رواية ظل بعد ظل الفصل العشرون بقلم ياسمين النعيمي
طول الليل ظلوا يجهزون للسفر.
قيس، رغم التعب اللي ظاهر بعيونه من الرحلة الطويلة، ارتاح ساعتين و ما تركهم بعدها وحدهم ولا دقيقة.
مرة ينزل الجنط، مرة يتأكد من الأوراق، و مرة يرجع من برا شايل الأشياء اللي وصّته عليها.
كلما سألته إذا تعب، كان يجاوبها بنفس النبرة اللي تذوب قلبها:
- تعبج راحة ابوي.
و رغم إنها حاولت تجبره يرتاح، ظل وياهم لحد آخر لحظة، كأنه يريد يعيش كل تفصيلة صغيرة قبل السفر.
آخر شي بالليل قبل لا يروح ينام قاللها،
- ريّاوي، اني ورا هالتعب لو نمت نومتي تثكَل فرد نوب، انتي اكَعديني ...
ابتسمت له،
- لا تشيل هم، اني اكَعدكم كلكم.
رفع عيونه مبتسم،
- مو تنسين لو تبطين !!
- يعني اكيد ما نسافر بدونك ...
و هو مبتسم يقول،
- مو اخاف تعوفنا الطيارة كل احنا هين و تمشي.
ضحكت تقوله،
- عيب عليك مواعيدنا انجليزية ...
ميّل راسه متملل،
- أوهوو حجت بنت الانجليز ...
طبطبت على كتفه تقول،
- روح نام و الباقي علية.
الصبح، دخلت لغرفة أبوها حتى تكعده.
كان نايم بعمق ... بطريقة تبين شكَد منهك.
حاضن المخدة، و شعره مبعثر، و ملامحه مرتخية كلها ...
تقربت منه بهدوء:
- قيس ...
ما تحرك.
همست باسمه مرة ثانية، و ثالثة ... و بعده غرقان بالنوم.
ابتسمت لا إرادياً، و مشت أصابعها بين شعره المبعثر، ثم رفعت صوتها شوية:
- گوم حبيبي ... يلا.
تحركت أجفانه أخيراً، و فتح عيونه بصعوبة، صوته مبحوح من النوم:
- ساعة بيش ؟
- خمسة.
سحب نفس عميق، رجع غمض عيونه لثواني و فتحها ثم أول ما ثبتت عيونه عليها ... ابتسم.
- صباح الخير.
ابتسمت له،
- صباح النور، يلا كَوم.
غمض عيونه مرة ثانية يتمتم:
- الوجه الحسن يريد لو تعلوم.
رفعت حواجبها باستنكار:
- مال ايش ؟
فتح عيونه بنص ابتسامة:
- رومنسية حبيبي ... رومنسية.
رفعت حواجبها،
- صاير سقف طموحاتك عالي، رايحين يمكم شهر عود هناك علمني.
ضحك يقول،
-وين اعلمج ؟! هناك ؟! ثاني يوم تلكَين سلمان عازم خلكَ الله و لواعيب الجوبي تدبج للصبح.
و سألته،
- ليش يعني ؟!
ضحك يقول،
- عرس حبيبي عرس، اذا عاجبج نعرس حتى اكَول لسلمان، و اعلمج ع الاصول.
ضربته بصدره و اندارت اطلع،
- صاير ما تستحي.
تركته بعد ما تأكدت انه طارت النومة من عينه و راحت للبنات، تجهزوا و نزلوا، و لقت قيس يفتر بالبيت،
- الغاز ابوي خومو ناسيته ؟!
- اي سدّه وياك فدوة.
طفينا كل الأجهزة بس الثلاجة رغم فرغتها بس خلتها مفتوحة لانه اخر مرة طفتها و صارت بيها ريحة.
جان طالب تكسي يروحون بيه للمطار، وصل و طلعوا بالطريق.
مشى أمامهم خلص كل الإجراءات و هي كما العادة، ما تفكر بشي و هي ماشية وياه.
حلّقت الطيارة أخيراً، و ويا اهتزازها الخفيف، حسّت ريّا بالتعب يزحف لجسمها ببطء.
كانت تقاوم النعاس حتى تظل تحچي وياه.
شهرين كاملات ما شافته ... و هسة أخيراً صار يمها، قريب لدرجة تگدر تسمع نَفَسه إذا سكتت.
مدّت إيدها و شالت الحاجز الصغير بين مقاعدهم، تهمس:
- حبيبي ... البنات شديسوّون ؟!
رفع عيونه عن شاشة التلفون و نظر لها،
- نايمات بنيتي ... نامي انتي هم، لا يظل بالج.
عضّت شفتها بخفة:
- خاف يريدون شي.
ابتسم، الابتسامة الهادئة المطمئنة،
- اني هين حبيبتي ... ارتاحي.
تأملته ثواني، و التعب واضح بملامحه هو هم.
من السفر ... من السهر ... من الركضة وياهم من الصبح،
همست،
- انت هم تعبان.
رد فوراً، كأنه الجواب محفوظ بقلبه مو بعقله،
- تعبكم راحة.
سكتت لحظة، ثم تقربت أكثر بعدما انفتح المقعدين على بعض،
- يعني يمكن اريد اسولف وياك ... لو تريد تخلص مني ؟
ضحك بخفوت يقول،
- سولفي ... جعل محد سولفت بعدج.
تشابكت أصابعها بإيده، و همست بخبث،
- حبيبي مو كَدام احد تحچي وياية هيچي ... تعرفني ما اقاوم.
دار راسه عليها، و بعيونه مرح انقلب لجدّية،
- هو دحكَي ... هذن يعتبرن فضايح جدام ناس و ناس.
رمشت باستغراب،
- شلون يعني ؟
سند راسه عالمقعد، و ظل ممسك إيدها:
- يعني اذا سلمان لو امي ... هذول يكيفون على هالشكل سوالف. بس جدام غيرهم لا ... يبقى بينا احترام و حدود.
سكت لحظة و ثبت عيونه بيها،
- كَدرج هو هو، على عيني و راسي و طلباتج أوامر ... بس نضب لسانّا شوي.
ابتسمت تسأله،
- مو تكَول عمّو يسوي عرس ثاني يوم ؟
ضحك،
- اي يسوي عرس لو شاف سوالف +18، غيرو ... هو يعرف شكثر احبج و اخاف عليج ... مو شكثر احاجيج و هو وياي !!
صفنت للحظة.
- فعلاً ... حتى لما يكون عمها سلمان يمه، يبقى صوته دافي وياها، يدللها بس بدون تجاوز.
هزت راسها بخفة،
- اي صحيح ...
لكن الفكرة ظلت تدور براسها، و رجعت تسأله بتردد،
- زين ليش لازم نتقيد كَدام اغلب الناس ؟!
تنهد بهدوء، يعرف إن هالكلام لازم ينقال هسه قبل لا يوصلون،
- لأن احنا مو مثلهم.
رمشت،
- شلون مو مثلهم ؟
لف إيده على إيدها أكثر،
- اهلنا و ديرتنا ناس بسيطة ... عايشين نفس العادات من سنين ... بيت مفتوح على بيت، و واحد يعرف الاخر و كل شي محسوب.
مال عليها شوية،
- بس بنات اركان غير.
انقبض قلبها لا إرادياً كلما انذكر اسم أبوها بهالطريقة.
كمل بهدوء،
- محد يعرفجن زين ... و سالفة ابوج القديمة بعدها الناس تذكرها، و هسه اني رايح راد عليجن، و احنا بس مخطوبين بعيونهم.
عقدت حواجبها:
- بس احنا عاقدين !!
- اي عاقدين، و كل شي بينا حلال ... بس بالعرف لا.
هين حتلو عاقدين و اختلوا كَبل العرس تصير سالفة.
سكتت، و لأول مرة حسّت بثقل المكان اللي رايحيله.
لاحظ خوفها فوراً ... ترك المقعد و اقترب أكثر، صوته صار أهدأ،
- لا تخافين ... اني حجيتلج حتى تكونين بالصورة بس.
غير هذا ... كائن من يكون الي يمسج بجلمة؟ اني سيف على ركبته.
رفعت عيونها بسرعة،
- منو يسوي هيچي اصلاً ؟ مو كَلت محد يحب المشاكل ؟
ابتسم ابتسامة قصيرة، بس هاي المرة ما وصلت لعينيه: - اي ... الا بيت عمي عدنان.
سكتت.
هاي أول مرة تسمع اسمه بهالنبرة.
كمل بهدوء،
- هذول نفسياتهم شوي مو نظيفة ... انتي بس تجنبيهم، و تصرفي مثل ما علمتج ... و لو احد داس لج على طرف، انطيني إشارة و اني اتصرف.
همست بخوف طفولي،
- مرت عمك هاي تخوف ...
ابتسم يقول،
- ام قيس امج حبيبتي، منهي هاي و تخوفج !!
ابتسمت بخفة،
- بس عمتي طيبة ... احسها مو مال مشاكل.
ضحك و كَرص حنجها،
- طيبة وية الحبيبات ... بس الي تتجاوز على بناتها تشوفين وجه اخر ...
نزلت عيونها، و بدون ما تنتبه، ابتسمت بحنين،
- من ظلينا يمها ورا وفاة بابا ... جانت اول مرة بحياتي احس عندي أم.
نزلت دمعة بدون ما تحس،
مد إيده فوراً، مسحها بطرف إبهامه بحنان،
- تدرين شكثر بيج منها ؟!
رفعت عيونها بسرعة،
- منو اني ؟!
هز راسه،
- حبَيبة ... حنينة ... و گلبج نظيف ... بس بمية زلمة لو ماكو زلمة حواليج.
ضحكت بخفة رغم دمعتها،
- هاي منو مكتشف هالاكتشاف العظيم ؟
ضحك،
- سلمان.
- عمو؟!
قلدها مبتسم،
- اي عمو ...
و كمل،
- جنت اسولفلو بيج ... شكثر ماخذة عكَلي و كَلبي، شلون تتصرفين، و المسؤولية الي عليج ... جان يكَول: "هاي نهّودة مفصلة تفصال".
توسعت عيونها:
- نهّودة ؟! هذا اسم دلعها ؟
مبتسم يقول،
- لاا ... هذا اسمها بالجنسية.
ضحكت بصوت جذب نظر المضيفة عليهم،
- شكد حلووو !!
و هو يكمل يعدد بإيده:
- نهّودة ... و خلّودة ... و سعّودة ... و وردة.
ضحكت أكثر:
- ابوهم مدلّعهم من الجنسية !!
- كَبل الناس على نياتها تسمي. هو بالأصل ناهدة، بس هم يدلعون الاسماء و رايح كاتب نهّودة و ظل اسمها نهودة.
سكتت شوية، بعدها رجعت تسأله بحذر:
- كل خالاتك طيبات مثل عمتي ؟!
مال براسه يفكر،
- اي ... بس سعّودة شوي معقدة.
- ليش ؟
تنهد،
- اخذوها زغيرة ... و تعذبت جثير وي عيالها، بس گلبها نظيف.
صفنت بكلامه للحظات ...
ثم سألت السؤال اللي من بداية الحچي يدور براسها،
- يعني بابا جان يبعدنا عن أهله مو كل الناس !!
تنهد ،
- اي ... بس مو من الكل.
سكت، و كأنه لأول مرة يرتب هاي الذكريات بصوت مسموع.
- جدي الله يرحمو جان محد سالم من هيمنتو، عمي اركان انهزم من سالفتو التعرفيها، و ابوي طول عمرو يحاول يحتوي الحواليه، و ياخذ و ينطي بالحجي.
مو مثل جدي، ولا مثل عمي عدنان و عياله ... هذول نسخ طبق الأصل منه.
ظلت ساكتة شوية، ثم همست بتردد،
- اذا ما يعجبك السؤال ... سوي نفسك ما سمعته.
ركز فوراً، و من نظرته فهم إنها داخلة لمنطقة حساسة، بس أشر بعينه،
- اسألي.
بلعت ريقها،
- اذا بيت عمي عدنان مو مثلنا ... شلون تزوجت بنتهم ؟!
ظل يباوعلها ثانيتين ...
ثم ابتسم ببطء،
- مو مثلنا ؟!
استوعبت شنو نطقت و احمرّ خدها،
- أقصد ... مو مثل بيتكم.
مال عليها بخفة-
- لا شو گولي مثلنا ... عجبتني.
ضحكت بخجل،
- زين ... مثلنا.
ابتسم، و بعدها رجع راسه عالمقعد، لازال ماسك إيدها،
- ما جنت احب بيت عمي ... بس ما كَاطع منهم، ابوي ما ربانا على الكَطع.
سكت لحظة.
- هي جانت بكَصتي، ازغر عني بسنتين ... جدام عيني ... و صار بينا شوي مواقف مثل أي ولد عم.
رفع كتفه،
- توهمتها شي ... و تالي صارت شي.
همست بحذر،
- تنزعج اذا سألتك عنها ؟!
هز راسه بالنفي،
- لا من حكَج ... بس ما افضل احچي بتفاصيل ما تفيد حياتنا هسه.
و بعد صمت قصير، أضاف بهدوء،
- بالاخر المرحومة راحت لدار حقها.
لان صوتها فوراً،
- الله يرحمها.
رفع إيدها، باس أصابعها و ابتسم،
- سوالفج تنوكل ... بس عيونج انزلن فرد نوب.
فعلاً، ما حست بنفسها إلا و هي تميل عليه من النعس.
آخر شي وعته قبل النوم ...
إنه سحب غطا عليها بهدوء، و سد الكابينة من جهة الممر حتى محد يزعجها.
حسّت بعد وقت طويل على أصابعه تداعب خدها بهدوء ...
و همسات صوته القريبة من أذنها، يناديها باسمها كأنه يخاف يصحيها بقوة.
- ريّا ...
- حبيبي ...
- صح النوم يا حلو.
فتحت عيونها بثقل، و أول شي شافته كان وجهه قريب عليها.
نفس النظرة الدافية ... نفس الابتسامة اللي تخليها تحس بالأمان حتى و هي نص نايمة.
طبع بوسة خفيفة على طرف جبينها الأقرب له و همس، - يفدوة لهالوجه ... اكَعدي اكلي وجبتج، دربنا بعدو طويل.
ابتسمت بنعس، و صوتها بعدها مبحوح،
- أكلت انت ؟
هز راسه،
- لا ... ناكل سوة.
دارت بعيونها تدور البنات،
- و البنات ؟
ابتسم و هو يعدل الغطا عليها،
- بنيتي راسج جان على جتفي ... ما صخيت اتحرك لا تفزين ... هسة اوايكَ عليهن.
عدلت جلستها ببطء، و ظلت تراقبه و هو يتوقف بهدوء حتى لا يزعجها.
راح باتجاه رغد و رهف، و بعد ثواني سمعته يحچي بصوته الحنون ويا رهف اللي شكلها ضايجة من مكانها.
رجع شايلها بحضنه، يبوس راسها،
- هلا ببنيتي ... و كل الهلا.
أول ما شافت ريّا، مدت إيديها فوراً و شمرت نفسها بحضنها، تتدحس يمها،
- الكرسي مو حلو ... اريد بحضنج.
ضمّتها ريّا لصدرها و باسَت شعرها،
- ليش رغودة ما لعبتج ؟
- لعبنا شوية ... و عافتني نامت.
ابتسمت تسألها،
- خطية تعبانة ... باوعتي للغيوم من الشباك ؟
هزت رهف راسها بنعم، بس بعدها متشبثة بيها، ساكتة و متنحسة بشكل واضح.
ما مرت دقيقتين إلا و جسمها ارتخى بحضن ريّا و رجعت نامت.
قيس مد إيده،
- جيبيها يابا ... ثكَيلة عليج.
هزت راسها بسرعة،
- لا ... عوفها، متنحسة.
تأملها ثواني، و واضح يريد يخفف عنها بس بنفس الوقت يعرف شكَد رهف متعلقة بيها.
فتح وجبة الأكل أمامها يقول،
- اكلي زين ... على لحم بطنج من عشا البارحة.
ضحكت بخفة و بدأت تاكل بإيد وحدة، بينما الثانية محاوطة رهف.
أكلوا وجبتهم و كان يراقبها بصمت بين لقمة و الثانية.
لما خلصت، سألها،
- تشربين شي ؟
سندت راسها عالمقعد،
- احس محتاجة شي دافي.
- كَهوة ؟
- لا ... جاي، ما اكَدر ع الكَهوة ورا الأكل.
أومأ فوراً ...
و بدون حتى ما تطلب، مد إيده و رجع كرسيها لورا شوية،
- هالشكل ترتاحين اكثر.
جاب غطا رهف من كرسيها، غطاهم بيه، و فتح الكابينة اللي بينه و بين الممر و رغد حتى يظل يباوع عليهم كلهم بنفس الوقت.
المضيفة جابت الجاي، خلاه أمامها، و هو أخذ كوبه و ظل يسولف ويا رغد بهدوء، بينما ريّا تقلب بالأفلام المعروضة على الشاشة.
ما لفتها غير فلم قريب لأفلام ديزني، شغلته و اندمجت بيه مثل طفلة.
بعد فترة انتبهت إنه قيس دا يباوع للفلم وياها.
التفتت عليه مبتسمة،
- يعجبك ؟
رفع حاجبه،
- نكضي وكت.
ضحكت بخفة، و بنفس اللحظة حسّت بثقل رهف على كتفها.
انتبه هو فوراً،
- جيبيها ... ثكَيلة عليج يولي.
هالمرة ما عاندت.
انطته رهف بهدوء، الي تململت شوية، بس أول ما ضمها لصدره و مسد على شعرها، استسلمت فوراً،
- نامي بابا ... انتي بحضني.
و كملت نومتها.
ريّا ظلت تباوع عليهم بصمت.
هاي النحاسة اللي تجي لرهف زادت كلش بعد وفاة ابوها.
و الغريب إنه ما كانت ترضى تروح بحضن غيرها لما تتنحس، حتى رغد ما تعجبها، بس هذا الآسر ...
وصلوا لعمّان بعد ساعات طويلة.
انتظروا بالمطار، ثم انطلقت طيارتهم الثانية لبغداد.
و بعد رحلة أقصر، لكن أثقل، طلعوا أخيراً من المطار.
برا، كان زياد واقف ينتظرهم بلهفة واضحة.
أول ما شافهم، ابتسم ابتسامته الواسعة المحببة،
- هلااا ... جثير الهلا ...
تقدمت ريّا،
- هلا بيك زياد شلونك ؟!
- بخير ريّاوي بخير، الحمد لله على سلامتكم.
و التفت لرغد،
- شلونها رغودة ؟!
ابتسمت،
- بخير الحمد لله ...
و دنكَ لرهف يبوسها و يقول،
- الكتكوت هذا شنو، شلونج عمو ؟!
و هي مو بمزاجها، حاضنة رجل قيس و مبتسمة بصمت لمداعبته.
تحركوا للسيارة، و مد إيده ياخذ الجنط،
- لا لا، انتن لا تشيلن شي، اركبن بالسيارة.
رغد ردت بسرعة:
- تره مو عجايز احنا.
التفتلها بطرف عين و هو يشيل الجنطة،
- اي خالة نعَرف قوية، بس نداريج جاية من سفر.
ضيقت عيونها عليه، و التفتت لقيس تقول،
- يعني ما لكَيت غيره يجي ياخذنا ؟!
قيس ظل يباوع عليهم و الابتسامة بوجهه واضحة، يعرف هالثنين إذا بلشوا ما يخلصون،
- شنسوي رغودة، محد بالو طويل للدرب غيرو ...
و هي تأففت و تركته ...
صعدوا بالسيارة، و هو و قيس خلوا الجنط.
السيارة كلها مي بارد، عصاير، سناكات.
ضحكت ريّا،
- هاي شدعوة هلكَد ؟
رد و هو يشغل السيارة،
- لا افا ... مو من مقامكم، بس الدرب طويل گلت خاف جوعانات.
- تسلم ما تقصر ...
- حاضرين خيتي حاضرين.
مشى بيهم يبعد عن شارع المطار و مسك الطريق الدولي، مبين من ملامح الشارع.
فترة مرت و رهف بعدها متنحسة.
لا تاكل، لا تحچي، بس حاطة راسها بصدر ريّا و ساكتة.
قيس التفت إلهم من الكرسي الأمامي،
- شبيها يابا ؟!
هزت ريّا كتفها بحيرة،
- مادري ... تعبتني.
مد إيده يفتح حضنه،
- تعالي هين بابا.
رهف رفعت عيونها، باوعت لريّا أول، كأنها تفكر بالموضوع، بعدها راحتله.
سحبها فوراً لحضنه، باس راسها،
- تعبتي بنيتي ؟!
هزت راسها بنعس.
ضمها أكثر، و ظل يمسد شعرها،
- ياباا ... ما عاش الي يتعبج.
سألها زياد،
- تذكريني لولا ؟!
التفتت له، تتأمله بعيون نعسانة، و هزت راسها ب"لا"
و ضمها قيس،
- نامي انتي نعوسة ... بس تكَعدين نصل إن شاء الله.
و فعلاً، ما طولت و نامت بضمته.
ريّا ظلت تباوعله بصمت.
طريقة احتوائه إلها ... صبره ... هدوءه ...
كلها تفاصيل صغيرة، بس تخلي قلبها يذوب أكثر كل مرة.
وصلوا أخيراً لبيت عمها،
السيارة حتى قبل لا توقف بالكامل، كان سلمان واقف بالحوش ينتظرهم.
واقف بلهفة ما تشوفها بعيون الرجال الكبار بالعمر بهذه الطريقة.
أول ما نزلت ريّا، فتح حضنه فوراً ...
- هلا ... هلا يا ريحة الغالي.
ما لحقت حتى تسلم، و هو سحبها لحضنه.
يبوس راسها ... يشم شعرها ...
و صوته يردد برجفة،
- أفيش يا ريحة الغالي ...
و ريحته ...
نفس ريحة أبوها تماماً.
انهارت دموعها بدون مقاومة.
ظل يمسح دموعه و دموعها بنفس الوقت، و يبوس راسها،
- لا تبجين يا بعد سلمان ... شلونج يابا ؟ شلون كيفج ؟!
همست بصوت مكسور، و ردت له بكلمة كانت تسمعها من ابوها،
- الحمد لله عمو ... عساك بخير ...
و هو فرح يقول،
- وي وي وي، الخير كله بشوفة هالوجه.
و بنفس اللحظة سحب رغد لحضنه،
- هلا برغودة ... هلا بنسمة بيت أركان.
رغد حاولت تتماسك ... لكنها أول ما حضنها، انهارت تبچي،
- مشتاقتلك عمو ...
ضمها كلهه بحضنه،
- يخسى الشوكَ و اني ابوج.
و أم قيس ورا سلمان مباشرة، تضمهم و تبوسهم كأنهم بناتها الضايعات و رجعن أخيراً.
بعيد شوية، كانت رهف بعد بحضن قيس.
سلمان مد إيده إلها يبوّسها، و هي متشبثة بقيس تسأله بصوت ناصي،
- بابا ... هذا منو ؟!
ضحك قيس،
- هذا ابوي ... عمج سلمان، مو تحجين وياه بالتلفون ؟!
ظلّت تنقل نظراتها بينهم بحيرة،
- يعني هو ؟
- اي بابا هو ... روحي عليه.
انطاها لأبوه، الي حضنها بلهفة واضحة، يبوسها و يلاعبها،
و أول ما تفاعلت وياه و رجعت صاحت "بابا" ...
ضحك سلمان بصوت عالي،
- عجل بابا يول ؟! خل تسمعك ذيج الاخرى، و اليوم كونتهن تصير للظالين.
و قيس أول ما لمح هبة جاية، التفت لريّا ينطيها رهف،
- ريّاوي خل نشكَف لنا بلوة ...
و زين انطاها رهف بسرعة، لأنه هبة تعلقت برقبته بنفس طريقة العندها ...
و على ما يبدو هذه مشكلة راح يواجهوها ...
الكل سلم عليهم و استقبلهم بحب، و نورا جتبت المي و اجتي شافت ابوها محاوط ريا و رغد من اليمين و اليسار و قالتله،
- عيني عليك ترا ...
- شكو يولي، شصاير ؟!
قدمت المي للبنات تقوله،
- خياناتك عيني عينك ...
ضحك يقوللها،
- خيّاتج يولي ...
و هي تضحك و تقول،
- اي ادري خيّاتي، بس راعي مشاعري ...
و هو جابها لجانب رغد يقول،
- تعالي جاي هاي التوم مالج.
و رغد تسأله،
- شلون عمو ؟!
و هو التفت عليهن،
- ظلّن سوة و انتي كَوليلي شلون.
صفنت ريّا تتأملهم، و فعلاً أكو شبه بالتصرفات، يمكن عمها سلمان لأنه مقرب منهن هن الاثنين، فاكتشف هالشي.
اجت ام قيس تقول،
- يمة يبنيّات حللن، تا نخلي العشا ...
تحركوا البنات وياها، و من باب المطبخ زياد دخل الجنط ...
رغد كانت واقفة يم الباب، التفتت فجأة،
- وين جنطتي ؟!
التفتت شافتها ورا زياد، شالها قربها الها،
- هاي ...
و قربها إلها يكمل بتمثيل جدي،
- بس هاي آخر نوبة اشيل جنطتج، مرة الاخرى انتي تشيليها.
رفعت حاجبها بعناد،
- ما عايزة لك ... الله يخلي قيس.
قيس الي كان واقف قريب منهم ضحك بصوت واضح:
- لا تبلشون يولوو.
و رغد تقوله،
- علم اخوك يصير جنتل مان ...
ضحكوا و رغد معصبة، و التفتت صارت بوجهها سارة، تقوللها،
- تريدين اعاونج بشي ؟!
و هي سألتها،
- هذا زوجج طول عمره هيجي ؟!
ضحكت سارة تقول،
- هو هالشكل، حتى نورا بس يجي هين للبيت تعيط منو ...
صعدوا البنات وية نورا، الي وصلتهم لغرفة تختلف عن اول غرفة بقوا بيها، هذيك كانت غرفتها ...
و هذه الي بجنبها ...
الغرفة اللي جهزوها إلهم كانت كاملة ... مو مجرد مكان نوم مثل المرة السابقة.
ثلاث أسرّة، خزائن مرتبة، معطرات، مناشف جديدة، حتى التفاصيل الصغيرة محسوبة.
وقفت ريّا بالنص تتأمل المكان بصمت.
واضح هذه كانت استعدادات سلمان الي قال عنها قيس ...
غيروا ملابسهم، و نزلوا و الكل متجمع، الببت هوسة لانه زياد و أسامة موجودين و اولادهم، و هبة ...
تجمعوا على سفرة وحدة، رغم تعبانين من الطريق، بس فرحة اهل هذا البيت جبرتهم يكَعدون للعشا الي مليان أصناف اكل مو شكل عشا ...
برياني و لحم و دجاج، و بامية، و سلطات و أصناف هواية، يظهر شكَد الناس هنا يعتبرون اصناف الأكل هي أكبر ترحيب بلي جايهم ...
كانوا البنات جالسين بين عمهم سلمان و ام قيس، و هو يقرب الاكل و يسأل،
- شتاكلن يابا ؟!
و يلتفت لام قيس،
- فلسي جدامهن ذن ما يعَرفن ياكلن ...
قيس يقوله،
- يابا اني لو كل هالاوادم تدحج بحلكَي فلا اعرف ابلع لكَمة ...
و هو وجه كلامه للكل،
- يابا لحد يدحج بيهن، اكلن يبعد ابوي اكلن.
و البنات أكلوا تعبانين، و مستحين من الأنظار الي عليهم ...
بعد الغدا و التعب، ناموا لساعات طويلة.
ما حسّت بنفسها إلا و هي طالعة من الحمام بآخر الليل، و فجأة طلع قيس بوجهها.
لابس دشداشة نص ردن، و شكله مبين النوم بوجهه.
أول ما شافها، تقرب فوراً،
- حبيبي ... كل هذا نوم؟ ظل بالي.
تلفتت ع المكان حواليها، ابطابق الفوق هذا، و الموزع الي بين الغرف. البيت هادئ، و أهله نايمين.
غمضت عيونها بتعب،
- تعبانة كلش ... احس ماكو عظمة بجسمي بمكانها.
سحبها لحضنه مباشرة.
ذراع تحاوطها ... و الثانية تمسد شعرها ببطء،
- بية ولا بيج التعب.
- انت تعبان اصلا ...
و هو تأمل وجهها،
- بس انتي وجهج فرد نوبة تلفان.
سكنت بحضنه للحظات، لما همس،
- جوعانة ؟!
هزت راسها بلا.
و بنفس اللحظة، حسّت الدنيا تفتر بيها.
اختل توازنها فجأة، و لولا إيده اللي سندت ظهرها، كان وقعت.
- ألله ألله ...
صوته تغيّر فوراً.
رفع وجهها بخوف،
- شبيج ابوي ؟!
همست بصعوبة،
- دخت ...
سندها يقول،
- امشي وياي للمطبخ ...
نزّلها بحذر للمطبخ، مددها عالقنفة، و خلال ثواني جاب جهاز الضغط ...
قاس ضغطها و هي الدوخة حسستها بثقل مو طبيعي.
صوته ثابت كان ... بس عيونه مو ثابتة أبداً،
- ريّا ... ظلي وياي حبيبتي، ضغطج هابط جثير.
كانت شبه فاقدة للتركيز، و تداخل وية صوته صوت آخر،
- شجرالها البنية يول ؟!
قيس رجع جلس يمها، ساند ظهرها بإيده، و قرب كوب،
- لبن مالح ... اشربيه
شربت من إيده بصعوبة، و هو كل شوية يهمس،
- شوية بعد ... فدوة.
و التفت يقول،
- يابا التمر بالثلاجة ...
و هي استوعبت انه هذا عمها ...
جاب التمر مرتبك، ما يعرف شلون يساعده، و قيس أخذه منه، طلع نواة التمر و بدأ يوكلها بنفسه.
دفعت إيده لما بدت تستعيد قوتها،
- كافي ماكَدر بعد.
مددها عالقنفة و هي عينها على عمها الي راح جاب غطا، حطه عليها يقول،
- لا تستحين مني ابوي، تمددي ...
ظل يتأملها بنظرات قلقة،
- عليش هيچ يا يابا ؟ مو نعمة الله خير و بركة، انتي ولا أكلتي بالعشا ...
همست بتعب،
- من اتعب ... معدتي ما تتقبل أكل.
التفت عمها على قيس،
- شتاكل هي يول ؟! شتحب ؟!
- ريّا كل شي تاكل يابا، بس حل عليها للتعب ...
و التفت يسألها،
- جوعانة تاكلين شي ؟!
- عمو والله مو الأكل بس لانو تعبت الفترة الراحت هواية، و طريقنا جان طويل. أكلكم خير و بركة و قيس يعرفني ما عندي أكل ما احبه.
عمها سلمان ما فارقها، تطمن عليها شوية، و أذن الفجر، التفت يتطمن عليها، و هي نهضت نفسها مصحصحة.
نهض من مكانه يردد،
- الله اكبر الله اكبر ...
و التفت عليهم يقول،
- يلا صلاة صلاة، و انتو يزي سربتة عاد، كلمن لحجرتو ...
قيس يقولّه،
- يابا البنية فاطسة.
و عمها التفتله ينظر له بنص عين،
- اي فاطسة ابو دروب، ياهو يلحكَ دروبك ...
و طلع من المطبخ و قيس يقوللها،
- نستلم اول حجاية، و الحبل ع الجرار ..
قالتله،
- عيب هسة يكَول شيسوون بالليل !!
و هو سندها من ذراعها لما وقفت،
- ما يكَول ما يكَول ...
وقفت لحيلها،
- لعد شنو كَال !!
ابتسم يهمس،
- يعني كَومي، بيج تكَومين لو اشيلج و ينصب لواعيب الجوبي باجر ؟!
ابتسمت له و دفعت الغطا أريد اكَوم، لزم ايدها و إيده الثانية على ظهرها يقول،
- أواش، بهداي بهداي، لا تكَفين فجأة.
التفتت عليه،
- حبيبي راح نشبع رزايل من وراك.
هو ما رد عليها و همست له،
- قيس ..
رفع لها عيونه و واصلت بالهمس،
- حبيبي ما بية شي والله، لا تلفت النظر علينا بهالطريقة، عمي حتى لو يعرف، بس من يشوف يختلف الوضع.
وكَف و عافها لما شافها وقفت على حيلها يقول،
- يلا امشي جدّامي.
و رفع ايديه باستسلام، يعني ما راح يلمسها حتى محد يشوف.
صعدت كَدامه و هو طفى ضوا المطبخ و صعد وراها، لما دخلت الغرفة يلا دخل هو لغرفته.
ريّا ...
تمددت بفراشي ...
تأملت الغرفة، شكَد مرتبة، و كل شي بيها موجود ...
الصبح لازم ارتب اغراضنا، حتى ما تبقى هوسة مثل منظر الجنط هسة ...
و لزمت الموبايل اشيك شنو واصلني و وصلتني رسالة واتس اب،
- جيرانا بربعوا نوم بعد اسبوع اللاخ تا ينامون بعد.
ضحكت و رديت له،
- احنا شبعنا نوم، انت شعندك كاعد.
كتب لي،
- عاشكَ بوية عاشق.
- عاشق منو ؟!
- هو تحقيق ؟!
- لا مو تحقيق، بكيفك تقول قول، ما تقول، هم بكيفك.
- يا بعد كيفي كيفج، يولي الي اسمها ريّا، ما تفكر زلمتي يعشكَ غيري لولا.
- ليش يعني ؟!
- لانّو بعمرو ما يحصل ظفرها.
- يعني كل الريّات ؟!
- لا يا روحي، هي وحيدة، جابتها و حالت.
- شنو يعني حالت ؟!
- يعني جابتها و بعد ما خلفت مثلها.
- بس جابت اثنين ورايا.
ضحك يقول،
- يعني مثل ما يكَولون، الجابتها ما جابت مثلها ابدد، يعني اكو غيرها، بس ماكو منها. سبيتي حال ابو الغزل على ابو اليتغزل بيج.
ضحكت و دزيت له،
- ههههه عمي يدري ؟!
- اشتعل شيب ابو عمج، يولي لا تصيرين ماشة نار.
- عزا قيس لا تحجي على عمو.
و رد رد
- ياهو يحَجي على عمج، هاي على جدج.
- شنو يعني ماشة نار شتسوي هاي ؟!
- هاي كلما تخمد النار شبتها حبيبتي، انتي وياي مو عليّ.
ابتسمت من قلبي، السوالف وياه ما تنمل، كتبت له،
- اني لآخر عمري وياك.
- يا بعد عمري، من عمري على عمرج بنيتي.
- عمرك طويل حبيبي.
- ريّاوي ...
- ها حبيبي.
- حبيبي امشي وياي نروح للبستان.
- يمتى، هسة ؟!
- اي هسة، كلها نايمة محد اكو.
- خاف عمي يشوفنا.
- و شكو بيها، يلا يولي.
- مو توني جنت دايخة.
- اي بس تشمين هوا الله من صباح الله تصيرين زينة، يلا كَومي.
صفنت افكر، و كتبت له،
- شنو البس ؟!
- البسي ثوب عادي و حطي عليه عباة و شيلة شلون ما جان.
- محد اكو هناك ؟!
- اليوم جمعة الفلح اجازة، لو اكو احد ما اخذج، يلا.
صفنت للحظات، و فكرته المجنونة دخلت براسي، لبست فستان كلش ستايله ربيعي، طويل هو يغطي لنصف الساق بشوية، و نص ردان، بس هو قالّي اخلي عباية عليه، لقيت عمتي مخلية لنا عبايتين جدد بالكنتور، مهتمة بتفاصيل تجنن.
مع إنه ما احب العباية بس ما احب الفت انتباه هنا. خليتها و لبست شالها على راسي و نزلت ...
طلعنا، و اخذني من ورا البيت، سألته،
- ليش مو من الباب ؟!
- لا من هين احسن.
فتح باب صغير طلع على الحديقة الخلفية للبيت الي اذكر مشيت للنهر منها ...
كبيرة، و نهايتها نخل أشجار حمضيات ...
الدنيا بعدها لا ظلما كلش ولا الشمس طالعة بعدها ...
المكان هدوء بس أصوات حشرات و كلاب، للحظة خفت و تمسكت بذراعه، حاوط جتفي يكَول،
- لا تخافين، اني هين وياج.
- انت متأكد ماكو احد هنا ؟!
- محد هين بنيتي، بستانّا هاذ.
هو شايل ضوا بإيده، يضوي بيه طريقنا.
وصلنا لورا النخل، و دخلنا بطريق مو عدل، بس ممر حصو و تراب بين النخل و أشجار الحمضيات، فك إيده عن جتفي يقول،
- نزلي الشيلة، اخذي راحتج.
مشينا شوية و ريحة المكان تراب و حمضيات،
- هذه أشجار حمضيات ؟!
- ايي برتقال و ليمون و سندي.
- شنو السندي ؟!
مد لي ايده، شي ملفوف بكلينكس مطبخ.
- هاج اكلي هاي اول.
- شنو هاي ؟!
فتح لي اياها يقول،
- لفة جبن، ولا شي بس اكليها تسند حيلج لا تكَعين عليّ.
ابتسمت له،
- اكل بشرط ...
تأمل عيوني و بإيده قسم اللفة، مو بالنص، أخذ قطعة صغيرة و انطاني الباقي يقول،
- يلا اكلي لا تتحججين عليّ.
ابتسمت له،
- شلون عرفت ؟!
باس خدي يقول،
- محد يفهم عليج كثري، اكلي يلا اكلي.
ابتسمت له،
- الله لا يحرمني منك.
مشينا شوية و حسيت نفسي صدكَ جوعانة.
أكلت من لفته الي مسويها، و احنا نمشي وقف يم مجموعة أشجار و قال،
- اكَفي لا تجين بوراي.
- ليش ؟!
رفع دشداشته و فات يقول،
- تتعورين.
مشى وصل لشجرة جوا من أشجار الحمضيات، و رجع شايل برتقالات كبار،
- هذا شنو، بوملي ؟!
عقد حواجبه مستغرب،
- بوملي شنو هاذ يابا ؟!
- هذا بلندن بالاسواق العربية يسموه بوملي.
- لا حبيبتي، هاذ السندي الي سألتي عليه.
- لا ماحبه طعمه مر.
و هو مستمر يقنعني،
- مال هناك مو مثل هين بنيتي.
- اممم الك جائزة اذا غيرت رأيي بيه.
ابتسم ابتسامته اللعوبة يسأل،
- شني الجائزة ؟!
ابتسمت له اشاكشه،
- انت و قدرتك على إبهاري.
رفع حواجبه،
- انوب إبهاري !! والله يابا انتي مدري منين.
- يلا من نروح للبيت نشوف السندي مالك.
- لا هي بيت هذا ؟! اريد جائزتي هين.
نزل دشداشته و مشينا شوية لقينا مكان كله ثيل مثل حديقة بنص البستان بس كبيرة، كَعدنا على الأرض و طلع من جيبه شي، فتحه و طلع سجينة صغيرة،
- عزا هاي شنو دكتور ؟!
فتحها و بلش يكَشر السندي و يكَول،
- هين احنا فلح بنيتي، الدكتور بالمستشفى، بالعيادة.
هو يكَشر و اني اكَولّه،
- قيس يعني هسة انت شايل سلاح أبيض، يعني فرضاً فرضاً اني ضوجتك، شتسويلي.
رفع عيونه عن الي بإيده تأملني بابتسامة و رد،
- اسوي كل شي نفسي بيه، و الساحة خالية، لا عمج ولا عشيرة عمج.
رفعت له إصبعي السبابة،
- شوف قيس، هاي الحركات ماحبها. شنو قصدك ؟!
و هو يرد يتصنّع البراءة،
- شنو قصدي ؟! انتي تتحرشين ياباا.
- قيس قصدي تذبحني ترا.
ضحك و قدم لي شيف السندي مقشره حتى من القشر الداخلي،
- هاي ليش هيجي سويته ؟!
- هو هيجي ينوكل يولي، افتحي تا ما اذبحج.
وكلنياها و قلتله،
- يعني تذبحني !!
- اي مو توج تكَولين تذبحني و الساحة خالية و مدري شنو ؟!
- الله قيس هذا طيب.
و هو يقشر و انطاني الثاني يقول،
- هنا، هنا و عافية ...
وكلني و قلتله،
- يعني انت هسة توكلني زين حتى تذبحني وراها ؟!
صفن للحظة و ضحك بعلو صوته يقول،
- نعلة على غيرتج على هالطلعة، طلي انتي يولي و اوكلج تاذبحج ؟!
ضحكت على ضحكته و رديت،
- تضحك علية مو ؟!
- يولي منين تجيبين هاي السوالف ؟! شعدنا افلام بوليسية ؟!
- مادري هيجي تخيلتك من طلعت السجينة.
- و انتي جاية وياي من آخر الدنيا لآخر الدنيا و على هالسجينة اجتج هواجس الذبح ؟!
- حبيبي مو هو بالافلام البوليسية الجاني اخر واحد يخطر ببالك يسويها.
- لا تتفرجين افلام بوليسية بنيتي، هاي سوالف رغيدة ما تفيدج ... انتي ظلي بالرومنسي و الفكيتوري زايد عليج.
باوعت له اتأمل عيونه و هو مرة يباوع لي و مرة يركز بالسندي ماله و قال،
- ها يابا هيج عيوني حلوة ؟!
- لا داشوفك تحجي صدكَ لو كذب.
- دحج ياباا، هاي بس تنطيها الدرب بعد ماكو ستوب.
سكتت للحظات، و سألته،
- تضوج من احجي وياك هيجي ؟!
سكنت ضحكته، و رفع لي نظراته يكَول،
- هو احنا المفروض ما نحَجي هالشكل، بس اذا هالشي يريحج غالية و تدللين.
سكتت شوية، و همست له،
- اني احجي بهالطريقة بس من ارتاح للناس.
ابتسم يكَول،
- و هذا الاريدو اني حبيبتي، بس تعرفين مو جدام احد كائن من يكون.
سكتت و قلت له،
- اني آسفة ...
- على شنو ؟!
- مادري احسك ضجت.
قرب راسه يقول،
- منج ؟! لا ماضوج، بس ما متعود،
صفن و كمل،
- يريد لي وكت اتعود على احد يكسر كل الحواجز وياي.
- ليش محد اكو ؟!
هز راسه ب"لا" و وكلني اخر شيف من السندي ...
كانت بهذه الدقايق الشمس توها طالعة، بعدها السما هدوء كلش. تأملت السما و المنظر حواليّا و الهوا الي نشمه نظييف، ريحة الجو أشجار حمضيات، قطعت تأملي لما التفتت عليه و لقيته يتأملني، ابتسمت خجلانة،
- شنوو ؟!
همس لي بنفس ابتسامته و هو يتأملني،
- متونسة ؟!
هزيت له راسي مبتسمة،
- كلش ...
و هو مبتسم بحنيّة، فتح لي إيده و ضمني تحت ذراعه يكَول،
- جثير حبيبتي جثير، كولش هاي منيلّج ؟!
- مو حلوة تطلع مني،
دنكَ يقولّي،
- شو دكَوليها ؟!
صفنت، و حركت شفايفي، بطريقة الي يتعلم نطق اول مرة،
- جثير ؟! ( نطقها صعب جان علية لأنه بالانجليزي CH/TH نطقهم مركب صعب يكونون سوا )
هو ضحك و باس راسي يقول،
- لا تكَوليها بعد لو صعبة عليج، احجي شلون ما تريدين، بس ردت اسمعها منج.
ضميت راسي لصدره أهمس له،
- قيس ؟!
- ها يابا ...
راسي على صدره و همست و اني اتأمل الطبيعة،
- ما سألت نفسك بيوم، ليش حبيتك رغم كل الاختلافات بينّا و البعد و عايشين بعالمين مختلفات ؟!
سألني،
- ليش ؟!
- لانّو لكَيت وياك أمان ما حسيته بس وية ابوية، و الأهم منه لمن اكون وياك علمتني ما افكر بشي و انت تفكر و تتصرف، هذا حتى وية ابوية ما جنت احسه لأنه محملني مسؤولية البيت كله الي امي الله يرحمها حتى قبل وفاتها مشغولة عنها.
ضامني لصدره و مسد بإيده الثانية على شعري يقول،
- كل شي نعيشو رب العالمين يخلينا نعيشو لسبب، لولا نظام عمي الله يرحمه ما جان كَدرتي تتحملين المسؤولية الي شايلتها اليوم و اكون متطمن عليج و انتي بدنيا و اني بدنيا ...
سحب نفس و كمل،
- بس هم كل شي الو وكتو، و ما بعد هالتعب الا دلالي، الله يكَدرني و ادللج طول ما راسي يشم الهوا.
- الله لا يحرمني منك حبيبي.
باس راسي يقول،
- آمين ولا يحرمني منج يا غالية.
التفتت حواليا، و قلت له،
- قيس خلي نروح، لا يكَعدون البنات و ما يلكَوني، و محد يدري اني وين.
- اي هم يلا ...
نهض نفسه و مد لي إيده كَومني، و سحبني لحضنه، حاوط ظهري و سأل بابتسامة،
- حبيبي السندي مالنا طيب ؟!
- اي حبيبي كلش طيب.
- وين جائزتي مدري شنو ؟!
سويت نفسي ما فهمته،
- يا جائزة ؟!
رفع حواجبه يقول،
- نصابة تنصبين عليّ ؟!
صفنت اتأمل خيبة الأمل بوجهه، عبالك رهف وعدتها بشي و أخلفت بوعدي ...
همست له،
- دنكَ ...
- ليش ؟!
و رجعت اهمس بصوت أنعم،
- دنكَ شبيك ...
دنكَ و بسته بخده أهمس،
- شكرا على وجودك بحياتي ...
و هو ضمني لحضنه بقوة يبوّس براسي و يقول،
- لا خلا ولا عدم يا روحي، لا خلا ولا عدم.
دقايق مرت و هو ضام راسي لصدره ...
رفع ايدي باسها يقول،
- يلا كَضى الوكت علينا.
دنكَ شال باقي السندي، 4 سنديات كبار، يقول،
- يلا يابا يلا.
و طبطب عليهن يقول،
- هذن فايت وكتهن ترا صار شهرين من خلص موسمهن بس بعدهن لانّو هين فيّ جثير ...
مشينا للبيت و اسأله،
- هسة موسم شنو ؟!
و هو يعدد لي،
- مشمش اكو، عراقي و حلاوته شكر ...
و سألته بفضول،
- وين ؟!
و أشر لي،
- بالطرف الاخر مال البستان، مرة الاخرى اخذج عليه ... و اكو تين و رمان و ركَي و بطيخ ...
و اني اخذت اثنين من السنديات الي بايده اقولّه،
- بعد من تضيعوني تلكَيني هنا ...
و هو التفتلي رد بتنبيه،
- أباللج تجين لوحّدج بنيتي.
- ليش اكو شي ؟! يعني خطر ؟!
- الفلح كل الوكت يشتغلون ما يصح تجين لوحّدج، مو أمان 100% يعني ديرتنا و اهلنا، بس هم مرات يصدف حيوان يطلع جدامجن، لازم اكو زلمة وياجن.
لما شافني سكتت قال،
- لو ردتي تجين و احنا مو هين اخذي امج وياجن ...
هزيت له راسي،
- زين ...
وصلنا لباب البيت الخلفي، مشى كَدامي و دخلنا، باب المطبخ مفتوح، فات كَدامي و بس عمتي بالمطبخ، قال لها،
- كَواج الله يمة.
- صباح الخير عمة.
و هي التفتت متفاجئة تتأمل بينا و ردت،
- هلا يمة هلا، صباح النور، منين جايين يولوا ؟!
- فريتها على البستان يمة، اعرفَت الدرب، منا و جاي كلساع اخذوني للبستان و ردوني للبستان.
- يااا، يا يمة جنها ع البستان. لجن يمة خومو من الفجرية، خلوها صبحية، عصرية.
رديت اقول لها،
- والله عمة هو الفجر كَالي كَومي نطلع، و اني شبعانة نوم، و طلعت وياه.
- بالعافية يبعد روحي، بألف عافية، يلا غسلوا تا حط الريوكَ.
- الله يعافيج عمة، هسة اغسل و اجي.
و قيس تقرب من امه، خلا السندي على الكاونتر و يهمس لها،
- هذن رادتهن جنتج،
و تقرب منها يقول بهمس،
- لا تكَولين لذاك ابواحد عود حبيبة.
و باس راسها و هي تهمس له،
- يمة و لو احد شافكم شيحجي ؟!
- منو يطلع من فجر الله غير قيس ؟! و حرمتي يمة، بس جانت تعبانة و ضايج خلكَها كَلت اغير نفسيتها، ما تعرف بسوالفنا هين البنية، كَلت لها و اجت وياي.
- ادري يمة، اني شاريد غير ادحكَ وجوهكم تضحك !! بس ماريد احد يجيب سيرتكم بالموزين، ترى ابوك جنه يدري بيكم.
رد مبتسم،
- سلمان دولة و علم هاي ما يلكَطها !!
شوية و رجعت ريّا تحضر وياها الريوكَ، جانوا البنات كَاعدين و الكل تجمع على الريوكَ ساعة 7 الصبح.
ريّا ...
صعدت لغرفتنا، اذب العباية و بس اغسل ...
اخواتي جانوا كَاعدين متنشطين بعد النومة الطويلة، بدلنا و نزلنا سوا للفطور، دخلنا للمطبخ و لقيت عمي يم الطباخ يسوي الشاي،
- صباح الخير عمو.
هو شافنا و تبسم وجهه، و رد،
- يا هلا، يا هلا بهالصباح.
تقربت اخذ منه،
- انطيني عمو اني اسويه.
- لا لا، اني الجاي عليّ، ارتاحي بنيتي، شلون صرتي، خومو بعدج دايخة ؟!
- لا عمو هسة احسن.
و هو اعترض، نفس ابوية من دا يسولف و فجأة يرزل،
- يولي عمو منين جبتيها، عمي كَولي عمي ... هاذ ياهو علمجن عل هالحجي، شنهو أركان تبغدد و اني مادري ؟!
ضحكت اقولّه،
- لا عمو ...
صفنت بلحظة ادراك و عدلتها،
- لا عمي ... خل احجيلك ... هاي اخف لهجة عراقية تعلمتها من زملائنا و معارفنا، يعني كلهم من بغداد و يحجون هيجي و تعلمنا.
- اي يا يابا، ابوجن ما يحَجي هالشكل، ما كَال ما حجى ؟!
ابتسمت له،
- ابوية جان مستسلم، بس احجوا عراقي بالبيت و ماريد منكم شي ... بس انت اذا تريد تعلمني، وعد اتعلم.
و هو التفت يكشف قوري الشاي، يقول،
- اني شلّي غرض بوية، هذاك دكتورج خل يعلمج بدربه و هو يحوش سندي.
وجهي انخطف لونه من الفشلة ... سكتت خجلانة، و بلحظة عمتي دخلت بينّا طخت جتفها بجتفه تهمس له،
- عوف الويلااد، شبلاك من الصبح ...
و اخذت منه القوري، تصب الشاي و تقول،
- يلا يمة اكَعدن اكَعدن، هاي نويرة وين شو لسّا نايمة ؟!
اني اخذت الاكل للسفرة وياها، و هي تقول،
- سلمان اكَعد لا يستحن، يولن من من مستحيات اكَعدن.
كَعدوا البنات و نزلت هبة وية نورا ... تجمعنا و عمي يقول،
- يا الله بسم الله، يلا يابا مدن ايدجن، هاذ احنا ريوكَنا اهم وجبة لانّو نتريكَ على وكت و نهارنا طويل و شغلنا جثير.
رغد ردت له،
- عمو احنا نتريكَ خفيف، بس قيس من يجي يسويلنا هاي المخلمة، جربنا نسويها بس مو مثل مالته تصير.
فات قيس للمطبخ يقول،
- اييي زين طلع يغزر.
و هي ردت له تستفزه،
- شنسوي كلمة حق لازم اقولها.
كَعد يكَوللها،
- ام لسان، هو انتي وين تاكليها ؟!
و يكَول لعمي يأشر عليها،
- هاي سوالف نويرة.
و عمي يضحك يقول،
- بنيّاتنا هنّ يول.
خلصنا الفطور، قيس طلع عنده شغل و اني حاولت اساعد عمتي بس هي و نورا ما قبلوا نخلي ايدنا بالشغل، و عمتي كلش بالها وياية تسأل،
- يمة خومو بعدج دايخة لو تعيبانة ؟!
- لا عمة هسة احسن جان من التعب و ما ماكلة.
- ريحي يبعد عيني، دحكَي، هين عندج حجرتين، هاي مرات لو جيه احد من اهلنا يفكها و يفوت، لو ردتن تكَعدن بيها، و لو ردتن تريحن هذيج هي حجرتي غير ويلادي محد يفك بابها و انتن بنيّاتي.
اجتي رهف تقولّي،
- يصير العب وية هبة ؟!
و شفت هبة مطلعة ألعاب و تنتظرها،
- روحي العبي بس نظل حبابين اوكي ؟!
هزت راسها و راحت و عمتي تقولي،
- خلّيهن يترافجن هن فد عمر، هم تا تخلصين منها، مجلبة بذيالج كل الوكت ؟!
ابتسمت لها،
- لا بالعكس ارتاح من تجلب بية، ع الاقل اعرف ما تسوي شي ما اعرفه، اني ربيتها من اول ما ولدت.
- يبعد عيني هاي تدحكَج امها، الله يرحم امجن و يجعل الخير و البركة بيجن.
- الله يسلمج و يحفظ احبابج عمة.
- آمين يا حبيبتي آمين.
رغد نزل عليها مود الترتيب و ظلت تنظف المطبخ وية أم سعد ... ههذ المرة من اهل المنطقة هنا، فقيرة، و من زمان تساعد عمتي بالبيت، من المرة الماضية شفناها و هذه ثاني مرة ...
اجت الصبح للبيت، اني سألت عمتي،
- عمة شنو اسوي ؟!
- ما نسوي يمة، بعد وكت ع الغدا،
و اندارت تسأل ام سعد،
- ام سعد، عجل سعد و الويلاد مو هين ؟!
- لا حجية يكَولون شيخ سلمان دازهم مدي وين و راحوا.
فاتت للمخزن مال المطبخ تقول،
- يلا عجل تعالن اخذجن للزرع، الويلاد مو هين خل نحوش خضرة.
و طلعت سلة خوص حجمها اكبر من الوسط بشوية. هبة و رهف ملتهيات و حتى لما صحت لها اذا تروح وياية بس سألت وين و كملت لعب لمن عرفت مو بعيد، و اني طالعة ورا ام قيس قلت لام سعد،
- خالة يصير تخلين عينج على البنات لما نجي ؟!
- اي يا عيني لا يظل بالج عليهن.
- تسلم عيونج ...
طلعنا ورا عمتي اني و رغد و نورا، و نورا تكَوللها،
- يمة عليمن انتي جاية، خو اني اخذ البنات.
- لا يمة وين لوحّدجن، يمتى جيتي البستان لوحّدج يولي !!
و هي معترضة،
- يمة مو كل مره لوحدي ما تخليني، وياي البنات اليوم.
- لا يمة اخاف عليجن بنيّات حديثات وين اتيهجن بهالبستان، صار ما صار شاكَول لابوج ؟!
مشينا للبستان بس هذا أقرب من الي اخذني عليه قيس،
- عمة هذا أقرب من بستان النخل.
- اي يمة لانّو هاذ نحوش منو، خلّيناه جريب من هين، تا يصير اسهل ... بستان النخل و البرتقال و الليمون منّاك لانّو صاير سور عل البيت و من غادي بالاخر دوانم البتيتة و الطماطة و البانية، و أشكال الوان، بس هذاك مال البيع، الفلح تشتغل بيه. هاذ هين احنا زارعين بيه الي يكفي حاجة البيت.
- الهوا هنا نظيف ...
- ايي العافية كلها بهالهوا يمة.
سألتها رغد،
- عمة شتسوين غدا اليوم ؟!
دنكَت يم الباميا تقطف بيها و تقول،
- انتن شتريدن اكو هين، دحكَن بالزرع و تخيّرن ... هذن شوية بانيات اخذ و هناك خير من الله.
دنكَت اريد اقطفهن وياها و بعدت ايدي،
- لا يمة ايدج حليوة و ترفة البانية تهرشج هرش.
و أشرت لي على مسافة منها،
- روحي غادي حوشي خيارات.
و وجهت رغد و نورا يروحون على الخضروات الورقية، كملت لنا الفرة شوية بالبستان القريب و رجعنا لمن قالت،
- يلا يمة تا نلحكَ نسوي الغدا كَضى علينا الوكت.
رجعنا للبيت و بطريقنا هواية ناس يشوفونا، يسلمون على عمتي و يسألون علينا و تقوللهم،
- بنيّاتي، اي هنّ بنات اركان.
و الي يسأل يمتى اجينا و هي تجاوب،
وصلنا للبيت و اسألها عنهم منو و منو،
- كَرابتنا يمة، هين كل احنا أهل بفد ديرة، هسّع طشّت بنات اركان هين، و الخطار ما نلحكَ لو.
بالمطبخ خلت رغد و نورا ينظفون و يغسلون الخضرا و اني اجتي رهف تركض جلبت بية،
- وين جنتي ؟!
- طلعنا للبستان شوية، جبنا خضروات و اجينا.
- يعني مو السوبرماركت ؟!
- لا هنا مو من السوبرماركت، من البستان نجيب.
- وين اريد اشوف ؟!
دزيتها على رغد و تتأمل محتويات السلة قلت خلي توجع راسها هي ...
و عمتي تقول،
- ام سعد يابا جثري الغدا اليوم، ظنتي جاينا خطار.
اتفقوا يسوون الباميا و اللحم و تشريب لحم و تمن ابيض، صفنت تقول،
- خاف هاذ كَليّل يولن ...
و صفنت محتارة قلت لها،
- عمة تاكلون تبسي ؟! هم يصير وية التمن الابيض.
- ايي يولي صدكَ، تعَرفين تسويه ؟!
ابتسمت لها،
- اي دائماً اسويه.
و هي فرحت تكَول،
- ايي تفكّيلي ازمة يولي، يلا عجل هاذ عليج، خومو تعيبانة يمة و تكَولين عمتي شغلتني.
ضحكت،
- لا عمة تدللين، اني كل يوم اطبخ شنو الجديد.
- يمة انتي تركبين لنفرين، هاذ تبسي ابو عراوي ... اني اعاونج حبيبة فدوة لايدج.
طلعنا خضروات التبسي،
و انداريت على عمتي،
- عمة نسويه تبسي كفتة ؟!
- خاف ياخذ وكت يولي.
- مو جنتي راح تساعديني لو بعتيني !!
ضحكت تقول،
- لاا وياج يا عيني، يلا سويه التردينو انتي.
عمتي جابت الخضرا، بيتنجان و بتيتة و بصل و فلفل و طماطة، سألتني، و اني سويت خلطة اللحم و البهارات و قلتلها تسويهم كلهم دوائر بس صارت الكمية كبيرة.
ام سعد جانت مخلية التشريب و التمن برا تطبخهم و جوا بس البامية.
بزيت قليل بطاوة كبيرة شوحت دوائر البتيتة و البيتنجان من الجهتين و خليتهم برا يصفون الزيت. طلعت لي عمتي بدل البايركس صينبة مال أوفن عميقة قلت،
- بهاي خلي نسوي، احسن ؟! يزيد ما يقل ...
أخذت الصينية على الطباخ حطيت لها زيت قليل و سويت أقراص لحم دائرية فلات نفس شكل الخضرا، شوحتهم و بنفس الزيت شوحت البصل و الفلفل و طفيتهم، رتبت الطبقات بتيتة و طماطة و كفتة و بيتنجان صاروا بنفس الترتيب على خط القالب لحد ما خلصت الكمية و سويت صلصة الطماطة و المي و خليتها فوقها ....
غلفت الصينية بورق الألمنيوم و دخلتهم للفرن. خلال اقل من ساعة طلعتهم شلت ورق الألمنيوم و رشيت ع الوجه معدنوس مثروم و عمتي تتفرج و تكَول،
- اللهم صلي ع النبي، فدوة لايديج شلون نادرة.
و فعلاً قبل الغدا تجمعوا خطار، بيت عمتي سميّة اجوي، سلمنا عليها و هي مثل عمي سلمان تبوسنا و تبجي،
- يا بعد عيني يا عمة، هلت علينا البركة بجيتجن.
- بيكم الخير و البركة عمة.
هذا كان فاصل بين خطوات الغدا، رجعنا لمن كملنا الغدا، و قبل لا نصب عمتي قالت،
- ريّا، حنكَة كعّي لقيس تبسي يمة هاذ يحب هيج اكل و خاف يبطي.
و فعلاً طلعت بايركس خليت له و حاولت ما اخرب الشكل.
صار الغدا قسم لانّه عمي عنده خطار هواية و احنا و عمتي و بناتها و زوجات ولدها تغدينا سوا و هي تسأل على التبسي منو مسويته، ام قيس ردت بفخر،
- هاذ سواة جنتي ام علي.
و عمتي سميّة تقول،
- ياا نهّودة هالاول يوم للبنية هين و كربتي عليها.
و عمتي ترد بلا مبالاة،
- اني شلّي غرض، هي شلّهت ذراعها و كَالت اني اسوي، ريّا يمة اني فكّيت حلكَي بجلمة ؟!
ابتسمت لهم،
- لا عمة ماكو داعي تكَولين، هذا بيتنا ...
- يبعد رويحتي، دحكَي سمية اني مالي غرض.
عمتي سميّة تتأملنا مبتسمة و قالت لعمتي،
- هذن شلون تكفّين شر سعيدة عنهن ؟!
و أشرت علية تكَول،
- خصّة هاي الماخذة عكَل ابنج !!
ابتسمت بفخر و عمتي تقول لها،
- اريد مرة تكَرّب لبناتي و تدحكَ شيجرالها !!
عمتي تتأملني و تقول لها،
- ما اظن بناتج فقَيرات تا تندكَ بيهن سعيدة.
- اي و اني شلّي بالفقَيرات ؟! البيها خير ترد اليندكَ بيها.
البنات خلصوا غدا و انسحبوا وحدة ورا الثانية و عمتي سميّة تقول،
- هاي مو فقَيرة، الفقَيرة ما تفر عكَل قيس المعتكف الدنيا.
صفنت عليها، ما اعرف هي تمدح بية لو تذمني، بس اعرفها تحبنا ...
- عمة اني ما سويت له شي.
و عمتي ام قيس ردت،
- ما سويتي يمة، ابن بطني و اعَرفو نفسو بيج من اول ما عرفج، هو كَضب الدرب، و انتي عرفتي تجيبيه الو.
و عمتي سمية تقول،
- اي هاي زينتها، والا هالنساوين العوبة الداير حوله ولا وحدة عرفت تخليه يدحكَ بيها !!
رديت لها بثقة،
- نصيبي عمة نصيبي، منو تاخذه مني ؟!
ضحكت عمتي و فجأة دخل صوت رجولي يقول،
- محد تاخذني بوية محد.
باوعت له بابتسامة، و شاقيته،
- يكَولون مفوّت فرص هواية.
تربّع و كَعد بصفّي، كفّ ردانه يبلش أكل و يقول،
- الفات مو نصيبي، نصيبي شيختهن.
و بلش اكل، شاف صينية التبسي و قال لهم،
- دحكَي اكلها شلون يفتح النفس !!
أمه تقول،
- و انت ياهو الكَالّك هي سوتهن، اني سويت الغدا.
سحب الصينية أمامه يقول لها،
- يمة انتي من تسويها طيبة و حبيبة فدوة لايدج، بس هذا شغل ريّا.
- و انت شلون عرفت ؟!
- اني من اروح لمن ما ارد اكل من ايديها.
قالها و هو ياكل بطريقة تفتح النفس.
شوية و انفتح باب الكليدور، و دخلت منه زوجة عمي عدنان ... ام محمد، و وياها بنتها ...
سلّمت و قيس يقول،
- حيّاج حيّاج عمة اكَلطي ...
كَعدوا قبل السلام، و هي تسألنا،
- شلونجن شلون كيفجن ؟!
و ابتسمت لها،
- بخير عمة الحمد لله، انتو شلونكم ؟!
عمتي صاحت لنورا تجيب بعد أكل و خواشيكَ،
و هي تقول،
- اعذرونا ما ندري اتّغدون، بس حنكَة محمد يكَول اليوم بنات اركان هين، كَلت اجي اشوفهن.
و التفتت لقيس،
- و نتحمد لك بالسلامة يمة، صاير ساعة و وكت يا شغل يا طاير بالجو ...
و هو يقوللها،
- اي منا و جاي اشتري طيارة، تا ما اكلف المطار رحلات ...
صفنت عليه مبتسمة و بنتها تقولّه،
- الحمد لله على سلامتك قيس ...
و هو بدون لا يرفع عينه رد،
- الله يسلمج يابا ...
و هي كملت،
- الك مدة ما تجيب هبّاوي علينا ...
رفع عينه يقول،
- و هي هبّاوي كَاضبها عنكم ؟! هين هي يمتى ما جيتوا ...
صفن شوية ... عمتي سمية حاولت تسولف وياه ... بس هو ما طول، عاف الاكل و قال،
- الحمد لله ...
و التفت لي،
- عاشت ايدج ريّاوي ...
و كَام طلع ...
