رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والعشرون 

كادت رنيم أن تستسلم.
كادت أن تهدم كل الحصون التي بنتها داخل قلبها منذ أن عرفت الحقيقة، وأن تترك نفسها تسقط في ذلك الاعتراف الذي خرج منه صادقًا، ساخنًا، مليئًا بذلك الوجع الذي طالما شعرت به في عينيه قبل أن تسمعه على لسانه. للحظة قصيرة، قصيرة جدًا، شعرت أن مقاومتها تتآكل، وأن قلبها يخذلها أمامه، وأن كل المسافات التي حاولت صنعها بينهما تنهار واحدة تلو الأخرى.
لكن في اللحظة الأخيرة، وكأن عقلها انتزعها انتزاعًا من ضعفه، دفعت شاهين بعيدًا عنها بقوة جعلته يتراجع خطوة، ثم استدارت سريعًا وأعطته ظهرها، وكأنها تهرب من عينيه قبل أن تهرب منه. رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، تمررها عليه في ارتباك واضح، تحاول أن تلتقط أنفاسها التي اضطربت، وأن تخفي رجفة قلبها التي فضحتها، ثم قالت بصوت مختنق اختلط فيه الغضب بالألم:
"أطلع بره يا شاهين، ابعد عني وأنساني، علشان أنا عمري ما هكون لابن الست اللي ايديها كلها دم أهلي، أنت لو أخر راجل، عمري ما هحبك يا شاهين يا راوي."
تصلبت ملامح شاهين للحظة وهو يستمع إلى كلماتها، لا لأن كلماتها كانت جديدة عليه، بل لأنها كانت الحقيقة التي يحاول جاهدًا أن ينجو منها، الحقيقة التي تقف دائمًا بينهما كحاجز لا يستطيع كسره مهما امتلك من قوة. لكنه، رغم ذلك، لم يتراجع.
اقترب منها مرة أخرى بخطوات بطيئة ثابتة، وكأنه يرفض فكرة الابتعاد من الأصل، ثم أحاطها بذراعيه من الخلف بقوة، كأنما يخشى أن تفلت منه، وأسند ذقنه قرب رأسها وتكلم بنبرة صادقة عاشقة، خرجت محملة بكل ما عجز عن قوله من قبل:
"وانتي مش هتكوني غير ليا يا رنيم، أنا ماليش دعوة أمي عملت ايه زمان، أنا ليا قلبي اللي حبك دلوقتي ومستعد يبيع الدنيا كلها ويشتريكي."
أغلقت عينيها بقوة، وكأن صوته وحده صار عبئًا على ثباتها. كان حضوره قريبًا أكثر مما ينبغي، ودقات قلبه التي تكاد تشعر بها من شدة التصاقه بها جعلت مقاومتها أكثر صعوبة. لكنها كانت تعرف أن الحب وحده لا يمحو الدم، ولا يبدل الماضي، ولا يقتل الذاكرة.
خرج صوتها ضعيفًا، مهزوزًا، يحمل استسلامًا موجوعًا أكثر مما يحمل رفضًا:
"ارجوك يا شاهين، ابعد عني، أنا وأنت مش هينفع نكون مع بعض فكرت أن مريم تبقى امك هتقلب حياتنا، كل مرة هشوفها فيها هشوف دم ماما وبابا على ايديها، كرهي ليها هيكرهني فيك انت كمان."
شعر شاهين بكل كلمة وكأنها سكين تغرس في صدره ببطء، لكنه لم يبتعد. على العكس، مال برأسه ببطء وقبل عنقها قبلة طويلة هادئة، قبلة رجل يتمسك بآخر ما يملك، ثم قال بصوت خافت، عاشق، يحمل وعدًا يكاد يتوسل به إليها:
"اديني فرصة وانا اوعدك مش هتحسي بوجودها فى حياتنا."
ارتجف جسدها بين ذراعيه، وتحرك رأسها بالرفض، ليس لأنها لا تصدقه، بل لأنها تعرف أن الواقع أقسى من الوعود، وأن بعض الحقائق لا يمكن دفنها مهما حاول الإنسان.
كانت على وشك أن تتكلم، أن تقول شيئًا ينهي هذا الصراع المشتعل بين قلبها وعقلها، لكن صوت طرقات على الباب قطع اللحظة فجأة.
انتفضت قليلًا، وكأن الطرقات أعادتها دفعة واحدة إلى الواقع، فنظرت إلى شاهين باستغراب، ثم تحركت مبتعدة عنه بسرعة وكأنها تلتقط فرصة للنجاة من قربه، لكن قبل أن تصل إلى الباب، سمعت صوته الرجولي يقول لها بحزم:
"استني، أنا هفتح."
تحرك شاهين نحو الباب، وكان الضيق ظاهرًا على وجهه من ذلك الانقطاع المفاجئ، مد يده وفتح الباب، لكن ما إن رأى الطارق حتى انطفأت كل ملامحه دفعة واحدة، وحل محلها غضب بارد، وأغلق عينيه للحظة كأنه يحاول السيطرة على نفسه، ثم قال من بين أسنانه:
"جايه تعملي ايه هنا؟"
دفعت مريم مقعدها إلى الداخل بثقة مستفزة، وكأن المكان يخصها، ثم رفعت عينيها نحو رنيم، وابتسمت لها تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بإشعال الدم في عروقها، وقالت ببرود:
"جايه اطمن على الغالية بنت الغالية."
اشتعلت عينا رنيم فورًا، وشعرت وكأن مجرد رؤيتها يعيد أمامها كل الذكريات السوداء، كل الوجع، كل الدماء التي لم تجف داخل روحها، فنظرت إلى شاهين بضيق وغضب وقالت:
"خد امك واطلع بره، مش عايزه اشوف وش حد فيكم."
التفت شاهين إلى مريم بعينين قاسيتين، وكأن وجودها صار عبئًا ثقيلًا عليه، وقال بغضب واضح:
"بعد كده ملكيش دعوة برنيم خالص، علشان رد فعلي مش هيعجبك."
لكن مريم، وكعادتها، لم تتراجع، بل اقتربت أكثر بمقعدها، ومالت بجسدها قليلًا للأمام وهي تقول بنبرة أشد استفزازًا:
"انتوا مالكم مضايقين من وجودي دلوقتي ليه؟ لكون جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجة وقطعت عليكم اللحظة الحلوة."
اشتعل غضب رنيم أكثر، ولم تعد قادرة على احتمال وجودها أو كلماتها، فصرخت بها بصوت مرتفع:
"خدها وامشي من قصادي مش عايزة اشوفكم ولا اسمع صوتكم."
ساد توتر ثقيل بالمكان.
ظل شاهين واقفًا بينهما، ينظر لكل واحدة منهما بعين حذرة، يشعر أن الموقف ينفلت من يده، وأن كل كلمة تقال تزيد النار اشتعالًا داخله، حتى وصل إلى حافة احتماله.
وفجأة، رفع يده وضرب بها الطاولة بقوة هائلة.
تهشم الزجاج تحت قبضته، وتناثرت قطعه الصغيرة في كل اتجاه، وكان صوت الكسر حادًا بما يكفي ليجعل الاثنتين تنتفضان في مكانهما من شدة الفزع.
رفع شاهين رأسه، وصوته خرج خشنًا غاضبًا، يكاد يحمل إنذارًا واضحًا:
"مش عايز اسمع صوت حد فيكم."
ثم أدار وجهه إلى والدته، ونظر إليها نظرة جامدة خالية من أي لين، وقال بصوت منخفض لكنه مخيف في هدوئه:
"اتفضلي روحي على الشقه هناك واياكي تقربي من هنا تاني."
كادت رنيم أن تتكلم، لكنه رفع أصابعه بإشارة تحذير حاسمة وأوقفها قبل أن تبدأ:
"مش عايز اسمع كلمه واحدة دلوقتي يا رنيم."
ابتلعت ريقها بصعوبة، والتزمت الصمت رغم غضبها، لكن عينيها توقفتا فجأة على الدم الذي بدأ ينزف من يده بسبب الزجاج المهشم.
نظر شاهين إلى مريم، فوجدها ما زالت ثابتة مكانها، وكأنها تتحداه بصمت، فرفع صوته هذه المرة بشكل جهوري، جعل الجدران ترتجف من حدته:
"روحي الشقه يا امي دلوقتي اسمعي الكلام."
رمقته مريم بغضب مكبوت، ثم دفعت مقعدها بعنف واستدارت، وغادرت المكان أخيرًا، عائدة إلى الشقة الأخرى، تاركة خلفها توترًا خانقًا ملأ المكان كله.
أغلق شاهين عينيه لثواني قليلة، يحاول أن يلتقط ما تبقى له من هدوء بعد العاصفة التي مرت قبل لحظات. كانت أنفاسه تعلو وتهبط بعنف، وصدره يضيق كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا عليه. غضبه لم يكن من مريم وحدها، ولا من رنيم، بل من نفسه أولًا؛ من عجزه عن إصلاح ما أفسده الماضي، ومن ذلك القدر الذي يصر على وضعه دائمًا في منتصف النار، لا يستطيع الانحياز الكامل لقلبه، ولا الهروب من الحقيقة التي تطارده.
كان الألم داخل صدره أشد من ذلك الجرح النازف في يده، حتى إنه لم يشعر أصلًا بالزجاج وهو يمزق جلده.
لكن وسط ذلك الاضطراب كله، شعر بلمسة خفيفة توقفت فوق يده.
فتح عينيه سريعًا، وكأن اللمسة وحدها كانت كفيلة بإعادته من دوامة غضبه، ليجدها أمامه. رنيم.
كانت تمسك يده بكلتا يديها، تنظر إلى الجرح بعينين مضطربتين، وقد اختلط فيهما الخوف بالغضب، وكأنها رغم كل ما قالته، لم تستطع أن ترى ألمه دون أن تهتز من الداخل.
رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مختنق، حاولت أن تجعله ثابتًا لكنه خرج محملًا بقلق واضح:
"الازاز دخل فى ايدك وبتنزف."
نظر إلى يدها الملتفة حول يده، ثم إلى عينيها، وشعر أن قلبه يضعف أكثر أمام هذا التناقض العجيب فيها؛ ترفضه بلسانها، وتلهث روحها خوفًا عليه دون إرادة منها.
سحب يده قليلًا من بين يديها، وكأنه لا يحتمل حنانها أكثر مما يحتمل وجعه، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
"نزيف أيدي ده ميجيش حاجة جنب اللي حاسس بي دلوقتي يا رنيم، أنا دلوقتي تايهه، مقدرش استغنى عنك يا رنيم، وفى نفس الوقت مش هقدر أنكر حقيقة أن مريم اللي قتلت اهلك تبقى امي."
وصلت كلماته إليها كأنها خرجت من قلب مفتوح، لا من فم رجل يحاول التماسك.
زفرت بضيق، وشدت على شفتيها بقوة.
كانت تكره هذا الضعف الذي يتسلل إليها كلما رأته منكسرًا، وتكره أكثر أنها، رغم كل ما تعرفه، لا تزال تخاف عليه وكأن قلبها لم يتعلم الكراهية كما ينبغي.
لم تجبه.
أمسكت يده من جديد، هذه المرة بإصرار أكبر، وكأنها لا تعطيه فرصة للاعتراض، ثم جذبته معها وأرغمته على الجلوس فوق الأريكة.
تحركت سريعًا نحو المرحاض، وكانت خطواتها متوترة، متسارعة، وكأنها تهرب من مشاعرها وهي تقوم بما يمليه عليها قلبها رغماً عنها.
وبعد ثواني، عادت تحمل حقيبة الإسعافات.
جلست أمامه على الأرض، في مستوى يده، وأمسكت كفه بحذر شديد، ثم بدأت تنظف الجرح ببطء بالغ، وكأنها تخشى أن تؤلمه أكثر.
كانت حركاتها دقيقة، مرتجفة قليلًا، لكنها حنونة على نحو لا يمكن إخفاؤه.
أما شاهين، فكان ينظر إليها بصمت.
لم يشعر بأي ألم.
كأن الوجع كله توقف عند أول لمسة منها.
كانت أصابعها تتحرك فوق جلده برقة، فتخدر كل شيء داخله، وكأن لمستها تحمل شيئًا يشبه السكينة التي افتقدها طويلًا.
ظل يتأملها، يتأمل انحناءة رأسها، ارتعاش رموشها، تركيزها الشديد وهي تضمد جرحه، وكأنه يحاول أن يحفظ تلك اللحظة داخله، لأنها ببساطة كانت تشبه حياة كاملة بالنسبة له.
انتهت من تضميد الجرح، ورفعت عينيها إليه بحذر، لكنها فوجئت بعينيه معلقتين بها، ممتلئتين بذلك الحب الصريح الذي لم يعد يخفيه.
ارتبكت تحت نظرته.
أخفضت عينيها سريعًا، وبدأت تعيد الأدوات إلى الحقيبة بيد مرتجفة، محاولة الهروب من وقع نظرته عليها.
نهضت من مكانها، واستدارت لتبتعد، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، فوجئت بذراعه تلتف حول خصرها وتسحبها إليه برفق.
تصلب جسدها بين ذراعيه، وتسارعت أنفاسها من جديد.
اقترب منها وهمس قرب أذنها بصوت منخفض، يحمل امتنانًا وولهًا واضحًا:
"لمستك فيها سحر غريب تداوي الجرح من غير ما أحس بألم."
ارتجف صدرها تحت وقع كلماته، وصارت أنفاسها مضطربة على نحو فضح ارتباكها كله.
حاولت أن تتكلم بثبات، لكن صوتها خرج ضعيفًا متقطعًا:
"شاهين سبني ارجوك، واتفضل روح شقتك، ميصحش وجودك هنا الناس هتتكلم."
أدارها إليه بهدوء، حتى صارت تواجهه، ثم رفع يده السليمة ووضعها على خدها بحنان، يمرر أنامله فوق بشرتها وكأنه يهدئها، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشقة وقال:
"اللي يفكر يجيب سيرتك اقطعله لسانه، وهفضل أقولها ليكي العمر كله، انتي بتاعتي أنا يا رنيم، ومش هتنازل عنك بأي شكل من الأشكال، خدي وقتك، ازعلي براحتك، بس انك تختاري البعد مش هسمحلك بده ابدا، أنا راجل اناني اوي فى حبي ليكي، حتى انتي معندكيش حرية الاختيار، قصادك اختيار واحد بس، هو انك تحبيني."
بقيت تنظر إليه بصمت.
وفي عينيه رأت شيئًا لم تستطع إنكاره، شيئًا واضحًا، صريحًا، عاريًا من أي كذب. رأت رجلًا عاشقًا بحق.
رجلًا مستعدًا أن يحارب العالم كله من أجلها.
ابتلعت ريقها بخجل، وشعرت بحرارة غريبة تتسلل إلى وجهها، فأخفضت رأسها إلى الأسفل هربًا من عينيه، لأن الثبات أمام تلك النظرة صار أصعب مما توقعت.
ابتسم شاهين حين رأى خجلها، وكأن خجلها وحده كان اعترافًا صامتًا يكفيه.
مال برأسه، وقبل خدها بحنان بالغ، قبلة هادئة تركت أثرها المرتجف داخلها، ثم ابتعد قليلًا وقال بحب:
"هستناكي فى البلكونه اوعي تحرميني من طلتك عليا فاهمه."
اومأت رأسها بخجل شديد.
تحرك شاهين نحو الباب، وكان على وشك المغادرة، لكن عينيه وقعتا على الزجاج المهشم فوق الأرض والطاولة.
توقف مكانه.
نظر إلى الفوضى التي صنعها قبل قليل، فعاد مرة أخرى، وانحنى يجمع قطع الزجاج بيده بحذر، وكأنه يريد أن يمحو أثر غضبه حتى لا يصيبها أذى منه.
راقبته رنيم باستغراب.
رجل قبل دقائق كان أشبه بعاصفة، والآن يجمع الزجاج بيد مجروحة فقط حتى لا تتأذى هي.
هز ذلك شيئًا عميقًا داخلها.
قالت بتردد واضح:
"س سيبه ا أنا هعمله."
رفع رأسه إليها، ثم هز رأسه بالرفض وقال بهدوء:
"لا علشان ايدك متتأذيش، وبكرة هجيب الراجل يعملك واحد غيره."
أنهى جمع الزجاج، ونهض متجهًا نحو الباب.
لكن قبل أن يخرج، أوقفه صوتها.
كان صوتًا متعمدًا، يحمل تحديًا واضحًا، وكأنها تريد أن تستعيد توازنها أمامه بأي طريقة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
"صح نسيت اقولك، الشركه هترجع واحسن من الاول كمان، الديون كلها هتتسدد بسبب المستثمر الجديد، واخويا ربنا يخليه ليا خلى الناس سحبت الشكوى اللي كانوا عاملينها ضدي، جيم أوڤر، الصغنن هو اللي فاز فى الاخر، وشاهين الرواي مقدرش عليه."
توقف شاهين مكانه. استدار إليها ببطء.
نظر إليها للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ابتسامة فهمت منها أنه فهم أكثر مما قالت، وأنه يعرف الحقيقة كاملة لكنه اختار الصمت.
وقال بهدوء:
"مبروك يا صغنن."
ثم خرج من الباب، وأغلقه خلفه محتفظًا بتلك الابتسامة فوق شفتيه.
ظلت رنيم تحدق في الباب المغلق لثواني طويلة، وكأن وجوده ما زال يملأ المكان رغم رحيله.
رفعت يدها إلى شعرها وأرجعته إلى الخلف بتوتر، تحاول أن تفهم ما الذي يحدث معها كلما اقترب منها.
لم تكن تفهم كيف يتحول ثباتها أمامه إلى ارتباك، وكيف تصبح كل قناعاتها هشة حين ينظر إليها بتلك الطريقة.
كان وجوده يربكها على نحو لا يشبهها، ويجعلها تشعر بأن قلبها يسير في طريق، وعقلها يسير في طريق آخر، وأنها عالقة بينهما، لا تعرف إلى أين تمضي.
زفرت بضيق، وهزت رأسها محاولة طرد أفكاره من داخلها، ثم اتجهت إلى غرفتها، لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن الهروب منه خارج الباب أسهل كثيرًا من الهروب منه داخل قلبها.
      *************************
بعد مرور عدة أيام...
ازدحمت قاعة المحكمة بالوجوه المتحفزة والأنفاس الثقيلة، وكان التوتر يخيم على المكان كغيمة سوداء لا تنقشع. جلس الجميع في أماكنهم بقلوب معلقة بما ستؤول إليه تلك الجلسة الأولى، وكأن مصيرهم جميعًا صار مربوطًا بمصير جواهر وحدها.
وقفت جواهر خلف القضبان الحديدية، تشعر بأن الحديد لا يحيط بجسدها فقط، بل يطبق على روحها أيضًا. كان قلبها يخفق بعنف داخل صدرها، حتى خيل إليها أن الجميع يسمع اضطرابه. نظرت أمامها بعينين مضطربتين، فوقعت عيناها أولًا على والدتها.
كانت سمية تقف هناك بوجه شاحب أنهكه المرض والحزن معًا، وكأن الأيام الماضية سرقت من عمرها سنوات دفعة واحدة. لم تكن تبدو كالأم التي تعرفها، بل كامرأة هزمها الخوف على ابنتها. ثم انتقلت نظراتها إلى ترنيم، التي كانت تجلس بجوارها وعلامات القلق واضحة فوق ملامحها، تحاول الثبات رغم ارتجاف قلبها، وإلى جوارها كانت أروى، بينما جلس غريب وتامر قريبين، وكل واحد منهم يحمل داخله خوفًا لا يقل عنها.
أما جواد، فكان الأقرب إليها، يقف بمحاذاة القفص الحديدي، كأنه يحاول أن يكون الحائط الذي تتكئ عليه وسط هذا الانهيار كله. مد يده من بين الفراغات الضيقة، يلامس أطراف أصابعها برفق، وكأنه يحاول أن يبعث لها شيئًا من الأمان الذي يفتقده هو نفسه.
كان يخفي اضطرابه بصعوبة، لكن عينيه كانت تفضحان خوفه.
تكلم بنبرة هادئة حنونة: 
"اهدي يا حبيبتي متخافيش احنا كلنا جنبك، أن شاءالله خير."
نظرت إليه جواهر طويلًا، وكأنها تتشبث بصوته أكثر من كلماته. حاولت أن تبدو ثابتة، أن تخرج صوتها متماسكًا، لكن ارتجافته خانتها وقالت:
"انا واثقه فى ربنا ومتأكدة أنه هيظهر الحقيقه فى أي وقت، ربنا كبير ومش بيرضى بالظلم."
ابتسم لها بحب، تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تطمئنها، رغم أن قلبه كان ينهار داخله، وقال:
"ونعم بالله يا حبيبتي، ربك كبير."
ظلت تحدق فيه لحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى بصورة مختلفة، بصورة رجل تخشى أن تفقده قبل أن تمنحه كل ما في قلبها. شعرت فجأة بثقل الاحتمالات، بثقل فكرة أن هذه اللحظة قد تكون الأخيرة بينهما بلا حواجز.
نظرت له بوجع وتكلمت بنبرة عاشقة:
"جواد أنا بحبك اوي، يمكن دي اول مرة اقولها ليك بجديه مش زي كل مره كنت بقولها فى قلب الهزار، بس المرادي حاسة، اني عايزة اقولها ليك اوي."
تجمد مكانه.
كانت كلماتها كسكين دافئ يشق قلبه، ليس لأنه لم يسمعها من قبل، بل لأنه شعر أنها تقولها الآن وكأنها تودعه.
ارتفعت أنفاسه، وشعر بوجع حاد يعصف بصدره، لكنه أخفى كل ذلك خلف هدوء صعب وقال:
"وانا بعشقك يا قلب وعمر وروح جواد، أنتي أجمل حاجة حصلتلي فى حياتي، أنا آسف على كل لحظة اتعصبت عليكي فيها، أسف على كل مره دموعك نزلت منك بسببي، آسف لو كنت فى يوم وجعتك يا جواهر."
اهتز قلبها لكلماته، وامتدت يدها من بين القضبان تتحسس وجهه بحنان مرتجف، وكأنها تريد حفظ ملامحه بيديها قبل أن يفرق بينهما شيء.
وتكلمت بصوت حزين مختنق:
"أنا لو اتحكم عليا بالاعدام دلوقتي مش هكون زعلانه علشان هموت وانا على ذمة اجمل وأعظم راجل فى الدنيا كلها."
كلماتها كسرت آخر ما تبقى من صموده.
أمسك يدها بين كفيه وقبلها بحب، بينما وقفت الدموع عند حافة عينيه، تقاوم السقوط بصعوبة، لأن سقوطها أمامها الآن يعني اعترافًا بخوفه، وهو لا يريد أن يزيد خوفها خوفًا.
وفي تلك اللحظة، دخلت هيئة المحكمة.
ساد الصمت فجأة، ثقيلًا، خانقًا، وكأن المكان كله توقف عن التنفس.
ترك يدها بصعوبة، وكأنه ينتزع جزءًا من روحه، ثم عاد إلى مقعده وجلس، لكنه لم يبعد عينيه عنها لحظة واحدة.
مر الوقت بطيئًا كالعذاب.
انتهت القضايا السابقة، ثم بدأ دور جواهر.
وقف المحامون يترافعون، تتردد كلمات الدفاع في القاعة، وتتوالى الأدلة والمرافعات، والجميع ينصت وكأن كل كلمة قد تكون طوق النجاة الأخير.
كانت الأنظار متعلقة بمنصة القضاء، والقلوب معلقة بحكم لم يصدر بعد.
حتى أن الهواء نفسه بدا ثقيلًا.
وأخيرًا، رفع القاضي نظره وقال بصوت حاد:
"قررت المحكمة تأجيل القضية لجلسة 24/4 لاستكمال المرافعات وتقديم باقي الأدلة وسماع الشهود، رفعت الجلسة."
ساد الصمت لثواني.
لم تكن براءة، لكنها لم تكن نهاية أيضًا.
تنفس الجميع وكأنهم كانوا محبوسين تحت الماء.
وقفوا جميعًا حتى غادرت هيئة المحكمة، ثم اندفع جواد إليها من جديد، توقف أمامها وعيناه تمتلئان برجاء موجوع وقال:
"إن شاءالله المرة الجاية تكون برأتك."
نظرت إليه وكأنها تتعلق بهذا الأمل بكل ما بقي فيها، وقالت:
"يارب يا جواد يارب."
اقتربت سمية ببطء، مستندة على ترنيم، وكأن جسدها لم يعد قادرًا على حمل هذا الكم من الألم.
وقفت أمام القضبان، ونظرت إلى ابنتها طويلًا، بعينين مليئتين بالوجع، ثم قالت:
"عاملة ايه يا قلب أمك؟"
ابتسمت جواهر ابتسامة حزينة، تحاول أن تخفف عنها رغم أنها هي من تحتاج التخفيف، وقالت:
"أنا كويسه يا حبيبتي متخافيش عليا، وبعدين مالك عملتي كده يا أم جواهر؟ شكلك عجزتي أوي يا سمسمه."
انهارت سمية باكية، كأن هذه الجملة وحدها أيقظت كل أوجاعها دفعة واحدة، وقالت بصوت محترق:
"وحشتيني اوي يا قلب امك من جوة وحشني ضحكك وهزارك ولمضك."
ابتسمت جواهر رغم الوجع، تحاول أن تبقيهم ثابتين، وقالت:
"اجمدي يا سمسمه هي مسألة وقت وهرجعلك تاني فى حضنك، وهزهقك مني كمان."
تكلمت ترنيم بصوت حزين:
"إن شاءالله يا حبيبتي، انا متأكدة أن دي مش النهاية، وان ده مجرد اختبار وهننجح فيه بإذن الله."
لكن الوقت لم يمهلهم أكثر.
اقترب الشرطي وأجبرها على التحرك.
تحركت جواهر معه ببطء، وكل خطوة كانت كأنها تنتزع من قلوبهم انتزاعًا.
ظلت تلتفت إليهم وهي تبتعد، تنظر إلى وجوههم المبللة بالوجع، تحفظهم بعينيها كأنها تخشى ألا تراهم قريبًا.
وما إن اختفت عن مرأى جواد خلف القضبان، حتى انفجر داخله كل ما كان يكتمه.
ركل القضبان الحديدية بعنف، حتى دوى صوت الاصطدام في المكان، ثم صرخ بغضب موجوع، صرخة رجل رأى من يحبها تسحب من بين يديه ولا يستطيع إنقاذها.
تحرك غريب وتامر بسرعة وأمسكاه بقوة، كان جسده ينتفض من شدة الغضب والانكسار، وهم يعلمون أن تركه الآن قد يدفعه لفعل أشياء يندم عليها لاحقًا.
خرجوا به إلى خارج القاعة بصعوبة، بينما لحقت بهم ترنيم وسمية وأروى، وسط الحراسة المشددة.
في الخارج، وقفت جواهر عند باب سيارة الترحيل.
التفتت إليهم للمرة الأخيرة.
رأت جواد بين أيديهم، يحاول الإفلات، يحاول الوصول إليها، وعيناه مشتعلة بوجع لا يوصف.
ابتسمت له ابتسامة موجوعة، ودموعها تنساب بصمت.
كانت ابتسامة تحاول أن تقول له: اصمد.
ثم صعدت إلى السيارة.
أُغلق الباب الحديدي خلفها بصوت قاسي، كأنه أغلق على قلوبهم معها.
تحركت السيارة مبتعدة عن المكان، بينما ظلت عيونهم معلقة بها، وقلوبهم تسبقها في الطريق، تركض خلفها، كأنها ترفض أن تتركها وحدها في هذا المصير المجهول.
    ***************************
عند شاهين...
كان واقفًا في الشرفة كعادته، بين أصابعه سيجارة تحترق ببطء، وإلى جواره فنجان القهوة الذي برد نصفه من فرط انتظاره، وعيناه معلقتان بشرفة رنيم المقابلة، يراقبها بصمت ثقيل، كأن ظهورهـا وحده قادر على أن يبدل حال يومه كله.
منذ دقائق وهو يحاول الاتصال بها، مرة تلو الأخرى، لكنها لم تجب، فحاول أن يقنع نفسه بأنها ربما بالداخل، تستحم أو منشغلة، وحين ترى اتصالاته ستخرج كعادتها إلى الشرفة، وستقف هناك، حتى وإن تجاهلته، يكفيه فقط أن يراها.
لكن الدقائق مرت ثقيلة، والقلق بدأ يتسلل إلى صدره شيئًا فشيئًا، حتى لمح من شرفته سيارتها تتوقف أسفل البناية.
انعقد حاجباه بدهشة، وتوقف عقله لحظة، إذ كيف تكون بالأسفل وهي لم تكن بالمنزل من الأساس؟
أطفأ سيجارته سريعًا، وترك فنجان القهوة مكانه دون اهتمام، ثم اندفع إلى الداخل بخطوات متعجلة، خرج من شقته ووقف أمام المصعد ينتظر صعوده، وقلبه ينبض بقلق لا يفهم سببه، لكنه كان يشعر أن هناك شيئًا ليس على ما يرام.
وما إن توقف المصعد وانفتح بابه، حتى خرجت رنيم منه، وحين وقعت عيناه عليها، شعر وكأن قلبه انتزع من مكانه.
وجهها كان شاحبًا، وعيناها محمرتين من كثرة البكاء، وآثار الدموع ما زالت واضحة فوق وجنتيها، وكأنها كانت تبكي طوال الطريق.
اقترب منها بسرعة، وقد انعقد القلق في ملامحه، وتكلم بتساءل:
"رنيم! مالك بتعيطي ليه؟ حد كلمك؟ حد ضايقك؟ قوليلي مين وانا هروح ادفنه مكانه."
حركت رأسها بالنفي، لكن دموعها التي كانت تحاول حبسها خانتها، وخرج صوتها مختنقًا، مثقلًا بالألم:
"النهاردة كانت أول جلسه لمحاكمة جواهر، كنت هناك شفتها، كانت موجوعه اوي ومكسورة، كان نفسي اجري عليها واخدها فى حضني، كنت عايزه اقلها أن انا مبعدش عنها كنت على طول ببقى جنبها من غير ما حد يحس، حتى لما رفضت تقابلني، كنت عايزه اعرفها قد ايه انا بحبها، وعمري ما كرهتها، أنها أقرب حد ليا."
كل كلمة خرجت منها كانت تحمل وجعًا خالصًا، وجعًا لم تستطع إخفاءه مهما حاولت، وكان شاهين يسمعها ويشعر أن هذا الألم ينساب إلى داخله هو أيضًا.
لم يحتمل رؤيتها بهذا الانكسار.
اقترب منها فجأة، وضمها إليه بقوة، وكأنه يحاول أن يحميها من حزنها نفسه.
وللمرة الأولى، لم ترفضه.
بل تشبثت به كما لو أنه الشيء الوحيد الثابت وسط كل ما يتهاوى من حولها، وكأن صدره صار ملاذًا مؤقتًا تهرب إليه من ثقل ما تحمله.
ارتفعت شهقاتها فوق كتفه، وخرج صوتها متقطعًا بين بكائها:
"أنا نفسي جواهر تطلع من المكان ده، نفسي ترجع ضحكتها ليها زي الاول، حتى لو رفضتني فى حياتها بس نفسي اشوفها سعيدة."
أغمض شاهين عينيه بقوة.
في تلك اللحظة كان يشعر بتمزق داخلي قاسي.
هو يعلم الحقيقة كاملة. يعلم من الفاعل.
يعلم من ألقى بجواهر إلى هذا المصير.
لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تقال، لأن كشفها لن يحرر رنيم، بل سيحطمها.
فالفاعل ليس غريبًا عنها، بل أخوها، الأخ الذي تراه سندًا وأمانًا، والذي صدقت كل أفعاله معها.
كان ممزقًا بين واجب الحقيقة وخوفه من الوجع الذي ستعيشه إن عرفتها.
لكن، وسط هذا الصراع كله، كان هناك شيء واحد أناني يسعده، أنها الآن بين ذراعيه.
هادئة على غير عادتها، لا تقاوم قربه، ولا تبتعد عنه، وكأن ألمها أسقط عنها كل حواجزها معه للحظة.
مال برأسه وقبل مقدمة رأسها بحنو، ثم قال بصوت خافت:
"انتي مهم اوي عندك يعني خروج جواهر دي؟"
ابتعدت قليلًا عن حضنه، رفعت وجهها إليه، وأومأت برأسها، ثم قالت من بين شهقاتها:
"مهم اوي اوي يا شاهين."
تلك الطريقة التي نطقت بها اسمه، ممزوجة بالبكاء والصدق والعفوية، أصابت شيئًا داخله، شيء جعله ينسى للحظة كل شيء حوله.
نظر إليها وكأنه غرق فيها، ثم قال بصوت هامس:
"قوليها تاني كده."
رمشت بعينيها بعدم فهم، وحدقت به بتساؤل:
"هي ايه دي؟"
ابتسم لها، وعيناه ممتلئتان بهيام واضح، وقال:
"قولى يا شاهين طريقتك فيها عايزه تتاكلي أكل."
اتسعت عيناها قليلًا، ثم احمر وجهها بخجل واضح، وانخفض بصرها إلى الأرض، وقد باغتها انتقاله من ألمها إلى غزله بهذه السرعة، وقالت بتوتر:
"ش شاهين، أنا بقولك ايه و وانت دماغك فى ايه؟"
تعالت ضحكته، ضحكة صافية خرجت منه رغم كل شيء، ثم أمسك يدها بحنان، وكأن مجرد لمسها صار عادة لا يستطيع مقاومتها، وقال:
"انتي كل حاجه فيكي تجنن، طريقتك فى الكلام، خدودك لما تحمر من الكسوف، عصبيتك، حتى ضحكت عيونك تجنن."
شعرت رنيم بأن قلبها عاد يضطرب من جديد، لكن هذه المرة ليس من الحزن، بل منه هو.
رفعت عينيها حولها بتوتر، وكأنها تذكرت فجأة أين يقفان، ثم قالت بتلعثم:
"ش شاهين ا احنا على السلم على فكرة."
ابتسم ابتسامة واسعة، وكأن ارتباكها كان أحب شيء إلى قلبه، ثم شد يدها برفق، وأرغمها أن تتحرك معه نحو باب شقتها.
فتح الباب وأدخلها إلى الداخل، ثم دخل خلفها وأغلق الباب ببطء، قبل أن يسندها إلى الحائط، وعيناه لا تزالان معلقتين بها، وكأن كل ما فيه يرفض أن يتركها حتى للحظة واحدة. وتكلم بمزاح:
"اهو مبقناش على السلم، كده حلو؟"
اتسعت عينا رنيم بصدمة حقيقية، وكأن كلماته باغتتها أكثر مما توقعت، فتراجعت خطوة إلى الخلف ودفعته بكفيها بعيدًا عنها، بينما ارتبكت ملامحها واضطربت أنفاسها، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجهها من فرط الخجل، ثم قالت بتلعثم واضح:
"ا انت فهمت ايه؟ ا أنا أقصد يعني وقفتنا على السلم ك كده غلط."
نظر إليها شاهين طويلًا، وقد ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المستفزة التي كانت تربكها دائمًا، ثم رفع كتفيه بمكر وكأنه بريء تمامًا مما يفعله، وقال بمزاح أشد:
"ماشي ما أنا صلحت الغلط اهو ودخلنا الشقه."
زفرت بضيق، وهي تشعر أنه يتعمد العبث بأعصابها، ويستمتع بتوترها وخجلها أكثر مما ينبغي، فزمت شفتيها بضجر طفولي وقالت بتذمر:
"ع على فكره بقى انت غلس ع علشان انت فاهم قصدي ايه، وعمال تستعبط."
رفع حاجبيه للأعلى، وصنع على وجهه ملامح الجدية المزيفة، وكأن كلماتها مست كرامته فعلًا، وقال:
"تستعبط؟! انتي اخدي عليا اوي."
عقدت ذراعيها أمام صدرها، محاولة أن تبدو متماسكة أمامه رغم الارتباك الذي يفتك بها من الداخل، ثم قالت بنبرة ثابتة حاولت أن تخفي بها اضطرابها:
"والله ده اللي عندي، مش عجبك الباب يفوت جمل، لا جمل ايه؟ انت ماشاءالله نخله."
انفجر شاهين ضاحكًا، ضحكة خرجت صافية وعميقة، حتى أنه أمال رأسه للخلف من شدتها، بينما كانت عيناه مثبتتين عليها بإعجاب لا يخفيه، ثم قال وهو يحاول تهدئة ضحكاته:
"ماشي يا صغنن مقبوله منك."
هدأت ضحكاته شيئًا فشيئًا، ثم اقترب منها ببطء، بخطوات ثابتة جعلت قلبها يبدأ بالخفقان من جديد، حتى وقف أمامها مباشرة، قريبًا منها إلى حد جعلها تشعر بحرارة أنفاسه. رفع يده ببطء شديد، وكأن لمس وجهها أصبح طقسًا خاصًا به وحده، ومرر أصابعه على خدها برفق بالغ، ثم قال بصوت هادئ دافئ:
"انا مبسوط أني قدرت اخرجك من الحالة اللي انتي كنتي فيها دي، رنيم أنا بعتبر حياتي اللي فاتت دي هوا عمر وراح مني من غير اي فايدة، أنما دلوقتي، حياتي بقى ليها معنى، وجودي دلوقتي علشانك انتي وعيونك، علشان سعادتك وراحتك، يعني دلوقتي بس حياتي بقى ليها أهمية وهعيشها علشانك انتي وبس."
شعرت رنيم بشيء ثقيل يهتز داخل صدرها مع كل كلمة قالها، كانت ترى الصدق في عينيه بوضوح مخيف، صدقًا لا يترك لها مساحة للهروب أو الإنكار. وللمرة الأولى شعرت أن وجودها في حياة أحد قد يكون بهذا الحجم، بهذا العمق، بهذا الاحتياج المؤلم.
ارتجفت شفتيها قليلًا، ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت يحمل رجاءً صادقًا:
"طيب علشان خاطري ساعدني اخرج جواهر من المكان اللي هي فيه ده، أنا راحتي فى خروجها."
تجمد شاهين للحظة.
طلبها أصابه في أكثر نقطة موجعة داخله.
أغمض عينيه بقوة، وكأن العالم كله انقبض حول عنقه في تلك اللحظة.
الحقيقة كانت تقف بينهما كحائط من نار؛ هو يعرف من فعلها، يعرف من أوقع جواهر، ويعرف أن كشف الحقيقة سيهدم عالمًا كاملًا فوق رأس رنيم.
كان يشعر وكأنه يقف على حافة هاوية؛ خطوة واحدة فقط، وقد يخسرها إلى الأبد. لكنها طلبت منه، وخاطرها عنده أصبح أغلى من أي شيء.
فتح عينيه ببطء، وسحب نفسًا عميقًا، يحاول أن يثبت اضطرابه، ثم قال بصوت هادئ يحمل من الألم أكثر مما يحمل من الكلمات:
"رنيم انتي خاطرك غالي عليا اوي، فوق ما تتصوري وعلشانه أنا هعمل اي حاجه حتى لو هضحي بعمره كله، بس عايزك تعرفي حاجه، أن الدنيا عمرها ما بتدينا كل حاجة، بمعنى أنها علشان تديكي حاجه لازم تاخد حاجه تانيه فى المقابل وممكن وقتها، الاختيار يكون صعب ويكون عليكي الاختيار ما بين المشاعر وبين المنطق واللي مفروض يحصل."
عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه بحيرة، فقد شعرت أن وراء كلماته شيئًا أعمق مما يقوله، شيئًا يخفيه عنها، شيئًا يثقله ويؤلمه، فقالت بتساؤل صريح:
"قصدك ايه بالكلام ده مش فاهمه."
ابتسم لها ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تخفي وراءها عاصفة كاملة، ثم حرك رأسه بالنفي وقال:
"مش قصدي حاجه يا صغنن، بس مدام انتي اللي طلبتي اساعدك فى خروج جواهر، يبقى هساعدك بس لازم تستحملي النتايج."
لم يمنحها فرصة أخرى للسؤال.
اقترب منها أكثر، حتى شعرت أن المسافة بينهما اختفت تمامًا، ثم مال برأسه وقبل خدها طويلًا، قبلة هادئة لكنها ممتلئة بمشاعر عميقة، وكأنه يحاول أن يترك شيئًا منه عليها قبل أن يدخل معركة يعرف أنها لن تكون سهلة.
ابتعد عنها ببطء، ونظر داخل عينيها طويلًا، ثم قال بثبات ووعد واضح:
"ارتاحي انتي دلوقتي، وانا اوعدك اسبوع بالكتير وانتي اللي هتثبتي برأة جواهر بنفسك."
اتسعت عيناها بدهشة.
لم تفهم كيف يتحدث بكل تلك الثقة، لكن شيئًا بداخلها جعلها تصدقه، وكأن كلماته تحمل يقينًا غريبًا لا يشك فيه.
تحرك شاهين نحو الباب، فتحه، ثم التفت إليها قبل أن يخرج، وأرسل لها غمزة مشاكسة مع ابتسامته الجميلة التي تربكها دائمًا، قبل أن يغادر ويتجه إلى شقته.
أغلقت رنيم الباب خلفه، ثم أسندت ظهرها عليه وبقيت واقفة مكانها للحظات طويلة، وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أنفاسها كانت متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، فقربت يدها من قلبها تضغط عليه وكأنها تحاول تهدئته، لكنه كان يضرب بجنون لا يرحم.
أغمضت عينيها، وأخيرًا توقفت عن الكذب على نفسها.
كل محاولات الهروب، كل الإنكار، كل المقاومة التي عاشت بها مؤخرًا، انهارت أمام حقيقة واحدة لم يعد بإمكانها الفرار منها..لقد أحبته.
بل تجاوز الأمر الحب نفسه.
لقد أصبح شاهين يسكن داخلها بطريقة لم تكن تتخيلها، وأصبح غيابه يوجعها، وقربه يربكها، وصوته يبعثرها، ولمسته تربك كل ثباتها.
فتحت عينيها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، خجولة، مرتبكة، لكنها صادقة، ابتسامة امرأة اعترفت أخيرًا لنفسها بالحقيقة التي كانت تخشاها أكثر من أي شيء:
هي لم تعد فقط تحب شاهين، بل أصبحت تعشقه بجنون.


تعليقات