رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الاول
كان الصباح يحمل نسمات لطيفة تُداعب أوراق الأشجار برفق، بينما انسابت أشعة الشمس الذهبية بين الأغصان لتنسج خيوطًا مضيئة فوق الطرقات والشوارع مُعلنة بدء يوم جديد يحمل في طياته آمالًا وتحديات لأهل الأرض كافة.
تسللت تلك الأشعة عبر نافذة المنزل، مخترقة ستائره القطنية الناعمة حتى استقرت على وجه «طيف» الذي تململ في فراشه ببطء محاولًا الهروب من نور الصباح الذي راح يغزو جفنيه. تحسس بيده الجانب الآخر من السرير فلم يجد زوجته بجواره. فتح عينيه بتثاقل، ثم اعتدل في جلسته ومسح وجهه بأنامله قبل أن يمد يده إلى هاتفه الموضوع على المنضدة المجاورة.
ما إن ضغط على زر الشاشة حتى ظهرت أمامه رسالة منها، تركتها له كي لا يقلق. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يقرأ كلماتها، وكأن صوتها العذب يهمس في أذنيه يطمئنه ويمنحه بداية دافئة ليومه.
- "معلش يا طيف اضطريت أمشي بدري شوية، فيه مأمورية جت فجأة، مش هتأخر يا حبيبي، لو فيه أي حاجة كلمني"
نهض من مكانه، وتقدم بخطوات هادئة حتى وصل إلى نافذة غرفته، ووقف أمامها يُطالع العالم من الخارج وكأنه طير قد فقد حُريته بعد أن حكم عليه مالكه بالسجن في هذا القفص كي لا يهرب بعيدًا. هو بالفعل سجين هذا العالم بعد أن فقد ذاكرته ليُصبح وحيدًا رغم وجود عائلته من حوله.
شرد للحظات وهو على حالته تلك حتى استفاق أخيرا، وقرر النزول لأسفل حيث عائلته. دلف إلى المرحاض واغتسل قبل أن يرتدي ملابسه الصيفية رغم برودة الجو ثم هم بالنزول إلى الأسفل.
****
لم يكن يظن «أحمد» أن حياته ستتحول إلى ملحمة كوميدية من الدرجة الأولى بمجرد قبوله وظيفة في خدمة العملاء. لكنه، ويا لسوء حظه، كان يمتلك موهبة فريدة في جذب أغرب المواقف الممكنة. فبمجرد أن يجلس خلف مكتبه مرتديًا سماعته التي يبدو أنها ملتصقة برأسه كعضو جديد من جسده، يبدأ مهرجان العجائب. العملاء يصرخون، المدير يراقب بنظرات الصقر الجائع، والزملاء يتبادلون الرسائل الساخرة بينما يحاول كل منهم التظاهر بالعمل. أما «أحمد» فكان يقف دائمًا على الخط الفاصل بين الحفاظ على رباطة جأشه أو الاستقالة والهرب إلى الأبد.
كان يومه يبدأ عادة بمكالمة لا تقل غرابة عن سابقتها، فهناك عميل يصر على أن الإنترنت ينقطع عنه كلما دخل الحمام، وآخر مقتنع بأن شركتهم تتنصت عليه لأن "القط تصرف بطريقة مريبة". وبينما يحاول أحمد تفسير الأمور بمنطقية، يدرك أن المنطق نفسه قد استقال من وظيفته منذ زمن.
زفر بهدوء، وهيأ نفسه لمعركة جديدة عبر الهاتف. جلس كعادته خلف الحاسوب الخاص به وارتدى سماعته وعاد بظهره إلى الخلف وهو يقول:
- يارب صبحنا وربحنا وابعد عننا مكالمات المجانين اللي بتفضحنا
ثم نظر إلى صديقه المجاور له وقال بنبرة تعبر عن مدى اشتياقه لما سيتحدث به:
- يا مرزوق الأكل اتأخر ليه أنا عصافير بطني ناقصلها دقيقة وتخرج تفطر عليك أنت شخصيا، لو بدأ مهرجان المكالمات مش هنعرف نحط في بؤنا لقمة
ترك صديقه هاتفه أمامه على المكتب، ونظر إليه نظرة هادئة منافية لجوع «أحمد» الذي جعله يتكلم بحماس واشتياق للطعام:
- يابني مستعجل ليه، هاني هتلاقيه داخل بالأكل دلوقتي وبعدين هنسلك نفسنا وناكل زي ما بنعمل علطول
كان على وشك الرد عليه ليهاجمه بسبب برودة أعصابه التي طغت على حديثه، لكنه توقف عندما استمع لرنين الهاتف الموضوع أمامه مما جعله يقول بضيق واضح:
- ابتدينا ...
***
وصل إلى الأسفل ودلف إلى الداخل حيث وجد والدته التي أنهت صلاة الضحى لتوها وهتفت بابتسامة:
- صباح الخير يا حبيبي، صاحي بدري ليه؟
اقترب منها وجلس بجوارها قبل أن يقول بابتسامة:
- صباح النور يا ست الكل، أهو لقيت نفسي صحيت، صحيح بتصلي ايه؟
ابتسمت وأجابت على سؤاله بعد أن اعتدلت في جلستها:
- دي صلاة الضحى يا حبيبي
صمت ففهمت أنه محرج من السؤال عنها فتابعت بلباقة:
- إنك تصلي الضحى دي أجرها كبير أوي، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى"
يعني كل مفصل في جسم الإنسان محتاج صدقة والإنسان في جسمه 360 مفصل يعني محتاج يتصدق 360 مرة فصلاة الضحى دي أكنك بالظبط اتصدقت 360 مرة، وصلاة الضحى دي ممكن ركعتين أو أربع ركعات ووقتها من بعد الشروق بتلت ساعة لقبل الضهر بتلت ساعة، ها مش عايز تصلي الضحى بقى؟
ابتسم لفهمها له دون أن يتحدث ونهض من مكانه وهو يقول:
- هتوضى وأصلي
***
أجاب «أحمد» في تلك اللحظة على المكالمة، وردد هذه الجملة التي طالما رددها وحفظها:
- أهلا وسهلا بحضرتك، يوم سعيد إن شاء الله، مع حضرتك أحمد من شركة جيجا لخدمات الانترنت .. اتشرف باسم حضرتك؟
هنا جاء رد العميل والذي ظهر عليه الغضب:
- اسمي زفت مهند
لوى «أحمد» ثغره وعبر بوجهه عن استيائه ليقول أخيرا بعد هدوء دام لثانية واحدة:
- أهلا وسهلا بحضرتك يا أستاذ زفت
جاء رد العميل، والذي كان أكثر حدة عن المرة السابقة، فتلك المرة صرخ بالهاتف وهو يقول:
- أنت اتجننت؟ أنت إزاي تكلمني كدا وتقولي زفت؟
استنشق «أحمد» الهواء لكي يحافظ على هدوئه في بداية اليوم، ورسم ابتسامة على وجهه ليقول بنبرة أبرد من مكعب الثلج:
- واضح إن حصل سوء تفاهم يا فندم، حضرتك بالفعل أنا افتكرت إن اسم حضرتك كدا خصوصًا إن ابن خالي اسمه برده زفت، هو في البداية أمه كانت عايزة تسميه هادي وباباه اللي هو خالي كان عايز يسميه مراد وحصل خناقة وعند السجل من عصبيته الموظف سأله هتسميه ايه فرد وقاله بعصبية زفت، ومن هنا بقى اسمه زفت فـ أنا افتكرت إن حضرتك نفس قصته و هـ ....
في تلك اللحظة قاطعه العميل الذي صرخ بنفاذ صبر وهو يقول:
- بس بس كفااااية، أنت ايه يا أخي رغاي، المهم نيجي للسبب اللي بكلم سيادتك علشانه، النت عندي فاصل من امبارح اتفضل حللي المشكلة دي حالا
وصل صديقه «هاني» بالطعام، ووضع الحقيبة الخاصة به أمامه فابتسم بسعادة ورد على الهاتف قائلًا:
- هحل لحضرتك المشكلة يا فندم بس هسأل حضرتك كام سؤال الأول علشان نقدر نحدد المشكلة فين بالظبط
جاء رد العميل والذي كان غير راضيًا عن تلك المكالمة:
- اتفضل اسأل ...
كان يفتح حقيبة الطعام في تلك الأثناء، واتسعت عينيه قبل أن ينظر صوب صديقه نظرة ثاقبة مشتعلة وهو يقول بصوت مسموع:
- فين السلطة؟
ظهر صوت العميل من الهاتف والذي ظهر على نبرته الصدمة والغضب في آن واحد:
- نعم؟ هو ده السؤال اللي هتسألهولي
وضع «أحمد» يده على وجهه بصدمة بسبب ما قاله، وأسرع ليصحح قائلا:
- آسف يا فندم بالغلط والله، استأذن حضرتك من دقيقتين لأربع دقايق لمراجعة بعض البيانات؟
زفر العميل بصوت مسموع وأردف بضيق واضح:
- يارب نخلص، اتفضل راجع البيانات
في تلك اللحظة كتم الصوت، ونهض من كرسيه قبل أن يقفز صوب مكتب صديقه «هاني» ليمسكه من ياقة قميصه وهو يقول بتساؤل:
- اطلع بالسلطة أحسنلك، أنا مبعرفش أفطر من غيرها
أمسك «هاني» بحقيبته وحضنها قبل أن ينظر له قائلا:
- وأنا نفس الكلام ودول آخر حبة سلطة عند الراجل، وأنا اللي روحت أجيب الفطار فدول بقى من نصيبي
حاول سحب الحقيبة من يده، وصاح بصوت مسموع:
- هاخد السلطة يعني هاخدها، بطل رخامة يا هاني انجز بقى معايا عميل على الخط زمانه بيسب ويلعن فيا دلوقتي
جذب صديقه الحقيبة، وتمسك بها أكثر قبل أن يدفعه بخفة وهو يقول:
- العميل لو اشتكاك هتكون مشكلة، روح وفكك من السلطة بقى
استسلم أخيرا بعد محاولات عدة وعاد إلى مقعده وهو يرمقه بضيق. نظر إليه وأردف بجمود:
- باصصلك فيها على فكرة، بطنك هتوجعك
ليقول الآخر بابتسامة:
- أحسن عايز بطني توجعني
لوى «أحمد» ثغره ثم عاد للمكالمة مرة أخرى، وضغط على زر تشغيل الميكروفون وحمحم قائلا:
- بعتذر ليك يا فندم على التأخير
زفر العميل وقال بنبرة تحمل اليأس والضيق:
- ولا يهمك يا آخرة صبري، ها عملت ايه
لوى ثغره ونظر إلى صديقه وهو يقول بضيق واضح:
- للأسف مرضيش يديني السلطة
- سلطة؟ ده أنت موظف بارد يا أخي، أنا عايز أكلم مديرك
***
أنهى «طيف» صلاته والتفت لوالدته ليجدها تطالعه بابتسامة راضية فنهض من مكانه، وحمل سجادة الصلاة ثم توجه صوبها وجلس بجوارها قبل أن يقول بهدوء:
- عايز اسألك سؤال.. أنتي بتفهميني كدا إزاي من غير ما اتكلم؟
ابتسمت، وأمسكت بكفه بحنان أموي لتقول بهدوء:
- الأم بتحس بإبنها من غير ما يتكلم... بتفهم تعبيرات وشه من غير ما هو يوضح... بتحس بوجعه لو بيتوجع
صمتت للحظات واستطردت:
- طول فترة غيابك كنت حاسة بكل اللي أنت بتحس بيه، كله بيقول إنك مت لكن أنا جوايا عارفة إنك عايش وهترجع، فيه حبل كدا بيربط بين الأم وابنها محدش بيفهمه ولا بيستوعبه غير الأم وابنها بس زي كدا ما قلبك حس إني أمك واستريحت ليا على الرغم من فقدانك للذاكرة ورفضك لكل أفكار اللي حواليك
ابتسم بتفهم وأطبق بيده الأخرى على يدها التي تمسك بيده وقال:
- عندك حق
في تلك اللحظة، خرجت رنة من غرفتها وهي تفرك عينيها، وما إن وقع نظرها عليهما حتى قالت بمشاكسة:
- الله، الله! اجتماع عائلي بين الأم وابنها المدلل، طيب بدل ما أنت صاحي بدري وبتحكي، قوم هات لنا فطار يا أخي! ده النهاردة آخر يوم هنفطر فيه
رفع «طيف» حاجبًا مازحًا:
- آخر يوم هنفطر فيه؟ ليه هنموت ولا إيه؟
تقدمت وجلست بجوارهما قبل أن توضح:
- لا يا ظريف، بكرا أول يوم في رمضان! وبعدين فين الزينة والفوانيس؟ كل سنة بتعلقهم في البيت كله
تكاسل «طيف» ووضع قدمًا فوق الأخرى، ومال بظهره إلى الخلف قائلًا بكسل:
- علقي أنتِ يا أختي، أنا منطفي ومش قادر
صفقت بكفيها في إحباط:
- مفيش فايدة شكلها كدا رمضان ده مفيهوش زينة بقى
تدخلت الأم بابتسامة وهي تتابع الحوار:
- يا بنتي أخوكي تعبان، علقيها أنتِ
تظاهرت «رنة» بالحزن وعبست وجهها:
- بس أنا متعودة طيف اللي يعلقها وأنا أساعده... يلا، ملناش نصيب السنة دي
ابتسم «طيف» ونهض استعدادًا للرحيل:
- طيب، هروح أجيب الفطار عقبال ما تصحوا تنة
تحرك بضع خطوات، ثم توقف والتفت إليهما متسائلًا:
- تنة ورنة؟! بابا كان مطبق على قناة سبيستون ولا ايه؟ هو أنا اتريقت على الأسامي دي قبل كدا؟
ضحكت «رنة» وهزّت رأسها:
- يـوووه، كتيـــــر!
ضحك «طيف» بدوره:
- كنت متأكد، مستحيل أفوّت السخرية على الموضوع ده
تركهما وخرج لشراء الإفطار، وأثناء سيره تذكر حديث شقيقته عن اعتياده تعليق الزينة مع بداية رمضان. ابتسم، ثم غيّر وجهته نحو متجر يبيع زينة رمضان، وابتاع الكثير منها قبل أن يعود إلى المنزل ويرن الجرس.
فتحت رنة الباب كعادتها، وأرادت أن تبدأ في تأنيبه على نسيانه المفتاح الخاص به، لكنها توقفت في منتصف الجملة عندما رأت ما يحمله.
- نفسي يا طيف متنساش المفـ... إيه ده؟ فانوس؟ الله الله
ابتسم «طيف» وردد بسخرية:
- ما تكملي، سكتّي ليه؟
رفعت يديها في استسلام وضحكت قائلة:
- عفا الله عما سلف! وسّع، أما أساعدك تدخل الزينة دي كلها!
حضرت «تنة» من الداخل وشاهدت هذا الموقف وهي تقول بانبهار:
- الله فانوس كبير، ايه كل ده يا طيف دي زينة تكفي المنطقة
حضن الفانوس الكبير وتحرك إلى الداخل وهو يقول بابتسامة:
- ما أنا جايب لينا وللشارع، علشان رنة تتبسط
صاحت «رنة» وهي تحمل صندوق من الكرتون به الكثير من أنوار الزينة:
- مبسوطة وقلبي راضي عنك يا طيف يا ابن أم طيف، الآيس كريم بتاعي تحت أمرك اليومين دول
****
اتسعت عيناه ونظر حوله بتوتر قبل أن يقول بنبرة تحمل الخوف:
- مديري؟ مديري لسة مجاش وبعدين أنا آسف والله، هو يوم باين من أوله أنا عارف
صاح العميل بالهاتف:
- وأنا مش قابل أسفك، هات مديرك بقولك
في تلك اللحظة مثل «أحمد» عدم سماعه وردد بصوت مسموع:
- حضرتك ساكت ليه؟ أنا مش سامعك؟ ألو؟! ألو؟!
ثم قام بإنهاء المكالمة في الحال. زفر بهدوء وعاد بظهره إلى الخلف وهو يقول:
- يارب عدي اليوم ده على خير، مكالمات الناس غريبة لكن النهاردة أنا اللي غريب، شكلي اتعديت منهم ولا ايه
ترك الأمر برمته وبدأ في تناول الطعام بنهم شديد مما جعل صديقه «مرزوق» ينظر إليه بتعجب شديد. لاحظ انتباه صديقه فابتلع الطعام وأردف وهو يلوح في الهواء:
- أنت حققت مقولة اللي مركز معاك في الفطار يبقى أكيد باصصلك في الأكل بجد مش هزار، مالك بتبصلي كدا ليه ياعم
أشار إلى الخبز الذي كان بيده وهتف باستنكار:
- براحة على السندوتش ياعم ده اشتكى منك، أنا مراعي إنك جعان وكل حاجة بس اهدى شوية شكلك مقزز أوي
عبثت تعابير وجهه وأردف بينما كان الطعام في فمه:
- مقزز؟ والله ما فيه أقزز منك
رن الهاتف مُعلنًا عن صدور مكالمة هاتفية أخرى لعميل آخر. ابتلع «أحمد» ما في فمه من طعام وأجاب على المكالمة بجملته المعتادة ليرد عليه العميل قائلا:
- مرحبًا صديقي، لدي عُطلا في الانترنت
تعجب من لغته العربية الفصحى لكنه لم يعلق وأجاب:
- متقلقش خالص يا فندم هحل المشكلة لحضرتك، قولي حضرتك بتكلمني من نفس رقم المشكلة ولا رقم تاني
صمت العميل للحظات قبل أن يقول بتساؤل:
- هل للمشكلة رقم لديكم؟ لا أعلم رقم المشكلة
زفر «أحمد» قبل أن يُغلق عينيه وهو يقول:
- يا فندم أقصد رقم التليفون الأرضي اللي حضرتك بتكلمني منه ده هو اللي عليه مشكلة النت ولا بتكلمني من رقم تاني
جاء الرد في الحال:
- أنا لا أحدثك من الهاتف الأرضي بل أحدثك من الهاتف الجوال
رفع «أحمد» حاجبيه ونظر إلى الرقم المدون على الشاشة أمامه وهو يقول:
- أصلا؟ تصدق فعلا، طيب معلش ممكن تديني رقم تليفون الخط الأرضي اللي عليه المشكلة؟
ظهر صوت العميل الذي قال:
- لا أتذكره
لوى ثغره وقال بعدم رضا:
- يا فندم يجب أن تتذكره، مش هعرف أحل المشكلة من غير الرقم
صدر صوت العميل وتلك المرة كان مُنفعلا:
- هذا عملك وليس عملي، يجب أن تتصرف وتحصل على الرقم
لم يستطع تمالك أعصابه، وردد بنبرة حادة بعض الشيء:
- يا فندم أنا لست ساحرًا لكي أخمن رقم حضرتك، حاول تذكر الرقم وتواصل معنا مرة أخرى، عمت مساءً
أنهى المكالمة في تلك اللحظة وهو يتمتم بكلمات تعبر عن نفاذ صبره. نظر له صديقه «مرزوق» وأردف بجدية:
- يبني مينفعش تتعصب على العميل كدا هتودي نفسك في داهية
لوح بيده في الهواء بوجه عابث ونظر إلى الطعام المقابل له وهو يقول:
- ياعم ده أنا هيجيلي الضغط من الناس دي، ده غبي وخارج من ترجمة جوجل وجاي يجلطني
ضحك «مرزوق» ونظر إلى الحاسوب الخاص به وهو يقول:
- ياعم روق، شغلنتنا دي أصلا غريبة ولو هندقق على كل المكالمات اللي هتجيلنا مش هنستحمل ويا إما نتجنن يا إما نستقيل
****
بعد وقت قليل جلسوا لتناول الإفطار وما إن انتهوا حتى نهض «طيف» وقام بجلب السلم المنزلي وتسلقه قبل أن يقول بصوت مسموع:
- هاتي يا ميلا فرع الزينة ده
أسرعت ابنته وأحضرت ما طلبه منها واقتربت منه وهي تقول:
- خد يا بابا
هنا صاح «قايد» وهتف بنبرة تحمل الحزن والتحدي في آن واحد:
- لا خد مني أنا يا بابا
نظر إلى كلٍ منهما وأردف بابتسامة:
- هاخد منكم أنتوا الاتنين، ميلا مرة وقايد مرة اتفقنا؟!
اتفق الاثنان على ما قيل، وبدآ معًا في تزيين أركان المنزل بكل حب وحماس. وما إن فرغا من ذلك، حتى توجّها إلى الشارع، حيث شرعا في تعليق الزينة بمساعدة بعض الشباب. شيئًا فشيئًا، تحوّل الشارع إلى لوحة زاهية تنبض بالجمال، تبعث في النفس سكينةً، وفي القلب حبًا، وتستقبل شهر رمضان بأجمل حلّة.
مر اليوم وعادت «نيران» من العمل لتجد المنزل بهذا الجمال. خطت إلى الداخل وكنت مع كل خطوة تتحرى الزينة والأضواء المنتشرة في كل مكان. وصلت إلى الداخل ورددت بعدم تصديق:
- مين اللي علق الزينة دي، شكلها تحفة
خرج «طيف» من المطبخ وهو يمسك بثمرة خيار، قضم منها قضمة ثم تمتم بنبرة غير واضحة:
- العبد لله.. اتقطم ضهري طول النهار بس تستحق الصراحة التعب ده
عاودت «نيران» لتنظر حولها مرة أخرى وقالت بسعادة:
- دي تحفة بجد.. والله زمان يا طيف
في تلك اللحظة دلف «بارق» الذي كان يسير بجوار «أيمن» وهتف بابتسامة:
- آه يا أندال.. أنتوا علقتوا الزينة من غيري؟! سرقت المتعة كلها لوحدك يا طيف، متشكرين يا باشا
تقدم «طيف» وألقى بجسده على المقعد القريب منه وهتف بابتسامة:
- يا عم أنت خليك في تعليق المجرمين وسيبلي أنا تعليق الزينة
رفع «بارق» أحد حاجبيه وهتف بعدم رضا:
- تعليق مجرمين؟! طيب يا سيدي مقبولة منك.. بس قولي ايه كمية الأنوار اللي متعلقة دي.. دي بقت حنة مش زينة رمضان
رفع «طيف» كتفيه ووضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول:
- عاجبة الكل يا معلم، أخلع أنت منها بقى
رفع كفيه في الهواء وردد باستسلام:
- خلاص ياعم شكلها حلو
***
كانت نسمات الهواء باردة لكن كانت الأجواء هادئة لحد كبير قبل أن يتحول كل هذا الهدوء لضجيج ناتج عن شدة الرياح التي اقتحمت الأجواء بقوة لتُزيل ما أمامها بقوة دون رحمة ليتحول الهواء إلى مزيج من الأتربة والغبار.
خرج «طيف» من المرحاض بعد أن اغتسل وارتدى ملابس شتوية ليقول بتعجب:
- الجو كان كويس الصبح ماله اتبدل ١٨٠ درجة كدا ليه
ابتسمت «نيران» ونهضت من مكانها وهي تقول بنبرة تحمل العتاب:
- قولتلك متلبسش الصيفي الجو هيتغير، إحنا في آخر الشتاء والجو بيتغير كتير وهيجيلك برد
لوى ثغره وتحرك وهو يقول:
- أديني لبست الشتوي تاني، ربنا يستر بقى، المهم أنا جاهز علشان تشرحيلي
ابتسمت وجلست مرة أخرى على الفراش وهي تقول:
- طيب يا سيدي اقعد
جلس أمامها مباشرة وأبدى اهتمامه لها لتقول هي بهدوء:
- بص الصيام ده بيكون من أول أذان الفجر لغاية المغرب بمعنى إننا مش بناكل حاجة خالص ولا بنشرب حاجة خلال الوقت ده، شهر رمضان بيبقى كله صيام
حرك رأسه بالإيجاب وقال بتساؤل:
- طيب ليه بنصوم، أنا عارف إن ده أمر من ربنا بس عايز أفهم السبب
ابتسمت وأجابت عليه:
- بص يا سيدي هم كذا سبب بس السبب الرئيسي هو إننا لما نصوم ونمنع نفسنا عن اللي ربنا خلاه حلال لينا كدا يبقى هنقدر نمنع نفسنا عن الحرام وهندرب نفسنا على صد الشهوات وتطويع النفس اللي هي أصلا أمارة بالسوء، وأسباب تانية زي إننا نحس بالفقراء، نحس بجوعهم وعطشهم علشان نعرف هم بيتعبوا إزاي فنخرج الصدقة والزكاة وكمان الصيام فيه دكاترة كتير أوي قالوا إنه صحي ومفيد للجسم
حرك رأسه بالإيجاب بعد أن فهم السبب وردد:
- كملي
تابعت شرحها قائلة:
- شهر رمضان ده اللي ربنا نزل فيه القرآن وتحديدا في ليلة عظيمة وهي ليلة القدر، ربنا قال على الليلة دي إنها خير من ألف شهر يعني التعبد لربنا خلال الليلة دي كأنك عبدت ربنا لمدة ألف شهر، شهر رمضان بتتفتح فيه أبواب الجنة كلها وبتتقفل فيه أبواب النار وبتتسلسل الشياطين وربنا بيغفر فيه لكل عباده اللي صاموه وقاموه، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه. وقال بردو: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه. ربنا بيعتق ناس كتير أوي من النار ويغفرلهم واحنا لازم نسعى علشان نكون من الناس دي وإلا هنخسر كتير أوي، الرسول صلى الله عليه وسلم بيقول: خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يُغفر له. وبعد ما رمضان بيخلص ربنا بيدينا الجايزة بتاعتنا وهي عيد الفطر
ابتسم وردد بنبرة تحمل الامتنان:
- شرحك جميل، أنا كان ممكن أشوف ده كله على اليوتيوب بس بحب اسمع منك أنتي وكمان علشان تاخدي الثواب
ربتت على يده وقالت بحب:
- أنا موجودة لأي حاجة عايز تعرفها، اتفقنا إن أنت بتعيش عمر جديد وبتتعلم كل حاجة من الأول وأنا مبسوطة إني مسؤولة عن ده المهم بقى فاضل ساعتين على الفجر هتقوم تساعدني وتحضر معايا سحور أول يوم رمضان ولا اسيبك تريح وأقوم أنا؟
ابتسم ونهض قبلها وهو يقول:
- هساعدك يلا بينا
تحرك هو وهي إلى المطبخ وقام هو بفتح الثلاجة وإخراج الجبن والبيض وردد قائلا:
- نسينا نجيب فول، تفتكري لو نزلت هلاقي حد فاتح دلوقتي؟
ضحكت وقالت على الفور:
- أصلا في رمضان الناس كلها بتسهر وهتلاقي المحلات فاتحة أيوة لكن متقلقش منسيناش ولا حاجة، أنا مدمسة فول كنت بجهزه من الصبح
رفع أحد حاجبيه وقال بتساؤل وحيرة:
- يعني ايه مدمسة فول؟ سارقاه يعني؟
ضحكت بصوت مرتفع وسندت برأسها على كتفه لتكمل ضحكها قبل أن تنظر له قائلة:
- سارقاه ايه يا طيف، هو اسمه فول مدمس، ده اسمه
حرك رأسه بالإيجاب وقال بتفهم:
- امممم قولي كدا بقى وأنا ايش عرفني إن ده دلع الفول، خلاص أنا هسلق البيض وهقطع طماطم على الجبنة علشان بحبها بالطماطم
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت:
- بس رنة مش بتحب الجبنة بالطماطم
أمسك ثمرة الخيار وقضم منها قبل أن يقول:
- ياستي تاكل فول، دي عملت هيصة امبارح علشان كلت الآيس كريم بتاعها، وأنا ايش عرفني إنه بتاعها بس
ضحكت وأوضحت له قائلة:
- أصلك طول عمرك بتعمل الحركة دي من زمان، مهما فقدت الذاكرة هيفضل الطبع غلاب
ابتسم وترك ما بيده وهو يقول:
- واضح إني كنت قرد زمان
رفعت أحد حاجبيها وقالت:
- كنت معزة
تعجب وقال بتساؤل:
- اشمعنا هو طيف بتاع زمان كان بياكل برسيم ولا ايه
ارتفع صوت ضحكها وظلت هكذا لأكثر من دقيقة قبل أن يقول هو:
- كفاية ضحك الفجر هيأذن علينا
هدأ ضحكها قليلا وقالت:
- مصيبة والله يا طيف، ده سين بيني وبينك زمان، أصلي كنت دايما بتخيلك معزة والبرسيم مدلدل من بقك وأنت بتاكل كدا يلاهوي مش قادرة
انفجرت في الضحك مرة أخرى وضحك هو على ضحكها قبل أن يقول:
- والله لو عليا عايزك تضحكي علطول لكن فيه بني ادمين في رقبتنا لو مسحرناهمش هيموتوا من العطش والجوع بكرا
- خلاص خلاص سكت أهو
وفجأة صرخت قائلة:
- يلاهوي نسينا نجيب زبادي
نظر لها بتعجب وقطب جبينه وهو يقول:
- ايه علاقة الزبادي بالسحور معلش؟
عقدت ذراعيها وقالت بتوضيح:
- ده أهم جزء في السحور، الزبادي بيلطف وبيقلل العطش، سيبني أنا هعمل السحور وانزل أنت جري هات زبادي بسرعة
حرك رأسه بالإيجاب وقال بتساؤل:
- هجيب زبادي فراولة ليا حد تاني بيحب زبادي الفراولة ولا أجيب عادي
- انشف شوية يا طيف زبادي فراولة ايه
رفع أحد حاجبيه وقال بتعجب:
- ده علاقته ايه بالنشفان، بحب الزبادي بالفراولة الله، خلاص هجيبلكم عادي وأنا فراولة يلا تشاو
رفعت صوتها من الداخل وقالت:
- البس الچاكت علشان الجو برد برا
رفع صوته هو الآخر وقال:
- حاضر
ارتدى «طيف» سترته الشتوية وتحرك إلى الأسفل ومنه توجه إلى الخارج ليجد رياح قوية، في تلك اللحظة قام بإحكام غلق سترته وتحرك نحو المحل القريب من المنزل لشراء الزبادي. بالفعل قام بشراء ما جاء من أجله وتحرك عائدًا للمنزل لكنه أثناء حركته استمع لصوت يهمس بإسمه فتوقف ونظر حوله لكنه لم يجد شيء مما جعله يتابع حركته إلى أن استمع اسمه مرة أخرى، في تلك اللحظة توقف وردد بنبرة تحمل القلق:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وبعدين بقى مش نيران قالت الشياطين بتتسلسل في رمضان؟ يارب تكون تهيؤات
تابع تحركه بخطوات أسرع إلى المنزل وما إن وصل حتى صعد إلى الأعلى وقال:
- جبت الزبادي يا ستي ها ناقصك حاجة؟
نظرت له وقالت بابتسامة:
- لا تسلم، خد بقى الصينية دي وانزل على تحت وأنا هجيب بقية الحاجة وجاية وآه معلش صحي بارق وتنة في طريقك
حرك رأسه بالإيجاب وقال:
- حاضر ومتنسيش قايد وميلا
- حاضر هصحيهم حالا
تحرك «طيف» بعد أن حمل الطعام وتوجه إلى شقة شقيقته وطرق الباب لعدة ثوانٍ قبل أن يفتح «بارق» الباب وهو شبه نائم ليقول بعدم رضا:
- حرام عليك يا طيف حد يصحي حد في الوقت ده، ده أنا كنت باكل رز بلبن في الحلم
- لا لا رز بلبن ايه يعطشك بكرا، أنا جايب زبادي إنما ايه حكاية، فوق بقى وبطل كسل بكرا أول يوم في رمضان وهنتسحر، خش صحي تنة وملك وحصلونا على تحت بقى
ضيق «بارق» ما بين حاجبيه وردد بتعجب:
- بكرا أول يوم في رمضان؟
لوى «طيف» ثغره وقال بعدم رضا:
- لا بالله عليك فوق كدا ده أنا اللي فاقد الذاكرة مش أنت، صحيهم أنت بس وتعالى وأنا هفهمك كل حاجة، أو رش شوية مياة على وشك وأنت هتفتكر كل حاجة
- طيب يا طيف هصحيهم وأمري لله
نزل إلى الأسفل وأيقظ والده ووالدته قبل أن يطرق على غرفة شقيقته التي رددت من الداخل:
- مين سيبوني أنام
في تلك اللحظة فتح الباب وقام بإضاءة الغرفة وهو يقول:
- يلا يا أستاذة الفجر هيأذن، السحور جاهز
وضعت يدها على عينيها لتمنع وصول الضوء الشديد ورددت بعدم رضا:
- اطفي النور يا طيف وسيبني أنام بدل ما أزعلك
رفع أحد حاجبيه وقال بتعجب:
- تزعليني؟ ده أنا عاملك السحور هي دي شكرا؟
نهضت من مكانها وقالت بتعجب:
- ايه ده أنت زعلت ولا ايه، أنا بهزر على فكرة، ده هزاري معاك علطول
حاول إخفاء ضيقه وردد بابتسامة:
- لا مزعلتش، يلا مستنيكي برا
خرج من غرفتها وظهر الضيق من جديد على وجهه فرأته والدته التي خرجت من غرفتها للتو بعد أن استيقظت، اقتربت منه ووضعت يدها على يده وهي تقول بتساؤل:
- مالك يا حبيبي، شكلك متضايق ومخنوق
نظر لها وقال بنبرة تحمل الحزن:
- دايما فاهماني، فعلا متضايق يا ماما، كل ما أتعامل مع حد يقولي كنت متعود أتعامل معاك على كدا أو أنت زمان كنت كدا، بتعامل بخوف وحذر علشان اللي قدامي مضايقهوش بأي شكل لأني معرفش شخصية طيف بتاعة زمان كانت شكلها ايه بالظبط، ببقى عايز مثلا أهزر لكن أمنع نفسي يمكن اللي قدامي ده مش بيحب الهزار فيزعل أو لو اللي قدامي بيهزر مبعرفش هل ده هزار ولا كلام بجد وسواء اكتشفت ده أو لا بيبقى جواي ضيق وزعل علشان مش فاكر حاجة من دي، لو عليا عايز أرجع طيف بتاع زمان لكن أنا مش فاكره للأسف
ابتسمت «أسماء» وربتت على يده وهي تقول:
- مين قالك إننا عايزينك ترجع طيف بتاع زمان، إحنا حابينك كدا وحابينك في كل الحالات يا حبيبي، وبعدين اللي أنت فيه ده طبيعي علشان اللي حصلك بس عايزاك وأنت بتتعامل معانا هنا متتعاملش بحذر خالص، هنا أهلك اللي بيحبوك وراضيين بأي حاجة أنت تعملها وأي حال أنت فيه، سيب نفسك خالص وخلي طبيعتك هي اللي تتعامل لأنك نفس الشخص واللي هتعمله هيكون ناتج عن نفس شخصيتك وده بدليل إنك بتعمل كل حاجة عملتها قبل فقدان الذاكرة حتى الآيس كريم بتاع رنة كلته
ابتسم وقال:
- متفكرينيش دي بهدلتني
ضحكت بصوت مسموع قبل أن تقول:
- ده نفس بالظبط اللي كنتوا بتعملوه قبل كدا زمان والبهدلة دي كلها مجرد هزار ومناكشة بينكم، مش شرط اللي يقولك حاجة حصلت زمان يضايقك، هو بيقولك كدا علشان بعد كدا متتعاملش بحذر في الموضوع ده وتكون عارف أنت اتصرفت فيه إزاي قبل كدا وهرجع بردو وأقولك أتعامل بفطرتك واللي تحس إنك عايز تعمله لأن دي هي شخصيتك
ابتسم وربت على يدها وهو يقول:
- ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي وميحرمنيش منك أبدا، كلامك ريحني بجد
في تلك اللحظة خرجت "رنة" من غرفتها وهي تقول:
- فين السحور اللي مصحيني في نص الليل علشانه ده
نظر لها «طيف» وقال بحاجب مرفوع:
- يا بجاحتك ده بدل ما تقومي تعمليه أنتي
نظرت له وهي تتجه صوبهم وتقول:
- مش هرد عليك
خبط بيده على يده الأخرى وردد:
- مبقاش غير رنة، ده أنتي رنة يا بنتي، أنتي حتى محصلتيش اتصال
في تلك اللحظة دلفت «نيران» التي كانت تحمل صينية الطعام ومن خلفها دلفت «تنة» وزوجها «بارق» الذي قال:
- ايه النشاط ده يا طيف تتحسد
رد عليه «طيف» ليقول بسخرية:
- احمد ربنا وإلا كان زمانك صايم على لحم بطنك بكرا
- الحمد لله، اصيل يا أبو ميلا
وضعوا الطعام وخرج «أيمن» الذي قال بابتسامة:
- كل سنة وأنتم طيبين يا ولاد، يارب دايما متجمعين كدا وبخير دايما
أجابوا عليه في وقت واحد وجلسوا ليتناولوا السحور في جو من البهجة، تحدث «أيمن» وقال بابتسامة:
- السحور ده فيه بركة وسعادة مش طبيعية
هنا ردت «أسماء» عليه وقالت بابتسامة:
- فعلا الرسول صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فإن في السحور بركة
في تلك اللحظة نهضت «رنة» بعدما انتهت وقالت برضاء:
- الحمد لله
ثم اتجهت صوب الثلاجة وبعد وقت قليل رفعت صوتها قائلة:
- ماما فين الزبادو بتاعي
نظروا كلهم إلى «طيف» الذي شعر بالتوتر ونظر لها قائلا:
- هي كانت بتاعتك؟
- آه صح، كدا صح، كدا صح، شربتها يا طيف يا أخويا يا حبيبي صح؟
فرك فروة رأسه وقال بهدوء:
- كنت بدور على حاجة أشربها بليل واتسلى فيها بفتح لقيته في وشي خصوصا إنه زبادو فراولة فضعفت قصاده، غصب عني والله
- اممم ضعفت، ماشي يا طيف، أنا شكلي هجيب الثلاجة بتاعة جهازي وأركبلها قفل واشيل فيها أشيائي علشان فيه هنا فيران بتاكل الحاجة
رسم ابتسامة بلهاء على وجهه وقال:
- شكرا
ضحك الجميع على هذا الحوار وبعد دقائق قليلة ارتفع صوت أذان الفجر. تحرك الجميع إلى المسجد لأداء الصلاة وأثناء تحركهم توقف طيف عندما استمع لهذا الهمس مرة أخرى:
- طيف؟! طيف
تعجب «أيمن» ومعه «بارق» بسبب توقفه وردد الأخير:
- وقفت ليه يابني؟
نظر من حوله وقال بحيرة:
- أنتوا سامعين صوت الهمس اللي أنا سامعه؟
رفع «أيمن» أحد حاجبيه وقال بتعجب:
- همس؟ أنا مسمعتش حاجة
ثم نظر إلى «بارق» وقال:
- أنت سمعت حاجة يا بارق؟
حرك رأسه بـ "لا" وأردف:
- لا مسمعتش، بيتهيألك يا طيف، مفيش عفاريت يا حبيبي في رمضان متقلقش
- عفاريت ايه يا بارق، أنا سامع صوت بنت بتهمس باسمي قريب جدا مني، لما نزلت أجيب الزبادي سمعت الصوت ده بردو
اقترب «أيمن» منه ووضع يده على كتفه وهو يقول:
- زي ما بارق قال ممكن بيتهيألك، أنت منمتش علشان كدا بيتهيألك، هنصلي الفجر وارجع استريح
حرك رأسه بالإيجاب وتحرك معهم لكن بداخله لم يكن مقتنعا أن كل ما يسمعه غير حقيقي.
****
"قـــبــــل ســــاعـــــات"
مر اليوم ببطئ شديد على «أحمد» فاليوم يعمل فترتين متتاليتين؛ - فترة صباحية وفترة مسائية - شعر بالإرهاق الشديد لكنه قرر التحمل حتى لا يفقد وظيفته تلك فهي التي يملكها في الوقت الحالي، رحل أصدقائه وحضر آخرين للفترة المسائية.
نهض من كرسيه وقام بإعداد كوبًا من القهوة قبل أن يعود لمقعده الذي كرهه ليتابع عمله من جديد.
ما هي إلا لحظات قليلة وصدر صوت عبر السماعة الخاصة بـ «أحمد» ليُعلن عن مكالمة جديدة فزفر بهدوء لكي يستعد وضغط على زر الإجابة ليقول:
- أهلا وسهلا بحضرتك، يوم سعيد إن شاء الله، مع حضرتك أحمد من شركة جيجا لخدمات الانترنت، اتشرف باسم حضرتك؟
في تلك اللحظة ظهر صوت فتاة ولكن يظهر عليها الذعر الشديد وهتفت بنبرة شبه هامسة:
- أنا في شارع ... عمارة رقم 6 الدور التاني، أرجوك الحقني، هيقتلني
اعتدل في جلسته، وقال بانتباه شديد:
- مين ده؟ حضرتك بتتكلمي بجد ولا ده مقلب؟
لم يسمع صوتًا فرفع صوته مرة أخرى قائلا:
- حضرتك معايا؟!
في تلك اللحظة استمع إلى صراخ شديد من تلك الفتاة تبعه صوت إطلاق رصاص. نهض من مكانه وهتف بنبرة تحمل القلق:
- يا فندم حضرتك معايا؟ أنتي كويسة؟!
لم يتلقى رد وانتهت المكالمة في الحال مما جعله يجلس وعلى وجهه علامات القلق والخوف. ما الذي حدث مع تلك الفتاة؟ هل ماتت بعد صوت إطلاق النار؟
