رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثالث والعشرون
ترجل من سيارته وتحرك بخطوات هادئة نحو السفارة قبل أن يؤدي رجال الأمن التحية له. تقدم إلى الداخل وقاده أحدهم إلى مكتب السفير، وما هي إلا دقائق قليلة وكان «أيمن» يجلس أمام السفير الذي قال بابتسامة وبلغته الأجنبية:
- أنا سعيد بحضورك سيادة اللواء أيمن ولكن أشعر أن حضورك هنا بسبب ما حدث بمؤتمر شرم الشيخ، أليس كذلك؟
ابتسم «أيمن» بمكر وقال على الفور:
- شعورك في محله سيادة السفير، أنا لست هنا للتحقيق ولكن دعنا نسميها محادثة خفيفة.
أومأ السفير برأسه، فتابع «أيمن» بهدوء:
- ما حدث في المؤتمر لو لم يتم تداركه لكانت كارثة كبيرة، كما أن مصر بلد الأمن والأمان، وهذا الحادث كان مخططًا من أجل تشويه صورة مصر أمام العالم خاصةً في مؤتمر بحجم هذا المؤتمر العالمي. وجودي هنا اليوم للسؤال كيف تم زرع قنبلة بهذه القوة في سيارتك؟! أعلم أننا قمنا بالتحقيق مع السائق، وأوضح أن هناك جهة ما هي من زرعت القنبلة لكن أين أنت من ذلك؟
وضع السفير قدمًا فوق الأخرى وقال بهدوء:
- في البداية أشعر بالأسف بسبب هذا الأمر، لكن دعني أوضح لك الأمر قليلًا. السيارة بالفعل هي المخصصة لنقلي على الدوام، لكن ما لا تعرفه أن السائق سافر بالسيارة وحده إلى شرم الشيخ بينما ذهبت أنا بالطائرة واستقبلني هناك. لا أعلم من وضع القنبلة ومتى، لكن ليس لي صلة بهذا الأمر من قريب أو من بعيد، كما أن دولتي ليس لها صلة بهذا الأمر. أعرض عليك سيادة اللواء مساعدة دولتنا لكم من أجل إيجاد الفاعل الحقيقي.
ابتسم «أيمن» ونهض من مكانه وهو يقول:
- لا نحتاج للمساعدة، نحن قادرون على إيجاد المتسبب في هذا الأمر وسنجده، أعدك بذلك.
نهض السفير هو الآخر وقال بابتسامة مشابهة:
- أتمنى ذلك حتى لا يبقى هذا المجرم طليقًا.
رحل «أيمن» دون أن تختفي ابتسامته، وتوجه صوب سيارته التي قادها إلى المقر السري للفريق، وهناك كان ينتظره الجميع بعد أن أبلغهم بوجود اجتماع عاجل لهم هناك.
ترجل من سيارته ودلف إلى الداخل، فنهض الجميع قبل أن يجلس على المقعد المخصص له ويشير لهم بالجلوس.
جلسوا وتوجهت الأنظار صوبه ليقول بنبرة جادة:
- كل اللي فات حاجة واللي جاي حاجة تانية خالص، الفريق هيرجع لنشاطه من جديد والمرة دي المهمة مختلفة لأننا هنواجه كذا جبهة ومش بعيد الجبهات دي يكون ليها علاقة ببعض علشان كدا عايز تركيز شديد، والمعلومة اللي يوصلها حد لازم يبلغ بيها الباقي حتى لو مش معاه في نفس الجبهة اللي هو فيها.
صمت للحظات وفتح أحد المستندات الموضوعة أمامه قبل أن يقول:
- نبدأ بالموضوع اللي حصل في شرم الشيخ، مبدئيًا أنا عايز تفريغ كاميرات الطرق اللي مشيت منها العربية دي خلال الأسبوع بتاع المؤتمر، من الوقت اللي السواق اتخطف فيه لغاية يوم المؤتمر. حتى لو مليون كاميرا أنا عايز أوصل لمعلومة أو طرف خيط أمشي وراه علشان أوصل للي عمل كدا والملف اللي قصادي ده هيقرب المسافات شوية ليكم بالنسبة للموضوع ده.
دفع المستند بيده حتى أصبح في منتصف الطاولة ثم تابع:
- ده بالنسبة لموضوع شرم الشيخ، نيجي بقى لمرزوق الشيمي علشان الراجل ده موضوعه بوخ أوي وطول زيادة عن اللزوم. الشيمي ده أخطر مما أنتوا متخيلين وله عيون في كل حتة. الشيمي الفترة الأخيرة بقى شريك مع نائل الهواري ومراته ياسمين الجيار ودي حاجة غريبة شوية، علشان كدا هنوسع دايرة المراقبة ونائل وياسمين يتحطوا تحت المراقبة 24 ساعة حتى لو أخوها يبقى المقدم زين. دلوقتي فيه احتمال إن نائل وياسمين يبقوا شركاء معاه في الجرايم اللي بيعملها سواء تهريب أو شغل قذر، وممكن بردو يكون واخدهم ستارة للي بيعمله خصوصًا إنه مديهم النسبة الأكبر في الشراكة.
نظر إلى «زاخر» وتابع:
- أنت هتكون مسؤول عن الموضوع ده لغاية ما هم يخلصوا موضوع شرم الشيخ، مش عايز ولا غلطة، مفهوم؟
أومأ برأسه إيجابًا وقال:
- مفهوم يا فندم.
نهض من مكانه ورحل، فنهض الجميع من بعده، وهنا توجه «طيف» نحو «زاخر» وردد:
- نقيب وماسك مهمة زي دي، ربنا يستر ومتخربش.
نظر «زاخر» للأسفل في محاولة منه للهروب منه قبل أن يقول:
- إن شاء الله مش هتخرب يا سيادة المقدم.
ابتسم «طيف» وقال:
- مكسوف تحط وشك في وشي بعد ما رجعتلي الذاكرة صح؟ علشان غبي ومتهور وعمرك ما وزنت الأمور بشكل صح.
أغلق عينيه للحظات قبل أن ينظر له وهو يقول:
- طيف أنـ...
اتسعت حدقتا «طيف» فعدل ما يقوله:
- أقصد يا سيادة المقدم، أنا كنت في موقف صعب. أنا حبيت رنة بطريقة متتخيلهاش ومازلت بحبها. تخيل فجأة يجي حد ويطعنها في حفل تخرجها؟! حتى لو الشخص ده هو أنت. أنا عارف إنك كنت فاقد الذاكرة وعارف كل اللي حصل، بس مكنتش قادر أتقبل أي مبرر. أنت قتلتها وكنت هتكون سبب في موتها رغم إنك أخوها.
صمت للحظات قبل أن يتابع:
- أنا عارف إني غلطان بس صدقني الموقف ده ولع نار جوايا. حتى بعد ما أنت بقيت وسطهم مكنتش قادر أنسى اللي أنت عملته. كنت بالنسبة ليا مش طيف جوز أختي، كنت بالنسبة ليا شخص تاني كان هيسرق مني حبيبتي وبالفعل حتى لو هي عايشة فأنت سرقتها بردو وخلتها تكرهني ومتحبنيش زي ما أنا بحبها.
وضع «طيف» يديه في جيب بنطاله وقال:
- أنا مخلتهاش تكرهك بس أنت اللي غبي، بأفعالك دي خليت الكل يكرهك. محطتش نفسك جوا الموقف نفسه وعيشته من بره بس، مدتنيش عذر واحد للي أنا عملته ومفكرتش قد إيه أنا شوفت عذاب وأيام صعبة خلتني أوصل للي أنت شوفته ده. يمكن اللي حصل ده خلاني أكتشف إنك مش مناسب لأختي كزوج لأن عقليتك دي كانت هتتعبها أوي. أنا مفيش بيني وبينك حاجة يا زاخر بس أتمنى تراجع نفسك لأنك زمان مكنتش كدا نهائي. أنت شوفت فين الصفات الوحشة واكتسبتها بكل سهولة وسيبت كل صفاتك الكويسة وأنت فاكر إن اللي عملته ده صح، لكنه كله بلا استثناء غلط.
تركه ورحل بينما بقى هو وحده يشعر بالندم لما فعله. شعر أنه غبي لدرجة لا توصف، لكن ما فائدة الندم بعد خسارة كل شيء؟
***
بدأ البحث عن المتسبب الحقيقي في الحادث الذي تم إحباطه بالمؤتمر. كان العمل شاقًا للغاية، فكلٌ منهم كان منهمكًا في مراجعة مئات الكاميرات على أمل إيجاد خيط واحد يقودهم إلى المتسبب في هذا الحادث.
مرت الأيام وكلٌ منهم ينام ساعات قليلة حتى لا يطول الوقت ويجدوا ما يبحثون عنه في أسرع وقت ممكن.
ارتشف «طيف» من كوب القهوة الذي كان بيده قبل أن يضعه مرة أخرى على مكتبه، ثم بدأ يتابع الفيديو الذي ظهرت فيه السيارة بمدينة شرم الشيخ. ترجل السائق وهو ينظر حوله، قبل أن يستقل أحدهم السيارة ويذهب بها بعيدًا في الصحراء، وهنا انقطع أثرها.
أوقف «طيف» الفيديو وصاح قائلًا:
- لقيته.
اجتمعوا جميعهم حوله، فقام بتشغيل المقطع من جديد قبل أن يوقفه على وجه هذا الشاب الذي قاد السيارة. قام بعمل تكبير للصورة قبل أن يقول:
- أول خيط، الواد ده لازم نوصله.
هنا هتف «رماح» بحماس:
- حلو أوي، اطبعلي الصورة دي يا طيف واعرفلي كل حاجة عن الواد ده.
بالفعل قام بطباعة الصورة وعمل نسخة رقمية منها، ثم بدأت التحريات حول هذا الشخص والتي انتهت سريعًا، وعاد «طيف» بالمستند إلى مكتب «رماح» الذي اجتمعوا فيه جميعهم، وبدأ «طيف» حديثه قائلًا:
- مراد خالد البنا، خريج كلية طب جامعة القاهرة، 28 سنة، من مواليد القاهرة وساكن فيها.
صمت للحظات قبل أن يتابع:
- الملف بتاعه مفيهوش أي حاجة غريبة.
نهض «رماح» من مقعده وقال بجدية:
- كويس أوي، هتروح أنت وبارق يا طيف تجيبوا الواد ده، خلوا بالكم كويس أوي.
أومأ «طيف» برأسه إيجابًا ونهض من مكانه وهو يقول:
- استعنا على الشقى بالله.
نظر إلى «بارق» وهتف:
- جاهز يا برقوق؟
رفع «بارق» أحد حاجبيه وقال معترضًا:
- قولتلك مية مرة بلاش برقوق دي.
ضحك ودفعه للخارج وهو يقول:
- طب يلا يا برقوق متنحش.
انطلقا بسيارة «طيف» الذي قادها بسرعة إلى عنوان هذا المجرم. بعد وقت قليل وصلا إلى المكان، وترجل الاثنان قبل أن يقول «طيف» بجدية:
- الواد ساكن هنا في الدور الرابع.
كانت المنطقة شبه شعبية، فتحرك الاثنان بهدوء حتى لا يلفتا الأنظار إليهما، ودلفا إلى البناية التي يقطن بها.
على الجانب الآخر، رفع أحد المارة هاتفه بالقرب من أذنه وردد بجدية:
- بقولك ايه، فيه اتنين شكلهم غريب عن المنطقة دخلوا البيت عندك.
جاء الرد من الجهة الأخرى:
- تمام.
أنهى «مراد» المكالمة وركض نحو الباب قبل أن يفتحه ويركض للأعلى بسرعة كبيرة. في تلك اللحظة نظر «طيف» إلى «بارق» قبل أن يركضا بسرعة نحو الأعلى خلفه.
وصل «مراد» إلى سطح البناية ووصل إلى نهاية السور قبل أن يقفز دون تردد إلى سطح البناية المجاورة. في تلك اللحظة وصل «طيف» وأخرج سلاحه وهو يقول:
- اقف يالا.
لم يتوقف وتابع هربه، فركض «طيف» بقوة وقفز إلى البناية الأخرى، ومنها قفز إلى بناية مجاورة كان «مراد» قد سبقه إليها.
تابع «طيف» مطاردة هذا المجرم الذي عرف جيدًا كيف يهرب في هذه المنطقة، ويبدو أنه أعد لذلك تحسبًا لأي موقف. لم يركض «بارق» مع «طيف» خلفه بل انسحب.
وصل «مراد» إلى بناية لا تلتصق بها بنايات أخرى، لذلك قرر النزول عبر الدرج والهروب إلى الشارع، وهناك يمكنه الاختفاء بسهولة شديدة. لم يتعب «طيف» وتابع ركضه بسرعة كبيرة خلفه، قبل أن يطلق رصاصتين بالقرب منه حتى يخاف ويتوقف، لكنه تابع الهروب بسرعة كبيرة.
نظر «طيف» خلفه بسرعة فلم يجد «بارق» مما جعله يقول بدهشة:
- راح فين ده؟!
وصل «مراد» إلى الأسفل، وقبل أن يخرج من باب البناية تفاجأ بـ«بارق» الذي قال بابتسامة:
- رايحة على فين يا قطة؟!
تراجع وحاول صعود الدرج من جديد، فتفاجأ بـ«طيف» الذي قال بابتسامة:
- مش سالك الطريق ده يا بيبي.
ثم نظر إلى «بارق» وقال مازحًا:
- وأنا اللي كنت فاكرك كسلت تجري.
ضحك «بارق» وقال:
- الصراحة أنا كسلت فعلًا، فقولت أشغل دماغي. تجري وراه أنت وتقطع نفسه وأنا أستلاقاه.
ثم نظر إلى «مراد» وتابع:
- بتجري ليه يا مراد؟ ينفع تقطع نفس المقدم طيف بالشكل ده؟ ترضاها لأخوك؟ يلا بينا عندنا مشوار.
بدل «مراد» نظراته بين «طيف» و«بارق» قبل أن يقول بنبرة تحمل الخوف:
- أنتوا عايزين مني إيه؟ أنا معملتش حاجة.
هنا نطق «طيف» قائلًا بابتسامة:
- متقولش بس كدا يا مراد، ده حتى إحنا دكاترة زي بعض. تعالى معايا وهناك هخليك تقول كل اللي أنت عايزه واللي مش عايزه كمان.
***
انتهى «زاخر» من عمله في وقت متأخر من الليل بسبب انشغاله بأمر «مرزوق» والانغماس في البحث عن دليل يمكنهم من الإيقاع به.
استقل سيارته وتحرك بعيدًا متجهًا إلى منزله، لكنه تفاجأ بانسداد الشارع المؤدي إلى منزله، فترجل من سيارته وذهب ليرى من الذي وضع جذع الشجرة في منتصف الطريق.
تحرك خطوتين قبل أن يتلقى ضربة قوية على مؤخرة رأسه أفقدته الوعي تمامًا.
