رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والعشرون
في صباح يوم جديد...
كان الصمت يملأ الشقة بالكامل، ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الفجر، حيث يبدو العالم وكأنه متوقف عن الحركة، لا صوت فيه سوى أنفاس الليل الأخيرة قبل أن يسلم مكانه للصباح.
داخل غرفتها، كانت رنيم غارقة في نوم متقطع، نوم لم يكن مريحًا بقدر ما كان هروبًا مؤقتًا من فوضى أفكارها ومشاعرها التي لم تهدأ منذ الليلة الماضية.
لكن ذلك السكون انكسر فجأة.
صوت جرس الباب اخترق هدوء المكان بقوة، فانتفض جسدها فوق الفراش، وفتحت عينيها بصعوبة، وهي تشعر بثقل شديد في رأسها وكأن النوم لم يلمسها أصلًا.
زفرت بضيق وهي تمد يدها نحو هاتفها لتتفقد الساعة، وما إن وقعت عيناها على الوقت حتى عقدت حاجبيها بدهشة. الفجر.
من الذي يمكن أن يأتي في مثل هذا الوقت؟
نهضت من فراشها ببطء، لا تزال آثار النوم واضحة على ملامحها، وتحركت بخطوات متثاقلة خارج غرفتها وهي تتثاءب، بينما عقلها يحاول أن يستوعب هذا الإزعاج المفاجئ.
وصلت إلى الباب، ووضعت يدها على المقبض، ثم فتحته.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناها على الطارق، زال عنها أثر النعاس دفعة واحدة. كان زين.
وقفت تنظر إليه باستغراب واضح، وقد انعقدت الحيرة فوق ملامحها، ثم قالت:
"زين! فيه حاجه ولا أيه؟"
لم يجبها مباشرة.
دلف إلى الداخل بسرعة، وكأن وجوده عند الباب خطر لا يريد أن يطول، ثم أغلق الباب خلفه بإحكام، واستدار إليها بوجه متوتر وعينين تحملان شيئًا جعل قلبها ينقبض.
اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوت منخفض حاد:
"يلا أجهزي."
رمشت عدة مرات بعدم فهم، وكأن عقلها لم يستوعب كلماته بعد، ثم هزت رأسها وسألته باستفهام:
"أجهز ليه مش فاهمه؟"
تحرك زين نحو الأريكة وجلس عليها براحة بدت غريبة مقارنة بالتوتر الذي يملأ الجو، ثم رفع عينيه إليها وقال وكأنه يذكرها بشيء محسوم:
"انتي نسيتي الاتفاق اللي اتفقنا عليه؟"
شعرت رنيم بأن معدتها انقبضت فجأة.
ذلك الاتفاق، ذلك الحديث الذي كانت تحاول دفنه داخلها وكأنه لم يحدث.
اقتربت بخطوات بطيئة وجلسـت على المقعد المقابل له، بينما كانت أصابعها تتشابك ببعضها بعصبية واضحة، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بصوت متوتر:
"ب بس اللي انت طالبه مني صعب يا زين، ا انت عايزني اروح الفيلا عند عمتي و واقتل ترنيم؟"
رفع زين رأسه إليها سريعًا، وكأن اعتراضها لم يكن ضمن توقعاته، ثم مال بجسده للأمام محاولًا أن يغلف فكرته بالمنطق، وقال بإصرار:
"ولا صعبه ولا حاجه يا رنيم انتي سبق وعملتيها مع شاهين، وبعدين انتي الوحيدة اللي حافظة الفيلا لانك عيشتي فيها وعارفه هتدخلي وتخرجي منين، وحافظة اماكن الكاميرات، وبعدين محدش هيجي فى باله خالص انك انتي اللي عملتيها، يلا يا حبيبتي خلينا نخلص منها علشان ندخل على اللي بعده، علشان ماما تنام مرتاحه فى قبرها."
كانت كلماته تتساقط فوقها كالحجارة.
كل حرف منه كان يضغط على صدرها أكثر.
لم تكن خائفة فقط من الفعل نفسه، بل من الفكرة، من الطريق الذي تسير فيه، من الدم الذي يريدها أن تغرق يديها فيه مرة أخرى.
زاغت عيناها بعيدًا عنه، كأنها تبحث عن مخرج، عن مهرب، عن أي شيء ينقذها من هذا القرار، ثم قالت بصوت مرتعش يكاد ينكسر:
"ب بس انا خايفه يا زين."
نهض زين من مكانه فورًا، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا.
اقترب منها، وأمسك يدها بين يديه، وبدا حنونه في الظاهر، لكن خلف تلك النظرات كان شيء بارد ومخيف لا تراه هي. وقال بصوت ناعم مخادع:
"متخافيش يا قلب اخوكي، انتي مش بتعملي حاجه غلط، احنا بناخد حق امنا اللي اتعذبت بسببها."
رفعت عينيها إليه، وعيناها ممتلئتان بالاضطراب، ثم قالت برجاء صادق، كأنها تحاول التمسك بآخر خيط من إنسانيتها:
"بس مش لدرجة القتل يا زين، أنا كنت هموت لما عملت كده فى شاهين، والحمدالله محصلش ليه حاجه وربنا اداني فرصه تانيه، اروح أنا بقى واكرر نفس الغلطه."
ابتسم زين. لكن ابتسامته لم تحمل طمأنينة، بل حملت شيئًا أكثر قسوة.
حاول أن يحافظ على هدوء نبرته وهو يقول:
"حتة ان شاهين محصلوش حاجة دي، المفروض تتعلمي منها غلطك علشان المرة الجايه تعرفي تصيبي الهدف كويس."
تجمدت رنيم مكانها. شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
للمرة الأولى شعرت أن حديثه مخيف، مخيف بطريقة لا تعرف كيف تفسرها.
رفعت عينيها إليه بصمت، وكان الخوف واضحًا داخل نظراتها.
أما هو، فكان يبادلها بنظرة جامدة، نظرة حادة، مليئة بالإصرار والشر، وكأن الأمر انتهى ولا مجال للتراجع. ثم قال فجأة:
"فين السلاح اللي ضربتي بي شاهين؟"
ارتعشت أصابعها دون إرادة، ورفعتها بصعوبة تشير نحو غرفتها، ثم قالت بصوت متقطع من شدة توترها:
"ج جوه فى اوضي."
أومأ زين برأسه وكأنه حصل على ما يريد، ثم قال بثبات:
"حلو اجهزي يلا وهاتي السلاح، خلينا نخلص منها النهاردة."
شعرت رنيم أن أنفاسها تختنق.
الأمر لم يعد مجرد حديث. لقد أصبح حقيقيًا. وأصبح التنفيذ قريبًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت إليه بعينين ترجوان الرحمة وقالت:
"علشان خاطري بلاش يا زين، أنا مش هقدر أعمل كده."
لكن زين لم يمنحها فرصة للهرب.
أمسكها من ذراعها وأرغمها على الوقوف، ثم قال بصوت هادئ يحمل حسمًا مرعبًا:
"يا حبيبتي ده واجب علينا، ولازم نخلص منهم كلهم، أنا هخلص على الرجالة وانتي عليكي ترنيم."
ارتجف قلبها داخل صدرها.
كانت تشعر أنها تدفع نحو هاوية لا تريد السقوط فيها.
لكن خوفها منه، ومن إصراره، كان أكبر من قدرتها على الرفض.
رفعت عينيها إليه، ممتلئة بالخوف، ثم أومأت برأسها بالموافقة أخيرًا، موافقة خرجت منها مكسورة، بلا اقتناع، فقط تحت ضغط الرعب.
استدارت وتحركت نحو غرفتها بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأنها تسير نحو حكمها بنفسها.
ظل زين يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا خلف باب الغرفة.
وفي اللحظة التي غابت فيها عن ناظريه، تبدلت ملامحه بالكامل.
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة شيطانية باردة، ابتسامة لا تحمل أي أخوة، ولا رحمة، ولا شفقة.
كانت ابتسامة رجل انتظر هذه اللحظة طويلًا.
لحظة الخلاص منها.
لحظة التخلص من وجودها نهائيًا.
جلس فوق المقعد براحة تامة، ووضع قدمًا فوق الأخرى، بينما بدأت ذاكرته تنفتح ببطء على جراح الماضي، جراح صنعت داخله ذلك الحقد الأسود الذي لم يمت يومًا.
************************
فلاش باك...
وقف الطفل ذو السبع أعوام أمام والدته، جسده الصغير يرتجف، وأصابعه الغضة متشبثة بثوبها وكأنها آخر ما يربطه بالأمان. كانت دموعه تنزل بلا توقف، وعيناه الصغيرتان تائهتان بين الخوف والرجاء، كأنه يحاول أن يتمسك بها قبل أن تفلت منه للأبد. لم يكن يفهم معنى الرحيل كاملًا، لكنه كان يشعر به، يشعر أن شيئًا كبيرًا على وشك أن ينتزع من حياته، شيئًا لا يمكن تعويضه.
رفع وجهه إليها، وعيناه ممتلئتان برجاء طفل لا يطلب من الدنيا كلها سوى حضن أمه، ثم تكلم بصوت طفولي يرتعش من البكاء:
"ارجوكي يا مامي متسبنيش خديني معاكي."
لكنها لم تنظر إليه بعين أم يوجعها بكاء طفلها، بل نظرت إليه ببرود قاسي، وكأن تشبثه بها صار عبئًا يثقلها.
نزعت يده عنها بعنف، ودفعته بعيدًا عنها بكل قسوة، ثم قالت بنبرة لا تعرف الرحمة:
"اخدك فين؟ انت عبيط! انت مش هتتحرك من هنا هتعيش مع ابوك وانا هرجع مصر مش عايزة اشوف وش حد فيكم."
تجمد للحظة، وكأن الكلمات لم تدخل عقله بعد، ثم هز رأسه بعنف وهو يرفض تصديق ما يسمعه، وازداد بكاؤه أكثر. اقترب منها من جديد وتمسك بها مرة أخرى، وكأن قربه منها قد يغير قرارها، وكأن دموعه قد توقظ داخلها شيئًا من الأمومة التي يبحث عنها.
رفع رأسه إليها وقال بصوت مكسور:
"لا لا يا مامي بليز مش عايز اعيش مع بابي أنا عايزك انتي، خديني اعيش معاكي فى مصر وانا اوعدك مش هعمل شقاوة خالص والله."
كانت كلماته خارجة من قلب طفل مستعد أن يغير نفسه كلها فقط ليبقى معها، مستعد أن يكون كما تريد، فقط حتى لا تتركه وحده. لكنها لم تتأثر.
ضغطت على أسنانها بغضب، وكأن توسله يزيد ضيقها، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"قلتلك انت هتعيش هنا مع بابي أنا مش طايقك لا انت ولا هو، مش كفايه الكام سنه اللي راحوا من عمري معاكم، وافقت على ابوك رغم أن كان قلبي فيه حد تاني، لكن خلاص هرجع مصر وهدور عليه وهتجوزة وابداء حياتي من جديد، وانت هتنسى أن كان ليك ام فاهم."
سقطت كلماتها فوقه بقسوة أكبر من قدرته على الاحتمال.
كان صغيرًا على فهم معنى أن تعترف له أمه بأنها لم تريده يومًا، لكنه فهم شيئًا واحدًا وقتها، أنها تريد حياة لا مكان له فيها.
أنهت كلماتها، ثم استدارت وغادرت، تاركة خلفها طفلًا صغيرًا واقفًا وحده، يبكي بانكسار لم يعرفه من قبل. في تلك اللحظة لم يكن قلبه مجرد قلب طفل موجوع، بل كان قلبًا بدأ يتشقق مبكرًا قبل أن يكبر، وكأن طفولته نفسها توقفت عند هذا الباب الذي خرجت منه أمه دون أن تلتفت خلفها.
مرت الأيام، ومرت معها السنوات.
كبر زين، لكن شيئًا بداخله لم يكبر كما ينبغي.
حين بلغ الثانية عشرة، لم يعد ذلك الطفل الذي يبكي خلف والدته، بل أصبح أكثر صمتًا، أكثر حدة، يحمل داخله قسوة صنعها الغياب، ومرارة صنعتها الخيبة.
ورغم كل ما فعلته به، ظل الحنين إليها يسكنه، كأن الطفل الذي بداخله لم يمت تمامًا.
وحين قرر والده زيارة مصر، كان أول ما خطر بقلبه أن يراها، أن يقف أمامها مرة أخرى، أن يمنح قلبه فرصة أخيرة.
دله أهلها على عنوانها، رغم أنهم كانوا قد تبرأوا منها حين اختارت طريقها بعيدًا عن الجميع. وقف أمام باب منزلها طويلًا.
كانت عيناه معلقتين به، وقلبه يضرب بعنف داخل صدره.
لم يكن يعرف ماذا سيقول حين يراها، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا، أنه اشتاق إليها رغم كل شيء.
رفع يده أخيرًا وضغط على الجرس.
مرت ثواني ثقيلة عليه، حتى انفتح الباب. ظهرت أمامه.
تجمد مكانه وهو يراها، كأنه عاد طفلًا في لحظة واحدة.
أما هي، فنظرت إليه بدهشة واضحة، سرعان ما تحولت إلى قلق ممزوج بالجحود. وتكلمت بنبرة متوترة:
"انت!! بتعمل ايه هنا؟ ومين اداك العنوان بتاعي؟"
نظر إليها، والدموع تتجمع داخل عينيه رغم محاولاته أن يبدو قويًا، ثم قال بصوت مختنق بالشوق:
"بابا نزلنا زيارة لمصر وعلشان انتي وحشتيني سألت تيته عن عنوانك وهي اللي ادتهوني."
تحركت عيناها سريعًا خلفها، وكأنها تخشى أن يراه أحد، ثم أعادت النظر إليه، لكن هذه المرة بعين أكثر قسوة، وكأن وجوده أمام بابها مشكلة يجب التخلص منها فورًا. وقالت بحدة جارحة:
"امشي من هنا مش عايزة اشوفك اعتبر امك ماتت، انساني بقى، أنا ما صدقت اتجوزت الراجل اللي بحبه، ولو عرف بوجودك ممكن تحصلي مشكله."
تلقى كلماتها كأنها صفعة جديدة فوق جرح قديم لم يلتئم.
نظر إليها بعدم تصديق، وكأن عقله يرفض استيعاب أن الأم نفسها يمكن أن تنطق بكل هذا البرود.
ثم قال بصوت خرج محملًا بوجع سنوات:
"انتي ازاي كده؟ ومدام مش عايزاني ليه جبتيني الدنيا، ليه اخدي خطوة انك تجيبي طفل لا حولا ليه ولا قوة وترمي فى الدنيا بقلب مكسور، جيلك قلب ازاي تعملي كده فى حتة منك."
كانت تلك أول مرة يخرج فيها وجعه كله دفعة واحدة.
لم يعد الطفل الذي يبكي فقط، بل صار طفلًا يسأل عن ذنبه.
لكنها أغلقت عينيها بضيق، وكأن كلماته لا تعنيها، ثم قالت بمنتهى البرود:
"غلطة، جيت الدنيا غلطة أنا لا كنت عايزاك، ولا عايزة حاجة تربطني بأبوك، وغور بقى من هنا قبل ما جوزي يجي ويشوفك."
في تلك اللحظة تحديدًا، جاءت طفلة صغيرة من الداخل، تنظر إلى زين ببراءة طفولية، ثم سألت بصوت ناعم:
"مين ده يا مامي؟"
انخفضت فريدة سريعًا، حملت الطفلة بين ذراعيها، وطبعت قبلة حانية فوق خدها، ذلك الحنان الذي ظل زين يطارده طوال عمره ولم ينله ولو مرة.
ثم قالت لها بابتسامة هادئة:
"ها، د ده طفل من بتوع الشوارع عايز فلوس صدقة."
وقفت الكلمات على لسانه وهو ينظر إليها، غير قادر على فهم كيف يمكن لأم أن تنظر إلى ابنها بكل هذا الجفاء، وكأنه غريب اقتحم حياتها دون حق. كان صغيرًا، لا يطلب منها سوى حضن واحد يطمئن به قلبه، لكنها بكلمة واحدة حطمت داخله أشياء كثيرة لم يكن عمره يسمح له بفهمها بعد. حين وصفته أمام الطفلة بأنه مجرد طفل من أطفال الشوارع، شعر وكأنها نزعت عنه اسمه، وذكرياته، وحتى حقه في أن يكون ابنها. رأى بعينيه كيف احتضنت الصغيرة بحنان، وقبلتها بحب، بينما هو وقف أمامها محرومًا من لمسة واحدة كان يتمناها منذ سنوات.
أغلق الباب في وجهه، لكنه لم يكن بابًا عاديًا؛ كان وكأنه أغلق آخر طريق كان يربطه بها. وقف مكانه جامدًا، عيناه معلقتان بالباب، وقلبه الصغير يغرق في وجع أكبر من سنه. في تلك اللحظة فهم الحقيقة كاملة؛ فهم أنه لم يكن يومًا جزءًا من حياتها، وأنها اختارت حياة أخرى، وابنة أخرى، ومنحتها كل الحب الذي كان يتمناه لنفسه.
ومن يومها تغير زين، لم يعد ذلك الطفل الذي يبكي شوقًا لأمه، بل تحول داخله شيء مظلم، شيء امتلأ بالقهر والحرمان. كبر وهو يحمل هذا الجرح بداخله، جرحًا لم يلتئم مع الأيام بل ازداد عمقًا، وتحول إلى نار صامتة تأكل روحه ببطء. وكان كلما تذكر وجه تلك الطفلة بين ذراعي أمه، يشتعل داخله غضب مرير، لأنه كان يرى فيها الحياة التي سرقت منه، والحنان الذي حرم منه، والمكان الذي كان من حقه يومًا أن يكون فيه.
ومن هنا بدأ كرهه لرنيم؛ لم يكرهها لأنها فعلت شيئًا له، بل لأنها كانت تملك كل ما تمناه يومًا ولم ينله. ومع مرور السنوات، لم يخفت هذا الحقد، بل وجد من يغذيه ويزيده سوادًا، خاصة مع وجود مريم التي لم تترك جرحه يهدأ، بل كانت تسقيه سمًا حتى صار قلبه قاسيًا كالحجر، لا يعرف الرحمة، ولا يرى في الانتقام إلا حقًا مؤجلًا ينتظر لحظة تنفيذه.
*************************
باااك...
عاد زين من شروده الطويل وعيناه محمرتان بالغضب، وكأن الذكرى التي اجتاحته منذ لحظات لم تكن مجرد ذكرى عابرة، بل جرحًا قديمًا ما زال ينزف داخله كلما مر عليه الزمن. كان كل مشهد من ماضيه يمر أمامه واضحًا، وكل كلمة قالتها أمه له تعود لتضرب قلبه من جديد، فتوقظ داخله ذلك الحقد الذي لم يعرف يومًا كيف يدفنه أو يتجاوزه. وكلما استعاد تلك اللحظات، كان غضبه يكبر أكثر، حتى صار يشعر أن صدره يضيق بما يحمله من نار.
وفي تلك اللحظة، خرجت رنيم من غرفتها.
كانت خطواتها بطيئة ومضطربة، وجسدها كله يرتجف بشكل واضح، وكأنها تسير نحو مصير تعرف جيدًا أنها لا تريده، لكنها عاجزة عن الهروب منه. رفع زين عينيه إليها، وتأملها للحظات طويلة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، ابتسامة مظلمة لم تنتبه لها هي، لأنها كانت غارقة في خوفها أكثر من أن تلاحظ ما يدور خلف ملامحه.
نهض من مكانه بهدوء، واقترب منها ببطء متعمد حتى توقف أمامها مباشرة، ونظر إلى وجهها عن قرب، يراقب ارتجافها ونظرة الخوف الواضحة في عينيها، ثم قال بصوته الهادئ الذي كان يخفي وراءه الكثير:
"ها جاهزة يا قلب اخوكي؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بجفاف حلقها حتى كادت تختنق، ثم حركت رأسها بالنفي، وكأن هذا الرفض الصامت قد يغير شيئًا مما ينتظرها.
لكن زين لم يتراجع، بل ابتسم ابتسامة أوسع، ومد يده يربت على خدها بحركة بدت حنونة من الخارج، لكنها حملت في داخلها قسوة مخيفة، ثم قال بنبرة أكثر ظلمة:
"معلش هي أول مرة كده بتكون صعبة وبعد كده هتتعودي."
امتلأت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها برفض واضح، وشعرت أن الخوف يكاد يلتهمها بالكامل، ثم قالت بصوت مختنق خرج بصعوبة:
"بس انا مش عايزه اتعود ارجوك يا زين بلاش."
توقفت ملامحه للحظة، ليس تأثرًا بها، بل لأن رجاءها أيقظ داخله ذكرى أخرى؛ ذكرى صوته هو حين كان طفلًا، يتوسل لأمه ألا تتركه، نفس الرجاء، نفس الانكسار، نفس الخوف من الفقد. لكنه بدلًا من أن يلين، شعر بلذة غريبة وهو يرى هذا التوسل أمامه، وكأن القدر أعاد له المشهد ولكن هذه المرة جعله في موقع القوة لا الضعف. كان ينظر إليها ويرى فيها كل ما حرم منه، كل ما اعتقد يومًا أنه سرق منه، ولذلك لم ير دموعها كضعف، بل كتعويض متأخر عن وجعه القديم.
لكن كعادته، أخفى كل ما يدور داخله خلف ذلك القناع الهادئ الذي اعتادت رنيم أن تصدقه، وعاد يتحدث معها بنفس الصوت المخادع الذي كان يستخدمه دائمًا ليقودها حيث يريد:
"تاني يا رنيم، ما احنا اتفقنا خلاص مش كل شويه اللي نعيده نزيده يا حبيبتي، هي ضغطه واحده على الزناد وهتخرجي بسرعه قبل ما حد يشوفك، أنا لو كنت حافظ المكان ده كنت خلصت بنفسي."
ظلت تنظر إليه للحظات طويلة، وعقلها يحاول أن يتمسك بأي سبب يجعلها ترفض، لكن خوفها منه كان أكبر من قدرتها على المواجهة، لذلك ابتلعت ريقها بصعوبة، وأومأت له بالموافقة، رغم أن قلبها كله كان يصرخ بالرفض.
تحركت معه نحو الباب بخطوات مترددة، وكل خطوة كانت تثقل أكثر من التي قبلها، حتى دخلا المصعد الكهربائي. وما إن أغلق الباب عليهما وبدأ المصعد يهبط، حتى ثبتت رنيم عينيها على الأرقام المضيئة وهي تتناقص أمامها، وشعرت أن قلبها يهبط معها بنفس السرعة، ينبض بعنف شديد داخل صدرها حتى كادت تشعر به يخرج من مكانه.
كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها، لكن الهواء بدا ثقيلًا، وكأن الجدران تضيق حولها كلما اقتربت من الأسفل.
وحين توقف المصعد أخيرًا وانفتح الباب، أمسك زين يدها وتحرك بها إلى الخارج، ثم اتجها معًا نحو السيارة. صعد زين أولًا خلف المقود وكأنه يحسم كل شيء، بينما تحركت رنيم نحو الجهة الأخرى بقدمين مرتجفتين، ومدت يدها لتفتح الباب، لكن قبل أن تصعد شعرت بقبضة قوية تمسك بذراعها وتمنعها من الحركة.
تجمد جسدها بالكامل، واتسعت عيناها بصدمة كبيرة، ثم التفتت بسرعة لتنظر إلى صاحب تلك القبضة، وما إن رأته حتى خرج اسمه من بين شفتيها بصوت مرتجف:
"ش شاهين!"
كان شاهين يقف أمامها وعيناه تشتعلان بغضب مرعب، غضب جعلها تشعر أن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.
نظر لها للحظة واحدة فقط، ثم جذبها بعيدًا عن السيارة بعنف، وأغلق الباب بقوة جعلت صوت ارتطامه يدوي في المكان، قبل أن يتركها ويتجه مباشرة إلى الجهة الأخرى.
فتح الباب بعنف، وأمسك زين من ملابسه، وسحبه إلى الخارج بقوة لم تمنحه حتى فرصة للفهم، ثم انهالت عليه أول لكمة بكل غضبه المكبوت، فاصطدمت بوجهه بقسوة جعلت الدماء تتدفق فورًا من أنفه. لم يمنحه فرصة ليستعيد أنفاسه، بل تبعتها لكمة أخرى، ثم أخرى، حتى بدأ زين يفقد توازنه أمام هذه الضربات المتلاحقة.
حاول المقاومة، لكن شاهين كان أسرع منه وأقوى بكثير مما توقع، ولم يترك له أي فرصة للدفاع عن نفسه، حتى سقط زين على الأرض تحت وطأة الضرب، لكن شاهين لم يتوقف، بل جلس فوقه وأكمل ضربه بعنف أكبر، وكأنه يفرغ فيه غضبًا تراكم داخله منذ وقت طويل.
وقفت رنيم مكانها مصدومة تمامًا، عاجزة عن استيعاب ما يحدث أمام عينيها، والدموع كانت تنهمر منها بلا توقف، بينما عقلها يرفض تصديق المشهد كله. كانت ترى أخاها يضرب بعنف، وترى شاهين بصورة لم تعهدها من قبل، وكل هذا جعلها تقف للحظات مشلولة الحركة.
لكن حين شعرت أن الأمر تجاوز قدرتها على الاحتمال، اندفعت نحوه بسرعة، وأمسكت ذراع شاهين محاولة أن تبعده عن زين، إلا أن جسده كان متصلبًا تحت الغضب، وقوته جعلت محاولتها تبدو ضعيفة أمامه.
صرخت بصوت منهار، والدموع تخنق كلماتها وهي تقول:
"سيبه يا شاهين علشان خاطري."
وما إن وصلت كلماتها إليه، وما إن سمع الانهيار الواضح في صوتها، حتى توقف فجأة، وكأن صوتها وحده كان قادرًا على سحبه من حالة الغضب التي كان غارقًا فيها.
رفع رأسه ونظر إليها، فرآها منهارة تمامًا أمامه، تبكي وترتجف وكأنها على وشك السقوط، فترك زين ونهض واقفًا، يحاول أن يسيطر على أنفاسه المتسارعة.
تحركت رنيم تلقائيًا وكأنها ستذهب نحو أخيها لتطمئن عليه، لكن شاهين كان أسرع منها، فأمسكها من ذراعها بقوة، ومنعها من الاقتراب، ثم أجبرها على التحرك معه رغم مقاومتها الضعيفة.
فتح باب سيارته ودفعها إلى الداخل، ثم أغلق الباب بعنف قبل أن يستدير بسرعة ويجلس خلف المقود، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت السيارة بسرعة جنونية، وكأن الغضب ما زال يقوده حتى بعد أن غادر المكان.
أما زين، فقد ظل ممددًا على الأرض فاقدًا للوعي، والدماء تنهمر من وجهه بغزارة، بينما المكان من حوله عاد ساكنًا، وكأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى انفجار عنيف ترك خلفه وجعًا جديدًا سيغير كل شيء.
***************************
بعد وقت ليس بقليل، أوقف شاهين السيارة على جانب الطريق بعنف واضح، حتى كادت العجلات تصرخ تحت قوة الفرامل. ظل ممسكًا بعجلة القيادة بكلتا يديه، أصابعه تضغط عليها بعنف، وعروق كفه بارزة من شدة التوتر، بينما صدره يعلو ويهبط بسرعة وهو يحاول السيطرة على غضبه الذي كان يشتعل داخله بلا رحمة. لم يكن غضبه منها، بقدر ما كان غضبًا من فكرة أنه وصل متأخرًا دقائق قليلة، دقائق كانت كفيلة بأن تدمر حياتها بالكامل لو لم يتدخل في الوقت المناسب.
أما رنيم، فكانت طوال الطريق أشبه بإعصار من الانفعال، تصرخ فيه بلا توقف، تطلب منه أن يعيدها، أن يتركها تعود إلى زين، كانت كلماتها تختلط ببكائها، وصوتها يرتجف بين الخوف والذنب، بينما هو ظل صامتًا طوال الطريق، وكأن صمته كان الطريقة الوحيدة التي تمنعه من الانفجار. كان يزيد من سرعة السيارة كلما ارتفع صوتها، ليس هروبًا من الحديث، بل هروبًا من غضبه الذي كان يوشك أن يخرج بطريقة قد تخيفها.
ظل الصمت الثقيل معلقًا بينهما لثواني طويلة بعد توقف السيارة، قبل أن يخرج صوته أخيرًا، منخفضًا لكنه محمل بحدة واضحة وهو يسألها:
"كنتوا رايحين فين فى وقت زي ده يا رنيم؟"
أدارت وجهها بعيدًا عنه، وكأنها ترفض حتى مواجهته، وشعرت بغصة تخنق صوتها وهي تجيب بعناد حاولت أن تتشبث به رغم ارتجافها:
"ملكش فيه، انت مالك بيا اصلا، اروح مكان ما أنا عايزة، انت ملكش حكم عليا اصلا."
بمجرد انتهاء كلماتها، هوى بقبضته على المقود بعنف جعل صوت الضربة يملأ السيارة، فانتفض جسدها كله من مكانه، ثم التفت لها بنظرة مشتعلة وصوته خرج هذه المرة عاليًا، حادًا، يحمل خوفًا أكثر مما يحمل غضبًا:
"ررنيم، متعصبنيش وردي عليا عدل، كنتي رايحه فين مع البني ادم ده الفجر كده؟"
شعرت بأن الكلمات علقت داخل حلقها، وأن نظراته كانت تخترقها وتنتزع منها الحقيقة بالقوة، وحين ارتفع صوته مرة أخرى داخل رأسها قبل أذنيها، خرجت الكلمات منها متعثرة تحت وطأة الخوف:
"ك كنت رايحه الفيلا عند عمتو سميه."
نظر لها شاهين بتركيز شديد، ولم يقاطعها، فقط أومأ برأسه ببطء، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة لتكمل بنفسها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة:
"امم، كملي كنتوا رايحين تعملوا ايه فى وقت زي ده؟"
زاغت ببصرها بعيدًا عنه، وأطبقت شفتيها بقوة، لكن ارتباكها كان يفضحها بوضوح. شاهين لم يكن بحاجة لإجابة كاملة؛ كان يرى الحقيقة في رعشة يدها، في أنفاسها المضطربة، في نظراتها الهاربة. فهم كل شيء قبل أن تنطق به.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو يمد يده أمامها ويقول بصوت صارم:
"هاتي اللي فى شنطتك."
اتسعت عيناها بصدمة، ونظرت إليه وكأنها لا تستوعب كيف عرف، ثم قالت بتوتر واضح:
"ها، ه هو ايه ده؟"
مال بجسده قليلًا نحوها، ونظر لها نظرة جعلت الدم يتجمد بعروقها، قبل أن يكرر بصوت خرج من بين أسنانه:
"هاااتي اللي فى شنطتك يا ررنيم."
ارتجفت يدها وهي تتحرك نحو حقيبة يدها ببطء شديد، وكأن كل حركة كانت تثقل عليها أكثر من التي قبلها. فتحت الحقيبة، وأخرجت السلاح منها بيد مرتجفة، ثم ناولته له دون أن ترفع عينيها إليه.
اختطفه من يدها بعنف، ورفعه أمام عينيها وهو يهتف بغضب لم يعد قادرًا على إخفائه:
"تاااني يا رنيم، انتي ايه محرمتيش من أول مره، طيب انا وخرجتك منها بسهولة، إنما اللي كنت هتعملي دلوقتي، مكانش هيسموا عليكي، كان هيحصلك حاجه من الاتنين يا هيضربوا عليكي رصاص من قبل ما تعملي حاجه، يا كانوا هيسلموكي لشرطة، لأن غريب مشدد الحراسه على الفيلا اليومين دول، واكيد فيهم ناس جديدة متعرفش انك كنتي عايشه فى المكان ده قبل كده، فين عقلك يا رنيم؟ ده انا اكتر حاجه حبيتها فيكي هو عقلك."
بمجرد أن انتهى، انهارت دموعها بغزارة، كأن كلماته كسرت آخر مقاومة كانت تتمسك بها، وتكلمت بصوت مخنوق بالبكاء:
"أنا كنت رافضه أعمل كده والله، أنا مش مجرمة علشان اقتل كل شويه حد، ب بس هو كان مصمم اعمل كده علشان أنا كنت عايشه هناك وحافظة المكان كويس، رفض والله العظيم رفض، بس مكنتش حابه ازعل زين، هو بيحبني ووقف معايا كتير علشان يرجع الشركه ليا وعلى طول فى ضهري، و واكيد هو مش عايز يأذيني بس قلبه محروق على ماما زي واكتر."
أغلق شاهين عينيه بقوة، وأخرج زفرة طويلة حارقة. كان يعرف الحقيقة كاملة، يعرف من هو زين، ويعرف ماذا يحمل داخله تجاهها، وكان أكثر ما يؤلمه الآن أنها ترى فيه السند والأمان، بينما هو لا يرى فيها إلا وسيلة لشفاء جرحه القديم بدمارها.
فتح عينيه ونظر لها طويلًا، ثم حاول أن يجعل صوته أهدأ وهو يقول:
"رنيم ممكن متعمليش اي حاجه من ورايا، حتى لو اخوكي اللي طلب منك ده، أنا مش عايز اخسرك بعد ما صدقت لاقيتك، عايزة تنتقمي؟ قوليلي وانا اهد الدنيا كلها علشان خاطر عيونك، بس بلاش تعرضي نفسك للخطر علشان خاطري."
رفعت عينيها إليه، ونظرت داخلهما بتمعن، فرأت شيئًا صادقًا يهزها من الداخل، شيئًا جعل مقاومتها تضعف، فأومأت برأسها بهدوء وقالت:
"ح حاضر."
تنفس براحة خفيفة، ثم اعتدل في جلسته، واستدار بجسده نحوها، وأمسك يدها بين يديه وكأنه يحاول أن يثبتها في مكانها، أو يثبت نفسه بها، ثم قال بحب واضح:
"رنيم أنا عايزك تثقي فيا، مش عايزك تصدقي أي كلمه تتقال ليكي من اي حد غيري، الدنيا حواليكي مش زي ما انتي شيفاها، أنا هحميكي من الدنيا كلها حتى من نفسك، وهنوصل لبر الامان واحنا سوا."
ضيقت عينيها وهي تنظر له، وصوتها خرج مختلطًا بالحيرة والألم:
"وانا ايه يخليني اثق فيك يا شاهين؟ انت اكتر واحد دمرني فى شغلي، ابن اكتر واحده بكرهها وايديها عليها دم اهلي، ظهورك فى حياتي اصلا كانت خطة ما بينكم علشان تدمرني وتنتقم مني على حاجة أنا معرفش ايه هي، وبعد كل ده جاي تقولي اثق فيك ومسمعش كلام اي حد غيرك! طيب على اي اساس بتطلب مني حاجه زي دي؟ ده انت اكتر شخص المفروض احرص منه، يا شاهين"
ابتسم لها بهدوء، ولم يغضب من كلامها، لأنه يعرف أنها محقة، ثم قال بصوت مملوء باعتراف صريح:
"بطلب منك كده علشان أنا اكتر شخص بيحبك يا رنيم، اه منكرش كلامك، واني فعلا عملت كل ده فيكي، بس لسه مكنتش اعرفك يا رنيم، انتي خطفتي قلبي من أول مقابله ما بينا كنت كل ما أحس بحبك بيكبر فى قلبي، كنت اضغط عليكي اكتر، علشان اثبت لنفسي قبل ما أثبت ليهم، أن مافيش اي مشاعر جوايا ليكي، بس خلاص جه وقت ومقدرتش أنكر الحقيقه اللي فى قلبي، اني بحبك يا رنيم، ومقدرش استحمل اشوفك تتأذي، ومن وقت ما صرحت لنفسي بالحقيقه دي، وانا قررت اعيش حياتي كلها عدو لكل اعدائك واعيش لحمايتك وبس، حتى من اقرب الناس ليا، وبناء على كلامي ده طلبت منك متثقيش فى حد غيري."
ظلت تنظر إليه طويلًا، وكأنها تحاول أن تزن صدقه بعينيه، لكنها رأت هناك شيئًا لم تستطع إنكاره؛ رأت حبًا واضحًا، وأمانًا لم تجربه من قبل، فأخفضت دفاعاتها أخيرًا وابتسمت له بحب ثم قالت:
"وانا واثقه فيك يا شاهين، حياتي كلها ملك ايدك."
وصلت كلماتها إليه أعمق مما تتخيل، وشعر وكأن قلبه توقف للحظة ثم عاد ينبض بعنف. فكرة أنها وضعت نفسها بين يديه بهذا الشكل جعلته يشعر بمسؤولية ضخمة تجاهها، مسؤولية أكبر من الحب نفسه.
اقترب منها فجأة واحتضنها بقوة، كأنه يريد أن يخبئها داخل صدره بعيدًا عن العالم كله، ثم وضع قبلة رقيقة على عنقها تناقض تمامًا شدة عناقه، واقترب من أذنها هامسًا:
"حياتك معايا فى أمان، هحافظ عليكي بعمري كله يا رنيم، بحبك."
ارتجف جسدها بين ذراعيه، وشعرت بدقات قلبها تضرب بعنف داخل صدرها، لكن الغريب أنها لم تخف، بل شعرت براحة غريبة وهي تستند إليه. رفعت يديها ببطء واحتضنته هي الأخرى بقوة، وكأنها ترد عليه بلغة لا تحتاج كلمات.
ابتسم شاهين بسعادة حقيقية، وفهم من عناقها ما لم تقله، ووعد نفسه بصمت أنه سيكون ملاذها مهما حدث.
ابتعد عنها أخيرًا، لكنه أبقى وجهها بين كفيه، ينظر إليها بحب واضح، ثم قال بمكر ممزوج بعشق:
"أنا لو عليا عايز اقضي عمري كله وانتي في حضني كده، بس للاسف بالطريقه دي هنتمسك بقضية فعل فاضح فى الطريق العام، يتقفل علينا باب واحد وانا مش هخرجك من حضني ابدا."
اقترب بعدها ووضع قبلة على خدها، ثم ابتعد بغمزة شقية أعادت الدماء إلى وجنتيها، وعاد لمقعده وأدار السيارة.
أما هي، فظلت كما هي، تحاول استيعاب كل ما حدث، تشعر بحرارة الخجل تغمر وجهها، فعقدت ذراعيها على صدرها وأدارت وجهها ناحية النافذة تخفي ابتسامتها.
راقبها بطرف عينه، وابتسامتها الصغيرة كانت كافية لإرباكه، فقال بنبرة متذمرة عاشقة:
"بطل تحلو كده يا بطل، علشان قلبي مش حملك وبينهار."
انفجرت ضاحكة رغماً عنها، ثم قالت بصعوبة بين ضحكاتها:
"اللي يسمعك بتقول كده، ميصدقش انك انت ذاته شاهين الرواي اللي بيرعب اتخن تخين."
نظر لها بحب وقال بمزاح:
"لا ما هو انا ارعب اتخن تخين، وفى الاخر حتة اربعه وخمسين سنتي تيجي وتوقع شاهين الرواي بنفسه وترعبه كمان."
ابتسمت بخجل وأدارت رأسها وهي تقول:
"ربنا يعيني عليك بجد."
تعالت ضحكاته، وعاد ينظر للطريق أمامه، لكن هذه المرة كان قلبه أخف، رغم القلق الذي ما زال ينهش داخله عليها، إلا أن وجودها بجانبه، وثقتها التي وضعتها بين يديه، جعلته يشعر أن كل معاركه القادمة تستحق أن تخاض.
**************************
خرجت مريم بمقعدها من غرفتها فور ما سمعت صوت الباب يغلق في الخارج، وكأنها كانت تترقب تلك اللحظة منذ البداية، فقد فهمت على الفور ما الذي فعله شاهين، وفهمت أكثر ما الذي ينوي فعله بعد ذلك. كانت تدرك جيدًا أن كل مرة يتحرك فيها لحماية رنيم، يهدم حجرًا جديدًا من الخطة التي بنتها طوال سنوات، الخطة التي ظنت أنها محكمة لا يمكن أن يفسدها شيء، لكن وجود رنيم في حياة شاهين جعل كل شيء يختل، وجعل ابنها الذي ربته على القسوة والانتقام يقف الآن ضدها دون أن يشعر. نظرت إلى الباب الذي خرج منه بعينين ممتلئتين بالغضب، وشعرت أن الأمور بدأت تفلت من بين يديها بشكل لم تتوقعه، فمدت يدها سريعًا إلى الهاتف وأجرت اتصالًا، وظلت تنتظر الرد وهي تضغط على أسنانها بعصبية واضحة، وما إن سمعت الصوت على الطرف الآخر حتى قالت بصوت يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
"تيجي حالا متتأخرش."
أتاها صوت متذمر على الجانب الآخر. قال:
"يا ماما ده وقته أنا لسه نايم مبقاليش ساعتين."
اشتد غضبها أكثر، ليس فقط من تأخره أو اعتراضه، بل من شعورها أن كل شيء حولها بدأ يضعف، وأن عليها أن تتحرك بنفسها لتعيد السيطرة، فتحدثت بحدة واضحة وصوت غاضب:
"اسمع الكلام ميبقاش انت واخوك، يا خلفة سودا، اخلص بسرعه وانت جاي هتلاقي زين تحت هاته معاك."
أنهت المكالمة وأغلقت الخط دون أن تمنحه فرصة للرد، وكأنها لا ترى في أحد منهم حق الاعتراض أصلًا، ثم ظلت مكانها تنتظر، وعيناها مشغولتان بالتفكير، تحاول ترتيب الخطوة التالية بعدما شعرت أن شاهين بدأ يبتعد عن المسار الذي رسمته له بيديها.
مر بعض الوقت حتى فتح الباب من جديد، ودخل مروان وهو يسند زين الذي كان يبدو في حالة مزرية، وجهه مغطى بالدماء والتورمات، وأنفاسه ثقيلة متقطعة من شدة الضرب الذي تلقاه، حتى إن جسده كله بدا وكأنه بالكاد قادر على الثبات. ساعده مروان حتى أجلسه على المقعد، ثم ألقى بنفسه على الأريكة بضيق واضح، وهو لا يزال غير مستوعب كيف تم سحبه من نومه في ذلك الوقت المبكر، وقال بصوت مختنق يحمل انزعاجه:
"يعني يرضي مين ده يا ماما، الوقت لسه بدري اوي."
لكن مريم لم تهتم بكلامه، كانت تنظر إلى زين وحالته، والغضب بداخلها يتصاعد أكثر، ليس شفقة عليه، بل غضبًا من أن شاهين تدخل مرة أخرى وأفسد ما أرادوه، وتكلمت بصوت حاد ومظلم، وكأن القرار بداخلها قد حسم بالفعل:
"البت دي لازم نخلص منها، وجودها بقى خطر علينا كلنا، شاهين مبقاش شايف غيرها، وبسببها كل اللي خططنا ليه طول السنين اللي فاتت هيروح هدر."
رفع مروان رأسه إليها بضيق، وقد بدأ يشعر أن ما يحدث تجاوز كل الحدود، وأن أخاه الذي تحمل عن الجميع سنوات طويلة لا يستحق كل هذا الخراب الذي يفرض عليه، فتحدث بصوت مختنق يحمل اعتراضًا صريحًا:
"هو انتي مستكتره على ابنك يعيش سعيد فى حياته، هو حبها ايه المشكله؟ سيبوه فى حالة، شاهين طول عمره هو اللي شايل الكل، حتى متهناش فى جوازته الاولى وكنتي انتي السبب برضه كفايه بقى حرام عليكم."
اشتعلت عيناها غضبًا فور سماع كلماته، لأنها رأت في اعتراضه تمردًا، ورأت فيه وقوفًا في صف شاهين ضدها، فوجهت له نظرة حادة وقالت بحدة:
"اخرس انت متدخلش فى اللي ملكش فيه، مش كفايه انك مش عارف توقع حتة بنت وتنفذ اللي طلبته منك."
أدار مروان وجهه بعيدًا عنها، وكأن كلامها لم يعد يؤلمه بقدر ما صار يكشف له حقيقتها أكثر، ثم تكلم بصوت مختنق يحمل شيئًا من الحسرة:
"اتمنى ابقى زي اخويا شاهين، واقدر اختار البنت اللي بحبها وابعد عن القرف ده كله."
في تلك اللحظة فتح زين عينه المتورمة بصعوبة، كان الألم ينهش وجهه وجسده، لكن النار التي بداخله كانت أشد من أي ألم جسدي، فقد شعر بالإهانة أكثر مما شعر بالوجع، وشاهين لم يهزمه فقط بالضرب، بل كسر هيبته أمام رنيم، وهذا وحده كان كافيًا ليوقظ داخله كل الحقد دفعة واحدة، فقال بصوت ثقيل مختنق بالغضب:
"موت البنت دي على أيدي أنا، مبقاش أنا لو محرقتش قلبه عليها وبعدها هشرب من دمه هو كمان."
رفعت مريم عينيها إليه سريعًا، ونظرتها كانت حادة ومليئة بالتحذير، فهي لا تمانع موت رنيم، بل تتمنى ذلك، لكنها في الوقت نفسه تضع حدودًا واضحة حين يتعلق الأمر بأبنائها، فقالت بصوت صارم يحمل تهديدًا مباشرًا:
"عندك يا ابن يا فريدة اختك تقتلها ياريت ده اللي انا عايزاه، لكن دماغك توزك وتفكر تقرب من ابني، همحيك من على وش الأرض، متنساش ده يبقى ابن مين، واللي يفكر يقرب من عيال مريم انسفه نسف."
نظر إليها زين طويلًا، وعيناه ممتلئتان بوجع أعمق من جراح وجهه، وجع قديم عاد ينهشه من جديد، وجع طفل كان يتمنى يومًا أن تحميه أمه كما تحمي هي أبناءها الآن، لكنه لم يحصل منها إلا على الطرد والرفض، فتحدث بصوت مختنق يحمل مرارة السنين كلها:
"ياريتها كانت بتخاف عليا زي ما انتي خايفه على عيالك كده، اهو شوفي انتي وكل الشر اللي فى قلبك، بس عندك استعداد تهدي الدنيا كلها علشان ولادك."
ابتسمت مريم ابتسامة خبيثة، فهي تعرف جيدًا كيف تمسك جروحه وتحركه بها كما تشاء، وتعرف أن كلمتين في المكان الصحيح كفيلتان بإشعال ناره من جديد، فقالت بنبرة لئيمة هادئة:
"وانت فى ايدك تتنقم من الشخص اللي اخد منك الحب والاهتمام دول، وانت ابني التالت بس اجمد كده وشد حيلك."
ساد الصمت بعد كلماتها، لكن ذلك الصمت لم يكن هادئًا، بل كان ممتلئًا بخطط سوداء تتشكل في العقول والقلوب، بينما جلس مروان ينظر إليهم بعدم رضا، يشعر بثقل ما يسمعه وما يدبر أمامه. كان يحب شاهين أكثر من أي شيء، يراه أخًا وأبًا وسندًا، ويعرف أن كل خطوة يخططون لها الآن لن تؤذي رنيم وحدها، بل ستطعن شاهين في قلبه، وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يشعر أن البيت كله يسير نحو كارثة لن ينجو منها أحد.
