رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والعشرون 

عند رنيم...
استيقظت رنيم بصعوبة، وكأن النوم لم يمنحها راحة بقدر ما منحها استراحة قصيرة من وجع ظل يطاردها حتى داخل أحلامها. ليلة كاملة قضتها بين أفكار متشابكة أنهكت عقلها، وبين ألم ثقيل استقر في صدرها حتى صار جزءًا من أنفاسها. فتحت عينيها ببطء، وما إن استوعبت يقظتها حتى اندفعت الحقيقة إليها من جديد، حادة وقاسية، كأنها تعيش الصدمة ذاتها كل صباح من البداية.
تحرك بصرها تلقائيًا نحو الشرفة، فتوقفت عيناها عليها طويلًا، وكأنها تنظر إلى مكان لم يعد مجرد مساحة مفتوحة، بل صار يحمل ذاكرة كاملة. هناك كانت تبدأ أيامها معه، هناك اعتادت أن تستيقظ على صوته، على حضوره، على تلك التفاصيل الصغيرة التي تسللت إليها دون أن تشعر حتى أصبحت جزءًا من يومها، من مزاجها، من نبضها. كانت تخرج إليه بعفوية، فيقابلها بابتسامته، بكلماته العابثة، باهتمامه الذي كان ينساب إليها بهدوء حتى استقر داخلها دون استئذان.
زفرت بضيق، وشعرت بثقل مرير يهبط على قلبها حين أدركت أن أكثر ما يؤلمها الآن، ليس الحقيقة وحدها، بل أن الحقيقة الأكثر قسوة، أنها حاولت كرهه بكل ما فيها، وفشلت.
نهضت من فراشها ببطء، كأن جسدها يحمل عبء روحها المثقلة، واتجهت إلى المرحاض. تركت المياه الدافئة تنساب فوقها، تحاول أن تغسل عنها هذا التوتر الملتصق بها، ذلك الوجع الذي لا مكان له في الجسد، لكنه يرهقه كما لو كان جرحًا حقيقيًا. أغمضت عينيها تحت الماء، عله يطفئ اضطرابها، لكن صورته كانت أكثر ثباتًا من أن يمحوها شيء.
بعد وقت، خرجت، ارتدت ملابسها ومشطت شعرها أمام المرآة بشرود، لكن عينيها خانتاها مرة أخرى حين اتجهتا نحو الشرفة، وقفت مكانها. تحدق بها، تقاوم.
كان عقلها يذكرها بكل شيء؛ بالخداع، بالحقيقة، باسم أمه، بالماضي الذي يفصل بينهما كهاوية لا يمكن عبورها.
لكن قلبها، ذلك القلب الخائن، كان يسحبها إليه بصمت، يجرها نحو المكان الذي اعتاد وجوده فيه، وكأنه ما زال متعلقًا به رغم كل ما حدث.
اقتربت من الشرفة بخطوات مترددة، وتوقفت عند عتبتها، كأنها تقف على الحد الفاصل بين ما يجب أن تفعله وما تريد أن تفعله.
كانت تعرف جيدًا أنه ينتظرها.
وتعرف جيدًا أنها لا يجب أن تراه.
لكنها، وكما يحدث دائمًا حين يتعلق الأمر به، وجدت نفسها تنصاع لقلبها قبل عقلها.
تحركت إلى الداخل.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى شعرت بشيء انقبض داخل صدرها.
كان يقف هناك، كما اعتاد، يحمل مشروبه الصباحي بين يديه، لكن هذه المرة لم يكن هو ذاته.
لحيته بدت أطول، وكأن الأيام الماضية مرت فوقه ثقيلة بلا رحمة، شعره مبعثر، وملامحه مرهقة ومنهكة، كأن النوم هجره، أو أن الحياة نفسها سحبت من وجهه راحته.
كان يبدو، مكسورًا.
ولوهلة، كرهت قلبها لأنه تألم لرؤيته هكذا.
لكن حين رآها، تبدل وجهه فورًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ابتسامة رجل وجد أخيرًا ما كان ينتظره منذ أيام.
وقال بصوت امتزجت فيه الراحة بالشوق:
"رنيم! صباح الخير، اخيرا حنيتي وطلعتي البلكونه."
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه، محاولة أن تتشبث بغضبها حتى لا تخونها مشاعرها أمامه. لم تجبه فورًا، فقط ظلت تنظر إليه بصمت، كأنها تحاول أن تكره هذا الوجه الذي أحبته دون إرادة منها.
ثم قالت أخيرًا بصوت جامد، رغم الاختناق المختبئ داخله:
"أنا قلتلك اياك لو شفتني فى أي مكان حتى لو صدفه تكلمني، فاهم."
زفر بضيق، وكأن كلماتها أصابته في موضع موجع، ثم رفع عينيه إليها، وفي صوته كان هناك شيء منكسر، شيء صادق على نحو يربكها:
"رنيم! أنا مش هنكر أن قبل ما اقابلك كنت شخص تاني خالص، شخص أتربى على الكره والانتقام، بس بعد ما قابلتك وشفت عيونك، بقيت واحد تاني خالص، بقيت اهدا انقى الكره بقى مكانه محبه، الحقد والغل والانتقام اتغسلوا من جوايا، وكأني اتولد من جديد، انتي بنفسك تقدري تقارني ده بنفسك، يعني شاهين الرواي اللي انتي شفتيه اول مرة هو هو اللي واقف دلوقتي قصادك؟ ردي عليا يا رنيم."
كل كلمة قالها أصابت مكانًا حساسًا داخلها، ذلك المكان الذي حاولت دفنه منذ تلك الليلة.
لأنها كانت ترى صدقه، وهنا كانت المشكلة.
لو كان كاذبًا بالكامل، لكان كرهه سهلًا.
لكنها رأت التغيير بنفسها. عاشت تفاصيله. شعرت به.
وهذا ما جعل المواجهة معه مؤلمة إلى هذا الحد.
أغمضت عينيها بقوة، ليس رفضًا لكلامه، بل خوفًا من نفسها، من أن تلين، من أن تضعف، من أن تتذكر كيف كان وجوده يمنحها شعورًا بالأمان، قبل أن يتحول هو نفسه إلى سبب ضياع ذلك الأمان.
ثم قالت بصوت اختنق بالغضب والوجع معًا:
"بس ده مش هيغير الحقيقه يا شاهين، انك ابن مريم اللي كانت السبب فى موت اهلي، انت ابن اكبر عدوة ليا، وحتى لو أنت ملاك، عمري ما هفكر فيك."
شعرت بقلبها ينكمش وهي تقولها.
كانت الكلمات تخرج من فمها كسكاكين، لكنها كانت تشعر بحدها يمزقها هي أيضًا. لم تنتظر رده.
استدارت سريعًا، ودخلت إلى غرفتها بخطوات مضطربة، وكأنها تهرب منه، أو تهرب من نفسها أمامه.
أسندت ظهرها إلى الحائط، وأغمضت عينيها بقوة، وأنفاسها متلاحقة، كأن مجرد الوقوف أمامه أعاد فتح كل الجروح التي حاولت إغلاقها.
وضعت يدها فوق صدرها، تشعر بقلبها المضطرب، بذلك الألم العنيف الذي يعتصرها من الداخل، ألم لم تكن تعرف إن كان سببه الخذلان، أم الحب الذي جاء في التوقيت الخطأ، مع الشخص الخطأ.
حركت رأسها بعنف، ترفض ضعفها، ترفض حنينها، ترفض تلك الحقيقة القاسية التي تقول إنها رغم كل شيء، ما زالت تتأثر به.
مسحت وجهها بكفيها، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول أن تجمع نفسها من جديد، أن تعيد بناء ذلك الحاجز الذي انهار للحظات أمام صوته.
وبعد دقائق، خرجت من غرفتها واتجهت نحو الباب. فتحته. لكنها توقفت.
وقفت لثواني تنظر إلى باب شقته المقابل.
ثواني صامتة، لكنها كانت ممتلئة بأشياء كثيرة؛ عتاب، حنين، غضب، وانكسار.
شعرت للحظة أن المسافة بين البابين قصيرة جدًا، لكن المسافة بين قلبيهما أصبحت أبعد مما تحتمله.
أغلقت الباب سريعًا، كأنها تخشى أن تتراجع، ودخلت المصعد الكهربائي، هبطت إلى الأسفل، ثم خرجت بخطوات متسارعة، صعدت إلى سيارتها وأدارتها سريعًا. انطلقت بعيدًا، لكنها كانت تعرف جيدًا، وبوجع مرير، أن الهروب من المكان أسهل بكثير من الهروب من الشعور.
    ***************************
عند غريب...
جلس على مقعده خلف مكتبه الخشبي، والأوراق مبعثرة أمامه كأنها انعكاس مباشر للفوضى التي تدور داخله. أسند ظهره للخلف وأطلق زفرة ثقيلة خرجت محملة بإرهاق لا يخص الجسد وحده، بل عقل مشغول طوال الوقت بأشياء تتشعب كلما ظن أنه اقترب من طرف الخيط. رغم كل الاحتياطات التي اتخذها، وتأمينه لترنيم وسمية وأروى، إلا أن شيئًا داخله كان يرفض الاطمئنان. حلقة ناقصة لا يراها لكنها تؤرقه، وكان اسمها رنيم.
حتى وهي ترفضهم وتبتعد، ظل يعتبر نفسه ذلك الظل الذي يتحرك خلفها بصمت، يحميها دون أن تدري، تنفيذًا لرغبة ترنيم القديمة التي لم تغب عنه يومًا. طرق بأصابعه على يد المقعد بإيقاع متوتر، ثم عاد بجسده للأمام وهو يقلب الأوراق مرة أخرى، كأن إعادة قراءتها قد تكشف له ما لم يره من قبل. المعلومات التي وصلته عن ظهور شخص يدعي أنه أخوها من والدتها، وعن رجل الأعمال شاهين الرواي الذي دخل حياتها في الآونة الأخيرة، لم تكن كافية لتكوين صورة واضحة، بل زادت الغموض عمقًا.
في تلك اللحظة انفتح الباب ودخل جواد، بملامح متعبة وحزن ثقيل يسبق خطواته. جلس بصمت على المقعد المقابل وأسند ظهره، ثم مرر يده على وجهه وكأنه يحاول أن يمسح أثر ما لا يمحى. كان الإرهاق في عينيه أكبر من أن يخفى، ليس إرهاق جسد فقط، بل انكسار رجل يرى من يحب يذوب أمامه ولا يملك إنقاذًا كاملًا.
نظر غريب إليه بنظرة حاول أن يخفي خلفها تعاطفًا واضحًا، ثم تكلم بتساءل:
"كنت فى الزيارة؟"
اومأ برأسه بالتأكيد وأخرج زفرة حزينه وقال:
"شعور صعب لما يتاخد من ايدك شخص بتعتبرة هو الحياة، شخص يحاول يزرع جواك زهرة جميله فواحه بعطرها اللي يسحر، على الرغم أن جواها ارض جوفاء، شخص تشوف دموعه محبوسه فى عيونه وبيضحك علشان محزنش واتوجع، جواهر جميله اوي يا بابا وحرام اللي بيحصل فيها ده كله، كانت لسه من كام شهر زهره جميله ضحكتها بتدي طاقة ولطافه لاي مكان تروحه، دلوقتي مكسورة وموجوعة، روحها منهكة بشكل مش طبيعي."
انكمش صدر غريب للحظة، كأن الكلمات أصابت شيئًا داخله مباشرة. لم يكن الأمر جديدًا عليه، لكنه كل مرة يسمعه يشعر وكأن العجز يتجدد بداخله. تنهد بضيق وقال بصوت مختنق:
"هي فترة وهتعدي صدقني، زمان شفنا ايام اصعب من دي بكتير وحبي لامك كان أكبر دافع علشان اقوى وأكمل، انت الراجل ولازم تكون قوي علشان تقوي جواهر مش العكس يا جواد."
زفر جواد بقوة كأنه يطرد ثقلًا يضغط على صدره منذ أيام، ثم قال بصوت مختنق:
"هحاول يا بابا، حاضر."
عاد الصمت يثقل الغرفة للحظات، قبل أن يعيد غريب تركيزه إلى الأوراق أمامه، وصوته هذه المرة كان أكثر جدية وحدة، كأنه ينتقل من الألم إلى العمل:
"المعلومات اللي هنا بتقول أن اخو رنيم ده ظهر فى حياتها من فترة كبيره اوي ورجع اختفى تاني، وبعدها من فترة قريبه رجع ظهر تاني فى حياتها، واللي واضح عندي أنه كان عايش مع ابوه وماسك الشركات بتاعته بس فى الاواخر خسر كل حاجة وشركاته أعلنت إفلاسها، وبالنسبه للشخص التاني اللي ظهر فى حياتها رجل الأعمال شاهين الرواي، ابوه من أشهر عيله فى مصر بس الغريب أن ابو شاهين ده اختفى من سنين وحتى أهله ميعرفوش عنه حاجه لحد دلوقتي."
تدخل جواد بالكلام وتسأل بعدم فهم:
"ازاي اختفى؟ اتقتل يعني؟ ولا هيكون راح فين؟"
حرك رأسه بالرفض وأكمل كلامه بتوضيح:
"لا، اللي مكتوب عندي هنا فى التقرير عن ابو شاهين، بيقول: زمان كان عنده علاقات كتيره متعددة وشاهين ده جه من علاقة غير مشروعه وأهله كانوا رافضين شاهين وعاش كام سنه فى ملجأ أمه سابته عنده وبعد فترة عاشها في الملجأ غاب شاهين ده فاجأة وبعدها بسنين ظهر وأبوه اعترف بي كأبن شرعي وكان الوريث الوحيد لعيلة الرواي لان ابوه بعد ما شاهين ده اتولد بكام سنه عمل حادثه والحادثه منعته من الخلفه ومكانش متجوز قبلها وأصبح ملهوش فى الجواز، لان الحادثة أثرت على كل حاجة ليها علاقه بالستات يعني لا بقى جواز ولا خلفة، وبعد كده شاهين سافر كام سنه بره مسك شركات الرواي كلها، اللي بره مصر وبعد كده رجع فى أواخر العشرينات مصر، وبعدها بفترة صغيره ابوه اختفى ومحدش عارف اختفى فين."
رفع جواد نظره قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمامه لكنها ما زالت غير مكتملة، ثم قال بتساءل:
"طيب السنين اللي اختفى فيها دي قبل الاعتراف بي كان فين؟ وفين أمه اصلا؟"
ارجع غريب ظهره للخلف، وظهرت على ملامحه قسوة الرجل الذي اعتاد مواجهة المجهول:
"محدش عارف اختفى فين، وقتها كأنه فص ملح وداب، ولما ظهر كان واضح أن شخصيته قاسيه وأنه غيابه ده كان بيخطط لحاجه، أما امه بيقولوا كانت طفله مش كبيره عندها اربعتاشر سنه كانت خدامه عندهم ابو شاهين ده ضحك عليها وفضل على علاقه معاها فترة لحد ما عرفوا أهله أنها حامل منه فى الشهر السادس، طردوها وهي حامل فيه ورفضوا الاعتراف بي، اللي يجنن أنه مكتوب هنا آن لآخر لحظة كانوا رافضين الاعتراف بي فى يوم وليلة اعترفوا بي كأنهم كانوا متهددين بحاجه واللي مذكور هنا أن العيلة دي كانت من اكبر العائلات المرموقة مكانش فيهم غير أبو شاهين ده الفاسد فيهم."
حرك جواد رأسه بعدم فهم، وكأن كل إجابة تولد سؤالًا أكبر منها:
"طيب وايه علاقته برنيم واتعرفوا على بعض ازاي؟"
اجابه غريب بتوضيح وقال:
"عن طريق مناقصة اخدتها رنيم منه كانت المفروض بتاعته، ومن وقتها وهو فى حياتها زارها كتير فى الشركة، وحصل مشده بينه هو وعمك حسام الله يرحمه قبل موته على طول، ولما رنيم اخدت الشقه اللي هي فيها دلوقتي بعدها بفترة صغيره راح هو أخد الشقه اللي قصادها."
تكلم جواد بتساءل وقال:
"تفتكر يكون ليه علاقه بمريم؟"
حرك رأسه بالرفض وقال:
"لا طبعا لا من قريب ولا من بعيد مافيش اي حاجه تثبت أنه يعرفها حتى."
اومأ برأسه وتكلم بعدم اهتمام:
"يبقى اكيد فيه علاقة حب ما بينهم جات بعد ما رنيم اخدت منه المناقصه، ومافيش خطورة عليها منه."
رفع غريب نظره أمامه، لكن في عينيه كان شيء آخر غير الاقتناع الكامل، شيء يشبه حدس رجل اعتاد أن يشك حتى في ما يبدو واضحًا:
"بس ده برضه ميمنعش اننا نفضل مراقبين المكان ومراقبينها علشان نحميها لو مريم فكرت تأذيها."
استقام جواد بجسده، كأن القرار أعطاه شيئًا من التوازن وسط هذا الاضطراب، ثم قال:
"حاضر يا بابا متشغلش بالك أنا حاطط عليها مراقبه اربعه وعشرين ساعه وحراسه تروح وراها منين ما تروح."
اومأ غريب برأسه وقال:
"روح انت ريح جسمك اليوم النهارده كان طويل وصعب عليك."
تحرك جواد نحو الباب، وقبل أن يغادر قال بصوت مختنق:
"ابقى كلم المحامين اللي زي قلتهم دول شوفهم وصلوا لايه."
أنهى كلامه وخرج من المكان، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من السابق.
وبمجرد أن أغلق الباب، عاد غريب إلى أوراقه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يقرأ فقط، بل كان يرسم داخل فوضى الصفحات خريطة صراع كاملة. أخذ القلم بين أصابعه، ووضع دائرة حول اسم شاهين، ثم دائرة أخرى حول اسم زين، وظل يحرك القلم بين أصابعه ببطء، وعيناه ثابتتان على الاسمين كأنه يرى خلفهما شيئًا لم يكشف بعد، شيء إذا ظهر، لن يترك أي طرف كما هو.
   ****************************
جلست جواهر على سريرها، والدموع ما زالت مرسومة على خدها كأنها رفضت أن تجف، بينما جسدها كله يرتجف من أثر البكاء المتواصل. كان الصمت حولها ثقيلًا، لا يقطعه إلا أنفاسها المتقطعة، وكأن المكان نفسه يشاركها هذا الانكسار.
جلست زينات بجوارها بهدوء، ثم مدت يدها وربتت على كفها بحنان صادق وهي تقول بنبرة هادئة:
"أهدي يا حبيبتي انتي من ساعة ما جيتي هنا مبطلتيش عياط، حرام عليكي نفسك."
ارتعشت شفتي جواهر أكثر، وكأن الكلمات فتحت جرحًا أعمق بداخلها، ثم تكلمت بصوت مختنق بالكاد خرج:
"جواد مكسور اوي، اكتر حاجه وجعاني احساسه بالضعف علشان مش قادر يخرجني من هنا، دموع جواد غاليه ونزولها منه مش بالساهل، أنا متأكده أنه بيجلد فى نفسه دلوقتي محمل نفسه الذنب، وانا مش قادره اشوفه كده، أي حاجه اتحملها، الا وجعه والله."
ابتسمت زينات بحزن وهي تتابعها بعينين يملؤهما التعاطف، ثم سألتها بنبرة خافتة:
"لدرجاتي بتحبي؟ لدرجة أنك مش همك نفسك، همك هو ووجعه؟"
ابتسامة ضعيفة تسللت من بين دموعها، لكنها كانت مليئة بصدق موجع، ثم قالت بصوت أقرب للهمس:
"حب!! أنا اتعديت المرحلة دي من زمان اوي، انا بعشق جواد، هو المعني الحقيقي للحياة، وجعه بحس بي قبل منه، بفرح لفرحته، احزن واتقهر لو شفته فى يوم زعلان أو مضايق، جواد ده الحب اللي فتحت عيوني عليه، مافيش راجل غيره دخل حياتي، ومن واحنا اطفال، وهو حبه كان واضح فى عينه ليا، غيرته المجنونة عليا اللي بعشقها، بعشق عصبيته وغضبه، بعشقه لما أزعل ويراضيني، بعشق ملامحه الجميله، هيبته اللي تخطف القلب، رومانسيته، هزارة ودمه الخفيف، كل حاجه فيه جميله اوي لوحه مكتملة مرسومة على ايد أعظم فنان."
كانت كلماتها تخرج وكأنها اعتراف طويل دفعة واحدة، كأنها تحاول أن تتمسك بصورته داخل قلبها حتى لا ينهار كل شيء من حولها.
نظرت زينات لها بابتسامة دافئة، ثم حاولت أن تخفف عنها الجو بمزاح خفيف:
"سيدي يا سيدي، يا وعدي على الحب وجمالة، انتي خليتي قلبي من جوه فيه فراشات، ياااه يا ليت الشباب يعود يوماً، قطيعه تقطع الحب وسنينه."
ضحكت جواهر رغم دموعها، ضحكة قصيرة لكنها صادقة، ثم قالت وهي تمسح دمعتها:
"شكلك دمك خفيف على فكرة."
تعالت ضحكة زينات وهي ترد بمزاح:
"فشر، انتي كده بضيعي هيبة زينات فى السجن، الناس كلها هنا بتعملي ألف حساب."
ابتسامة جواهر اتسعت قليلًا، كأن لحظة البكاء الطويل بدأت تخف حدتها، ثم قالت بامتنان حقيقي خرج من قلبها:
"شكرا ليكي بجد، وجودك معايا هنا، فرق معايا جدا."
ربتت زينات على يدها مرة أخرى بحنان وقالت:
"سبيها على ربنا، وان شاءالله هتظهر براءتك قريب وتخرجي من هنا وتبقى اجمل عروسه."
أغمضت جواهر عينيها للحظة، وكأنها تتعلق بالكلمة الأخيرة كطوق نجاة، ثم قالت بصوت خافت ممتلئ بالدعاء:
"يارب يا زينات يارب."
نهضت زينات بهدوء، واتجهت إلى سريرها تتمدد وهي تقول بنبرة مطمئنة:
"نامي شويه، النوم هنا بيعدي الوقت."
أومأت جواهر برأسها بصمت، ثم تمددت على السرير، وعيونها ظلت معلقة بالسقف للحظات طويلة، كأنها تبحث عن مخرج غير مرئي من هذا العالم الضيق. وفي داخلها دعاء لا يتوقف، تتوسل به أن يخفف عنها وعن جواد ما لا طاقة لهما به، قبل أن تغلق عينيها أخيرًا وتغرق في نوم ثقيل هارب من وجعها.
        *************************
عند مريم...
كانت تجلس على مقعدها المتحرك، تحتسي مشروبًا ساخنًا ببطء، وعيناها معلقتان على شاشة التلفاز في هدوء مستفز، وكأن البيت بيتها، وكأن وجودها فيه أمر طبيعي، لا كأنها اقتحمت حياة ابنها من جديد ومزقت ما بدأ يلتئم داخله.
في الجهة الأخرى، تحرك شاهين نحو المطبخ بخطوات ثقيلة، منهكة، كأن جسده فقط هو الذي يتحرك بينما روحه عالقة في مكان آخر، عند باب أغلقته رنيم في وجهه منذ أيام، ولم يفتح بعدها.
وقف يعد القهوة للمرة التي لم يعد يتذكر عددها، حتى أن رائحة البن أصبحت جزءًا من اختناقه اليومي، والسجائر صارت الرفيق الوحيد لصمته.
وفي تلك اللحظة، خرج صوت مريم ببرود وهي لا تزال تنظر إلى التلفاز:
"ارحم نفسك شويه بدل ما انت عايش على القهوة والسجاير وبس وحتى الشركه مبقتش تنزلها."
لم ينظر لها، ولم يرد.
سكب القهوة في الفنجان، حمله بين يديه، وعاد إلى غرفته في صمت، صمت كان أبلغ من أي رد، وكأنه يعلن رفضه لها دون أن يضيع حرفًا واحدًا.
ضغطت مريم على أسنانها بغيظ، وشعرت أن تجاهله يلسع كرامتها، فتمتمت بنفاذ صبر:
"الولد ده مصر يخرجني عن شعوري ويعصبني."
ثم دفعت مقعدها نحو غرفته، بعصبية واضحة، وفتحت الباب دون استئذان.
وجدته جالسًا على سريره، منحنيًا قليلًا للأمام، يرتشف قهوته ببطء، وسيجارة بين أصابعه، يستهلكها كما تستهلكه أفكاره.
اقتربت منه سريعًا، نزعت السيجارة من يده وألقتها أرضًا بعنف، ثم قالت بنفاذ صبر:
"بقولك ايه انا جبت اخري منك، مالك يا اخويا عايش دور الحبيب المهجور كده ليه؟ ما مصيرها كانت هتعرف انت مين وابن مين، وبعدين انت اللي عملت كده فى نفسك، وصلتها للمرحلة دي، احنا مش بتوع حب ونحنحه يا ابني، احنا من الاول خالص هدفنا كان واضح، من اللحظة اللي رجعت فيها لحضني تاني من الملجأ وقتها اتفقنا أننا هنشيل قلبنا ده خالص، هندوس على البشر قبل ما هما يدوسوا علينا، واديك شفت بنفسك قسوة الدنيا على الضعيف، بدوس عليه وتهينه، وتحترم بس اللي معندهوش قلب ولا رحمة، شوف نفسك وصلت لايه لما لاغيت قلبك وشوف دلوقتي اللي حصلك لما استخدمته، ارجع يا شاهين لابني اللي ربيته على أن مافيش حاجه تكسره."
كانت كلماتها تنساب كسمّ قديم محفوظ، تعرف جيدًا كيف تزرعه داخله، وكيف تلامس أضعف نقاطه، كما فعلت معه سنوات طويلة.
لكن هذه المرة، الكلمات لم تدخل.
كانت ترتطم بشيء جديد تكون بداخله.
شيء اسمه رنيم.
كل كلمة منها كانت تقابل داخل صدره بصورة وجهها، بصوتها، بوجع عينيها وهي تنظر إليه وكأنه صار غريبًا عنها.
وكان ذلك وحده كافيًا ليجعله يرفض السم لأول مرة.
انتفض فجأة من مكانه، نهض بعنف حتى ارتجف الفنجان بين يديه، وضعه جانبًا وتحرك مبتعدًا عنها كأن قربها يخنقه، ثم قال بصوت خرج محملًا بسنوات كاملة من القهر والغضب:
"انتي لو ام بجد، كان يهمك مصلحة ابنك، راحته وراحت قلبه، إنما انتي واحده شيفاني مجرد وسيلة تحركيها لتنفيذ رغباتك المريضه الشيطانيه، بس ده طبيعي بالنسبالك، اللي يخلي ام ترمي ابنها وهو حتة لحمة حمرا فى ملجأ عشر سنين ومتسألش فيه طول السنين دي، ويوم ما تفتكريني، تفتكريني علشان تكبري الشر جوايا، ولما اكبر انتقملك من عيلة الرواي، خلصنا من انتقامي منهم، دخلنا فى انتقامك من ترنيم علشان خلت جوزها وسلطان انتقموا منك بسبب الغيره، وفي الاخر غريب كان هو السبب فى عجزك ده دلوقتي، افتكرتيني بقى فى كل ده؟ لا، عارفه ليه، علشان انتي انانيه كل اللي يهمك مصلحتك انتي وبس، حتى لو على حساب الكل ومنهم أنا ابنك."
تجمدت مريم مكانها.
لأول مرة ترى شاهين هكذا.
لأول مرة تشعر أن قبضتها عليه بدأت ترتخي.
أن هناك يدًا أخرى امتدت إلى روحه وسحبته بعيدًا عنها.
ورغم صدمتها، فهمت الحقيقة بسرعة.
رنيم، هذه الفتاة أصبحت خطرًا حقيقيًا.
ليست خطرًا على خطتها فقط، بل على سيطرتها الكاملة عليه.
اشتعل شيء مظلم داخلها، لكن ملامحها بقيت جامدة.
أومأت برأسها، وأخفت سمها خلف نبرة هادئة مزيفة وقالت:
"وانا علشان اثبتلك أن أهم حاجه عندي هي مصلحتك، أنا موافقه انك تتجوز البنت دي وانا كمان اللي هطلب منها أنها توافق عليك وهخلي اخوها زين يقنعها ايه رأيك بقى؟"
نظر لها شاهين طويلًا، نظرة رجل يعرف من أمامه جيدًا.
يحفظ كل التفافاتها، وكل سمومها.
ثم ابتسم بسخرية مريرة وقال:
"عيب عليكي أنا تربيتك وحافظ دماغك السم دي اكتر من نفسي، واوعي شيطانك يوزك، وتفكري تقربي من رنيم، علشان صدقيني وقتها السحر هيتقلب على الساحر وكل الشر اللي شربته منك هيطلع عليكي، واللي خلاني اقتل أبويا بأيديا، هقتلك انتي كمان ماشي؟"
ساد الصمت بعد كلماته.
صمت ثقيل، خانق، يحمل تهديدًا حقيقيًا هذه المرة.
ثم استدار عنها وتحرك إلى الشرفة.
أشعل سيجارة أخرى، أخذ منها نفسًا طويلًا، كأن النار التي بداخلها لا يكفيها احتراق التبغ، وزفر الدخان في الهواء وهو يرفع عينيه للسماء.
كانت عيناه شاردتين، موجوعتين، كأن كل ما حوله فقد معناه.
للمرة الأولى في حياته، لم يكن يخشى عدوه، بل كان يخشى خسارة الشخص الوحيد الذي جعله يشعر أنه إنسان.
   ****************************
عند رنيم...
جلست رنيم خلف مكتبها، ساكنة الجسد، مضطربة الروح، تحدق في الفراغ أمامها وكأنها تبحث داخله عن شيء ضاع منها ولم تعد تعرف كيف تسترده. في الأيام الأخيرة، صار الشرود رفيقها الدائم، وصار اسم واحد فقط يحتل زوايا عقلها وقلبها معًا، شاهين.
كانت تحاول، بكل ما أوتيت من عناد، أن تنتزعه من داخلها، أن تقنع نفسها أن ما كان بينهما لم يكن سوى وهم جميل انكسر على صخرة الحقيقة، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة؛ فكلما حاولت دفنه في أعماقها، عاد إليها أكثر حضورًا، أكثر التصاقًا بها، كأن ذكراه قد نبتت في روحها جذورًا يصعب اقتلاعها.
كانت عيناه تطاردانها في كل لحظة؛ تلك النظرات التي كانت تراها صادقة حد الوجع، وذلك الاهتمام الذي أغدقه عليها دون أن يطلب شيئًا في المقابل، وذلك الحضور الذي تسلل إلى حياتها بهدوء حتى صار جزءًا منها.
اشتاقت إليه، نعم، رغم كل شيء اشتاقت.
اشتاقت لصوته، لعناده، لوجوده الثقيل الجميل في أيامها، حتى صارت تشعر أن غيابه فراغ هائل يلتهم ما تبقى من تماسكها.
أطلقت زفرة طويلة، ساخنة، خرجت محملة بثقل ما يعتصر صدرها، وكأنها تحاول بها أن تطفئ الحريق المشتعل داخلها، لكن الحنين كان أقوى من كل محاولاتها.
في تلك اللحظة، قطع طرق خفيف على الباب خيط أفكارها المتشابكة.
أذنت بالدخول.
فتحت السكرتيرة الباب، وقالت بصوت هادئ:
"باشمهندسه رنيم فيه واحد بره عايز يقابل حضرتك."
رفعت رنيم رأسها باستغراب، وكأنها عادت للحاضر بعد رحلة طويلة داخل أفكارها، ثم قالت بتساؤل:
"واحد! مين ده واسمه ايه؟"
أجابتها السكرتيرة بتوضيح:
"بيقول أنه مستثمر كبير وعايز يقابل حضرتك علشان شغل."
في لحظة، تبدلت ملامحها، وانعكس الأمل على وجهها كوميض مفاجئ وسط عتمة طويلة.
اعتدلت في جلستها سريعًا وقالت:
"دخليه بسرعه وابعتي المحامي."
أومأت السكرتيرة برأسها وخرجت.
بعد دقائق، دخل الرجل بخطوات ثابتة وابتسامة هادئة، تحمل ثقة واضحة.
استقامت رنيم بجسدها، وأومأت له بترحاب قائلة:
"منور يا فندم، اتفضل."
جلس على المقعد بكل هدوء، ثم تكلم معرفًا بنفسه:
"أنا ياسر أسامة، رجل اعمال امارتي مصري ومستثمر كمان، وسمعت أن فى الفترة الأخيرة الشركه بتعاني من أزمة مالية وده حصل بعد وفاة باشمهندس حسام واللي كان خيره على الكل، وخبرته فى الشغل اللي الكل بيشهد بيها، فأنا كنت حابب استثمر فى شركتكم ومتأكد انك هتكوني زي باشمهندس حسام واحسن كمان، ايه رأي حضرتك."
نظرت له رنيم بسعادة حقيقية، تكاد لا تصدق أن بابًا كان مغلقًا في وجهها بدأ يفتح فجأة.
شعرت لأول مرة منذ فترة أن الأرض تعود ثابتة تحت قدميها.
أومأت سريعًا وقالت:
"موافقة طبعا، بس ليه شركتنا أحنا بالذات؟"
اعتدل في جلسته، ثم قال موضحًا:
"زي ما قولت لحضرتك باشمهندس حسام خيره عليا فى أول طريقي، واستفدت منه كتير فى إدارة الأعمال وطريقته معايا هي اللي قوة شخصيتي فى حياتي العملية دلوقتي، وأقل واجب أن أقف مع الشركة اللي كانت بدايتي فيها، وكمان حضرتك أنا راجل مستثمر واكيد مش هحط فلوسي فى مكان الا وانا متأكد أن هيرجع ليا أضعافه، علشان كده أنا مستعد نمضي العقود حالا والشيك هيكون مع حضرتك دلوقتي."
تنهدت براحة حقيقية، وكأن جزءًا من الحمل الذي كانت تحمله بدأ يخف أخيرًا.
وقالت بامتنان:
"شكرا لثقة حضرتك الغاليه، وان شاءالله نكون قد الثقه دي."
ابتسم لها بثقة وقال:
"وانا واثق فيكم جدا، بالتوفيق ليكم."
وفي ذلك الوقت حضر المحامي، ورحب بالرجل، وبدأت الإجراءات القانونية بهدوء، الأوراق توقع، العقود توثق، والمحاسب يسجل كل شيء بدقة.
كل شيء كان يسير بسرعة غير معتادة، وكأن القدر قرر فجأة أن يمنحها هدنة قصيرة بعد سلسلة طويلة من الضربات.
وما إن انتهى كل شيء، غادر الرجل على الفور.
ظلت رنيم تنظر إلى الأوراق أمامها للحظات، كأنها تحتاج وقتًا لتصدق أن الأزمة التي كادت تسحقها بدأت تتفكك.
ثم رفعت عينيها إلى المحامي والمحاسب وقالت:
"المبلغ ده هيسدد ديون الشركة كلها وكمان هنقدر نشغل خطوط الانتاج من تاني علشان نسلم الدفعات المتأخرة."
تكلم المحامي قائلاً:
"فيه حاجه غريبه حصلت النهاردة الصبح حضرتك."
رفعت حاجبيها باستغراب وقالت:
"حاجة ايه دي؟"
أجابها بتوضيح:
"المفروض أنهم كانوا هيقدموا شكوا بالشروط الجزائيه المتأخرة علينا، بس لما سألت، لاقيتهم فعلا قدموا لكن رجعوا سحبوا الشكوى كلهم مرة واحدة، اتواصلت معاهم لأن حسيت بحاجة مش طبيعيه بتحصل، اجابتهم كان رد واحد أن فيه شخص أتدخل واتفق معاهم أنهم يصبروا علينا ويسحبوا الدعوة، ووعدهم بتعويضهم بتسهيلات من عنده ليهم، بس رفضوا يقولوا اسمه."
انعقد حاجباها باستغراب. شيء غريب.
شيء أكبر من مجرد صدفة. قالت بحيرة:
"شخص!! مين ده اللي عمل كده وليه؟"
وفي تلك اللحظة، لمع اسم واحد في عقلها. زين.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، وشعرت بدفء مفاجئ وهي تقول:
"خلاص عرفته، اكيد اخويا زين، مافيش غيره، ربنا يخليه ليا."
استقام المحامي والمحاسب وقالا:
"ربنا يخليكم لبعض، هنروح احنا بقى نبدأ شغلنا وان شاءالله الشركه ترجع احسن من الاول."
غادرا المكتب.
وبمجرد أن أصبحت وحدها، أمسكت هاتفها سريعًا واتصلت بزين.
ما إن سمعت صوته حتى قالت بامتنان صادق:
"انت اجمل اخ فى الدنيا، ربنا يخليك ليا."
جاءها صوته متعجبًا:
"ويخليكي ليا يا قلب اخوكي، بس ليه كل ده؟"
ابتسمت وهي تقول بمزاح:
"يا سلام يا ابني على التواضع، خلاص عرفت انت عملت ايه، وبتكلم الناس ومش عايزهم يقولوا اسمك ليه؟ اديني عرفت من غير ما هما يقولوا."
تنحنح بتوتر وقال:
"ها ا أنا مش فاهم حاجه."
زفرت بنفاذ صبر وقالت:
"خلاص بقى يا زين عرفت انك كلمت الناس، علشان يسحبوا الدعوة ضدي على الشرط الجزائي بتاعهم، بحبك اوي يا زين انت اجمل حاجه ربنا رزقني بيها."
تكلم سريعًا بتلعثم:
"ايه ده انتي عرفتي ازاي؟ ده انا مأكد عليهم محدش يقولك مين اللي عمل كده."
ابتسمت بحب وقالت بلوم لطيف:
"وليه تعمل كده؟ انت مش عايز تعرفني أن اخويا واقف فى ضهري وسندني؟"
ابتسم بتوتر وقال:
"ها، ل لا مش علشان كده، بس مبحبش أظهر فى الصورة كتير، المهم انك تكوني سعيدة، دي عندي بالدنيا."
شعرت رنيم بدفء غريب، ربما لأنها كانت في أمس الحاجة لشعور السند.
فقالت بسعادة واضحة:
"أنا فرحانه اوي، يعني اللي انت عملته، وكمان النهارده اتعاقدنا مع مستثمر جديد فى الشركة وكل حاجه خلصت وقتي، ومشاكل الشركة كلها اتحلت في يوم واحد."
ساد الصمت للحظات.
صمت لم تفهم سببه.
ثم جاءها صوته أخيرًا، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة:
"مستثمر!! امم تمام يا حبيبتي ربنا يوفقك أنا لازم اقفل دلوقتي، سلام."
أغلقت الخط، وما زالت الابتسامة على وجهها.
وضعت الهاتف على المكتب، ونظرت أمامها. كانت الأمور تتحسن.
الشركة بدأت تنهض. الأزمات بدأت تحل.
المفترض أن تكون سعيدة. لكن الغريب، أن قلبها لم يذهب لكل ذلك.
ذهب لشخص واحد فقط. شاهين.
تمنت في تلك اللحظة، رغم كل شيء، لو كان موجودًا أمامها الآن، يضايقها كعادته، يتحداها بنظراته، يقترب منها بذلك الأسلوب الذي كان يربكها، ثم يهمس لها بكلماته التي كانت تحفظها رغمًا عنها. اشتاقت له.
واعترفت بذلك داخلها لأول مرة.
اشتاقت لصوته، لحضوره، لوجوده حولها.
أغمضت عينيها وأخرجت تنهيدة حزينة، ثم اعتدلت في جلستها، دفنت ضعفها داخل العمل، وبدأت تراجع الأوراق أمامها، لكن الحقيقة كانت واضحة.
جسدها عاد للعمل. أما قلبها، فما زال عالقًا هناك، في الشرفة المقابلة.
   ***************************
عند أروى...
جلست أروى في الغرفة التي كانت تخص رنيم سابقًا داخل فيلا حسام، وقد أحاط بها صمت ثقيل جعل المكان يبدو أكبر مما هو عليه، وأكثر برودة مما اعتادت. كانت الغرفة تحمل بقايا حضور قديم؛ تفاصيل صغيرة متناثرة هنا وهناك، صورًا وذكرياتٍ عالقة في الجدران والزوايا، وكأنها ما زالت تحتفظ بأنفاس من سكنها يومًا.
لكن أروى لم تكن ترى كل ذلك الآن.
كل ما كانت تشعر به هو الاختناق.
منذ أيام وهي تعيش داخل دائرة مغلقة؛ حماية مشددة، مراقبة دائمة، وخوف لا تفهم أسبابه بالكامل، حتى بدأ الأمر يتحول داخلها إلى سجن حقيقي.
كانت تتحرك داخل الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم تعود لتجلس، ثم تنهض مجددًا، كأن جسدها يرفض الاستسلام لهذا الجمود.
الملل كان ينهشها ببطء، لكن ما كان يؤلمها أكثر من الملل، هو الغياب.
غياب أحمد. ذلك الحضور الذي صار جزءًا ثابتًا من يومها، كأن رؤيته كل صباح كانت طقسًا من طقوس حياتها، شيئًا بسيطًا لكنه يمنح يومها معنى.
والآن، فجأة، انقطع كل شيء.
لا لقاءات، لا مصادفات، لا حتى نظرة عابرة تطمئن قلبها.
وفي خضم أفكارها، صدح هاتفها معلنًا عن اتصال.
التقطته بسرعة، وما إن وقع بصرها على الاسم حتى تبدلت ملامحها في لحظة، وخف شيء من الضيق الجاثم فوق صدرها. وكأن مجرد اسمه كان كفيلًا بأن يزرع شيئًا من الحياة في قلبها.
أجابت سريعًا، لكن بنبرة تحمل كل ضجرها المكتوم:
"ألو، ازيك يا احمد."
وصل إليه ضيقها من أول حرف، فعقد حاجبيه بقلق وقال بتساؤل:
"مالك يا أروى فيه حاجه مضايقاكي؟"
أغلقت عينيها للحظة، وشعرت أن مجرد سؤاله عنها أرخى جزءًا من توترها، لكنها لم تستطع إخفاء اختناقها وهي تقول:
"زهقت يا احمد، أنا محبوسه بين أربع حيطان ومش قادرة اشوفك زي الاول، أنا نفسي نخلص بقى من اللي احنا فيه ده."
كان يسمع الضيق المتراكم خلف كلماتها، ويدرك أن ما تعيشه ليس سهلًا؛ فتاة اعتادت الحرية والحركة، تجد نفسها فجأة محاصرة بالخوف والقيود.
رد عليها بصوت هادئ، محاولًا أن يحتوي غضبها وحنينها معًا:
"معلش يا أروى لازم يكون عندك طولة بال، وتقدري الظروف اللي انتوا فيها دي، هما خايفين عليكي علشان كده مش بيخرجوكي الفترة دي، أنا هتجنن عليكي وحشتيني اوي كمان، بس مستعد استحمل الاشتياق ده مدام امان ليكي."
ارتجف قلبها عند اعترافه باشتياقه، لكن ذلك لم يخفف وجع الحرمان.
زفرت بضيق وقالت بتساؤل:
"خايفين عليا من ايه؟ مش فاهمه حاجه، وبعدين يا احمد انت كنت شئ اساسي فى يومي لازم اشوفك كل يوم الصبح، دلوقتي مش عارفه اشوفك حتى ولو صدفة، ده عذاب ليا والله."
ابتسم أحمد رغم ألمه.
كان يعرف أن تعلقها به صار أعمق مما تظهره، وكان هذا وحده كافيًا ليشعره بشيء من السعادة وسط قلقه عليها.
تكلم بوعد رجولي صادق:
"هخلي خالك تامر يجي يوم يخدك تقعدي معانا شويه واهو نبقى شفنا بعض وخلاص."
ساد الصمت بينهما لثواني.
أروى لم تجب فورًا.
كانت فقط تستمع إلى صوته، كأنها تعوض بهذا الصوت غياب وجهه، غياب قربه، غياب تلك اللحظات الصغيرة التي كانت تجمعهما.
وأخيرًا تكلمت بصوت مختنق، يحمل شوقًا أكثر مما يحمل رضا:
"ماشي."
ابتسم على تذمرها الطفولي، وتخيل ملامحها العابسة الآن، فقال بحنان واضح:
"خلاص بقى يا قلبي بلاش تبقى شبه الاطفال كده، وحياتك عندي هتصرف وهنتقابل فى أقرب وقت."
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغمًا عنها.
كان يملك قدرة غريبة على تهدئة فوضاها الداخلية، فقط بصوته، بكلماته، بحضوره حتى لو كان عبر الهاتف.
قالت بنبرة أكثر هدوءًا:
"ماشي خلاص، هستناك."
أنهت المكالمة، وبقي الهاتف بين يديها لثواني طويلة.
نظرت إلى شاشته المظلمة بعد انتهاء الاتصال، ثم ضمته إلى صدرها بقوة، وكأنها تحتضنه هو.
أغمضت عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عاشقة صافية، ثم همست بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد:
"بعشقك أووي، قمر يا ناس."
وكان هذا هو تأثير أحمد عليها، صوته وحده كان قادرًا على أن ينتشلها من أسوأ حالاتها، ويبدل مزاجها بالكامل، كأن وجوده صار مرادفًا للطمأنينة في قلبها.
    ***************************
عند رنيم...
عادت رنيم من عملها في ذلك المساء بخطوات أخف مما كانت عليه منذ أيام طويلة، وكأن حملًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدرها وبدأ أخيرًا يزول شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ وفاة حسام، شعرت أن الحياة لم تغلق أبوابها بالكامل في وجهها، وأن الشركة التي كادت تسقط بين يديها عادت تتشبث بالحياة من جديد.
كان اليوم، رغم كل شيء، رحيمًا بها.
المشكلات التي ظنتها ستطاردها طويلًا بدأت تنحل واحدة تلو الأخرى، والمستقبل الذي بدا مظلمًا منذ أيام، صار يحمل بصيص نور واضح.
وقفت داخل المصعد، تستند برأسها إلى الجدار المعدني، وعيناها شاردتان في فراغ بعيد، لكن وسط كل ما تحقق اليوم، لم يكن عقلها مشغولًا بالعمل.
بل به. شاهين.
ذلك الاسم الذي صار يقتحم أفكارها دون استئذان، ويعبث بتوازنها الداخلي كلما حاولت أن تستعيد صلابتها.
أغمضت عينيها للحظة وهي تتذكر ملامحه المنهكة صباحًا، لحيته غير المرتبة، نظراته المكسورة، وصوته المختنق وهو يحاول الدفاع عن نفسه أمامها.
كانت قد أقنعت نفسها أنها قوية بما يكفي لتبتعد.
لكن الحقيقة المؤلمة، أنها لم تبتعد.
جسدها فقط هو من ابتعد.
أما قلبها، فما زال هناك، عالقًا عنده.
صدر صوت المصعد معلنًا وصوله إلى الطابق. انفتح الباب.
خرجت منه بخطوات هادئة، وما إن اقتربت من شقتها حتى تسللت عيناها رغمًا عنها إلى باب شقته.
وقفت لثانية. ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتوقظ داخلها كل ما حاولت دفنه.
زفرت بقوة، وكأنها تعاتب نفسها على ضعفها، ثم أسرعت تتحرك نحو باب شقتها، وأخرجت مفاتيحها من حقيبتها بارتباك واضح.
وضعت المفتاح داخل الباب وأدارته سريعًا.
وما إن انفتح الباب، حتى شعرت فجأة بجسد صلب يلتصق بها من الخلف، يدفعها إلى الداخل بقوة أربكت أنفاسها.
شهقت بصدمة.
دخل خلفها مباشرة، وأغلق الباب بيده.
التفتت إليه بسرعة، لكن قبل أن تستوعب ما يحدث، كانت قد أصبحت محاصرة بين الحائط وجسده.
أسند ذراعيه على جانبيها، مانعًا عنها الهروب، بينما عيناه كانتا مثبتتين عليها بنظرة مشتعلة، نظرة رجل وصل به الاشتياق إلى حافة الانهيار.
وتكلم بصوت خافت، مبحوح، وكأنه يخرج الكلمات من قلبه لا من فمه:
"أنا مبقتش قادر اعيش يومي من غير ما أشوف عيونك، أنا بقيت شخص مدمن ليهم يا رنيم، اليوم اللي بيمر عليا من غير ما شوفهم ببقى عصبي، مش طايق نفسي محتاج جرعتي منهم، بترجاكي بلاش تحرميني منهم، علشان بموت من غيرهم."
تجمدت مكانها. لم تكن المشكلة في قربه، بل في تأثيره.
كلماته دخلت قلبها مباشرة، كأنها مفاتيح سحرية تفتح الأبواب التي أغلقتها بصعوبة.
هل أحد يسمع دقات قلبها الآن؟
لأنها كانت تصرخ داخل صدرها بعنف.
تتمرد عليها. تدفعها نحوه.
تطالبها بأن تلين، أن تتوقف عن المقاومة، أن تستسلم لهذا الرجل الذي أحبته رغمًا عنها.
كانت تشعر بعطش داخلي نحوه، حنين جارح، ورغبة في أن تختبئ بين ذراعيه وتصدق كل كلمة يقولها.
لكن عقلها، ذلك العدو القاسي.
تدخل في اللحظة المناسبة، وأيقظ فيها الحقيقة التي تحاول تجاهلها.
فدفعت صدره بعيدًا عنها بعنف، وقالت بغضب حاولت أن تستمده من كسرها الداخلي:
"انت اتجننت يا شاهين! اطلع من هنا احسنلك."
تراجع خطوة، لكن لم يكن ذلك الرجل الذي يعرف الاستسلام.
كان شاهين الرواي، الرجل الذي حين يريد شيئًا، يطارده حتى النهاية.
اقترب منها مرة أخرى، لكن هذه المرة ببطء، وكأنه يمنحها فرصة للهرب.
وهي لم تهرب.
مد ذراعه وأحاط خصرها بقوة جعلت أنفاسها تتعثر، وجذبها نحوه حتى لم يعد بينهما إلا مسافة أنفاس.
اقترب بوجهه منها، حتى شعرت بحرارة أنفاسه تلامس بشرتها، تربكها، تزلزل ثباتها.
ثم همس أمام شفتيها، بصوت منخفض يحمل وعدًا وخطرًا معًا:
"مشكلتك أن ضعفك بيظهر فى لحظة قصادي، أنا ممكن اخد منك اللي انا عايزة بكل سهوله، بس انا مش هعمل كده، لأن قلبي مستحيل يقبل يأذيكي حتى لو برضاكي، بلاش تسمعي كلام عقلك، واسمعي كلام قلبك ودقاته المتمردة اللي بتضرب فى صدرك دي."
ارتجفت. ارتجفت فعلًا.
ليس خوفًا منه، بل خوفًا من نفسها.
من ذلك الانهيار الذي تشعر أنه يقترب.
من حقيقة أنها تريده، رغم كل ما تعرفه عنه.
ثم رفع يده ببطء، ووضع أصابعه فوق موضع قلبها، حيث كانت ضرباته تعلن خيانتها لها.
وقال بصوت خافت، كأنه يقرأ أسرارها:
"قلبك ده بقى ملكي أنا وبس، برضاكي، أو غصب عنك، أنا سبق وقلتلك متحبنيش يا رنيم ولما سألتيني ليه، قلتلك علشان خايف عليكي مش علشان انا مش عايز ده، ومدام عرفتي الحقيقة، أنا اللي بطلب منك دلوقتي تحبيني يا رنيم، علشان أنا عايز ده."
حبست أنفاسها. شعرت وكأن جسدها كله فقد قدرته على الحركة.
كل ذرة عقل داخلها كانت تصرخ بالابتعاد، لكن قلبها كان يركض نحوه بلا رحمة.
شد ذراعه حول خصرها أكثر، وكأنه يشعر بانهيار مقاومتها، وقال بصوت هامس، واثق:
"أنا مش محتاج اقولك كده، لأن حبي  واضح أوي في عيونك."
أغمضت عينيها بقوة. لأنه كان محقًا.
للأسف، كان يرى ما تخفيه.
ثم مال نحو أذنها، واقترب حتى صار صوته وحده كافيًا لإرباك روحها، وهمس بصوت جعل جسدها كله ينتفض تحت وطأة صدقه:
"بحبك يا رنيم."
وفي تلك اللحظة، شعرت رنيم أن كل الحروب التي كانت تخوضها داخلها، توقفت. وكأن قلبها، للمرة الأولى، لم يعد قادرًا على القتال.


تعليقات