامة إن شاء الله
فتح باب السيارة ووضعها بالداخل ثم التف بسرعة واستقل المقعد الأمامي خلف المقود وقاد السيارة بسرعة كبيرة. كان يحاول تهدئتها من حين إلى آخر أثناء الطريق وأمسك هاتفه ليجد اتصال من صديقه الذي ما إن أجاب حتى قال:
- الحمدلله إنك صاحي كنت عـ...
قاطعه «إلياس» الذي قال على الفور بنبرة تحمل القلق:
- إيلين بتولد يا مراد ورايح بيها على المستشفى حالا
انتفض من مكانه وقال بصدمة:
- ايه؟ بتولد طب اقفل اقفل أنا هجيلك حالا ومتنساش تبعت عنوانها في رسالة
- تمام
دلف «مراد» إلى غرفته وتحرك بسرعة مما أيقظ «سما» التي قالت بتعجب:
- مراد؟ ايه اللي مصحيك دلوقتي؟
فتح خزانة ملابسه وأردف بجدية:
- مكانش جايلي نوم وقولت بما إن الفجر قرب يأذن أكلم إلياس ننزل نصلي مع بعض لقيته بيقولي إيلين بتولد ورايح بيها على المستشفى
نهضت هي الأخرى من مكانها بعد أن تفاجأت بما قال وأردفت بجدية:
- طيب أنا جاية معاك، هغير هدومي بسرعة ونتحرك مع بعض
- تمام بسرعة
وصل «إلياس» إلى المستشفى وترجل من سيارته قبل أن يلتف ويفتح باب السيارة ليحمل زوجته وهو يقول:
- معلش استحملي يا حبيبتي هانت
تألمت بشدة وقالت:
- آآآه مش قادرة يا إلياس
تحرك بها إلى الداخل بسرعة وهو يقول بهدوء:
- هتبقي بخير يا إيلين إن شاء الله، وصلنا خلاص أهو
وصل إلى الداخل وصرخ بصوت مرتفع:
- عايز حد بسرعة مراتي بتولد
ركضت إحدى الممرضات تجاهه ورددت بجدية:
- لحظة حضرتك
جلبت عربة ووضع «إلياس» صغيرته فوقها لتقول الممرضة:
- بلغت الدكتورة وهي بتجهز حالا وزمايلي بيجهزوا غرفة العمليات، استأذنك تسيبها
ترك العربة ودفعتها الممرضة إلى الداخل حيث غرفة العمليات وكان هو يسير بجوارها وهو يمسك بيدها كي يبث الطمأنينة بداخلها.
وصلوا إلى غرفة العمليات ورددت «إيلين» بخوف وعينان دامعتان:
- أنا خايفة أوي يا إلياس
مسح دموعها وقبض على يدها بقوة وهو يقول:
- متخافيش يا حبيبتي أنا معاكي أهو، كلها دقايق ويبقى معانا بيبي زي القمر شبهك
رسمت ابتسامة على وجهها ورددت:
- يارب يا إلياس، يارب
هنا حضرت الطبيبة ومعها ممرضة أخرى وهي تقول:
- دخليها يا اسماء الاوضة
أوقفها «إلياس» وقال بنبرة تحمل القلق والخوف:
- بعد اذنك خلي بالك منها أنا مليش في الدنيا دي كلها غيرها
ابتسمت ورددت بصوت هادئ:
- متقلقش يا باشمهندس، دي علشان أول مرة بس خايف كدا، بعد كدا هتتعود، هتخرج بخير هي والبيبي إن شاء الله، بعد اذنك
دلفت إلى الداخل وربت هو على يد زوجته وهو يقول:
- هتخرجي بخير يا حبيبتي، إن شاء الله هتخرجي بخير
دفعتها الممرضة إلى الداخل وبقى هو بالخارج يتحرك ذهابًا وإيابًا وهو يستمع صوت صراخها بالداخل. ظل يدعوا الله بأن يحفظها وأن تخرج بخير هي وطفلهم وما هي إلا دقائق وحضر «مراد» ومعه زوجته «سما» التي ركضت صوب «طيف» وهي تقول بقلق:
- إيلين عاملة ايه يا طيف
بدل نظراته بينها وبين صديقه وردد بنبرة تحمل القلق:
- في اوضة العمليات جوا، ربنا يعديها على خير
وضع «مراد» يده على كتفه وقال بهدوء:
- متقلقش يا إلياس إن شاء الله هتخرج بخير
ما إن أنهى جملته تلك حتى استمعوا إلى صوت بكاء طفل بالداخل فابتسم «إلياس» تلقائيًا وردد:
- يااارب خرجهالي هي والبيبي بخير
مرت ثوانٍ وخرجت الممرضة وهي تقول:
- جالك بنوتة زي القمر وأمها الحمدلله بخير
ابتسم وردد بصوت مسموع:
- الحمدلله الحمدلله
حضنه «مراد» بعد سماع تلك الكلمات وردد بسعادة:
- ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يحفظهالك وتفرحوا بيها يارب
- الله يبارك فيك يا مراد
ابتسمت «سما» ورددت هي الأخرى:
- ألف مبروك يا إلياس، أكيد بنوتة زي القمر طالعة لمامتها ربنا يخليهالكم
ابتسم وردد بامتنان:
- الله يبارك فيكي يا سما، تسلموا على مجيكم في الوقت ده
هنا ردد «مراد» باعتراض:
- أنت بتشكرنا على ايه يا إلياس إحنا عيلة وأخوات وصحاب مفيش بينا الكلام ده
ما هي إلا دقائق قليلة وخرجت الممرضة وهي تحمل الطفلة بين ذراعيها واقتربت من «إلياس» وهي تقول:
- اتفضل، ربنا يخليهالك
أخذ ابنته الصغيرة منها بينما كانت عيناه تلمع لشدة الفرح. حملها بين ذراعيه وهو لا يصدق أن طفلته التي تمناها من الله هي الآن بين ذراعيه.
نظر إلى وجهها بابتسامة حب وقبل جبينها قبل أن يقول:
- نورتي حياتي يا حبيبة بابا
اقترب منه «مراد» ونظر إلى وجهها وهو يقول بابتسامة:
- ما شاء الله تبارك الرحمن، قمر ربنا يحفظهالك يا إلياس
واقتربت «سما» أيضا وهي تقول:
- يا خلاثي على القمر ربنا يحفظها ليكم يا إلياس يارب
ظل موجهًا بصره صوب صغيرته فما أشبه الليلة بالبارحة. بالأمس كان يحمل حبيبته وحب حياته بين ذراعيه بينما كانت طفلة لا تفهم شيء والآن يحمل ابنته منها بعد تلك السنوات الطويلة بنفس الطريقة ويكن لها نفس الحب بل حبًا مختلفًا لم يشعر به من قبل.
قطعت الممرضة نظراته تلك عندما رددت بابتسامة:
- زوجة حضرتك في أوضتها دلوقتي تقدر تدخلها
نظر لها وحرك رأسه بالإيجاب ودلف إلى داخل الغرفة ليجد زوجته وحب حياته على الفراش. اقترب منها وهو يحمل الطفلة بين ذراعيه وردد بابتسامة:
- حمدالله على سلامتك يا أغلى ما في حياتي
ابتسمت ورددت بصوت يدل على الإرهاق:
- الله يسلمك يا ليسو، شوفت بنتنا قمر إزاي
حرك رأسه بالإيجاب ونظر لها بعينان دامعتان وهو يقول بحب:
- قمر اوي، نفس شكلك وأنتي صغيرة، أنا لسة فاكر اليوم ده كأنه امبارح، الزمن بيعيد نفسه تاني لكن مع بنتنا، مش مصدق والله
اقترب منها وأعطاها لها لتحملها وما إن أخذتها منه حتى نظرت إلى وجهها وهي تقول بحب:
- مكنتش متخيلة اليوم اللي هكون فيه أم يجي بدري كدا، مش مصدقة إني شايلة بنتي اللي هي حتة مني
ابتسم ووضع يده على كتفها وهو يقول بحب:
- لا صدقي يا إيلي، بنتنا جت للدنيا علشان تنور حياتنا وتزينها أكتر وأكتر، الأول كان عندي بنت واحدة دلوقتي بقى عندي بنتين
استمع لطرقات على الباب فردد بهدوء:
- تعالى ادخل يا مراد أنت وسما
دلف «مراد» ومعه زوجته التي رددت بابتسامة:
- ألف حمدالله على سلامتك يا إيلين يا قمر، تتربى في حضنك يا حبيبتي وتفرحي بيها يارب
ابتسمت ورددت بحب:
- الله يسلمك يا قلبي تسلميلي
تقدم «مراد» وقال مازحًا:
- حمدالله على سلامتك يا إيلين، وبعدين في قطع الأرزاق ده؟ إحنا اتفقنا لو جيه ولد هتسموه على أسمي ودلوقتي طلعت بنت نعمل ايه؟
نظر إلى صديقه وتابع:
- نسميها مرادة؟
ضحك الجميع ونهض «إلياس» الذي ضربه بخفة في كتفه وهو يقول مازحًا:
- يا أخي حرام عليك مرادة ايه بس
رفع كفيه في الهواء وهو يقول باستسلام:
- خلاص خلاص أنا آسف، آآآه يا مفتري إيدك تقيلة
- احسن علشان تبقى تقول مرادة
ضحك الجميع بصوت مرتفع ورددت «إيلين» بابتسامة:
- يلا الدور عليكم عقبالكم إن شاء الله
رفع «مراد» كفيه في الهواء وقال مازحًا:
- لسة بدري يا حاجة ده إحنا يادوب راجعين من شهر العسل، مش مستعجلين إحنا خالص
هنا رددت «سما» التي نظرت إليهما وهي تقول:
- صحيح قررتوا تسموها ايه؟ ده بعيدا طبعا عن العبث اللي قاله مراد
ضحكوا من جديد ونظر «إلياس» إلى «إيلين» وهو يقول:
- ايه رأيك في لورا، معناه ضوء القمر علشان يبقى معايا إيلين ضوء الشمس ولورا ضوء القمر
ابتسمت «إيلين» وقالت بسعادة:
- الله اسم تحفة، حلو أوي
هنا نهض «مراد» وأردف بصوت مسموع:
- حلو أوي يلا بقى نصلي الفجر قبل ما إيلين تطلع قصدي ضوء الشمس
ضحك الجميع ونهض «إلياس» الذي ضربه بخفة على رأسه وهو يقول:
- طب يلا بينا يا ظريف
- الله بتمد ايدك ليه طيب، هسيبك علشان بنتك الغلبانة دي
***
دلف «يوسف» إلى غرفته بعد أن أتى من الخارج بعد أن أدى صلاة الفجر في جماعة بالمسجد. تقدم إلى الداخل وجلس على فراشه وهو يفكر في ذلك الكابوس الذي استيقظ عليه. فتحت «سهوة» عينيها لتجد زوجها جالس أمامها لكنه شارد في التفكير فاعتدلت ووضعت يدها على كتفه وهي تقول:
- الساعة كام يا حبيبي؟
ابتسم ونظر لها وهو يُجيبها:
- الساعة دلوقتي 5
ضيقت ما بين حاجبيه وقالت بتعجب:
- ايه ده أنا مصحيتش علشان أصلي الفجر مصحتنيش ليه
أمسك بيدها وقال بحب:
- لأنك كنتي تعبانة بليل ولقيتك نايمة ورايحة في النوم وكمان مظبطتيش المنبه عرفت إنك تعبانة فمرضتش أصحيكي
حركت رأسها بتفهم وقالت بتساؤل:
- صحيت لقيتك سرحان وفيه حاجة شاغلة بالك، كنت بتفكر في ايه؟
لم يرغب في البداية أن يُخبرها لكنه لم يعتاد إخفاء شيء عنها لذلك نظر إليها وقال:
- حلمت حلم غريب مش فاهم معناه
ضيقت نظراتها وقالت بترقب:
- حلم ايه؟
نظر إلى نقطة بالفراغ وبدأ في سرد ما رآه:
- حلمت إن طيف رجع ولكن مش طيف صاحبي ولا اللي نعرفه، كان واحد تاني خالص، كان بيبصلنا بعدوانية وكره وفجأة بدأ يقتلنا واحد ورا التاني ولما وصل ليا سألته أنت بتعمل كدا ليه إحنا صحابك وعيلتك لقيته رد عليا بملامح مش واضحة وقال أنتوا السبب
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت بتعجب:
- بس طيف مات ولا ممكن يكون لسة عايش؟
رفع كتفيه وأجاب بجهل:
- صدقيني مش عارف، وارد يكون مات فعلا ووارد يكون لسة عايش بس لو هو عايش ليه مختفي الفترة دي كلها، طيف اختفى من سنة ومحدش يعرف عنه حاجة، استحالة يكون عايش بس اللي مخلينا حاطين أمل بسيط هو إننا لغاية دلوقتي ملقيناش جثة له
لوت ثغرها وقالت بحزن واضح:
- طيف ده ملهوش حظ، كل فترة يحصله حاجة يا إما يختفي يا إما يتخطف، بيفكرني بيك زمان لما كل ده كان بيحصلك، فاكر لما افتكرناك مت ولقينا جثة محروقة وافتكرناك أنت؟ بعدها رجوعك تاني كان صدمة للكل
حرك رأسه بالإيجاب وقال بتوضيح:
- أيوة فاكر لكن طيف حالته دلوقتي غير حالتي، بقولك سنة كاملة ملهوش أثر، اختفى بدون مقدمات وقت ما كلنا كنا مش عاملين حساب لده، فضلنا خمس شهور بندور عليه في كل مكان وإلياس تقريبا اخترق كل الكاميرات اللي موجودة في القاهرة علشان يوصل لسجلاتها يمكن تكون سجلت تحركاته لكنه فص ملح وداب وأعلنا بعدها إنه مات، خمس شهور كل جهات الأمن بتدور عليه لكن مفيش فايدة
حركت رأسها بحزن ورفعت يدها إلى السماء وهي تقول:
- يارب لو عايش يرجع لأهله بخير ولو فعلا مات ربنا يرحمه ويصبر أهله
- يارب
***
فتحت عينيها أخيرا بعد أن استمعت لطرقات على باب غرفتها فرددت بصوت شبه مسموع:
- ادخل
دلف «أمجد» إلى غرفة ابنته واقترب من فراشها وهو يقول بابتسامة:
- صباح الخير يا حبيبتي
اعتدلت ورددت بابتسامة:
- صباح النور يا بابا، فيه حاجة ولا ايه مصحيني بدري كدا ليه
جلس على الفراش مقابلًا لها وردد بهدوء:
- مش بدري ولا حاجة الساعة داخلة على 11 دلوقتي وبعدين الصراحة مقدرتش استنى تصحي وبعدين أكلمك في الموضوع ده
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت بتساؤل:
- موضوع ايه؟
تردد في البداية ولم يعرف من أين يبدأ لكنه تحدث في النهاية:
- بصي يا حبيبتي أنا عارف إنك واخدة اجازة من الشغل بس أنا عايزك تسيبيه نهائي
ظلت صامتة لتستمع ما سيقوله ليتابع هو:
- يا حبيبتي الشغل ده مجاش منه غير كل شر وآخرها طيف اللي اختفى بقاله سنة ومحدش يعرف عنه حاجة، المفروض هيعلنوا رسمي إنه مات يا نيران، مستنية تخسري ايه تاني
التقطت أنفاسها ونظرت إلى والدها لتقول بنبرة تحمل الإعتراض:
- بابا أنت كلمتني في الموضوع ده قبل كدا كتير وكل مرة أقولك لا، أنا راضية بحياتي كدا وشغلي هو حياتي واستحالة اسيبه، أنا لسة عند كلامي وهو إني مش مصدقة إن طيف مات وأكيد لسة عايش، لو العالم كله قال مات أنا هقول عايش، بعد إذنك يا بابا ياريت متتعبش نفسك في الحوارات دي كلها لأني واخدة القرار من بدري
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بتساؤل:
- لو هو عايش تقدري تقولي مرجعش ليه؟ أنتي مدركة طيف مختفي بقاله قد ايه؟ بقاله سنة يا نيران، ملهوش أثر نهائي يعني مات
حركت رأسها برفض وهي تقول:
- لا يا بابا لسة السنة مكملتش يعني هو لغاية دلوقتي في نظر القانون عايش
لوى ثغره وقال بحزن:
- للأسف السنة خلصت امبارح والنهاردة هتطلع شهادة وفاته، متنسيش إن القانون بيقول إن المفقود بيعتبر ميت بعد مرور سنة لو كان من أعضاء هيئة الشرطة وفُقد أثناء العمليات الأمنية ...
