رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثاني والعشرون
"قبل يومين"
أسند «طيف» رأسه إلى الوسادة خلفه وشعر بارتياح شديد. ابتسم وقال بهدوء:
- يااه مين كان يصدق إني دلوقتي بقيت بخير ورجعتلي الذاكرة بعد كل اللي عديت بيه؟
ابتسمت «نيران» وقالت بحب:
- أنت تعبت يا طيف كتير أوي وصبرت أكتر. الحمد لله إن ربنا ردك سالم لينا، أنا حاسة إني عايشة في حلم جميل ومش عايزة أفوق منه.
أمسك بيدها وربت عليها بهدوء، فقالت متسائلة:
- صحيح ايه اللي حببك في الطب النفسي تاني؟ استغربت لما قولت لباباك إنك مش هترجع للشرطة.
ابتسم ونظر إليها نظرة مترقبة وهو يسألها:
- وأنتِ ايه رأيك في القرار ده؟
رفعت كتفيها وقالت بنبرة هادئة:
- يا حبيبي ده قرارك أنت. كنت دكتور شاطر جدًا وكنت ظابط شاطر جدًا، فلو اتجهت لأي حاجة منهم هتكون ناجح. المهم أنت حابب ايه، أنا بس استغربت قرارك علشان كده بسألك.
شعر بارتياح داخلي لحديث زوجته، فتحدث بما ينوي فعله قائلًا:
- طيب يا ستي هقولك الحقيقة. الصراحة أنا كان في نيتي أرجع للشرطة بس كنت بختبر بابا وأشوف رد فعله هيكون ايه لأنه كان دايمًا يقولي إنه عايزني ظابط وكان رافض شغلي كدكتور بس اتفاجئت برد فعله الصراحة. هفاجئه بكرة وأعرفه قراري الحقيقي بس تفتكري بعد اللي حصلي قراري ده صح؟ ولا أبقى مجنون؟
أظهرت أنها تفكر وهي تصدر صوتًا خافتًا قبل أن تقول:
- امممم بص، كون الواحد ظابط شرطة أو موافق إنه يكون ظابط فده بيندرج تحت حاجات كتير. أولها إنه عارف ومقدر المخاطر اللي هيتعرضلها. غير إنه وهو شغال في المهنة دي شاف قد إيه العالم فيه ناس مش سوية وعايزة الشر لغيرها. شاف ظلم وجرائم مكانش المفروض أصلًا تحصل، فبيقرر إنه لازم يكون جزء من منظومة تمنع ولو جزء من الظلم والجرايم دي ويحط الناس المؤذية دي عند حدها وينشر الأمان بين الناس. لأن الأمان ده لو انتشر هيعود عليه بالنفع قبل أي حد، لأن أهله وحبايبه وأولاده وأصحابه هيكونوا في أمان. وصعب جدًا إن حد يشتغل ظابط شرطة ويفرط في وظيفته وهو في إيده يعمل كل ده ويكون كل اللي بيعمله في ميزان حسناته.
ابتسم بعدما أعجبه تفسيرها للأمر بهذا الشكل البسيط والجميل، فقال بهدوء:
- فسرتيها بشكل أجمل من اللي كان في دماغي. ده فعلًا اللي خلاني عايز أكمل. شوفت ظلم كتير أوي ومقدرتش أشوف حد بيتعرض له فعايز أكون سبب في إني أمنع الظلم ده وأحمي أهلي وبلدي وأمنع انتشار الشر اللي بقى أكتر من الخير للأسف. عايز لما أقابل ربنا يكون راضي عني وكل اللي عملته يكون في ميزان حسناتي.
في اليوم التالي، ذهب «طيف» إلى والده في مقر عمله وطرق الباب بخفة، فقال من الداخل:
- ادخل.
فتح الباب وتقدم إلى الداخل، فرفع «أيمن» رأسه ليجده أمامه، مما جعله يقول بتعجب:
- طيف؟! فيه حاجة؟ ايه اللي جابك؟
رفع كتفيه وقال بابتسامة:
- ايه يا سيادة اللواء؟ راجع شغلي.
قطب جبينه ونهض من مكانه وهو يقول:
- يابني مش أنت قولت إنك هترجع شغلك في العيادة؟ أنا مش فاهم حاجة.
ضحك واقترب أكثر من والده وهو يقول:
- لا يا بابا أنا مقرر من البداية إني هرجع شغلي في الشرطة مش العيادة بس حبيت أعمل فيكم مقلب وأشوف رد فعلكم والصراحة نجحتوا بامتياز.
شعر «أيمن» بالسعادة واقترب منه، ثم وضع كفيه على كتفيه وهو يقول بنبرة تحمل الفخر:
- نورت مكانك يا سيادة المقدم طيف. أنا فخور بيك وبكل اللي عملته واللي لسه هتعمله.
ابتسم «طيف» وشعر بسعادة كبيرة، ثم تذكر شيئًا ما فتحدث على الفور:
- أومال صحيح فين الفريق؟ جيت أسلم عليهم ملقتش ولا واحد فيهم.
تركه «أيمن» وعاد إلى مقعده قبل أن يقول بجدية:
- راحوا يأمنوا المؤتمر اللي هيتعمل بكرة في شرم الشيخ. المؤتمر ده من أهم المؤتمرات وفيه شخصيات مهمة جدًا من مختلف دول العالم. كل واحد فيهم عنده مهمة محددة هينفذها لكن أنا عندي ليك أنت ونيران مهمة مختلفة تمامًا.
عقد ما بين حاجبيه وقال متسائلًا:
- مهمة ايه دي؟
مال «أيمن» إلى الأمام مستندًا بمرفقيه على مكتبه، ثم أجاب:
- أنت ونيران هتكونوا ضمن وحدات التدخل الخاص ولو لا قدر الله حصل أي شيء هتتحركوا فورًا للمكان المستهدف وتتعاملوا مع الأهداف.
أومأ برأسه إيجابًا وقال:
- من الدار للنار كده على طول يا حجوج؟! استعنا على الشقا بالله. يا مستني تستريح بعد ما ترجعلك الذاكرة يا مستني المركب تبقى باخرة.
"الوقت الحالي"
انتهى المؤتمر على خير بعد خطة تأمينية نجحت بامتياز، وتم إحباط هذا المخطط بنجاح.
صافح «طيف» جميع أعضاء الفريق الذين رحبوا به بشدة بعد عودته بينهم من جديد. ثم اقترب من «رماح» وقال بهدوء:
- برضو معرفناش مين اللي كان ورا الهجوم ده.
أومأ برأسه إيجابًا وقال:
- ده حقيقي فعلًا بس خلينا نبص لنص الكوباية المليان وهو إننا نجحنا في تأمين المؤتمر وعدى على خير.
- الحمد لله.
تركه واتجه صوب «فاطمة» قبل أن يقول:
- نداهة بلدنا.
ضحكت وقالت:
- يا ابني كل شوية تقولي نداهة نداهة، ده أنا نسيت اسمي بسببك.
رفع يديه وقال بهدوء:
- لا مؤاخذة بس مش مصدق إنك عايشة الصراحة، ده أنتِ نكدتي على اللي خلفونا يوم موتك. يلا الله يرحمها ريم أختك.
نظرت للأسفل وقالت:
- اللهم آمين، وحشتني أوي ريم والله، ياريتني كنت أنا.
امتص حزنها وقال بنبرة هادئة:
- قدر ربنا يا بنتي، ربنا يرحمها.
صمت للحظات قبل أن يتذكر شيئًا ما، فقال على الفور:
- صحيح يا فاطمة، أنتِ لما ظهرتيلي وقت ما كنت فاقد الذاكرة قولتي إنك جاية تحذريني من اللي عايزين يموتوني، ولما سألتك مين قولتي حد أقرب ليك مما تتوقع. أنا نسيت الموضوع ده خالص.
تبدل وجهها بعد ما قاله، ونظرت إليه وهي تقول بجدية:
- انسى الموضوع ده يا طيف أنت في أمان ومفيش حد عايز يموتك.
رفع كتفيه وقال على الفور:
أنا مش بسألك علشان خايف أو مش حاسس بأمان بس عايز أعرف أنتِ قولتي ليه كده ساعتها؟ أنا مش فاهم حاجة.
حاولت التهرب من الإجابة لكنها فشلت، لذلك أجابت:
- زاخر.
رفع أحد حاجبيه وقال:
- زاخر؟ أنا عارف إنه مش طايقني من ساعة ما فقدت الذاكرة وعملت اللي عملته بس مش لدرجة إنه يعوز يقتلني يعني.
أومأت برأسها إيجابًا وهتفت:
- عادي كان مجرد تفكير وساعتها جيت أحذرك منه لما عرفت. بس اللواء أيمن دلوقتي ممشيه على العجين ما يلخبطوش، علشان كده قولتلك أنت في أمان والموضوع ده مفيش منه قلق.
حرك رأسه بتفهم وتركها، وهو يفكر في كيفية التعامل مع «زاخر» الذي كان قريبًا منه قبل فقدانه الذاكرة، وأصبح أكبر أعدائه بعد أن فقد الذاكرة وحاول قتل شقيقته «رنة».
***
عادوا إلى القاهرة، والتقى «طيف» بابن عمته «أحمد» الذي حضنه بقوة قبل أن يقول معاتبًا:
- والله العظيم أنت ندل يا طيف، بقى ترجعلك الذاكرة وترجع كمان الشغل وأنا معرفش حاجة؟! ندل ندل يعني مش كلام.
ضحك «طيف» وربت على ظهره وهو يقول:
- معلش يا أحمد كل حاجة جت بسرعة والله، يادوب رجعتلي الذاكرة تاني يوم رجعت الشغل لقيت بابا باعتني مهمة على طول ملحقتش حتى أتنفس. قولي أنت عامل ايه؟
رفع كتفيه وأجاب:
- أهو كويس، مديري في الشغل بقى سمنة على العسل معايا من ساعة اللي أنت عملته فيه والدنيا جميلة. ناقص بس ألاعبك كام ماتش بلايستيشن وأكسبك كعادتي فيهم.
هنا توقف «طيف» وهتف باعتراض:
- لا بقولك ايه أنا رجعتلي الذاكرة يا حبيبي يعني فولدر ذكريات اللعب رجعلي. انسى الماتشات اللي كنت بتكسبها لما كان مخي متفرمط علشان أنا هبهدلك يا نجم النجوم.
****
دلف «زاخر» إلى مكتب «رماح» بعد أن سمح له بالدخول، فأدى التحية له قبل أن يقول:
- حمد الله على سلامتك يا فندم.
رفع رأسه وقال بجمود:
- الله يسلمك، ها عملت إيه في قضية مرزوق الشيمي في الوقت اللي كنا فيه في شرم الشيخ؟
أسرع ووضع أمامه مستندًا يحتوي على عدة أوراق، وهتف:
- ده جدول تحركاته خلال اليومين دول يا فندم، كلها شبه طبيعية وبرضه سجل مكالماته كله طبيعي، بس فيه حاجة غريبة.
انتبه له «رماح» وقال بتساؤل:
- حاجة ايه اللي غريبة؟
أجابه على الفور بنبرة جادة:
- مرزوق الشيمي الفترة الأخيرة دخل شريك مع شركة نائل محمد الهواري ومراته ياسمين وائل الجيار أخت المقدم زين الجيار. قرأت ملفهم واكتشفت إنهم كانوا في قضية كن ملاكي بتاعة عبدة الشياطين. المهم نائل وياسمين دول المفروض إنهم كانوا ضحايا في القضية دي، لكن الغريب إنهم يظهروا مرة تانية على الساحة كشركاء لواحد زي مرزوق الشيمي والأغرب إن النسبة الأكبر في الشراكة لشركات نائل ومراته مش لمرزوق الشيمي ودي حاجة أغرب.
نهض «رماح» من مكانه بعدما قطب جبينه، وهتف بحيرة:
- معقولة نائل وياسمين؟ إشمعنى يعني الشراكة مع مرزوق الشيمي بالذات؟!
هنا تحدث «زاخر» بجدية:
- أنا خمنت إن مرزوق بيعمل شغله القذر عن طريق شركات نائل وياسمين بحيث لو إحنا بنراقبه يبقى بعيد عن الشبهات ولو مسكنا حاجة على نائل وياسمين ساعتها هيكون هو برا الموضوع برضه لأن النسبة الأكبر ليهم هم مش لمرزوق فالإدارة والتصرف بإيدهم.
حرك «رماح» رأسه بتفهم، ثم جلس على مكتبه قبل أن يقول بهدوء:
- أنا عايز أقابل المقدم زين الجيار، بلغه إني عايز أقابله في موضوع خطير جدًا ميستحملش يستنى.
أومأ «زاخر» برأسه إيجابًا وقال:
- حاضر اعتبره حصل يا فندم.
***
عاد الاثنان إلى المنزل، وبدآ اللعب بحماس شديد، قبل أن يرفع «طيف» صوته قائلًا:
- رنة، رنة أنتِ فين؟
جاءت من الداخل وهي تقول بتعجب:
- ايه يا طيف؟ عامل دوشة ليه؟
قال وهو يتابع الشاشة أمامه دون أن ينظر إليها:
- فين الشاي؟
رفعت أحد حاجبيها وهي تقول بصدمة:
- شاي؟ شاي ايه يا طيف؟ أنا عاملة دورين شاي لغاية دلوقتي.
- روحي اعملي التالت، اجري يالا.
تركته وهي تضرب الأرض بقدميها:
- يوووه دي مبقتش عيشة.
انتهت المباراة بفوز «طيف» فنظر إلى «أحمد» وقال ساخرًا:
- هاا ده تاسع ماتش أكسبه، كفاية عليك كدا ولا عايز تاخد على عينك تاني؟
فرك «أحمد» فروة رأسه بخفة وهو يقول:
- ده واضح إن الذاكرة رجعتلك فعلًا.
أمسك «طيف» هاتفه فوجده قد فصل بعدما انتهى الشحن، فنهض من مكانه وهو يقول:
- استنى هجيب الشاحن، الموبايل فصل.
تركه وبدأ يبحث عن الشاحن، حتى تذكر أن «بارق» أخذه منه ليشحن هاتفه، فتوجه إلى الشرفة ليأخذه منه، ودفع الباب بقوة، فانتفض «بارق» من مكانه قبل أن يقول:
- ايه يا عم دخلة المخبرين دي؟!
قطب جبينه بدهشة وقال:
- ايه يا عم الخضة دي؟ أنا مكنتش أعرف إن قلبك رهيف كدا. هات الشاحن علشان موبايلي فصل.
ناوله إياه وهو يقول معاتبًا:
- خد يا سيدي ويارب نخبط بعد كدا وإحنا داخلين.
أخذ منه الشاحن، لكنه بقي في مكانه يتفحص وجهه بعناية، فقال «بارق» متعجبًا:
- ايه يا بني؟ بتبصلي كدا ليه؟
ضيق نظراته وهو يقول:
- أنت بتحب على أختي ولا ايه ياض؟ قاعد في البلكونة وقافل عليك الباب وكنت بتكلم حد ولما دخلت اتنفضت ولا كأني قفشتك بتهرب ممنوعات.
لوى «بارق» ثغره وعاد ليجلس على مقعده من جديد وهو يقول:
- هش يا طيف مش ناقصاك، أحب على أختك ايه؟ دي الحب الأول والأخير. أنا كنت بكلم حسين ابن خالتي ومكمر ربع فرخة باكلها بدل ما هم حارمنا من الفراخ كدا. حماتي بدأت النظام وتنة خدتها قدوة وحرمت دخول الفراخ البيت.
أشار إليه بإصبعه وضحك بصوت مرتفع قبل أن يقول:
- يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام، يا باشا أنا نيران ممشياني على نظام حب ما تأكل حتى تأكل ما تحب وباكل اللي نفسي فيه.
تركه ورحل، فزفر «بارق» بهدوء قبل أن يرفع الهاتف من جديد إلى أذنه وهو يقول بجدية:
- الحمد لله ماخدش باله من حاجة، بس طبعًا ده ميديش الحق للمكالمات في البيت. قولتلك مليون مرة فيه طريقة نتواصل بيها غير المكالمات علشان ما نتكشفش...
