رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثاني 2 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثاني 

- أنا في شارع ... عمارة رقم 6 الدور التاني، أرجوك الحقني، هيقتلني!
اعتدل في جلسته، وقال بانتباه شديد:
- مين ده؟ حضرتك بتتكلمي بجد ولا ده مقلب؟

لم يسمع صوتًا فرفع صوته مرة أخرى قائلا:
- حضرتك معايا؟!
في تلك اللحظة استمع إلى صراخ شديد من تلك الفتاة تبعه صوت إطلاق رصاص. نهض من مكانه وهتف بنبرة تحمل القلق:
- يا فندم حضرتك معايا؟ أنتي كويسة؟!
لم يتلقى رد وانتهت المكالمة في الحال مما جعله يجلس وعلى وجهه علامات القلق والخوف. ما الذي حدث مع تلك الفتاة؟ هل ماتت بعد صوت إطلاق النار؟

ظل يفكر في الأمر حتى إنه لم يرد على مكالمات أخرى وفكر في الذهاب لهذا العنوان التي أخبرته به في بداية المكالمة لكن لا؛ لن يُعرض نفسه للخطر ويزج بنفسه داخل هذا الأمر الخطير. أقنع نفسه للحظات لكن سرعان ما فكر في الأمر مرة أخرى وقال بداخل نفسه:
-"طول عمري حياتي ملهاش لازمة ولا قيمة، يمكن تكون البنت دي لسة عايشة ولما أنقذها أكون عملت حاجة تستحق، ايه يعني خطر مش أحسن من روتين حياتي الممل ده"

انتهى تفكيره عند هذا الحد، ونهض من مكانه بعد أن قرر الذهاب أخيرًا إلى هذا العنوان. خلع سماعة رأسه فسأله صديق له:
- رايح فين يا أحمد
نظر له ولم يُجيب على سؤاله ليرحل في الحال وسط دهشة صديقه من حالته تلك.

خرج من الشركة بخطوات متسارعة، واستقل سيارته القديمة، مُطلقًا العنان لمحركها المتهالك بأقصى سرعة يمكنه احتمالها. لم تمضِ سوى دقائق حتى وصل «أحمد» إلى ذلك الحي الهادئ، حيث وجد بناية قديمة بأربعة طوابق في سكون مريب.

أوقف سيارته على عجل، ونزل منها متلفتًا حوله بحذر مع كل خطوة يخطوها نحو المدخل. لاحت أمامه زينة ملقاة على الأرض، وأضواء متشابكة بدا وكأن أحدهم كان يعلّقها قبل أن يُجبر على التوقف.

لكن ما جعله يتجمد في مكانه كان الجثة الملقاة هناك، كانت غارقة في بركة من الدماء. لم يحتاج إلى وقت طويل ليدرك أنها تعود إلى حارس المبنى. تسارعت دقات قلبه، وشعور غامض في أعماقه صرخ به أن يفرّ ويرحل قبل فوات الأوان لكنه أجبر نفسه على الثبات، والتقط أنفاسه بصعوبة ثم بدأ في صعود الدرج بخطوات بطيئة، متحريًا في كل حركة المكان من حوله.

بلغ الطابق المنشود، ووقعت عيناه على باب الشقة التي جاء من أجلها ليجده مفتوحًا على مصراعيه، وكأن أحدًا ما فتحه رغمًا عن قاطني تلك الشقة.

أخذ شهيق طويل وأطلقه بهدوء محاولًا تهدئة ضربات قلبه التي تُنذره بالرحيل فورًا. تقدم بخطوات مُتثاقلة نحو الداخل ليجد جثة لشخص مُمسكًا بسلاحه فمن الواضح أنه كان يحاول تهديد أحد ما لكنه لقى مصرعه برصاصة أُطلقت من جهة أخرى. انخفض بهدوء ليمسك بهذا السلاح فقد يحتاجه للدفاع عن نفسه، وأثناء ذلك استمع لصوت صراخ يأتي من فوق رأسه:
- سيب السلاح... سيبه بقولك

ترك السلاح بخوف شديد، ورفع كفيه في الهواء قبل أن يرفع رأسه ببطئ ليرى صاحبة هذا الصوت فوجدها توجه سلاحها نحو رأسه. تسارعت نبضات قلبه وقال بنبرة متلعثمة:
- أنا معرفوش والله... أنا فيه بنت كلمتني وقالتلي أنقذها

تعجبت بعد سماعها تلك الكلمات، وأردفت بنبرة تحمل الشك:
- اثبت إن كلامك صح
أجاب عليها فورًا وهو على تلك الحال:
- أنا شغال في خدمة عملاء شركة جيجا وفيه بنت كلمتني قالتلي ألحقها وصرخت وفيه ضرب نار حصل.. والله ده اللي حصل وجيت علشان أنقذها

أبعدت السلاح عن رأسه، وهتفت بجدية:
- قوم اقف.. آسفة إني خوفتك بالشكل ده بعد ما جيت علشان تنقذني
عقد ما بين حاجبيه بتعجب، وهتف بتساؤل:
- هو أنتي؟ بس إزاي أنا سمعت ضرب نار وأنتي بتصوتي

وضعت سلاحها في مخمده وابتعدت قليلًا عنه لتجلب بعض أغراضها، وهتفت أثناء ذلك قائلة:
- هحكيلك اللي حصل بس يلا نمشي حالا من هنا قبل ما يبعتوا حد تاني

نهض من مكانه وتابعها وهو يقول بجيرة:
- هم مين دول؟
انتهت أخيرًا من جمع كامل أغراضها واقتربت منه مرة أخرى وهي تقول:
- دي قصة طويلة.. يلا بعد اذنك نمشي من هنا

تحركت بصورة سريعة إلى الخارج، وتبعها هو بعد أن احتلت علامات الاستفهام رأسه. ترجل إلى الأسفل وأشار إلى سيارته وهو يقول:
- تعالي معايا عربية 

تحركت صوب السيارة التي أشار إليها وما إن وصلت إليها حتى قالت بتعجب:
- هي مالها قديمة كدا ليه
رفع أحد حاجبيه وقال بعدم رضا:
- المهم إنها بتمشي، لو مش عايزة تركبي براحتك وأرجع أنا شغلي

هتفت في تلك اللحظة على الفور:
- لا لا ترجع فين أنا هركب أهو، بالله عليك اطلع بينا من هنا
استقل المقعد الأمامي للسيارة خلف المقود وتبعته هي وما إن أدار المحرك حتى ضغط على دواسة البنزين لتنطلق السيارة مبتعدة عن هذا المكان. 

اختفت معالم المكان الذي كان فيه وما إن تأكد تمامًا أنه ابعتد حتى نظر إليها نظرة سريعة ليقول بعد أن عاد بنظره إلى الطريق:
- ممكن أفهم ايه اللي حصل؟ ومين اللي كنتي بتتكلمي عنهم دول؟
أغلقت عينيها للحظات وكأنها تحاول محو هذا الضغط الذي سيطر على كيانها وما إن شعرت أنها استقرت حتى قالت:
- جوزي.. جوزي هو اللي كان عايز يقتلني

ظهرت علامات الحيرة على وجهه، ورمقها قائلا بنبرة تحمل التعجب:
- جوزك؟
شردت في الطريق أمامها وهتفت:
- آه جوزي.. للأسف اتجوزته علشان كنت حابة مركزه وفلوسه وفجأة اكتشفت إنه بيشتغل في أي حاجة غلط ممكن تسمع عنها، مخدرات ماشي.. سلاح ميضرش.. أثار اشطا.. تجارة أعضاء وماله، بمجرد ما عرفت عنه كل ده وأنا حسيت أكن فيه جبل فوق ضهري، للأسف مكنتش ذكية وحبيت بردو استغل الموقف لصالحي وجبت من وراه أوراق كتير تثبت تورطه لدرجة إني كنت بصوره فيديوهات في العمليات اللي كان بيعملها وفجأة صارحته إني عارفة كل حاجة عنه ولو مسمعش كلامي وطلقني وكتبلي أملاك بقيمة ١٠٠ مليون جنيه هبلغ عنه، ساعتها مكنتش مدركة أنا بتعامل مع مين بالظبط

كان يتابع حديثها باهتمام وما إن صمتت حتى قال:
- كملي

شردت في الطريق أمامها وتابعت بحزن:
- طلقني وقالي اللي عندك اعمليه.. كنت فاكرة إني قوية وهقدر أخليه يعمل اللي أنا عايزاه لكن مجاش في بالي إن واحد بالخطورة دي أكيد القتل عنده حاجة بسيطة، عدى يوم واحد بس ولقيته باعتلي اللي يقتلني

"قبل ساعتين"

كانت تجلس وتشاهد التلفاز حين سمعت طرقًا على الباب. نهضت من مكانها وتوجهت نحوه، وقبل أن تفتحه نظرت من خلال الثقب الموجود لترى من في الخارج. رأت رجلين تبدو عليهما ملامح الإجرام فتراجعت إلى الخلف بخوف، وركضت إلى غرفتها وهي تنتفض من الرعب، ثم أغلقت الباب خلفها بسرعة.

لم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى كُسر الباب بقوة، فارتعدت في مكانها خوفًا من مصير بدا محتومًا. هرعت إلى الهاتف الأرضي واتصلت بآخر رقم كانت قد تواصلت معه، ثم عادت لتتأكد من موقع الرجلين عبر ثقب الباب، فوجدتهما يتجولان في الخارج بحثًا عنها. عادت إلى الهاتف، ورددت بصوت مرتعش يغلب عليه الخوف والذعر:
- أنا في شارع... عمارة رقم 6، الدور التاني. أرجوك الحقني هيقتلني!

كان «أحمد» على الطرف الآخر من المكالمة، لكنها تركت الهاتف فور أن سمعت صوت محاولة لفتح الباب. أسرعت إلى خزانة الملابس، وأخرجت مسدسًا كانت قد خبأته منذ وقت طويل، حصلت عليه من زوجها دون علمه.

تقدمت بخطوات حذرة نحو الباب، وفجأة كسره أحد الرجلين بقوة. مع صوت الكسر صرخت وأطلقت رصاصة من مسدسها أصابته مباشرة، فسقط قتيلاً على الفور. ارتعش جسدها من الصدمة، وتحركت بتوتر نحو الخارج، ليظهر أمامها الرجل الآخر، وقد رفع سلاحه بعد أن سمع صوت الرصاصة. أطلقت نحوه رصاصة أخرى لكنه تراجع واختبأ، فلم تصبه.

عادت مسرعة إلى غرفتها، واختبأت خلف الباب وهي تبكي في صمت، مرتجفة من الرعب. وفي تلك اللحظة سمعت خطوات تقترب من الخارج. نظرت إلى الباب الآخر للغرفة، وفكرت بسرعة في حيلة قد تنقذها. فتحت الباب الآخر الذي يؤدي إلى الجهة المقابلة، لتجد نفسها خلف الرجل تمامًا، وهو ما زال يحدق في الاتجاه الآخر. رفعت سلاحها بيد مرتعشة، وأطلقت رصاصة استقرت في ظهره، فسقط قتيلاً في الحال.

انتهت من سرد ما حدث معها وتابعت آخر كلامها قائلة:
- وبس.. فضلت قاعدة سرحانة والصدمة مسيطرة عليا لغاية ما أنت جيت، افتكرتك تبعهم علشان كدا أول ما سمعت خطوات برا الشقة استخبيت.. كويس إني مضربتش عليك واستنيت
ابتسم ورفع كتفيه ليقول:
- الحمد لله فعلا إنك متسرعتيش

نظرت إليه وقالت بنبرة تحمل الحيرة والتعجب:
- بس غريبة إنك جيت فعلا تنقذني، المكالمة اللي عملتها دي كنت متأكدة إنها مش هتقدم ولا هتأخر بس أنت عارف الغريق اللي بيتعلق بقشاية؟ هو عارف إنها مش هتنقذه وإنه هيموت لكن بيعمل أي حاجة علشان يفضل عايش حتى لو متأكد إنها مش هتساعد.. هو ده اللي أنا عملته بالظبط وأنا متأكدة إن مفيش حد هيجي يساعدني لكن حصل عكس كدا تمامًا، أنت إزاي خاطرت بحياتك وجيت وأنت عارف إن الموضوع خطر بالشكل ده؟! أنت مين؟

####

"الـــوقـــت الـــحـــالـــي"

انتهت صلاة الفجر وعادوا إلى منازلهم مرة أخرى في جو من الراحة والهدوء، صعد «طيف» إلى الأعلى ودلف إلى غرفته ليجد زوجته نائمة فردد بهدوء:
- نيران أنتي نمتي؟
رددت بصوت منخفض يعبر عن نعاسها:
- آه يا طيف عندي شغل الصبح هناملي ساعتين

حرك رأسه بالإيجاب وجلس على الجانب الذي ينام هو فيه وأغلق عينيه ليفكر في الحال الذي هو فيه الآن؛ فهو منذ أن ترك عمله كضابط وهو لا يعمل ويُقضي معظم أوقاته بالمنزل، لم يرضى بهذا الحال لكن لا يوجد شيء بيده فهو الآن كالمعلق في السماء لا يجد مهبط ولا راحة. ألقى بجسده على الفراش ونظر إلى الأعلى حيث سقف الغرفة الذي حفظ ما فيه من كثرة النظر إليه. لا يريد أن يبقى هكذا دون عمل لكن لا يجد ما هو مناسب له؛ في الماضي كان يعمل طبيبًا ثم عمل كضابط شرطة والآن لا يمكنه أن يعمل كطبيبًا بسبب فقدانه لذاكرته ولا ضابطًا بسبب ما سببته تلك الوظيفة له ولعائلته، كان العالم قاسيًا عليه لدرجة أنه لا يتذكر مقدار الظلم والتعب الذي تعرض له ليصل إلى تلك الحالة الصعبة.

في النهاية لم يجد ما يهون عليه هذا الألم سوى عائلته التي تعوضه جزء بسيط ولكن هل فقط العائلة هي من تهون عليه هذا المقدار الكبير من الألم؟! هو لا يتذكر ماضيه معهم وهذا ما يُصعب عليه الأمر أكثر وأكثر. يحاول المُضي قدمًا معهم ومعاملتهم بصورة طبيعية لكن الصورة بداخله غير مكتملة، عقله مُشوَّشًا وقلبه أشبه بالزجاج المكسور؛ لا يعلم هل سيبقى بقية حياته بهذا الوضع أم سيحدث شيء يُخرجه من تلك الظلمات إلى النور من جديد كما كان سابقًا.

ظل على حالته تلك ينظر إلى الأعلى حتى سمع زوجته من جواره تقول:
- ايه ده أنت لسة منمتش يا طيف
انتبه لها ونظر وهو يقول بتعجب:
- ايه ده النهار طلع؟!

رفعت أحد حاجبيها واعتدلت وهي تقول:
- الساعة بقت 8 كمان، بجد أنت لسة منمتش من ساعتها؟
اعتدل ونظر لها قائلا:
- تقريبا كدا، مجاليش نوم أصلا محستش بالوقت

عقدت ما بين حاجبيها ونظرت له باهتمام قائلة:
- مالك يا طيف؟!
رسم ابتسامة مزيفة على وجهه وقال:
- مفيش لسة بس تقريبا مخدتش على أجواء السهر بتاعة رمضان

ظلت موجهة بصرها صوبه إلى أن قال:
- صدقيني مفيش حاجة
حركت رأسها بالإيجاب ونهضت من مكانها وهي تقول:
- هو فيه حاجة وأنا بعرفك من نظراتك وشكلك بس نتكلم في الحوار ده لما ارجع من الشغل
نهض هو الآخر وقال بجدية:
- هتحرك معاكي انزل أدور على شغل، كفاية بقى قعدة لغاية كدا

نظرت له بتعجب وهي تقول:
- قررت تشتغل؟ وايه الشغل ده
لوى ثغره ورفع كتفيه وهو يقول بجهل تام:
- مش عارف، هنزل الف كدا يمكن ألاقي حاجة كدا ولا كدا، كفاية قعدة بيت بقى زهقت منها

اقتربت منه وقالت بنبرة هادئة:
- هو ده اللي كان مسهرك صح؟
لوى ثغره للحظات قبل أن يرسم ابتسامة هادئة ويقول:
- يعني حاجة شبه كدا
وضعت يدها على كتفه وقالت بنبرة هادئة:
- طيف أنت معاك مبلغ كويس وأنا شغالة يعني متقلقش من المصاريف أو حاجة
ابتسم وردد بنبرة تعبر عن حزنه:
- مش حكاية مصاريف يا نيران، القعدة في البيت وحشة، مس بحب القعدة خالص، عايز أخرج واشتغل وأبقى مسؤول، أكيد يعني مش هعتمد على مراتي في مصاريف، سيبيني على راحتي 

ضيقت ما بين حاجبيها وقالت:
- طيب ما ترجع شغلك تاني أصل هتشتغل ايه يا طيف وأنت أصلا دكتور وظابط
حرك رأسه حركة هادئة ليعبر عما بداخله قائلا:
- صعب يا نيران أرجع ظابط تاني، أنتي شوفتي اللي حصلي كان ايه، مش خوف والله على نفسي لكن خوف على اللي حواليا، أنا شوفت اللي حصلكم ايه من بعد ما اختفيت، اينعم أنا مش فاكر الفترة دي خالص بس لما رجعت شوفت الحزن والحسرة والألم في عنيكم، شوفت فرحة ولادي الهستيرية لما شافوني من جديد، وجودي في الشغلانة دي يعني ألم وحزن وقهر ليكم زي ما يكون كل ده مكتوب عليا أنا بس، أنا اتعذبت لغاية ما فقدت الذاكرة تخيلي؟! أنا حتى مش فاكر العذاب ده يعني حاجة في قمة الفظاعة، اكتشفت إن كان ليا صاحب  وصاحبي ده هو اللي كان بيعذبني ومع الناس اللي خطفاني، الموضوع مخيف يا نيران 

لم تجد ما تهون به عليه إلا أن حضنته بقوة وهي تقول:
- متقلقش يا طيف، أنا جنبك وعمري ما هتخلى عنك حتى لو هموت علشان تبقى أنت كويس
مسح بيده على رأسها وقال بحب:
- بعد الشر عنك يا نيرو، إن شاء الله ربنا يدبرها والفترة دي تعدي على خير

ابتعدت عنه ونظرت له بابتسامة قائلة:
- طيب البس يلا وأنا هجهز علشان نتحرك
- حاضر 

مر القليل من الوقت قبل أن يستعدان للرحيل، اقترب هو منها وردد:
- خلي بالك من نفسك
نظرت له وقالت بتعجب:
- أنا هاجي معاك اوصلك 
رفع أحد حاجبيه وقال بحيرة:
- توصليني ايه ما أنا معايا عربيتي وبعدين أنا هلف شوية حلوين متتعبيش نفسك وروحي أنتي وبعدين أنا عايز اخلع بسرعة قبل ما بابا أو ماما يشوفوني ويعيدوا نفس حوارك معايا، عايز اهرب

ابتسمت ورددت:
- طيب ماشي خلي بالك من نفسك
تركته واتجهت صوب خزانة الملابس وأخرجت مسدس من داخلها ثم اتجهت صوبه وما إن وصلت حتى قالت:
- خلي السلاح ده معاك يحميك

ضيق ما بين حاجبيه وقال بتعجب:
- هحتاج السلاح في ايه وبعدين أنا خلاص بعدت عن حياة الميري دي
وضعت السلاح بيده وقالت بجدية:
- بعدت أنت يا طيف لكن هل هم بعدوا؟! مفيش إجابة يبقى تخلي ده معاك يحميك

حرك رأسه بالإيجاب وقال:
- تمام يا نيران هخليه معايا

تركها ورحل ثم توجه إلى سيارته التي أدارها لكنه قبل أن يتحرك استمع إلى هذا الهمس من جديد:
- طيف!! طيييف؟!
التفت لينظر حوله بحثًا عن مصدر هذا الصوت لكنه لم يجد فقرر عدم التفكير في الأمر وتحرك على الفور بسيارته.

***

على الجانب الآخر خرج «أيمن» من المنزل ونظر إلى «نيران» ليقول متسائلا:
- عربية طيف مش هنا هو خرج ولا ايه؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت:
- أيوة قالي إنه زهق من قعدة البيت وهيدور على شغل

اتسعت حدقتاه وقال بصدمة:
- هيدور على شغل؟ ايه الشغل اللي هيشتغله؟!
نظرت إليه وقالت بهدوء:
- اتكلمت معاه كتير في الحوار ده لكن هو مُصر، سيبه على راحته يا بابا يمكن ده يخرجه شوية من المود اللي هو فيه ويخليه يتحسن

ضم شفتيه ونظر إلى الفراغ ليفكر في الأمر وهو على عدم اقتناع بما يفكر فيه ابنه فهو يخشى عليه من الخروج والبقاء وحده بعد ما حدث وكأنه طفل صغير يخشى عليه من غدر الحياة التي لا يعرف هو عنها شيء.

***

تحرك في كافة الاتجاهات ووقف أمام الكثير من الأماكن لا يعرف ما هي الوظيفة التي تناسبه. هو لا يفهم في شيء غير الطب وعمله السابق، لا يملك ذاكرته لكنه يعرف التعامل مع ذلك هو فقط لا يريد العودة كطبيب حتى لا يتسبب في أذى بدون علم ومعرفة لأحد. أثر عليه عدم النوم وشعر بالصداع لكنه تجاهل كل ذلك وترجل من سيارته وتحرك لأمتار حتى وقع نظره على شركة صغيرة فتقدم صوبها ودلف إلى داخلها ليقول إلى الاستقبال:
- بعد اذنك هو فيه وظايف متاحة هنا في الشركة؟
ابتسمت موظفة الاستقبال ورددت بهدوء: 
- أي وظائف الشركة بتوفرها بتكون من خلال لينكد ان حضرتك، تقدر تتابع صفحة الشركة على الأبلكيشن وتقدم لو فيه حاجة جديدة 

هز رأسه بالإيجاب وردد بعدم رضا:
- شكرا
رحل على الفور ليبحث عن فرصة عمل أخرى وبقى هكذا طوال النهار لكنه لم يجد فالجميع يخبرونه بما تم إخباره من قبل بخصوص التقديم بشكل إلكتروني من خلال موقع الشركة. اشتد صداع رأسه بشدة فتوجه إلى سيارته قبل أن ينظر في ساعته ليجد أن الوقت المتبقي على أذان المغرب نصف ساعة فقط فقرر العودة إلى المنزل وهو غير راضي تمامًا عن حاله وعن هذا اليوم المرهق.

قاد سيارته وصداع رأسه يشتد أكثر فأكثر حتى إنه كاد أن يفقد وعيه أثناء القيادة وكاد أن يصدم أحد الأشخاص إلا إنه ضغط على الفرامل بقوة قبل وقوع الحادث ليصرخ هذا الرجل في وجهه قائلا:
- أنت بهيم؟ ايه اللي بتعمله ده يا بني آدم؟!

انتظر «طيف» عبوره وتابع قيادته وكأنه لم يفعل شيئًا. وصل أخيرا إلى المنزل وترجل من السيارة بتعب شديد وكان يتحرك بعدم توازن، ضغط على زر الجرس وما إن فتحت «رنة» الباب حتى سقط أمامها فاقدًا للوعي.

صرخت «رنة» وخرجت لتحاول إفاقته وهي تصرخ بإسمه وجاء على الصوت «أيمن» من الداخل ليجد ابنه في هذه الحالة فانطلق إليه وهو يقول بصوت مرتفع:
- طيف، ابني رد عليا مالك، الحقني يا بارق ...

بعد مرور فترة من الوقت خرج الطبيب من الغرفة وبصحبته «أيمن» الذي قال بنبرة تحمل القلق:
- هيفوق امتى يا دكتور
نظر له الطبيب وتحدث بهدوء:
- هو دلوقتي نايم من التعب، فضل فترة كبيرة صاحي وحصله إرهاق ذهني وبدني على مدار اليوم ده غير إنه صايم وده ضاعف اللي عنده، سيبوه نايم لغاية ما ياخد كفايته من النوم ويرتاح فترة كويسة وهيفوق كويس بإذن الله
- تمام شكرا يا دكتور

على الجانب الآخر كانت تمسك «نيران» بيده اليمنى وتقول بنبرة تحمل الندم:
- يارتني ما سيبتك تنزل وأنت تعبان كدا يا طيف، أنا آسفة 
كانت «أسماء» تمسح على رأسه بهدوء حتى دلف «أيمن» وردد:
- الحمد لله اتطمنا عليه، سمعتوا الدكتور بنفسكوا وهو بيقول إرهاق محدش يقلق بقى ويلا قوموا سيبوه يستريح ويلا نفطر العشاء هتأذن دلوقتي 

نهضوا جميعهم عدا «نيران» التي رددت بحزن واضح:
- مليش نفس، هفضل مع طيف شوية 
هنا وضعت «تنة» يدها على كتفها ورددت:
- يا حبيبتي لازم تفطري أنتي صايمة
ربتت على يدها وقالت بهدوء:
- مليش نفس والله يا تنة، روحوا افطروا أنتوا وأنا لو جالي نفس هفطر
- طيب على الأقل هجيبلك تمر وعصير تكسري صيامك بس 

رحلوا وبقت هي معه، وجهت بصرها صوب وجهه الذي كان كالأطفال أثناء نومهم، مسحت على رأسه وظلت موجهة بصرها صوب هذا الوجه الذي شاهد الكثير من المعانا في حياته، لو كان أحد غيره لما تحمل كل هذا الألم والتعب. في المرة الأولى التي رأت فيها هذا الوجه كان بريئًا جدا ولا يحمل سوى الحب للجميع، كان محبًا للحياة وأكثر مرحًا من الآخرين، كانت الإبتسامة لا تفارق وجهه أما الآن لازال وجهه بريئًا لكن اختفت محبته للحياة وبقى الحزن ملازمًا له. ودت لو تساعده لكنها غير قادرة على ذلك. للمرة الأولى في حياتها تشعر بكل هذا العجز؛ عجزها عن مساعدة زوجها وحبيبها وكل ما لها في تلك الحياة، ودت لو تأخذ بيده إلى طريق الأمان لكنها لا تستطيع؛ لا تستطيع تقديم المساعدة للشخص الأهم في حياتها.

انهمرت عبرة من عينيها ورددت بنبرة تحمل الحزن والحسرة:
- سامحني لو مش قادرة أساعدك يا طيف، نفسي أساعدك وأرجعك لبر الأمان لكن مش عارفة، سامحني يا حبيبي 
في تلك اللحظة طرقت «تنة» على الباب ودلفت وهي تقول:
- جبتلك تمر وعصير علشان تفطري يلا افطري...
ضيقت ما بين عينيها وقالت:
- ايه ده أنتي بتعيطي؟! الدكتور قال إنه كويس وإن كل ده إرهاق

حركت «نيران» رأسها وقالت بنبرة تحمل الحزن:
- مش ده اللي مزعلني يا تنة، زعلانة إن ده كله ولسة محدش فينا قدر يساعد طيف مساعدة حقيقية، فكرة إنه يتعذب لغاية ما يفقد الذاكرة دي كل ما بتيجي في دماغي بتوجع أوي، صعب أوي اللي شافه طيف ولسة بيشوفه، أنا عشت فقدان الذاكرة وشوفت قد ايه هو صعب ومتعب، تخيلي نفسك في عالم أنتي مش عارفة كل اللي فيه ولا عارفة تتعاملي معاهم لأن ده التعامل الأول بالنسبة ليكي معاهم، إحساس إنك وحيدة في كوكب كامل، كل اللي حواليكي فاكرينك وبيعاملوكي على إنك قريبة ليهم لكن الفكرة فيكي أنتي؛ مش فاكراهم ولا عارفة تتعاملي معاهم، إحساس بيوجع أوي وبيخليكي طول الوقت تايهة وبتحاولي تدوري على نفسك، ده بالظبط اللي بيحسه طيف كل ثانية 

جلست «تنة» بجوارها وربتت على كتفها وهي تقول:
- عندك حق في كل كلمة قولتيها بس أنتي نسيتي حاجة واحدة وهي إننا متعودين إن طيف مهما وقع أو حصله حاجة بيرجع أقوى من الأول، طيف قوي وهيعدي المرحلة دي، ده أخويا وأنا عارفاه، عمره ما استسلم وعمره ما كان ضعيف وبعدين ربنا بيبتلي العبد على قدر تحمله، عمر ما كان الابتلاء أكبر من قدرة تحملنا ودي من نعم ربنا علينا

حركت «نيران» رأسها بالإيجاب ونظرت إلى «طيف» ومسحت على رأسه وهي تقول:
- ونعم بالله، ربنا يرجعك ليا تاني يا طيف يا حبيبي

***

مر من الوقت يومان على نوم «طيف» وسط قلق ومراقبة الجميع له إلى أن استيقظ أخيرا في اليوم الثالث ونظر حوله بتعجب لكنه لم يجد أحد فنهض من مكانه وتحرك إلى الخارج ومنه نزل إلى الأسفل ليستمع إلى هذا الصوت: "مدفع الإفطار اضرب...حان الآن موعد أذان المغرب حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة...الله أكبر الله أكبر"

تقدم حتى وصل إلى الطابق الأول ليجد والده يقول بهدوء:
- ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله 
ضيق «طيف» ما بين حاجبيه وقال:
- المغرب أذن ومحدش صحاني والله عيب
انتبه الجميع لوجوده ونهضوا ليطمأنوا عليه بلهفة فنظر لهم بتعجب وهو يقول:
- فيه ايه يا جدعان مكانتش ربع ساعة نمتها قبل الفطار

هنا ردد «بارق» مازحًا:
- ربع ساعة ايه يا نجم أنت نايم بقالك يومين
ضحك «طيف» واعتقد أنه يمزح ليقول له:
- ماشي يا لمض هزر هزر
- أهزر ايه يا عم النهاردة 3 رمضان كل سنة وأنت طيب.. أنا خايف تنام نومة كمان تصحى على العيد 

ضيق «طيف» ما بين حاجبيه وقال بصدمة:
- 3 رمضان؟! بجد أنا نمت يومين؟
هنا تحدث «أيمن» وقال بصوت مسموع:
- كفاية رغي وسيبوه يفطر ده مكلش من 3 أيام وعايش على المحاليل

هنا تحدث «طيف» وقال مازحًا:
- كمان محاليل؟! ده أنا كنت في غيبوبة مش نايم بقى
في تلك اللحظة أمسكت «نيران» يده وقالت بحب:
- بعد الشر عنك يا حبيبي، ده إرهاق بس بسبب الصيام وطبعا أنت مكلتش من فترة فكان لازم نعلقلك محاليل، المهم سيبك وخد دوق التمر باللبن اللي عاملاه أنت كنت بتحبه أوي 

أخذ منها الكوب وبدأ يرتشف منه قبل أن يُبدي إعجابه الشديد قائلا:
- واو ده تحفة، إزاي مكنتش أعرف المشروب ده 
- مكنتش تعرفه ايه ده مشروبك المفضل، كنت عايش عليه أصلا 
هنا رددت «رنة» قائلة بنبرة مازحة:
- ده من كتر حبك فيه فكرت قبل كدا تخترع فيه وعصرت نص لمونة وفضلت بعدها ترجع وتلعن الفكرة الغبية اللي جالتلك ساعتها

استمر الحديث بينهم وتناولوا الإفطار سويًا ثم قاموا بأداء صلاة المغرب. جلس طيف على المقعد وعاد بظهره إلى الخلف وهو يقول:
- أنا كلت أكل يكفي عشرين بني آدم، تسلم ايدك يا ماما 
اقتربت والدته وربتت على يده وهي تقول بحب:
- بالهنا والشفا على قلبك يا حبيب ماما، بطنك بس تهدى كدا وهحط الحلويات، عاملة قطايف وكنافة من اللي بتحبهم

رفع أحد حاجبيه وقال مازحًا:
- هو كل ما حد يجيب سيرة أي أكل يقولي كنت بتحبه وبتعشقه هو أنا كنت طفس للدرجة دي؟!
هنا أجابت «تنة» التي قالت ضاحكة:
- أنت يبني معروف من زمان بتاكل ومش بتتخن، أنت أكيل جدا 
ضيق نظراته وقال بنبرة تحمل المزاح والضحك:
- وأنا أقول حياتي بايظة ليه أتاري حد راشق عينه المدورة فيها

أشارت إلى نفسها وقالت بصدمة:
- أنا عيني مدورة؟! مكانش العشم يا طيف
ضحك وقال بهدوء:
- بهزر يا ستي مالك 

في تلك اللحظة ارتفع صوت «بارق» وقال:
- أيوة شاااااي، عاملكم بقى طقم شاي إنما ايه هيحبس الأكل والحكم بعد المداولة
ضحكوا جميعا ليقول «طيف»:
- معلش يا جدعان عندي دي، ظابط شرطة هيهزر إزاي يعني

استمروا في الحديث والضحك إلى أن ارتفع أذان العشاء. هنا نهض «أيمن» وقال بهدوء:
- يلا يا بارق نصلي العشاء والقيام
هنا نهض «طيف» وقال بتعجب:
- وطيف ملهوش نفس ولا ايه، هاجي معاكم أنا كويس، هطلع بس اخد دش في السريع واحصلكم 
هنا ابتسم «أيمن» وقال:
- ماشي يا طيف

صعد «طيف» إلى الأعلى وأخذ حمامه في وقت قصير قبل أن يرتدي ملابسه ويتجه إلى الخارج لأداء الصلاة. تحرك إلى المسجد وأثناء سيره استمع إلى هذا الصوت مجددا ولكن تلك المرة كان أكثر وضوحًا وقُربًا.

توقف للحظات لكنه قرر عدم الالتفات وتابع التحرك ليظهر الصوت مرة أخرى قائلا:
- استنى رايح فين؟!
عقد ما بين حاجبيه لأن الحديث تلك المرة تبدل لذلك توقف والتفت برفق ليجد امرأة جميلة يظهر عليها الشباب، شعر أنه رآها من قبل لكنه لم يستطع تحديد هويتها فقال بتعجب:
- أنتي مين وبتمشي ورايا الفترة دي كلها ليه؟!

هنا جاء ردها وهي تتقدم برفق:
- أكيد مش فاكرني لكن أنا عارفاك كويس يا طيف، حتى لو قولتلك أنا مين مش هتفتكرني بردو
في تلك اللحظة وضع يديه في جيب بنطاله وردد:
- على الأقل ابقى عارف اسم اللي بكلمه
ابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب وهي تقول:
- تمام هقولك اسمي، أنا فاطمة ...

تعليقات