رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل العشرون 20 بقلم ميفو السلطان


 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل العشرون 

اتسعت عينا عامر وجمد مكانه وكأن صاعقة ضربته بينما لطمت فؤادة على وجهها بشدة
وهي تصرخ بصوت مكتوم: يامراري الطافح.. جطعتي رجبة الواد يا ملك. 

اندفعت فؤادة وجذبت عامر من يده بكل قوتها وهو المخدر من الصدمه.. وهي تحاول إخراجه قبل أن يرتكب جناية وعامر يسير خلفها بجسد متخشب وعيون لا تصدق ما سمعته أذناه وقبل أن يتخطى عتبة الباب لتتناديه باستعلاء تناوله بكلمتها الأخيرة التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة... 

آخر الكلام يا بن الراوي.. الرجولة مش قفل باب ولا صوت عالي. الرجولة إنك تحمي الغريب قبل القريب وإنت لا حميتني ولا صنت أمانة أخوك.. من النهاردة أنا اللي هوريك مين فينا اللي راجل ومين اللي كلمته تمشي.. 
هتفت ملوك بصوت مبحوح لكنه يقطع كالسيف:
أنا مش بس هطردك.. أنا همحي أثرك من الذاكرة. اللي واقفة قدامك دي هي اللي هتعرفك إن الله حق. اخرج بره بدل ما ألمّ عليك المستشفى كلها وأقول إن كبير الراوية جاي يستقوي على ولية مريضة في نص ليل..و المرة الجاية اللي تفكر تقفل فيها باب على حد. ابقى اتأكد إن اللي ورا الباب ده ميت.. لأنك لو سبت فيه نفس واحد هيطلع يحرقك ويحرق دارك.. بره 

لم يتحمل عامر هذه الإهانة التي لم تحدث في تاريخ عائلته خاصة وهو يرى نظرات المهانة في عيون أمه فارتد خطوة للخلف وهو ينهج وكأنه طعن في كبريائه. 

خرج عامر وهو يشعر أن الأرض تبتلعه ولم تبقَ في الغرفة سوى ملوك وهي ترتعش ليس من التعب بل من قوة الغضب الذي أفرغته في وجه من ظن يوما أنه امتلك روحها بالظلم.

كان عامر يشعر كأن خناجر من نار تُمزق صدره فكلماتها لم تكن مجرد إهانة بل كانت طعنة في أقدس ما يملك رجولته وهيبته التي لم يجرؤ أحد على المساس بها. ورغم أن عقله الباطن يصرخ بأنها تملك كل الحق فهو الذي سجنها ظلما وهو الذي صدق افتراءات بنات عمه ولم يتحقق من براءتها إلا بعد فوات الأوان. إلا أن كرامته الجريحة لم تكن قادرة على استيعاب أن تقول له لا أراك  رجلا .

خرج يجر أذيال الهزيمة يحاول أن يتنفس فلا يجد هواءً فصوتها لا يزال يرن في أذنه كالفحيح. وجنونه يتصاعد من فكره رحيلها. 

بينما كان عامر في ردهة المستشفى يصارع قهر روحه ويحاول استجماع شتات نفسه اخترق سكون الليل صراخ مدو آت من غرفتها. انتفض قلبه قبل جسده واندفع كالمجنون ملهوفا نحو الداخل فزالت في لحظة كل مرارة الكلمات ومسحت اللهفة كل آثار الإهانة.

فبعد أن قذفت ملوك كلمتها التي كانت كطلقة رصاص في صدر كبرياء عامر. وقفت تتنفس بصعوبة وصدرها يعلو ويهبط كعصفور يلفظ أنفاسه الأخيرة. نظرت إلى فؤادة التي وقفت صامتة بذهول. وفي تلك اللحظة شعرت ملوك بفيضان من القهر والعجز يجتاح كيانها. لم تعد قدماها تحملانها فجأة اسودت الدنيا في عينيها وارتخى جسدها لتسقط فاقدة الوعي قبل أن تنطق فؤادة بحرف. 

هنا اقتحم عامر  الغرفة ليجدها مُلقاة على الأرض جثة هامدة بلا حراك. اندفع إليها بصرخة مكتومة وانحنى يحملها بين ذراعيه بخوف لم يذقه من قبل ضاما إياها إلى صدره كأنها روحه التي كانت ستضيع.

هتف عامر بذعر... ملك مالها يا أمي.... ملك ردي عليا.. إيه اللي حصل يا أمي. 

أجابته فؤادة وهي تبكي بحرقة.... والله يا ولدي أول ما خرجت وجفت شوية بتنهج وصدرها بيعلى ويوطى بكلمها مابتردش وفجأة طبت ساكتة مكانها.. وكأن نفسها انجطع.

وضعها على السرير بسرعة وحذر وبدأ يحاول إفاقتها بيدي مرتعشة يمسح على وجهها وينادي اسمها بصوت مخنوق. 

وفؤادة تراقبه بذهول فرغم أنها أكلت قلبه وأهانته أمامها إلا أنه الآن يرتعد رعبا عليها ولا يرى في الدنيا سواها.

لم يطق عامر الانتظار فخرج يجري في ممرات المستشفى كالمذعور يصيح في الأطباء والممرضين بلهجة آمرة حتى أتى بطبيب الطوارئ.

دخل الدكتور وفحصها بدقة بينما عامر يقف فوق رأسه أنفاسه متلاحقة وعيناه لا تفارق وجهها الشاحب حتى طمأنهم الدكتور قائلا... 
اطمنوا ده توتر عصبي نتيجة الضغط مع ضعف جسمها بسبب السم.. لازم ترتاح تماما. 

أعطاها الدكتور حقنة مهدئة وانسحب بهدوء تاركا الغرفة لجو من الصمت الثقيل.

جلس عامر بجانبها ينظر إلى وجهها الساكن. يشعر بضياع تام بين ندمه على ظلمها وبين كرامته التي بعثرتها كلماتها القاسية. وجد نفسه غريقا لا يملك من أمره شيئا سوى مراقبة أنفاسها وهي تعود ببطء.

جلست الأم فؤادة تراقب ابنها عامر بذهول مكتوم... فقد انحنى على ملوك يعدل لها الوسادة برفق لم تعهده فيه من قبل ثم أتى بمنديل وبدأ يمسح قطرات العرق عن جبينها الشاحب وكأنها قطعة زجاج يخشى كسرها. انسحب بعدها بهدوء وجلس على الكرسي المقابل لها يثبت نظراته عليها بصمت مزقته تنهيدة أمه المتعجبة.

اتجهت فؤادة وجلست بجانبه وهتفت بنبرة لائمة.... 
يرضي ربنا اللي واصلين له ده يا ولدي؟

أغمض عامر عينيه بتعب وأجاب بنبرة مخنوقة... 
يا أمي من فضلك.. أنا ما فياش نفس أتكلم واصل.

قالت بغضب وهي تضرب كفا بكف... 
أمال فيك نفس تحبس وتظلم.. إيه ماعتش ليك رادع انت بتحكم بالعدل كيف.. أنت جرا لك إيه؟ أنت اتبدلت يا عامر أنت مش ولدي اللي أعرفه.. إيه اللي حصل لك؟ واخرتها نتهان اكده عشان اية.. بتكرها ليه عاملالك إيه البت... أكده هتطفشها من الدار.. أهي جالتها خلاص هتمشي وتاخد الواد وتجهرنا.

انتفض عامر من مكانه كمن لسعته حية وهتف بإصرار يغلفه الخوف... 
لاه.. ماهتمشيش يا أما.

ردت عليه فؤادة بسخرية ومرارة... 
وإيه اللي يمنعها يا نضري... جولي؟ هتحبسها تآني... انت مفكر نفسك مين انت عشان تجول تمشي وماتمشيش.. ملك خلاص انكسر عندها الخوف ووجت ما تحب تمشي ماهننطجش هنبلع الجزم ونسكت لأننا اللي عيبنا في حجها.وهتبقي إنت السبب في بعد لحمنا عننا..

أكملت بحدة.. ليه تعمل فيها اكده تتحرج سعدات بولادها المهم ابننا وأمه.. لو سعدات مافرحناش بابننا تاخد بعضها وتروح دارها اللي جفلاها ليها سنين.. الدار دي دار سعفان الراوي ومن بعده فضل ومن بعده ولادي التلاته اللي منهم عمر وابنه. 
رايحه تاخد البت لما نهشها تعبان.. لو كت ماتت جولي كت هتجول لولدها إيه موت أمك عشان إيه.. هتبص في عين الواد اليتيم الغلبان اللي هيبقي لا اب ولا ام عملتلك إيه جولي كفرت. 

هتف بقهر.. ياما خلاص أبوس يدك ماجادرش. 

ردت بحده... اللي يعمل عمله يتحمل نتيجة افعالة.. ذنبي اية أشوف ولدي الكبير موجفاه مره تهين فيه. دي اخر ايامي واحد يموت والتانية ينهانو إذا كت انت والا الحلوف التاني.البت غلبت وتعبت كبت ساكته من الجهر مالهاش حد والا عشان غلبانه يا معالي الباشا .إللي يتحب علي وليه ماهيربح عمره... اسمع اني آه أمك بس ماهجبلش يا عامر تجبر علي مرت ولدي. جدك شايط وجالبها حريجه لما عرف وكان جاي. حوشته عشان ماتبجاش فضيحه ويجولو عيله الراوي بيجطعو في بعض.. مسك ندي سخمط عيشتها... إنت ليه اتسرعت اكده ليه. شكلك صعب يا ولدي.. اللي المفروض يحكم بالعدل يعمل اكده ليه. 

احني راسه يعلم بمرارة انه أخطأ وتهور وبداخله ندم ينهش قلبه.. 

تنهدت أمه بحسره وعيونها تلمع بدموع القهر .... أجول اية بس لو مشت هطب منكو ساكته. 

ظل عامر يأكل في روحه والندم يعتصر قلبه ثم نظر إلى أمه بنبرة مرتجفة... 
أنتِ مش هتسيبيها تمشي يا أما.. صُح؟

أحنت فؤادة رأسها ودموعها تتساقط قهرا على حالهما فاقترب عامر وأمسك يدها وقبلها برجاء... 
اهدي طيب وكلميها أنتِ.. هيا.. هي هتسمع منك وبتحبك.

نظرت إليه فؤادة بحزن فاستطرد عامر محاولا استعادة كبريائه المزعزع.. 
بارك الله فيكِ يا أمي .. يعني ولدنا مايترباش بره الدار.

لكن برغم كلماته كان بداخله خوف عظيم يفوق الوصف من فكرة رحيلها. تنهدت فؤادة وهي تمسح دموعها وقالت بلهجة حاسمة... 
أديني جاعدة وربنا يستر.. بس اسمع يا عامر أول ما تصحى تجوم من اهنه. مش ناجصين حريجة تانية تجوم في المكان.. فاهم؟

مر وقت طويل فتحت ملوك عينيها ببطء لتجد سكون الغرفة يلفها. ورأت عامر وفؤادة جالسين يرقبانها بصمت. ما إن التقت نظراتها بنظرات عامر حتى قام الأخير من سكات دون أن ينطق بكلمة واحدة وخرج من الغرفة بخطوات ثقيلة يجر خلفه خيبته وقهر رجولته التي تبعثرت أمامها.

اقتربت فؤادة منها بسرعة واحتضنتها بلهفة وهي تقول... حمد الله عالسلامة يا بتي.. اكدة تخضينا عليكي؟

تنهدت ملوك بتعب وقالت بنبرة خافتة... غصب عني يا طنط والله أسفة.. ثم أحنت رأسها بخجل وتابعت... وأسفة إني اتكلمت قدامك كدة.. والله أنا مش قليلة الأدب بس.. بس الضغط والظلم خلوني ما شفتش قدامي. يا طنت انا مش بعيب فيكي وفي تربيتك لا سمح الله بجد مش عارفه قولت كده إزاي كلمه صعبه بس  لو ماقولتهاش كنت هنجلط.. والله يا طنط ماحسيت بنفسي..

عمري في حياتي ما جرحت حد بكلمة.. بس والله القهر بيموّت يا طنط. القهر بيخلي الواحد يغلط في حق نفسه قبل ما يغلط في غيره. أنا مش بقلل من قيمتك  أنا بس كنت  في ضيق مش قادرةأتنفس منه، وابنك داس على كرامتي لدرجة خلتني ما أشوفش قدامي. 

تنهدت وقالت.. انا عارفه انك ماتقبلش علي ابنك ده وخصوصا إنك ست بنت أصول وحقانيه.. وعارفه كان ممكن يتهور ويمد أيده وتقلب حريقه ماكنش حد هيلومو... بس فعلا ماحسيت.. بعتذر ليكي إني اتهورت بس الظلم صعب وبيخرج الواحد عن شعوره. عارفه انه مايصحش أقول كده وكان ممكن يتهور ويمد أيده وساعتها تتقلب حريقه غصب عنه .. سامحيني يا طنط إنت الوحيدة اللي ماليش ذنب عندك وما كنتش عايزة صورتي تتهز في عينك والله أنا مش كده بس هو صعب. 

ابتسمت فؤادة بإعجاب وتأثر من رقي ملوك فرغم كل ما فعله ابنها لا تزال هذه "الفريدة" تعتذر ربتت فؤادة على يدها بحنان وقالت... 

تصدجي بالله إنت جوهره تنشال عالراس.. بتعتذري على إيه يا بتي... إحنا اللي العيبة طايلانا من ساسنا لراسنا وإحنا اللي محجوجين لك. بس للحج يتجاهل... ولدي ماهواش اكده  يا بتي والله ده مش ولدي ماعارفاش اتبدل وإلا إيه.. بس ليا رجاء عندك بالله عليكي ما تمشيش.. والله اطب ساكتة فيها لو فارجتينا. أنا بهدلت عامر وما خلتلوش وهو والله ما عارف جراله إيه.دا طيب وحنين وابن أصول ولا عمره عيب في حد. والله ماهو اكدة ولا ده طبعه بس الشيطان شاطر.

حاولت ملوك الاعتراض لكن فؤادة استمرت في استعطافها بدموعها... بالله عليكي ورحمة (عمر) عندك وحياة الغاليين وعظم التربة و...

قاطعتها ملوك بتأثر... بس يا طنط.. إنتِ بتعملي إيه؟ بطلي من فضلك كلامك ده على راسي.

أمسكت فؤادة يدها بقوة وقالت... يا بتي لو عايزة خدم أجيب لك.. لو عايزة نن عيني أعطيه لك.. بس ولدنا ما يمشيش.. ده داره وأرضه.. والصعيدي وتد يا بتي لو خرج من أرضه وناسه يبقى حتة خشبة تترمي مالهاش عازة. 

تذكرت ملوك في تلك اللحظة كلام أختها ونصائحها  فأخذت نفسا عميقا وقالت بهدوء... ماشي يا طنط.. هقعد عشان خاطرك شويه بس وقت ما أعوز أمشي.. همشي.

تهلل وجه فؤادة وابتسمت لها بفرحة غامرة وقالت... يكملك بعجلك يا غالية.. ربنا يجبر بخاطرك. هجوم بقه أشوف الواد أصلي جلبي مخلوع عليه وما شفتهوش من ساعة اللي حصل.

ربتت فؤادة على كتف ملوك بحب وخرجت من الغرفة تاركة ملوك تصارع أفكارها في صمت.
* ******
قضى عمار نهاره في المركز كمن يسير على الجمر طيلة اليوم وهو يكبح جماح نفسه كي لا يعود ولا يتصل ولا يسأل عنها. حاول الانغماس في عمله. لكن طيف مليكة وهي غارقة في دموعها كان يطارده. ومع هبوط الليل تبخرت كل حصونه. لم يحتمل أكثر فاستأذن من المأمور على عجل وانطلق بسيارته ينهب الطريق عائداً إلى الدار.

وصل ليجد الدار غارقة في سكون تام. صعد السلالم بخطوات حذرة ووقف أمام باب غرفتها مترددا لا يعرف كيف يبرر دخوله. مرر يده على مؤخرة عنقه بتوتر ثم تمتم لنفسه مختلقا عذرا يريح به كبرياءه.. 
ماهي ضيفة في الدار.. وأختها في المستشفى يعني الأصول بتجول إني أطمن عليها.

طرق الباب بخفة عدة مرات ولما لم يأته رد أدار المقبض ببطء وفتح الباب. كانت نائمة فدخل بخطوات صامتة وجلس على مقعد قريب يراقب ملامحها الهادئة التي تسلب لبه.

وفجأة تبدل سكونها بدأت تنتفض بقوة في الفراش وتئن وكأن كابوسا بشعا ينهش روحها. قبل أن يستوعب الأمر شهقت برعب واستيقظت بعيون متسعة وبحركة لا إرادية من شدة الذعر اندفعت وتشبثت به بقوة تكلبش في ملابسه وتدفن وجهها في صدره.
صرخت.... هيسيبوني لوحدي لا لا ماتسيبونيش...

تفاجأ عمار لكنه أحاطها بذراعيه فورا يمسح على ظهرها بحنان بالغ ويهمس بصوت دافئ لطرد وحوش أحلامها.. 
-اهدي.. اهدي أنا جارك أهو مفيش حاجة.

ظلت تنتفض حتى هدأت أنفاسها تدريجيا وحين أدركت موقعها انكمشت على نفسها وابتعدت عنه بخجل. نظر إليها بعينين تفيضان باللين وقال..... 

ماتخافيش.. إنتِ بخير ومحدش هيأذيكي واصل.

انسابت دموعها بصمت وظلت خافضة رأسها وهي تهمس بصوت مرتجف... 
أختي.. أختي فين.. 

ابتسم عمار رغما عنه من فرط خجلها وتجنبها النظر إليه وقال بنبرة عتاب مازحة.... 
يعني إني أخاطر بروحي وأسيب شغلي وأجي جري وفي الآخر ماتبصليش حتى؟

طرفت بعينيها المبللتين فمد يده ورفع وجهها برفق لتلتقي عيونهما وهمس.... 
أختك بخير.. وبكرة هتيجي إهنه.

تهللت أساريرها وابتسمت بلهفة وبدون تفكير أمسكت بيده المرفوعة بكلتا يديها وقالت برجاء... 
- "بالله كويسة؟ قول والله ما عملتو فيها حاجة.. 

كانت لمسة يديها ناعمة كالهلام أذابت صلابة قلبه في ثانية. ابتسم بحنان أضاء وجهه القاسي وأجابها... 
-محدش يجدر يعمل فيها حاجة.. اطمني.

تنهدت بسعادة وراحة ثم عاد التوتر يكسوها وبدأت تفرك يديها ببعضهما البعض وهي تهمس متلعثمة... 
أنا.. أنا...

رفع وجهها مرة أخرى متسائلا.... 
..... إيه؟

قالت بصوت خافت يعتصره الندم.... 
أنا آسفة إني.. إني عرضتك للخطر أنا مكنتش حاسة بنفسي وقتها..

ثم انحنت برأسها للأسفل مجددا هروبا من نظراته الثاقبة.

لم يتحمل رؤيتها تخفي وجهها عنه هكذا. مد أصابعه ورفع وجهها إليه للمرة الثالثة وقال بنبرة عميقة تقطر رجولة... 
...... عمار. 

نظرت إليه قاطبة حاجبيها بعدم فهم فهمس وهو ينظر في عمق عينيها..... 
أنا إهنه اسمي عمار.

ابتلعت ريقها بصعوبة أمام سحر عينيه ونبرته وسرعان ما غزا الاحمرار وجنتيها فأحنت وجهها للأسفل مرة أخرى من شدة الخجل.

وهنا أطلق عمار تنهيدة طويلة مليئة بالغُلب المحبب وهمس بيأس وهو يبتسم:... 
يا بنتي بقى.. هو إني هجعد أبص في قمة راسك إكده طوالي؟

رفع عمار حاجبيه بمشاكسة رصينة وقال بنبرة عتاب يغلفها الود... 
على فكرة عيب جوي.. أكون مخاطر بروحي وجاي جري عشان أطمن وأنتِ حتى مش مستعنية تبصيلي واصل. 

ردت باندفاع وهي ترفع عينيها إليه بصدق... 
لا والله.. أنا.. أنا بس مش بعرف عشان بخاف من الزعيق .شكرا بجد كتر خيرك.

لم يكتفِ عمار بكلماتها بل مَد يده ورفع وجهها برفقٍ شديد وهمس بلين هز كيانها..... جولتلك جبل اكده.. إحنا طبعنا صعب معلش كل بلد وليها طبعها مانت اهوه طبعك مابتبصيش لحد وعرفناكي..ويا ستي لو زعجت تآني ردي عليا جوليل اهدي أو ردي وخلاص ماحدش بيسكت اكده ينجهر.. مد يده وقال... مش اكده والا بكلم روحي. 
هزت راسها وأحنت رأسها مرة أخرى هربا من حصار نظراته وهمست.. آه كده يا.... 

فرفع وجهها من جديد واقترب منها أكثر حتى شعرت بلفح أنفاسه وهمس بإصرار لذيذ... 
يا إيه يا مليكه؟

اصطبغ وجهها بحمرة الخجل القانية واضطربت أنفاسها وهي تنطقها بضعف لا يكاد يُسمع.... 
يا.. يا عمار.

في تلك اللحظة اتسعت ابتسامة عمار لتمتد إلى عينيه التي لمعت ببريق لم يره أحد فيه من قبل. سكن مكانه لثوان وهو يسهم في ملامحها، يشعر بقلبه يضخ دماء حارة أشعلت شرايينه وكأن نطقها لاسمه كان بمثابة الوقود الذي فجّر بركان مشاعره المكتومة. 

ظل يطالعها بصمت مهيب صمت أبلغ من كل قصائد العشق. بينما كانت هي تشعر بقلبها يخفق تحت نظراته كعصفور حُبس لأول مرة في قفص من ذهب.

اقترب منها واخفض وجهها ليصبح جانب وجهه امامها هامسا بلين... ماسمعت حاجه.. اني مااستحجش اسمعها يعني...

اشتعلت هيا واحست أن قلبها سيقف من فرط خجلها وقربه الذي زلزلها.. فهمست بأعجوبة.... يا.. يا عمار.. 

هنا أدار وجهه ونظر بعيونه كانت علي بعد أنشات منه وبدون وعي صب عيونه علي شفتيها التي ترتجف وتاكلها من الخجل.. فتاه وهام رغما عنه. 

بينما كان عمار غارقا في بحر عيني ملوك وبدأت حصونه تنهار أمام رقتها انفتح الباب فجأة.... لتقتحم سعدات الغرفة كالحية التي تبث سمها و...

####"

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

دخلت سعدات والغل ينهشها وجدت عمار يقترب من مليكة وقفت تضع يدها في خصرها ونظراتها تشتعل بالخبث وهتفت بصوت مغلول... 
إيه يا عمار... فيه يايه يا حضرة الضابط.. في أنصاص الليالي وجاعد مع الغريبة ليه؟ مالك اتجلبت إكده وبقيت حِنين فجأة؟

هبّ عمار واقفا كالملسوع وتغيرت ملامحه للجمود والقسوة في ثانية واحدة وهتف بصوت كالرعدِ... 
في إيه حد يهجم الدخلة دي ع الناس. عِوزة إيه يا مرت عمي؟

لوت سعدات فمها بسخرية وقالت... 
لاه.. مفيش هعِوز إيه  بس بشوف العجب باين الأيام الحزن هنعيدها من تاني الله يرحم اللي فات..وجله الجيمه والمسخرة. شكل النداهة ندهت يا ولد الراوي.

ثار عمار واشتعلت عيناه بشرر الغضب  وصرخ فيها بصوت زلزل أركان الغرفة... 
أنتِ بتجولي إيه يا ست إنت .. لسانك ده لو طول هجطعهولك فاهمة ولا لاه؟

انكمشت مليكه على نفسها في الفراش وارتعدت فرائصها من هول صراخه وهمست بخوف شدىد.....
اهدي.. اهدي في إيه؟

ظنت سعدات أن مليكه تحاول استمالته فابتسمت بشماتة لكن عمار الذي شعر بأن كبرياءه ورجولته على المحك أمام شيطانة الدار وأن هيبته اهتزت استدار نحو مليكه وصرخ فيها بحدة وقسوة أرعبها... 
اهدي ولا مااهديش مالك أنتِ كمان إيه الحِرف ده؟

ثم التفت لسعدات وصاح بتمثيلية بارعة ليغطي على مشاعره.... 
أنا كنت داخل أشوفها ما أختها متلجحة في المستشفى جولت لا تكون الهانم فطست هي كمان وتجيب لنا مصيبة وخراب ديار دي حاجة تجرف وتجصر العمر. 

وبحركة عنيفة دفع عمار سعدات من طريقه وخرج من الغرفة وهو يسبّ ويشتم تاركا خلفه سحابة من الغضب المفتعل ليحمي كبرياؤه.

أما سعدات فقد وقفت في وسط الغرفة تطلع إلى مليكه بنظرة انتصار وشماتة وقالت ببرود... 
سمعتي يا مصراوي... أنتِ بالنسبة له نكد ومصيبة فوجي لنفسك بدل ما يرميكي للكلاب.

انفجرت مليكه في بكاء مرير وشهقاتها تعلو بحرقة وهي تشعر  بالخوف بمكوثها  في هذا البيت لا تدري أن خلف قسوة عمار بركانا من العشق لا يعرف عنه شيء  ويخشى من انفلات نفسه .

نزل عمار  يغلي من كلمات سعدات المسمومة التي  نبشت في جراح الماضي ليتمتم في غضب مكتوم... إيه اللي هنعيده تآني... ربنا ياخدك... منك لله يا زفتة. 

وخرج من البيت هاربا  من تلك المشاعر التي تهاجمه. ولكنه فجأة تسمر مكانه وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت قدميه. فقد تذكر أنه ترك مليكة وحيدة مع سعدات. وبدون أدنى تفكير استدار وعاد  صاعدًا السلم كالرمح  لا يرى أمامه سوى صورة مليكة الضعيفة وهي بين براثن تلك الحيزبون. 

وحين فتح الباب ووجدها تنهار باكية
لم يتمالك أعصابه فصرخ في سعدات بحدة زلزلت المكان... 
إنتِ واجفة بتعملي إيه هنا يلا بره.. بره. 

نظرت إليه سعدات بغضب مكتوم وخرجت تشع حقدا وظل هو واقفا يراقب ارتعاش مليكة ونحيبها الذي كان يغلي في صدره كالنار إلا أنه لم يجرؤ على الاقتراب. 

فاستدار ورزع الباب بقوة ووقف خلفه  يتنفس بصعوبة. وحين علا صوت شهقاتها الممزقة للقلب. مد يده المرتجفة نحو مقبض الباب يصارع رغبته العارمة في الدخول إليها وضمها لصدره. 

لكن كبرياءه  منعه وفي لحظة عجز اتجه إلى غرفة أخته نجوان وأيقظها بلهفة وقلق لم يستطع مواراته قائلا.... 
جومي.. شوفي مليكة باينها خايفة وبتعيط جومي بسرعة بلاش يجرالها حاجة.. ونتحاسب بعدين. 

ثم انصرف مسرعا هاربا من نفسه ومن فيضان مشاعره التي كادت أن تفضح ضعفه أمامها.
*********
كان الصمت في المشفى ثقيلا يطبق على الأنفاس. خطوات عامر تقترب من غرفتها ببطء مريب. ولأول مرة في حياته كان عامر الراوي يسمع دقات قلبه بوضوح تدق في صدره ندما وخوفا. وقف بعيدا عن الفراش لثوان.. يتأمل ملامح ملوك التي استكانت أخيرا في نوم عميق. بَدت هادئة لدرجة أوجعته فهذا الهدوء هو الفاصل الوحيد بينه وبين لسانها الحاد الذي سَنته عليهِ

مد يده بتردد قاتل كان يصارع رغبة عارمة  أن يلمسها . وبأطراف أصابعه التي لم تعرف يوما سوى القسوة.. كانت يدها علي الفراش وبطرف اصبعه كان يدور حول يدها لا يجرؤ علي لمسها... إلا أنه لم يحتمل لمس طرف كفها الكامن بجانبها.. لمسة خفيفة خاطفة كأنه يخشى أن يحترق بلمسها. 

راقب تحركاتها القلقة فوق الفراش ورأى ملامح الإرهاق  فوق وجهها الشاحب فلاحظ أن الوسادة تحت رأسها لم تكن مريحة تزيد ألمها.

بمنتهى الهدوء وبحذر  مد يده وعدل لها الوسادة برفق . ثم نزع جاكيت بدلته الأسود ببطء. طواه بعناية فائقة ووضعه تحت رأسها كدعامة وسند. ليحمي نومها من أي اضطراب.

وقف بعدها بقميصه الأبيض الناصع يمسح بيده على وجهه المجهد وهو يزفر زفرة طويلة .

وقبل أن يغادر ظل عامر متسمرا في مكانه لدقيقة كاملة عيناه لا تحيدان عن وجهها ويداه المدفونتان في جيوبه تعتصران ندما. كان يمر بصراع مرير مابين كبرياء عامر الراوي الذي تهشم عند أقدامها. وبين خوفٍ حقيقي لا يعلم ماهيته ولا يجرؤ على تسميته. 

ركن ظهره إلى الباب  وأغمض عينيه بقوة وكأن ملامحها الحزينه قد حُفرت بقلبه ليعيد شريط المشهد في عقله مرة تلو الأخرى. وهمس لنفسه بصوت خافت يملؤه التمزق.... أنت غلطت يا عامر.. ولازمن تحق نفسك. انت عملتك صعبه كيف اتهورت اكده انت مجنون تحط نفسك في مهانة.. يتجالك اكده.. شعر بالضيق.. انت تحاول تهدي بقه هتطفش... تنهد بوجع... لاه تطفش إيه ابننا مايترباش بره.. ولازمن اكون ليهم سند.. كان يستميت أن يقحم نفسه في محيطها باي شكل ... فهتف... ايوه عشان الواد.. اهدي إنت جرالك إيه مالك بقيت خفيف كده... .

وأخيرا انسحب بصمت من الغرفة بعد قراره الذي رد فيه الروح فلن يتركها ترحل. 

أشرقت شمس الصباح لتكشف عن ملامح عامر المرهقة الذي قضى ليله واقفا كحارس.. بدأت ملوك تستعيد وعيها ببطء وفي اللحظة التي استقرت فيها حواسها شعرت بذاك الشيء  الذي يسند رأسها. استنشقت تلك الرائحة القوية فعرفتها علي الفور. 

وبحركة اتسمت بالحدة والاشمئزاز  مَدت يدها وجذبت جاكيت البدله من تحت رأسها وألقت به على الأرض دون اكتراث. 

وفي تلك الأثناء كانت  الممرضة تتابع ملوك وهي تلقي بجاكيت عامر بعيدا عنها بغضب فاقتربت منها بابتسامة هادئة وقالت... مالك بس يا ست البنات؟ ده البيه طول الليل كان واجف يراجبك من بعيد وما غمضلوش جفن.

اتسعت عينا ملوك بذهول بينما أكملت الممرضة... والله ما بكذب عليكي ده هو اللي عدل وضبط المسند تحت راسك بيده وطول الليل واجف بره وكل شويه ينادي علينا لما زهجنا من كتر أسئلته وتنبيهاته. بس عارفة.. شكلك عزيزة عليه جوي. ده غرجنا فلوس بس عشان ناخد بالنا منك.. ربنا يخليكم لبعض.

وقعت كلمات الممرضة على ملوك كالصاعقة فظلت مذهولة لا تنطق تتخبط مشاعرها بين نيران كرامتها المجروحة وبين صورة عامر الذي سهر يحرس نومها ويخاف عليها في الخفاء.لم تفهم أهو شعور بالذنب ام شيء لا تفهمه. 

في تلك اللحظة فُتح الباب ودخل عامر . تسمرت عيناه على سترة بدلته الملقاة في الارض وشعر بغصة مريرة في حلقه. أحس بخنجر يغرس في ضلوعه أمام قسوتها التي لم تلن بعد رغم قراره أن يلين لها . 

كانت تقف بجوار الفراش شاردة فاقترب منها عامر بخطوات ثقيلة كاتما كرامته المهدورة خلف قناع من الجمود وهتف بصوت خفيض....
.... ممكن نتكلم؟

استدارت ملوك بغضب صامت ولم تمنحه ردا. فاشتعل الغيظ في صدره وباندفاع مسكها وشدها نحوه بعنف إلا أن ملامحها تغيرت فجأة وشعرت بدوار جعلها تترنح بين يديه.

في تلك اللحظة تبخر جموده وحل محله الذعرِ فاندفع يحاصرها بقوة ولهفة صارخا... 
..... إيه.. إيه... فيه إيه؟.

ورغما عنها وتحت تأثير الضعف ركنت ملوك على صدره وتشبثت بيده وهي لا تقوي على الكلام. بينما استسلم هو للحظة ضعف نادرة. فوضع رأسه في قمة رأسها يستنشق عبيرها بعمق وكأنه يستمد منه حياته. تاهت هي من أثر الوهن والسم الذي يسري في داخلها. وتاه هو في سحر يغزوه بنعومة لينفصلا تماما عن العالم من حولها.. قبل أن يهمس بلين لم تعهده منه...

...... ممكن نتكلم؟. 

انتفضت ملوك فجأة تبعده عنها وكأنها استعادت وعيها وفي تلك اللحظة المربكة انفتح الباب ودخل ماجد وادهم  وهما يتسابقان بلهفة للاطمئنان عليها. ركنت ملوك على الفراش محاولة استجماع شتاتها بينما وقف عامر في مكانه يشتعل غضبا يلعن الحظ ويلعن دخولهم الذي قطع عليه خيطا رفيعا كاد أن يجمعه بها مجددا.

انحنى أدهم بغير قصد والتقط الجاكيت من الأرض وهو يهتف بتعجب...
إيه ده يا عامر؟ جاكيتك واجع ع الأرض بيعمل إيه هنا.. دي بدل غالية يا بو عمو من ميته بنتهان اكده. 

تناول عامر منه الجاكيت في صمت مطبق كانت عيناه تشتعلان وهو ينظر لملوك التي أشاحت بوجهها عنه تماما. لبس سترة بدلته بآلية وبمجرد أن أحاطت به تسللت رائحة شعرها  إلى رئتيه  فامتصت ثورة غضبه في ثانية واحدة وحولتها إلى شعور بالعجز والغلب. 

تقدم ماجد  بابتسامة واسعة  وهتف بمرح... 

كده برضك يا ملك؟ تجومي بالسلامة وتمشي وتخلي المستشفى تضلم وراكِ.. رغم اني رايد صحتك كنت جولت خليكي معانا.. 

كان عامر يغلي في مكانه يراقب ضحكات أمجد واهتمامه وكأن نيران الغيرة تنهش أحشاءه. تقدم أدهم هو الآخر وقال بلهجة عملية يملؤها الود... 
أنا خلاص مضيت على ورج خروجك  ومن اللحظة دي اعتبري أدهم تحت أمرك.. في الشغل أو في أي عوزة تانية. أنا جنبك وسندك  يا بنت الأصول. 

كان عامر يقف خلفهم والبركان يغلي في صدره يراقب أمجد وهو يتبادل معها الحديث وكأنه يملك الحق في الاقتراب. بينما ملوك تجاريه بابتسامة باهتة كانت كالنار التي تحرق ما تبقى من صموده.

وحين نطق أدهم بكلمته عن السند انقبضت قبضة عامر حتى كادت عظام يده أن تنطق قهرا.... سند مين يا دكتور؟ السند واطف وراكم.. مافيش غيره. 

هتف ماجد بلهفة وهو يمد يده
طب هتمشي دلوقتي يا ملك.. طب استني أساندك.

اعترض أدهم طريقه  وهو يدفع يد ماجد بعيداً بخشونة وصاح فيه... 
تسندها إيه يا ماجد؟ اختشي على دمك أنت غريب عنها.. أنا اللي هسندها دي  مرات ابن عمي ولي حط عليها أكتر منك.. 

اتسعت عينا ماجد بذهول واستنكار ورد عليه بإستغراب.... 
أنت جرالك حاجة في عجلك دي معرفة وسنين وشغل ووجفتي جنبها واجب زميل لزميلته.. إيه اللي دخل مرات ابن عمك دلوقتي والجو ده. سيبني أسندها وبطل جنان...
ادهم... دانت بارد يلا إحنا جرالها مالك إنت... 
بينما كان الجدال يحتدم وصوتهم يعلو كانت ملوك تقف في المنتصف بكسرة نفس وغلب. صامتة لا تقوى على الاعتراض تنظر للأرض بخجل وألم من هذا الموقف المحرج الذي وضعوها فيه وسط تعبها.

أما عامر فكانت شرايينه تتلوى تحت جلده وكأنها ستنفجر من فرط الضغط. كان يرى يد هذا تقترب ويد ذاك تدافع وكلام أدهم عن قرابة الدم ينهش في قلبه نهشا

. غلى الدم في عروقه وتشنجت ملامحه، وشعر برغبة وحشية في أن يزيح الجميع بضربة واحدة ويحملها هو بعيدا عن أعينهم جميعا لكن صمته كان يقتله وعجزه أمام هذا النزاع جعل أنفاسه تخرج محترقة كأنها من لهيب الجحيم.

وعندما همت بالنهوض بضعف من إحراجها   اندفع ماجد قائلا... 
طب استني هتجعي. 

وبدأ يمد يده ليقبض على يدها ليساعدها على الوقوف. في تلك اللحظة انقطع خيط الصبر عند عامر واشتعلت النيران في عروقه فاندفع كالإعصار مقتربا منهما وهو يهتف بنبرة حادة كالسيف.... 
طب يدك أكده.. اني هتصرف. 

ولم يمنحهما فرصة للرد أو الاعتراض وبحركة سريعة  دسّ ذراعه القوية تحت خصرها والأخرى تحت ساقيها ورفعها عن الفراش بخفة أذهلت الجميع.

وجدت ملوك نفسها مجبرة على التشبث به فأحاطت عنقه بذراعيها غريزيا لتفادي السقوط لكن كبرياءها انتفض فورا فهتفت بنبرة حادة وصوت مرتجف من الغيظ.. 
نزلني... بقولك نزلني.. اني أقدر اتصرف لوحدي. 

هتف أدهم عندما رأى حدة صوتها وانفعالها... اهدي إنتِ عيانة.. نزلها يا عامر هشيلها أنا.

نظر إليه عامر بنظرة قاتلة وهتف بنبرة غاضبة تقطر وعيدا.... ماتطوّلش هاه عشان أنا على آخري.

لم ترتدع ملوك بل زادت من حدتها وهي تصرخ في وجهه بصرامة... نزلني بقولك وإلا هجيبلك الشرطة. 

تجمد الجميع في أماكنهم ونظر أمجد وأدهم ببلاهة وذهول إلى تلك الجرأة. إلا أن عامر لم يبتعد ولم يتزحزح قيد أنملة. بل ضمها إليه أكثر وهتف بتحد أعمى... هاتي اللي تجيبيه.. محدش هيشيلك غيري. 

استدار فورا ضاربا بنظرات الجميع عرض الحائط وخرج بها من الغرفة بينما أدهم وأمجد يهرولان خلفه. وصل إلى السيارة ووضعها برفق يتناقض مع نيران غضبه ثم استدار ليجلس في مقعد القيادة. 

اقترب أدهم من نافذتها المفتوحة وأعطاها هاتفه قائلاً بود... 
دي نمرتي هكلمك أول ما أخلص وهتلاجيني عندكم.. ماتجلجيش حالتك بقت تخصني خلاص.

كان عامر يمسك بمقود السيارة بقوة وكأنه سيكسره بين يديه. نظر أدهم لعامر بابتسامة مستفزة وقال... ابقي استناني يا ابن عمي.. دي الجعدة عند بيت عمي ماعادش الواحد هيسلاها...
غمز له بخبث واستدار ليرحل.

تحول عامر إلى كتلة من الجمرات المشتعلة يضغط على المقود ولا يعلم ماذا يفعل كان يود لو يفتك بها من فرط غضبه.. رغم أنها لم تفعل شيئا ولكن هناك نيرانا تأكل أحشاءه وتهيجه من الداخل. وما إن اقترب أمجد حتى أحس عامر بشرايينه تغلي وتكاد تنفجر. 

أسند ماجد ذراعيه على حافة نافذة السيارة وابتسم لملوك بحنان... عايزة حاجة أعملهالك؟

هزت رأسها بابتسامة رقيقة فهتف هو متيما... طول عمرك كده ما بتعوزيش حاجة بس أنا تحت أمرك وإنتِ عارفة يا ملو.. أقصد يا ملك معزتك عندي غالية.. وغالية جوي.

تنهدت ملوك وابتسمت له بحنان قائلة... ربنا يخليك يا ماجد إنت طول عمرك بتقف جنبي من غير ما أطلب.

هنا، التمعت نظرات ماجد بالعشق ومد يده بجرأة ليلمس جبهتها بحجة الاطمئنان عليها... طب إستني أشوف حرارتك الأول نطمن.. 

هنا صارت عينا عامر جمرات من  اشتعاله وغليانه وانتفض في مقعده هاتفًطا بصوت كالرعد... ما تيلا بقى... 

رد ماجد ببرود وهو يمرر أصابعه من جبهتها إلى وجنتها... براحة بشوف حرارتها.. الله.. 

عند هذه اللمسة التي أحرقت عقل عامر رفع زجاج النافذة فجأة هاتفا بشراسة.... اتكل يا ماجد. 

شعرت ملوك بالخجل الشديد من الموقف بينما تراجع ماجد  يقف يغلي من الداخل في حين كان أدهم يبتسم من بعيد ويشير لها بيده قبل أن يرحل.

في تلك اللحظة أطلقت ملوك تنهيدة طويلة ومهمومة. التقط عامر تلك التنهيدة فصور له شيطانه وغيرته أن بداخلها مشاعر لماجد . قبض على مقود السيارة بعنف واصطكت أسنانه ببعضها بقوة كادت تكسرها. 

نظرت إليه ملوك وراعت من حالته تلك بدا كوحشٍ كاسر أو مجنون فقد عقله. همست لنفسها بذهول وهي طالعه... ماله ده ربنا يشفيه، ده مش طبيعي. 

وصلت كلماتها إلى مسامعه فاستفاق على إثرها ليحس بطاحونة من النار تعلو وتطحن ضلوعه. اندفع بالسيارة بجنون وسرعة مرعبة جعلتها ترتعب وتنكمش في مقعدها. ظل مسرعا ينهب الطريق كعاصفة عمياء ثم توقف فجأة وضغط على المكابح بعنف، واستدار نحوها ليصرخ فيها بصوت زلزل أركان السيارة... 

إنتِ إيه ما بتحسيش بتتنهدي على إيه ولمين وحياة ديني وما أعبد لو لمحة من عينك راحت لواحد فيهم ولا إيد اتمدت عليكي تاني لأكون دافنه ودافنك جاره.. أنا على آخري وماسك روحي بالعافية فاهمة ولا لأه. بتتنهدي ليه إنت في سنتك .انت مش شايفاني راجل جوي اكده . ليتفاجئ عندما...

*******

تعليقات