رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم شهد الشوري


 رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الثالث والعشرون 

كانت قمر تجلس فوق فراشها، منكفئة على كتاب طبي ضخم تقرأه بتركيز شديد وتدون بعض الملاحظات المهمة في دفترها محاولة إنجاز البحث المطلوب منها في الجامعة......

في تلك الأثناء، كان يونس يدخل من باب القصر بعد يوم عملٍ طويل مرهق وما إن خطا بضع خطواتٍ إلى الداخل حتى اعترض طريقه سيف ابن عمه الأصغر منه بعامين
على وجهه ابتسامة ماكرة وقبل أن يلقي يونس التحية عليه مد سيف يده بصندوقٍ مغلف بأناقة، وقال بمرحٍ خبيث :
عشان تعرف إني بوجب معاك يا عريس اديها لمراتك على إنها منك وهتشوف أحلى شغل الليلة وبكره تدعيلي

حمل كلامه أكثر من معنى ولم يُمهل يونس الفرصة حتى ليسأله إذ ركض مبتعدًا بسرعة وهو يضحك تاركًا خلفه ذلك الصندوق وما يحمله من مفاجآت

صعد يونس إلى غرفته وهو يحمله بين يديه خلع سترته ثم حل بضعة أزرار من قميصه وطوى أكمامه قبل أن يتجه نحو الفراش ويجلس أمام قمر التي لم تنتبه إليه في البداية حتى رفعت رأسها أخيرًا وما إن رأته حتى ابتسمت برقة قائلة :
حمد الله على السلامة يا يونس

تسللت الابتسامة إلى شفتيه رغم إرهاقه....
كم يعشق سماع اسمه من بين شفتيها ذلك الاسم الذي بدا أجمل كلما نطقت به ولا يستشعر حلاوته إلا منها
نظر إلى شفتيها بشرود كانت قبلة واحدة فقط هي كل ما ناله منها حتى الآن لكنها كانت كفيلة بأن تظل عالقة في ذاكرته كطعمٍ لا يُنسى وضع الصندوق أمامها فانعقد حاجباها باستغراب وسألته :
إيه ده.....؟!!

ابتسم لها قائلاً بهدوء :
هدية بسيطة إن شاء الله تعجبك

اتسعت ابتسامتها بسعادة طفولية فهي تعشق الهدايا مهما كانت بسيطة مدت يدها وفتحت الصندوق بحماسٍ واضح تزيح الأوراق البيضاء الرقيقة التي تغطي محتواه
لكن ما إن رفعت الغطاء حتى اصطدمت بشيءٍ أسود لامع

رفعته بذهول، واتسعت عيناها فجأة بينما كان يونس يرتشف الماء وما إن وقعت عيناه على ما بداخل الصندوق حتى أخذ يسعل بعنف وقد احمر وجهه من الصدمة فقد كانت الهدية بدلة رقص سوداء لامعة !!!!

تجمدت قمر في مكانها وكأن جسدها تحول إلى حجر
ثم رفعت عينيها ببطء نحو يونس وقد تحولت نظراتها إلى شراراتٍ مشتعلة وفي لحظةٍ خاطفة ألقت الصندوق جانبًا وأمسكت بالعصا الرفيعة المرفقة بالبدلة وانقضت عليه تضربه بها وهي تصرخ بغضبٍ عارم :
يا سافل يا قليل الأدب إيه ده اللي جايبهولي ده جايبلي بدلة رقص ليه هيفا ولا صافيناز !!!

كان يونس يتراجع للخلف وهو يتحسس ذراعه الذي أصابته العصا بينما أخذ يركض حول الفراش هربًا من ضرباتها المتتالية :
اسمعي بس.....

قاطعته وهي تواصل مطاردته بغضبٍ مشتعل :
اظهر وبان على حقيقتك طلعت متجوزني عشان قلة الأدب اللي في دماغك مش شهامة وجدعنة زي ما كنت فاكرة

كان يركض وهي خلفه تضربه كلما اقتربت منه بينما يحاول عبثًا أن يجد تفسيرًا يقنعها لكنه عجز عن قول الحقيقة كيف يخبرها أنه كذب عليها وأن تلك الهدية ليست منه أصلًا

لكنها لم تمنحه فرصة وواصلت الهجوم وهي تصرخ بحدة :
صنف زبالة كلكم غدارين وأنا اللي رايحة جاية أقول معتبراك أخويا وانت اتاريك ديب وعاوز تنقض عليا

صرخ فيها يونس بغيظ وهو يركض مبتعدًا :
قسمًا بالله عندي استعداد أنقض عليكي دلوقتي لو ما اتهديتيش، إنتي يا بت اي إيه جايبة الصحة دي كلها منين يخربيتك !!!

في لحظة غضب أمسكت بالمنبه المصنوع من الكريستال ثم ألقته نحوه، ليتفاداه بمهارة في آخر لحظة
ايوه بان على حقيقتك

في لحظةٍ مفاجئة انقضت عليه من الخلف وتعلقت برقبته تعض كتفه بغيظٍ شديد بينما حاول هو أن يُنزلها عنه بصعوبة
نجح أخيرًا في إنزالها، لكنها لم تتوقف، بل عادت تضربه بالعصا، حتى نفد صبره تمامًا وفي حركةٍ سريعة أمسك بها وألقاها فوق الفراش مقيّدًا يديها بيديه وقدميها بقدمه محاولًا السيطرة على حركتها......

كانت تتلوى وتحاول الإفلات منه، بينما أنفاسه تعالت من شدة المجهود صرخ فيها بأنفاسٍ لاهثة :
اتهدي بقى

لكنها لم تتوقف بل رفعت رأسها فجأة وعضت كتفه بقوة جعلته يتأوه حينها نفد آخر خيطٍ من صبره قبض على خصلات شعرها برفقٍ مشدود، وأجبر رأسها على الثبات ثم انحنى عليها فجأة منقضًا على شفتيها بقبلة قوية عنيفة أوقفت ثورتها في لحظة واحدة !!!

كانت قبلة عنيفة خرجت منه بدافع الغضب أكثر مما خرجت بدافع الشوق أراد بها أن يوقف سيل كلماتها وشراستها لكنها ما لبثت أن تحولت إلى شيءٍ آخر تمامًا إلى اعترافٍ صامت
إلى أمنية عاش بها طويلًا
إلى لحظة سرقها قلبه قبل أن يستأذن عقله !!

ظل يونس يقبلها وكأنه يحاول اختصار سنواتٍ كاملة من اللهفة والانتظار بينما كانت هي ساكنة بين ذراعيه بصورة أقلقته أكثر من أي مقاومة كانت ستبديها
ثم شعر بها ترتجف ارتجافة خفيفة في البداية قبل أن تتحول إلى اهتزازٍ واضح اجتاح جسدها كله توقفت أنفاسه وتجمد قلبه أما قمر فلم تكن تراه أصلًا لم تكن في هذه الغرفة
لم تكن بين ذراعيه لقد عادت إلى هناك
إلى تلك الليلة التي حاولت ألف مرة أن تدفنها في أعماقها لكنها كانت تعود كلما ظنت أنها نجت منها عادت إلى الخوف
إلى العجز إلى الشعور المرير بأنها تُسلب حقها في
الصراخ والرفض والنجاة

كانت دموعها تنساب بصمتٍ فوق وجنتيها بينما جسدها يستعيد كل ما حاول عقلها نسيانه بعض الجراح لا تلتئم مهما مر عليها بل تتوارى فقط ثم تعود للحياة مع أول ذكرى
مهما حاول الإنسان إقناع نفسه بأنه تجاوزها تبقى كامنة في مكانٍ ما من روحه تنتظر لحظة ضعفٍ واحدة لتنهار كل الحواجز من جديد انتبه يونس أخيرًا إلى دموعها
ابتعد عنها فورًا وكأن نارًا اشتعلت بينهما نظر إليها بصدمة ممزوجة بالذنب.....كيف لم ينتبه ؟؟
كيف سمح لنفسه أن ينسى ولو للحظة ما مرت به ؟؟
لعن نفسه في سره ولعن ضعفه
لعن كل شيءٍ جعلها تصل إلى هذه الحالة
رفع يده المرتجفة ومسح دموعها برفق بالغ وكأن لمسة أقوى قليلًا قد تحطمها وقال بصوتٍ مبحوح أثقله الندم :
أنا آسف يا قمر حقك عليا والله أنا آسف

عندها فقط انهارت كأن كلماته أزالت آخر جدار كانت تستند إليه انفجرت بالبكاء بكاء امرأةٍ أنهكها الألم طويلًا حتى لم تعد تعرف كيف تتنفس بدونه كانت تبكي وهي تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة بينما الذكريات تنهشها بلا رحمة
كل شيء يعيدها إليها.....
نوح كأنه أقسم ألا يتركها وشأنها أبدًا
شعر يونس بالعجز لأول مرة في حياته ذلك الشعور الذي يكرهه أن يرى من يحب تتألم أمامه ولا يستطيع انتزاع الألم منها أن يراها تنكسر بينما كل ما يملكه لا يكفي لإصلاح شرخٍ واحد داخلها وفجأة تشبثت به
تمسكت بقميصه بقوة وكأنها تخشى السقوط
فاحتواها فورًا لكن بحذرٍ شديد
حذر رجلٍ يحمل بين يديه قلبًا مجروحًا لا يحتمل المزيد من الكسور ضمها إلى صدره وراح يربت على ظهرها ببطء
لم يحاول تبرير شيء لم يحاول إقناعها بشيء
اكتفى بأن يكون ملجأها
مكانًا آمنًا تختبئ فيه من كل ما يؤلمها ومع كل شهقةٍ كانت تخرج منها كان يشعر وكأن سكينًا تُغرس في صدره هو

في تلك اللحظة تمنى شيئًا واحدًا فقط
لو أن الألم يُنقل
لو كان يستطيع أن يأخذ كل ما بداخلها ويضعه في قلبه هو
لو كان قادرًا على أن يحمل عنها هذا الحمل الثقيل الذي تسير به وحدها منذ سنوات

ظل محتضنًا إياها حتى بدأت شهقاتها تخفت تدريجيًا
حتى أثقلها التعب واستسلمت للنوم أخيرًا
نامت بين ذراعيه كما ينام الأطفال بعد نوبة بكاءٍ طويلة
أبعدها عنه قليلًا ونظر إليها كانت ملامحها هادئة 
هادئة بصورةٍ موجعة
كأن النوم وحده هو الشيء القادر على منحها بعض الراحة التي حرمها منها الواقع تأمل وجهها طويلًا
تلك الفتاة التي أحبها أكثر مما ينبغي
أكثر مما اعترف لنفسه يومًا
أكثر مما يستطيع وصفه بالكلمات
مد يده وأزاح خصلة شعرٍ سقطت فوق وجهها
ثم مسح آثار الدموع العالقة على بشرتها برفق وانحنى يقبل عينيها المغمضتين قبلةً حانية
قبلة وعد ووعده كان بسيطًا
أن يبقى يحارب عنها حين تعجز
أن يكون السند الذي لم تجده حين احتاجته

أطفأ الأنوار بعد ذلك ثم جذبها إلى صدره ودثرها جيدًا بالغطاء وجد نفسه يبتسم رغم كل شيء
تذكر شراستها منذ قليل غضبها ونظراتها الحادة وكلماتها
فضحك بصمت.....أنه يحب غضبها ويحب عنادها ويحب ضعفها الذي لا يراه أحد  ويحب حتى جراحها التي يتمنى لو يستطيع مداواتها باختصار يحبها بكل ما فيه
ليتها تعلم كل ذلك......

كان حبه لها كالقدر.....
لا جاءه باختياره ولا استطاع يومًا الفرار منه
تسرب إلى روحه كما يتسرب الليل إلى آخر الضوء
هادئًا في بدايته ثم ابتلع كل شيء
أحبها كما يُحب الغريق آخر أنفاسه
كما تتعلق الأرواح بما خُلقت له
كانت فيه كجرحٍ لا يريد الشفاء
كوطنٍ لا يمل التيه إليه
ولو خُيّر بين قلبه وبينها لاختارها
فما عاد يعرف أين ينتهي هي.....وأين تبدأ هي
............
دخلت غنوة إلى البيت بخطواتٍ متعبة وما إن أغلقت الباب خلفها حتى باغتتها خالتها بصوتٍ مشحونٍ بالتوتر :
أبوكي رجع وقالب الدنيا عليكي يا غنوة

توقفت غنوة مكانها كأن الكلمات صفعتها واتسعت عيناها بذهولٍ لم تستطع إخفاءه.....والدها !!
بعد كل هذا الغياب بعد أن أقنعت نفسها أنه نسي وجودها أصلًا رفعت عينيها نحو خالتها تسألها بصمتٍ ثقيل فتابعت الأخرى بضيق :
راجع ندمان ومشيناه بالعافية مراته الحرباية هي وبناتها خدوا اللي وراه واللي قدامه وسابوه مرمي في المستشفى بعد ما جاله أزمة قلبية ولولا إن جدك عرف مكانه كان زمانه مات لوحده ومحدش حس بيه اتصافوا هما الاتنين بعد السنين دي كلها وبقوا بيدوروا عليكي بس أنا مشيتهم وقالوا هيرجعوا تاني

ارتسمت على شفتي غنوة ابتسامة ساخرة باردة كأنها تحمل عمرًا كاملًا من الخذلان يا للسخرية.......
جدها الذي قاطع أباها سنواتٍ طويلة لأنه اختار أمها وتمرد على إرادته ورفض الزواج من ابنة عمه بل ورفض أن يكون تابعًا لتجارته فحرمه من كل شيء
لكن أباها يومها لم ينكسر بل بنى نفسه بيديه شق طريقه وحده، واشترى بيتًا ودكانًا وصنع حياة لنفسه 
أما الآن......
عاد الجد يبحث عنه بعدما سقط
وعاد الأب يبحث عنها بعدما خسر

اشتعل القهر في صدرها وهي تدرك الحقيقة المُرة
لولا أنه خسر كل شيء ما كان ندم
لولا أنهم غدروا به ما كان تذكرها

كان سيكمل عمره غارقًا في حضن زوجته وبناتها تاركًا
إياها وحدها تواجه قسوة الحياة
حتى جدها ذاك الرجل الذي لم تره يومًا لم يكن ليبحث عنها أو يسامح ابنه لولا أنه وجده على حافة الموت
أطلقت زفرةً طويلة مثقلة بالوجع وتساؤل واحد ينهش قلبها
لماذا لا يعرف الإنسان قيمة ما يملك إلا بعد أن يفقده...؟!
لماذا لا توقظه إلا الخسارة.....؟!
لماذا يكون الندم دائمًا متأخرًا....متأخرًا حد العجز.....؟!

بعد ساعات قليلة......

وقف والدها أمام باب الغرفة كأن الوقت التي افترقا فيه قد تجسدت في المسافة الفاصلة بينهما كان الهزال بادياً على ملامحه والانكسار واضحًا في عينيه حتى بدا رجلًا آخر غير ذلك الأب القاسي الذي تركها خلفه ومضى

حدقت فيه غنوة طويلًا غير مصدقة وجوده أمامها ثم خرج صوتها مختنقًا بالدهشة والمرارة :
انت جيت ليه؟!

أخفض رأسه وعجز عن رفع عينيه في وجهها بينما كانت نظراتها تخترق روحه عادت تسأله بقهرٍ أشد :
جاي ليه بعد الوقت ده كله؟!

رفع بصره إليها أخيرًا وقد غلبه الند، وقال بصوتٍ متهدج :
جاي ليكي وعشانك يا بنتي......سامحيني

ضحكت بمرارة موجعة كأن كلماته كانت صفعة متأخرة لا قيمة لها :
ده من إمتى الكلام ده هو إنت أصلًا فاكر إن ليك بنت

التزم الصمت لكن دموعه انسابت رغماً عنه فاشتعلت غنوة أكثر وكأن صمته شجعها أن تفرغ كل ما بداخلها قائلة بصوت مرتجف من شدة الألم :
بنتك اللي طردتها وسرقتها في دهب أمها اللي هو من حقها مش من حق حد تاني بنتك اللي رميتها في الشارع ومفكرتش لحظة أنا رحت فين ولا حصلي إيه
خدت بعضك ومشيت كأن ماعندكش بنت متعلقة في رقبتك

كانت الكلمات تخرج منها كسيلٍ جارف محملة بكل وجع السنين :
بعت كل حاجة وخدت اللي مش من لحمك وسافرت وسيبت اللي منك يضيع أبويا كان قادر يقعدني في البيت ويخليني أكمل تعليمي لكن بدل ده سابني أخدم مراته وبعدها سابني أشتغل في بيوت الناس عشان أعرف أعيش

ارتجف جسدها واختنق صوتها بالبكاء لكنها أكملت :
هو انت مخوفتش عليا
مخوفتش حد يضحك عليا أو حد يأذيني
مخوفتش عليا من الدنيا وأنا لوحدي عمرك ما سألت نفسك بنتي عايشة ولا ميتة

كان يسمعها وكل كلمة كانت تهوي على قلبه كالسياط
اقتربت منه أكثر والدموع تنساب على وجهها بحرقة وهمست بصوتٍ موجوع :
انت إزاي قاسي كده

ثم نظرت إليه بعينين امتلأتا انكسارًا وقالت :
قولي إني مش بنتك ارحملي من إني أعيش وأنا عارفة إن أبويا رماني بإيده

لم تستطع إكمال كلماتها فقد خانها صوتها وانهارت باكية
في تلك اللحظة لم يحتمل أكثر فاندفع نحوها وضمها إلى صدره لأول مرة بعاطفةٍ أبوية صادقة عاطفةٍ طالما حلمت
بها وانتظرتها عبثًا تشبثت به وهي تبكي كأنها تنتزع من صدرها كل ألمٍ سكنها بينما هو كان يقبل رأسها بحنان مرتجف يتمتم باعتذاراتٍ كثيرة لكنها لم تكن تسمع منها سوى صدى وجعها قالت بين شهقاتها :
وجعتني.....وهو وجعني كلكم وجعتوني رمتني لعالم غريب عليا حرمتني من حنانك وخلتني أروح أدور عليه بره خلتني أحب أول واحد حسسني بالأمان وبحاجة عمري ما حسيتها معاك

ارتجف جسده من الألم وهو يسمعها تكمل بكلمات غير مرتبة :
هو كسرني وجعني وإنت السبب في كل ده لو كنت حضنتني لو كنت حبيتني مكنتش دورت على الحنية عند حد غريب هو شافني أقل منه واختار غيري وجع قلبي بعد ما اديته كل حاجة وأنا كنت بحبه أوي

شهقت بقهرٍ مرير :
انا مستاهلش كل ده.....والله مستاهلش

شدها والدها إليه أكثر وقد أحس أن كل دمعة ذرفتها كانت بسببه كان قلبه يتمزق وهو يرى ما فعلته قسوته بها وما سرقته منها الحياة وسرقه هو منها قبلها ردد بصوتٍ مكسور يغمره الندم :
حقك عليا يا بنتي أنا السبب سامحيني وحياتك عندي هعوضك عن كل اللي فات والله هعوضك

شهقت غنوة وسط بكائها وهي تتشبث به أكثر بينما كان يضمها بقوة وكأنه يخشى أن تضيع منه مرةً أخرى
رفعت وجهها إليه عيناها غارقتان بالدموع وقالت بصوتٍ مبحوح :
في حاجات مبتتعوضش في سنين راحت في وجع اتزرع جوايا في ليالي كنت بنام فيها وأسأل نفسي ليه أبويا مش عايزني

أغمض عينيه بألم وكلماتها كانت تمزقه من الداخل
همس بصوتٍ مكسور :
أنا استاهل كل كلمة بس اديني فرصة أصلح اللي باقي

نظرت إليه طويلًا بعينين ممتلئتين بالحيرة والخذلان
لم تكن قادرة على الغفران لكن للمرة الأولى شعرت أن الرجل الذي أمامها نادم حقًا ثم انهارت في حضنه من جديد وهي تقول :
مش عارفة أسامحك بس تعبت من الزعل يا بابا تعبت أووي

ضمها بقوة وأغلق عينيه بينما انهمرت دموعه فوق شعرها
لأول مرة بكى الأب وابنته معًا لا على ما حدث فقط بل على عمرٍ كامل ضاع بين القسوة والخذلان منه لها !!

مر بعض الوقت حتى هدأت العاصفة التي اجتاحت قلب غنوة لكنها كانت لا تزال جالسة بجوار والدها وكفه يحيط بيدها كأنه يخشى أن تفلت منه من جديد كانت نظراته لا تفارقها كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها التي حرم نفسه منها سنينًا طويلة رغم وجوده معها دومًا قطع ذلك الصمت صوت جدها الحاج مهران حين قال بهدوءٍ حاسم :
لمي حاجتك يا غنوة عشان ترجعي معايا أنا وأبوكي على البلد معادش ليكم حاجة هنا

ما إن أنهى كلماته حتى انتفضت خالتها وكأن الكلمات أشعلت بداخلها نارًا فقالت بحدة :
ترجع معاك على فين يا راجل إنت دي بنت أختي وبنتي محدش هياخدها مني ولا يبعدها عني

نظر إليها مهران بسخرية لاذعة وقال ببرود :
لو كنتي خايفة عليها زي ما بتقولي ماكنتيش نزلتيها تخدم في البيوت وتشتغل وهي لسه صغيرة كنتي قعدتيها عندك معززة مكرمة

اشتعلت عينا المرأة غضبًا وتقدمت خطوة نحوه قائلة بحدة :
جرى إيه يا حاج مهران هتنسى الأصول ولا إيه كان من باب أولى تقول الكلام ده لابنك اللي رمى بنته لحمه ودمه وراح عاش مع الغُرب وسابها لوحدها تواجه الدنيا كنت قوله الكلام ده يوم ما طرد بنته في عز الليل وسرقها في دهب أمها اللي هو حقها مش حق حد تاني كنت قوله زي ما أخد مراته وبناتها تحت جناحه كان ياخد بنته وحطها تحت جناحه 

ثم تابعت بحدة ومرارة :
ابنك شغّل بنته خدامة لمراته وبناتها وطول عمره بخيل عليها حتى بالكلمة الحلوة والحنية وهو كان قادر يعيشها ملكة معززة مكرمة في بيتها لكن اختار يرميها وراه ويمشي ولا حتى سأل نفسه هتصرف منين ولا هتعيش إزاي حتى ما سابش معاها قرشين يسندوها

ثم أشارت إلى نفسها بعينين دامعتين :
وهو عارف إن ظروفي أنا وعيالي على قدنا وبنمشيها بالعافية ولولا الظروف والحوجة وربنا شاهد عليا ماكنتش سمحت إنها تتبهدل بالشكل ده

كانت كلماتها قاسية لكنها خرجت محملة بحقيقة لا يمكن انكارها لتتابع مرة أخرى بحزم :
فبلاش بجاحة اللي يخليك وتشيلني غلطك وغلط ابنك لأن الغلط راكبكم من ساسكم لراسكم دي بنتكم لحمكم ودمكم ومسؤوليتكم من يوم ما اتولدت ومش هتيجي النهارده تحاسبني أنا على تقصيركم فيها يا حاج مهران

ثم نظرت له بحدة وأكملت :
دي بنتكم اللي سيبتوها تواجه الدنيا لوحدها من غير سند ولا ضهر وبعد ده كله جايين دلوقتي تعملوا فيها أهل وعتاب ده إنتوا أصلًا سارقين دهب أمها الدهب اللي كان ممكن يعيشها مستورة ويأمن مستقبلها لحد ما تتجوز وتتستت في بيت جوزها ان شاء الله بدل البهدلة اللي شافتها

ساد الصمت لوهلة صمتٌ ثقيل لأن مهران رغم قسوته أدرك أن كل كلمة قالتها أصابت موضعها أما صالح فكان جالسًا عيناه في الأرض ينهشه الخزي والندم يدرك لأول مرة كم كان حقير مع أقرب ما لديه في هذه الدنيا.....ابنته !!

حينها تكلمت غنوة أخيرًا بصوتٍ هادئ لكنه حاسم :
أنا مش هسيب بيت خالتي وأروح معاكم أي مكان هنا
بيتي ودول أهلي اللي عمرهم ما اتخلوا عني هنا عاشت أمي وماتت وهنا انا اتربيت وهنا بحس بالأمان تقدر تقولي إنت مين عشان أروح معاك مكان عمري ماشوفته ده أنا أول مرة أشوف حضرتك أصلًا عشان أثق فيك واسيب اهلي واجي معاك البلدة اللي بتقول عليها دي

نظر إليها مهران بأسى ثم قال بحنان :
ما إحنا برده أهلك يا بنتي وهناك عيلتك وعزوتك
أعمامك وعماتك وعيالهم وجدتك اللي ملهوفة عليكي

ضحكت غنوة بسخرية مريرة وقالت :
سبحان الله فجأة كده بقيتوا ملهوفين عليا فجأة افتكرتوني بس برده أنا مش هسيب بيت خالتي

رفع صالح رأسه أخيرًا وقال بصوتٍ هادئ مملوء بالندم :
اللي بنتي هتقوله هو اللي هيحصل يا ابويا

ابتسمت غنوة بمرارة فقد توقعت أن يتمسك بها هذه المرة كما لم يفعل من قبل لكنها رفعت رأسها بسعادة خفية حين أكمل بحزم :
بس رجلي على رجلها مكان ما هتكون أنا هكون

تبادل مهران وخالة غنوة النظرات بدهشة وقالا في وقتٍ واحد :
يعني ايه....؟!

تنهد صالح وقال وهو ينظر إلى غنوة :
يعني لو بنتي عايزة تفضل هنا جنب خالتها انا معنديش مانع هاخد الشقة اللي فوق وأقعد فيها أنا وهي

رفعت غنوة رأسها بعناد، وقالت ببرود وكبرياء :
بس أنا مش هعيش معاك في بيت واحد أنا هعيش مع خالتي

ضرب مهران الأرض بعصاه وقال بحدة ونفاذ صبر :
وبعدين في الدلع الماسخ ده أبوكي قالك هيخليكي جنبها بينك وبينها كام سلمة وبعدين إزاي تقعدي هنا وفيه راجل غريب في البيت مايصحش

رددت خالتها تلك المرة بحدة ودفاع عن ابنها :
ابني متربي وعمره ما رفع عينه فيها عيب كلامك ده يا حاج

تدخل صالح قائلاً بهدوء :
عارف يا أم محمود وعارف تربيتك بس برده مايصحش
انا نفسي بنتي تفضل جنبي أشبع منها كفاية العمر اللي ضاع مابقاش باقيلي كتير خليني جنبها وربنا يعيني أعوضها ع اللي عاشته بسببي

تنهد مهران أخيرًا وقال :
خلاص يومين ونخلص الشقة اللي فوق وعلى ما الرجالة توضبها وتتفرش تيجوا البلد كام يوم غنوة تتعرف على
أهلها وناسها

تدخلت حبيبة لأول مرة قائلة بضيق :
وافرض أخدتوها هناك وقعدتوها بالغصب

ربت صالح على كتف غنوة بحنان وقال :
عمرها ما تحصل وأنا موجود وع العموم كلكم تشرفونا ونروح سوا نقعد كام يوم ونرجع مع بعض

بعد جدال طويل وإلحاح متكرر، وافق الجميع وبدأت الاستعدادات لكن أكثر ما أربك غنوة لم يكن السفر ولا الشقة الجديدة بل ذلك الحنان المفاجئ الذي صار والدها يغمرها به كأنه يحاول أن يرد لها دفعةً واحدة ما سرقه منها طوال عمرها اقترب منها قبل ان يغادر قائلاً بصوتٍ دافئ :
معادش فيه شغل تاني يا بنتي أنا هعوضك عن كل الشقى اللي شوفتيه عايزك تكملي دراستك وتحققي اللي نفسك فيه ارفعي راسي بيكي وأنا مش هسيبك

ثم أمسك يدها وقبلها، وهو يقول بانكسار :
ابوس إيدك سامحيني وارضي عني شيطاني كان
عاميني وظلمتك وربنا خدلك حقك مني

نظرت إليه طويلًا بعينين مثقلتين بالحزن ثم قالت بصوت خافت متألم :
كل حاجة بتيجي متأخرة حتى إنت يا بابا جيت متأخر

صمتت قليلًا ثم أكملت بمرارة :
لو كنت جيت من كام شهر كنت جريت عليك لكن بعد كل اللي شوفته غنوة اللي اتطردت في نص الليل مش هي غنوة اللي قدامك دلوقتي قلبي مبقاش صافي مبقاش قادر يسامح حد شبع قسوة وشبع خذلان

ثم وضعت يدها على صدرها وهمست بانكسارٍ موجع :
أنا حاسة إني نفسي مكسورة أوي

في تلك اللحظة سقطت دموع صالح بصمت
كان يسمع وجع ابنته ويستعيد شريط حياته معها فلم يجد فيه لحظة حنانٍ واحدة تمنحها العذر والأقسى من ذلك.....
أنه أدرك أن قلبها لم يكسره وحده
بل سبقه إليه غريبٌ آخر وترك فيه ندبةً أعمق
لكن هذه المرة أقسم في داخله أنه لن يتركها حتى يرمم ما تهشم منها وحتى تمنحه، يومًا ما غفرانًا تأخر كثيرًا !!
.............
مر ما يقارب الشهر على وجود سمر في ذلك المكان وخلال تلك المدة تحولت هيئتها إلى صورةٍ بائسة شعرها أشعث وملابسها متسخة ووجهها شاحب يحمل آثار الإرهاق والقهر لم يكن ما أصابها نتيجة ضرب أو تعذيب بل نتيجة الإهمال والعزلة التي التهمتها ببطء......

واليوم، فُتح الباب أخيرًا ليدخل أدهم إليها لأول مرة منذ أن اختطفها إلياس وما إن وقعت عيناه عليها حتى اشتعلت نظراتهما بالكراهية والغل وكأن سنواتٍد من الحقد اجتمعت في تلك اللحظة

انتفضت سمر وصرخت فيه بغضبٍ عارم وهي مقيدة على ذلك المقعد الخشبي :
خاطفني ليه يا أدهم عاوز إيه مني فاكر إنك كده بتنتقم مني عشان اللي حصل لبنتك طب بدل ما تتشطر عليا روح اتشطر على نوح اللي عمل في بنتك كده وانت على وش الدنيا !!

انعقد حاجبا أدهم بقوة وتقدم منها ببطء بينما تسللت الدهشة إلى عينيه رغم محاولته إخفاءها :
ايه اللي نوح عمله في بنتي....؟؟

التزمت الصمت وهي تنظر إليه بشماتة مستفزة فهدر بها :
انطقيييي 

ابتسمت ابتسامة خبيثة وردت عليه بشراسة :
روح اسأله لأني مش ناوية أقولك وأريحك عيش بقى تاكل في نفسك لحد ما تعرف ابن أسامة عمل فيك وفي بنتك إيه ولو هقولك كلمة واحدة فهي إنك ما ربتش يا أدهم ولا هنا اللي فضلتها عليا زمان ربت عيالك صح
روح شوف بيعملوا إيه من وراك وعايزاك لما تعرف تموت بقهرتك عليهم عشان تعرف إن ده ذنبي ذنب سجنك ليا زمان ظلم أنا ووائل

توقفت لحظة ثم أردفت وهي تتعمد إشعال النار في قلبه :
فاكر وائل يا أدهم

ظل صامتًا وعروقه تنبض بعنف فتابعت بابتسامة سامة :
وائل اللي نام في سرير مراتك وهي مكشوفة قدامه....وائل....

لم تكمل عبارتها إذ هوت كف أدهم على وجهها بصفعةٍ مدوية جعلتها تترنح في مكانها لكن رغم الدوار الذي أصابها رفعت رأسها من جديد وأكملت بتشفي :
اعمل اللي انت عاوزه يا أدهم بس اعرف إني مش فارق معايا حاجة أنا هديتك ودمرتك لما دمرت عيالك ودي كانت البداية بس فضيحتك وفضيحتهم هتكون على إيدي أنا مش على إيد حد تاني

في لحظة خاطفة قبض على فكها بعنف حتى تأوهت ألمًا ثم صاح بفحيحٍ مرعب :
ده أنا أشرب من دمك قبل ما تفكري تمسي شعرة واحدة منهم هخليكي تتمني الموت من اللي هتشوفيه على إيدي

ضحكت ضحكة مختلة مليئة بالشماتة وقالت :
أنا مسيت خلاص يا أدهم انت اللي مغفل وزي ما خليتك زمان تشك في هنا وتبعد عنها من غير ما تحس إن ليا يد في الموضوع سرقت حياة ولادك.وخصوصًا بنتك يا أدهم مش بنتك برده يعني شرفك وعرضك ولا.......

انقطعت كلماتها عندما اندفع نحوها كالإعصار صفعها بقوة أكبر هذه المرة ثم قبض على خصلات شعرها بعنف حتى كاد يقتلعها من جذورها بينما كانت عيناه تقدحان شررًا من الغضب قائلاً بصوت أجش تقطر منه الكراهية :
هعرف اللي حصل وأقسملك باللي خلقني وخلقك يا سمر هتشوفي أسود أيام حياتك لو اللي في بالي طلع صح وافتكري الجملة دي كويس عشان أنا مش هسجنك زي زمان كام سنة وتخرجي

اقترب أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه الملتهبة ثم أردف بصوتٍ مرعب لا تنكر انه ارعبها :
لأ أنا هخلص بنفسي !!
.............
كما خططت نسرين وقفت ليلى أمامها هي ريما بثباتٍ مريب وعيناها تجولان بينهما ببرود كأنها لم تأتِ إلى فخ نُصب لها بإحكام

جلست نسرين أمامها واضعة ساق فوق الأخرى تتأملها بنظرة ساخرة قبل أن تقول ببرود :
بعد كل اللي سمعته عنك كنت فاكرة إن حيلة غبية زي دي مش هتدخل عليكي بس واضح إنك غبية فعلًا ومش بالذكاء اللي رسمتهولك في دماغي

رمقتها ليلى بنظرة ثابتة رغم أنها لم تكن تعرف من تكون تلك المرأة ولا تدري أنها طليقة عمها إلياس وأم يونس وسيدرا لكنها لم تُظهر أي ارتباك بل أجابت بثقة قاتلة لهما :
والله الغبي هو اللي بيكرر نفس غلطته وفاكر إنه هيطلع بنتيجة مختلفة من شهر وأكتر أبوكي حاول وكانت آخرته السجن واتقتل فيه بسبب شغله الوسخ وانتي دخلتي المستشفى وقضيتي وقت طويل وسط المجانين ومع كده ما اتعلمتيش ورجعتي تعيدي نفس الغلط وفاكرة إنك هتكسبي

اشتعلت عينا ريما بحقد واندفعت الكلمات من بين أسنانها :
بلاش الثقة دي أنا ممكن أقتلك دلوقتي وأرتاح منك وساعتها هكسب يوسف......

ابتسمت ليلى بسخرية باردة وكأن الموت الذي هددتها به لا يعنيها :
اقتليني انا مستنية بس يا ترى موتي هيخلي يوسف يبصلك فضلتي قدامه سنين وفي الآخر اختار أختك وحبها ده ضحى بالكل عشانها وحتى بعد ما ماتت سابك مرمية اتخطبتي قدامه وما فرقش معاه وجري ورايا انا

ارتجفت ريما من شدة الغل وصاحت بصوت مرتجف من
القهر والمرارة :
بس أنا أكتر واحدة حبيته أنا اللي ضحيت عشانه أنا اللي دمرت حياتي وقتلت عشانه ومستعدة أقتلك دلوقتي عشان يكون ليا

قاطعتها ليلى بحدةٍ ساخرة وصفعتها بالحقيقة التي طالما هربت منها :
عقلك الصغير مش قادر يستوعب إن كل تضحياتك دي ماكانتش حب كانت غيرة وقلب أسود مليان مرض وبعدين انتي لو فاكرة إنك لما تقتليني هيبصلك تبقي غبية ما انتي قتلتي أروى ووائل قبل كده حبك ولا حتى كان بصلك 

تصلبت ريما في مكانها واهتز جسدها من فرط الغضب بينما تابعت ليلى ببرود أشد وهي تتقدم بخطوات هادئة لتجلس على المقعد المقابل وكأنها صاحبة المكان لا أسيرته :
ماتحمليش يوسف ذنب قرفك اللي عملتيه ما كانش تضحية عشان تكسبيه كان نتيجة قلب مليان غل وسواد القلوب اللي زيك ما تعرفش الحب دي تعرف السواد والغل والحقد وبس من البداية وانتي مستعدة تبقي كده انتي أصلًا زبالة حياتك كلها قرف انتي وأختك وأبوكم اللي ما عرفش يربي غلك من أختك هو اللي خلاكي تقتليها وتمسكك بيوسف ما هوش حب ده هوس عشان اختارها هي وفضلها عليكي

كادت ريما ان تندفع نحوها كوحش فقد آخر ذرة من تعقله لكن نسرين أوقفتها بإشارة حادة ثم رفعت بصرها إلى ليلى قائلة ببرود يماثل برودها :
قولي كل اللي جواكي يا حلوة عشان لما حبيب القلب ييجي هتموتي قدامه

رفعت ليلى عينيها إليها وابتسامة واثقة ارتسمت على شفتيها قبل أن تقول بهدوءٍ غريب :
وأنا اصلاً مستنياه !!!

مرت لحظات ثقيلة مشحونة بالغضب قبل أن يهتز باب الغرفة بعنفٍ شديد ثم سقط أرضًا بسبب قوة الدفع
في اللحظة التالية اندفع رجال العائلة إلى الداخل على ملامحهم الغضب والقلق

رفعت ليلى رأسها تنظر إلى ريما ونسرين وابتسامة واثقة ارتسمت على شفتيها قائلة بهدوء مستفز :
مش قولتلكم مستنياه !!

وقبل أن تتمكن ريما من الاندفاع نحوها لتنال منها كان أحد الرجال قد أحكم السيطرة عليها وكذلك نسرين التي تجمدت في مكانها للحظة تدرك أن النهاية التي كانت تهرب منها قد حانت !!!!

ما إن وقعت عينا بدر وإلياس عليها حتى اتسعت ملامحهما بالصدمة لكن صدمة يونس كانت الأشد كانت أقسى من أن يحتملها قلبه كان ينظر إليها المرأة التي يُفترض أنها أمه أصل المصائب كلها

اقترب منها إلياس ببطء وعيناه مليئتان بالاشمئزاز ثم قال بحدة :
مش عارف ليه اتصدمت لما شوفتك هنا مع ان ده المتوقع
من واحدة زيك لا عندها لا شرف ولا ضمير وقلبها مليان غل

ضحكت نسرين بجنون وهي لا تصدق أن كل ما خططت له يتهاوى أمام عينيها ثم صاحت بانفعال :
ماتتكلمش عن الشرف يا إلياس انت بالذات متتكلمش عنه عشان بسبب اللي عملته زمان انا دفعت التمن بسببك بقيت خاينة وبسببك بعدت عن ولادي وبسببك كل حياتي اتدمرت انت السبب وحياة السبب حتى انت يا بدر !!!

شعر بدر أن هناك الكثير المختبئ خلف كلماتها فرفع يده آمرًا الجميع بالخروج ليبقى هو وإلياس فقط لكن يونس بقي مكانه لم يتحرك

لم يقبل أن يخرج وتمسك بالبقاء رغم اعتراض بدر والياس
كان يريد أن يسمع مهما كانت الحقيقة قاسية

رمقته نسرين بنظرة ساخرة ثم تابعت بغل دفين :
طلعتلهم ليه يا بدر خايف صورتك تتهز قدامهم ولا خايف على إلياس وعاوزين تمشوا يونس ليه ما تخلوه هنا عشان يسمع ان ابوه اللي رباه وشايفه أحسن مني هو في الأساس اللي بعدني عنه هو واخته خليه يسمع ان اكتر اتنين اعداء فجأة بقوا اصحاب واخوات وكان التمن انا.....

صرخ فيها إلياس وقد شارف على الجنون :
اخرسي ام الاسطوانة دي مازهقتيش منها سنين وانتي عايشة في كدبة كبيرة الفتيها وصدقتيها عشان تعيشي في دور المظلومة وانتي اوس.....خلق الله

لكنها قاطعته قائلة بعنف :
انت اللي بطل تشوف نفسك بريء وانت ظالم زيك زيي
انت خدت مني كل حاجة بس انا مخدتش منك اي حاجة
انت سرقت مني فرصتي الوحيدة لما روحت قولت لبدر على خطتي عشان افرقه عن حياة ويكون ليا

ثم تابعت بغل وانفعال :
كان زماني مراته وعايشين مبسوطين لكن انت السبب
حتى فرصتي التانية سرقتها مني لما قربت مني وخلتني ابقى حامل منك واضطر اتجوزك عشان ولادي مايبقوش ولاد حرام قهرتني لما اتجوزتني وانت مش شايف غير حياة ودايما حاططني في مقارنة معاها قهرتني لما كنت بتناديني باسمها وانا اللي المفروض مراتك.......

برغم الغيرة التي كانت تنهش قلب بدر كلما ذُكر اسم حياة بينهما إلا أنه تدخل هذه المرة وقد بلغ منه الاحتقار ذروته :
شايفة الامور من منظورك انتي وبس اهم حاجة تطلعي نفسك مظلومة وانتي رخيصة يا نسرين اللي تتفق على واحد عشان يخون خطيبته وتفرقهم عن بعض حتى لو هتضحي بشرفها تبقى رخيصة ولا عندها اخلاق زمان كنتي بتقولي حياة اللي خدتني منك ودلوقتي بتشيلي الياس الليلة انتي أهم حاجة عندك تلاقي حد يشيل غلطك وقرفك

ثم أكمل بازدراء :
وحتى لو الياس قرب منك فانتي عارفة انه مكانش في وعيه زيك زيه بالظبط ولو كان وحش زي ما بتقولي مكنش اتجوزك من الأساس وعطاكي فرصة جديدة عشان تبتدي معاه من جديد بس الرخيص هيفضل طول عمره رخيص

نظرت إليه نسرين بكره مشتعل ثم صاحت :
انا مش رخيصة اللي قرب مني زمان وخونته معاه كان خطة عشان ينتقم من الياس فيا قرب مني عشان يدمر الياس عن طريقي.....انا بسبب إلياس اللي بتدافع عنه بقيت خاينة

قطب إلياس حاجبيه وصرخ بغضب :
مين اللي هينتقم مني فيكي انا عمري ما اذيت حد

ردت عليه نسرين بغل :
اللي خطبتها زمان عشان تقهر قلب حياة......هند فاكرها !!

تجمد إلياس مكانه بدا الاسم كصفعة مفاجئة على وجهه
لكن نسرين تابعت بكلمات متقطعة وغير مرتبة :
كانت بتحبك وانتحرت بعد ما سيبتها كانت بتتمنى انك تعبرها بنظرة ولما حصل وخطبتها كانت طايرة من الفرحة لكن انت دمرتها لما روحت فسخت خطوبتك منها لما عرفت ان حياة بريئة من اتهامك ليها ما استحملتش وانتحرت اخوها عشان ياخد حق اخته منك قرب مني وخلاني خاينة استغل اني شربت ليلتها وسكرت واني مكنتش في وعيي وقرب مني الأول فكرته بيحبني مكنتش اعرف انه بينتقم

رد عليها إلياس بغضب رغم صدمته الكبرى :
طالما بينتقم مني مجاش ليا ليه بعد ما اخد حقه ما واجهنيش ليه وقالي

نظرت إليه بغل ثم صرخت عليه بقهر :
يواجهك ازاي وهو مات بعدها بشهر في حادثة وانت طردتني

اشتعل الغضب داخل إلياس أكثر وصرخ عليها :
انا طلقتك لما لقتيك حامل من غيري كنتي مستنية مني ايه يعني اخدك بالحضن واقولك معلش......
ماترميش غلطك عليا انتي خاينة وزبالة ورخيصة لأن الشريفة بتفضل طول عمرها شريفة مش بتسلم جسمها لطوب الأرض....

اشتعل الغضب في عيني إلياس ولم يعد قادرًا على كبح ما تراكم داخله لسنوات كانت نظراته إليها تحمل احتقارًا
دفينًا وصوته خرج قاسيًا كالسياط وهو يواجهها بالحقيقة التي طالما زيفتها :
انا طلقتك لما لقتيك حامل من غيري كنتي مستنية مني ايه
يعني اخدك بالحضن واقولك معلش ماترميش غلطك عليا
انتي خاينة وزبالة ورخيصة لأن الشريفة بتفضل طول عمرها شريفة مش بتسلم جسمها لطوب الأرض انا كنت براقبك بعد ما طلقتك وكنت عارف بكل رخصك مع ذلك جيتلك
قولتلك ولادك تقدري تشوفيهم عشان مالهومش ذنب في رخصك ووسا.....فاكرة قولتيلي اي يومها قولتيلي مايلزمونيش عشان كل ما اشوفهم هفتكرك وهكرهم عشان منك قولتيلي مش قبلاهم ولا عاوزاهم وكفاية عليهم انت كلام قاسي ميطلعش غير من واحدة زيك
أنا اديتك كذا فرصة بس انتي ماتعرفيش تعيشي نضيفة حتى بعد السنين دي كلها راجعة عاوزة تخربي حتى محاولتيش تحتوي ولادك وتحافظي عليهم 

كانت الكلمات تهوي فوق نسرين كصفعات متتالية لكنها لم تنكسر بل رفعت رأسها وقالت بغلٍ متأصل وعيناها تقدحان نارًا :
انا ضيعت من زمان وحياتي اتدمرت ومش هسيبكم تعيشوا متهنيين ابدا حياة مش هتفوز ببدر ولا انت هتفوز بولادك يا الياس طول ما فيا نفس هدمركم واخرب عليكم محدش هيعيش سعيد من بعدي انا هدمرهم ورحمة امي ما هتعيشوا يوم واحد حلو طول ما أنا على وش الدنيا

أطلق بدر ضحكة ساخرة وهو ينظر إليها بازدراء واضح ثم قال باستهزاء :
انتي في موقف دلوقتي مايسمحش انك تهددي يا نسرين
خلاص اتكشفتي من قبل ما تلحقي تعملي حاجة

لكن نسرين ابتسمت ابتسامة باردة مرعبة ثم قالت بشماتة :
مين قالك اني ماعملتش يا بدر مين قالك اني مادمرتش
اومال مين اللي كان ورا طاهر وبيحركوا زي اللعبة في ايديه مين اللي حطت اروى في طريق ابنك انت وحياة عشان تدمره بس الغبية حبيتك انت يا بدر كنت عاوزه انتقم منك في ابنك ولما طاهر خطفهم من فترة برده كان بأمر مني بس حظهم نجاهم يومها طاهر الغبي كان بيساومني وهو في السجن انه يعترف عليا بس انا قتلته وخلصت منه
اصلاً مكنش ليه لازمة هو وبناته الاغبية بس عارف قتل ريما لأروى كان في مصلحتي وأنا اللي كنت حاطة وليد في طريقهم انا اللي قولتله يساعد ريما وخليته يعمل كل اللي انا عاوزاه عشان انتقم منك ومن حياة بايد ابنكم يوسف وحتى ماجد اشتريته كلهم كانوا زي اللعبة في ايدي طاهر واروى وريما ووليد وماجد......وسمر ونوح !!

قالت الأخيرة وهي تنظر نحو يونس.....
ساد الصمت للحظة صمت ثقيل خانق لكن وقع الأسماء كان أشد من أن يُحتمل اتسعت عينا يونس وهو ينظر إليها بصدمة وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه كان قلبه عاجزًا عن تحمل المزيد لكن نسرين لم تتوقف بل وجهت بصرها إليه مباشرة وأكملت بغلٍ لا ينتهي :
نوح ميعرفش بوجودي بس كنت بحركه بسمر ووائل انا قابلت سمر من قريب صدفة واتصاحبت عليها برده صدفة حكتلي العداوة اللي بينها وبين ادهم الجارحي وانها عاوزة تنتقم منه وحكتلي الحكاية كلها وأنا من خلال مراقبتي ليونس وسيدرا عرفت انه بيحب قمر بنت ادهم الجارحي ساعتها اقترحت على سمر تخلي نوح يتجوزها
عرفي ويعتدي عليها ويصورها عشان هي تفضح ادهم وعشان اكسر قلب يونس ع اللي بيحبها وسمر طبعًا اثرت على نوح واقتنع ونفذ بس يونس دمر كل خططي لما قرر يتجوزها ويخبي ع الكل فضيحتها بس ملحوقة هفضحها واكسر قلبك يا يونس هقهر قلب ابوك بيك حتى سيدرا دورها جاي هقهر قلبكم كلكم انا محدش يعيش مبسوط وانا حياتي اتدمرت طلعتوا انتوا الابطال وانا الزبالة الخاينة......

كانت كلماتها غير مرتبة متداخلة لكنها كانت كافية لإحراق القلوب لكن أكثرهم احتراقًا كان يونس
شحب وجهه حتى فقد لونه وأصبحت أنفاسه متقطعة كأن الهواء لم يعد يكفيه في تلك اللحظة دخل أدهم إلى المكان جاء فقط ليطمئن لكنه تجمد مكانه حين سمع اعترافها الأخير 
كاد يسقط من شدة الصدمة لكنه تماسك بصعوبة 
كان عقله قد غاب تمامًا لم يهاجمها لم ينطق حتى
فقط ظل واقفًا، غارقًا في عالم آخر يحاول استيعاب أن كل ما حدث لابنته كان مدبرًا بهذه القسوة

اقترب إلياس من يونس يراقب حالته بقلق واضح لكنه لم يجد منه أي استجابة فهو لم ينظر إليه لم يرى أحدًا
كانت عيناه معلقتين على نسرين......والدته فقط
تلك المرأة التي ظل لآخر لحظة يتمنى أن تكون مجرد أمٍ هربت لتعيش حياتها لكن الحقيقة كانت أبشع......أبشع بكثير

لم تكن هاربة بل كانت سببًا في خراب كل شيء
في تلك اللحظة شعر أنه يريد الهرب من كل شيء
من الجدران من الوجوه حتى من نفسه

والأقسى من كل ذلك كيف سيواجه قمر
كيف سيرفع عينيه في عينيها.....؟!
كيف ستراه بعد الآن.....؟!

هي التي كانت تراه المنقذ
ستراه الآن ابن المرأة التي كانت سببًا رئيسيًا في
تدميرها وسلبها حق الاختيار حين سُرق شرفها بالقوة
تراجع يونس إلى الخلف وعينيه مازالت عليها كاد أن يخرج من الغرفة لكنه توقف واقترب منها وقف أمامها للحظات طويلة يتأمل ملامحها التي اخذ منها
كانت عيناه محملتين بوجعٍ أكبر من أن يُحكى وصدره
يعلو ويهبط بصعوبة بينما الكلمات تختنق داخله ثم خرج صوته أخيرًا مبحوحًا مكسورًا :
طول عمري كنت بكرهك عشان سيبتينا كنت فاكر إن أسوأ حاجة عملتيها إنك اتخليتي عنا كنت بزعل منك وبحاول أكرهك لكن جوايا كان دايمًا جزء صغير بيقول يمكن عندها عذر يمكن كانت موجوعة يمكن اتظلمت مبررات تافهه متدخلش عقل عيل صغير لكن فضلت سنين اصبر نفسي بيها من جوايا 

ابتلع غصته بصعوبة واهتز صوته أكثر :
اللي سمعته دلوقتي خلاني أتمنى من كل قلبي ان ياريتك فضلتي في نظري مجرد أم اتخلت عن ولادها ولا أنك تكوني الشيطان اللي دمر كل اللي حواليا

نظرت إليه نسرين بتجبر أما هو فتابع بصوت مليئًا بالخذلان :
انتي مش بس خنتي أبويا انتي خنتينا إحنا خنتي كل لحظة كنت محتاجينك فيها سيبتينا نكبر من غير أم وطلعتي في الآخر السبب في خراب حياة ناس ملهاش ذنب حتى قمر

اختنق صوته عند ذكر قمر ثم قال بألمٍ ظاهر :
قمر البنت اللي حاولت اداوي وجعها طلعتي انتي السبب في كسرها من البداية طلعتي انتي اللي سرقتي منها حقها
حق إنها تختار.....حق إنها تعيش

اغرورقت عيناه لكنه لم يسمح لدمعةٍ واحدة أن تسقط :
عارفة أصعب حاجة إيه اني مش هعرف أبصلها بعد النهارده مش عارف هقولها إيه هقولها إن الست اللي كانت سبب في عذابها هي أمي

خفض رأسه للحظة ثم رفعها من جديد بألم أشد وهو يتابع :
أنا طول عمري كنت حاسس اني مهما ملكت من الدنيا ناقصني أم بس دلوقتي فهمت إن وجودك في حياتي كان هيكون لعنة أكبر من غيابك

ساد الصمت.....صمت قاتل ثم تراجع خطوة إلى الخلف وعيناه ثابتتان عليها قبل أن ينطق بجملته الأخيرة :
من اللحظة دي انتي بالنسبالي ميتة

استدار وغادر المكان بخطوات متثاقلة كأن العالم كله فوق كتفي بينما بقي إلياس واقفًا مكانه يراقب ابنه وهو
يبتعد وقلبه ينزف بصمت يعلم أن ما انكسر داخله الليلة قد لا يُصلح أبدًا !!!!!
............
بينما أدهم كان قد خرج قبل أن يراه أحد
شعر كأن روحه انفصلت عن جسده يسير بلا وعي بلا هدف محاصرًا بما سمعه منذ دقائق
كان كل شيء ينهار داخله تباعًا ابنته فلذة كبده تزوجت عرفيًا خلسةً عنه وتعرضت لاعتداء وحشي وانتهكها نوح بتلك القسوة شعر وكأن السماء انطبقت على صدره

كل شيء صار واضحًا الآن موافقتها السريعة على يونس خوفها المرتجف من نوح وإصرار يونس سابقًا على تعجيل الزواج منها !!

لولا يد ابنه سليم التي امتدت إليه تنتشله من غياهب شروده لما انتبه حتى إلى حالته المزرية استأذن سليم من الجميع ثم غادر معه وهو يسنده بينما كان يرمقه بين الحين والآخر بقلق يسأله مرارًا عن حاله لكن أدهم لم ينطق بحرف
كان غارقًا في عالم آخر عالم يلتهمه الذنب من كل اتجاه 

حين وصلا إلى القصر استقبلته هنا بلهفة ممزوجة بالقلق ما إن وقعت عيناها على حالته حتى أسرعت إليه تسنده بيديها برفقة سليم حتى أوصلته إلى غرفتهما بينما انسحب سليم بصمت بعدما اطمأن عليهما وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى رفع أدهم عينيه إليها ظل ينظر إليها طويلًا.....
في تلك اللحظة لم يرى زوجته فحسب بل رأى ماضيه بأكمله
رأى ظلمه لها وقسوته عليها وجريمته الشنعاء في حقها

والآن هل عاد القدر ليقتص منه عبر ابنته.....؟!
هل هي تظاهرت بالمسامحة كل هذه السنين.....؟!!
هل حقًا غُفر له.....؟!

اقتربت منه هنا بقلق تتأمل وجهه الشاحب وعينيه المكسورتين تسأله :
مالك يا أدهم حصل إيه شكلك يخوف اتكلم ماتقلقنيش عليك بالشكل ده

رفع بصره إليها وعجزه يفضحه كان يعلم أن ما عرفه ثقيل
ثقيل إلى حد لا يُحتمل لكنه لم يعد قادرًا على حمله وحده
فأخبرها.....أخبرها بكل شيء
كل حرف خرج من فمه كان كسكين تمزق قلبه وقلبها
مع كل كلمة كانت ملامح هنا تتبدل حتى تجمدت الصدمة فوق وجهها وسالت دموعها دون أن تشعر
رأت ابنتها في مخيلتها رأت ألمها رأت نفسها قديمًا
ثم سمعته يقول بصوت مختنق كأن الكلمات تُنتزع من صدره :
انتي سامحتيني يا هنا بجد
سامحتيني ولا عيشتي معايا السنين دي كلها وانتي جواكي وجع مني ومقدرتيش تنسي اللي عملته فيكي
يمكن عشان كده ربنا دوقني نفس الوجع عشان أحس بالوجع اللي سببته ليكي وقد اي أنا كنت حيوان وزبالة
أنا السبب أنا السبب في اللي حصل لبنتي أنا زرعت زمان يا هنا وبنتي هي اللي بتحصد دلوقتي

هزت هنا رأسها سريعًا ودموعها تنهمر ثم أمسكت وجهه بين كفيها وقالت بصدق :
لا يا أدهم أنا سامحتك والله سامحتك
سامحتك من زمان ونسيت كمان
السنين اللي عشناها مع بعض وحبك ليا وخوفك عليا
كل حاجة عملتها عشان تعوضني خلتني أنسى الوجع كله
حتى الليلة دي رغم إن ذكراها بتوجعني بس السعادة اللي عشتها معاك بعدها كانت أكبر من الوجع
كانت بتدفن الذكرة دي في كل مرة بتخطر على بالي غصب 

اهتز صدره ببكاء مكتوم لكن كلماتها لم تمنع شعور القهر الذي يشتعل في صدره أما هنا فلم تستطع الصمت أكثر
خرج ألم الأم من بين ضلوعها حارقًا وهي تقول بصوت مرتجف ممزق :
بس ليه بنتي يا أدهم ليه يحصل فيها كده
مستحيل أصدق إنها اتجوزت عرفي من ورانا مستحيل
أنا مش قادرة أتخيل إنها كانت عايشة كل ده لوحدها الحيوان ده عمل فيها كده إزاي بنتي.....بنتي كانت لعبة في إيديهم

ثم انفجرت باكية وهي تضرب صدرها بقهر :
الحق علينا إحنا من الأول كان لازم نقولها حقيقته كان لازم نبعدها عنه كان لازم نحميها

خفض أدهم رأسه وعيناه غارقتان بالدموع يشعر بالعجز 
لأول مرة في حياته يشعر أن كل قوته لا تساوي شيئًا أمام دمعة ابنته وما تعرضت له بتلك الليلة رغم غضبه الشديد انها فرطت بنفسها وقبلت بزواجٍ عرفي

انهار أدهم على الأرض ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله انهمرت دموعه لأول مرة أمامها بذلك الضعف الموجع بينما خرج صوته مكسورًا مثقلًا بالعجز :
انا كنت فاكر إن الزمن بيصلح اللي اتكسر وإن الندم كفاية عشان ربنا يغفرلي بس واضح إن في جروح مابتتنسيش وإن في ذنوب بتفضل ماشية ورا صاحبها لحد ما ياخد جزاه كامل

بكت هنا ردت عليه بنفي ويقين :
لأ يا أدهم متقولش كده ربنا سبحان وتعالى قال في سورة الإسراء "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" يعني ربنا مش بياخد حد بذنب حد والرسول عليه الصلاة والسلام قال "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"

جلست هنا أمامه باكية وقلبها يتمزق بين وجعه ووجع ابنتهما
رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بالقهر وقال بصوت مرتعش :
أنا مش قادر أتخيلها وهي لوحدها وهي شايلة كل ده جواها بنتي كانت بتصرخ ومفيش حد سمعها وأنا أبوها كنت فاكر إني بحميها وفي الآخر طلعت أعمى ومغفل

اقتربت منه هنا واحتوت وجهه بين كفيها وقالت وسط دموعها :
ماتجلدش نفسك يا أدهم اللي حصل ذنبهم هما مش ذنبك غلطتنا إننا سكتنا إننا خبينا الحقيقة وافتكرنا إن السكوت هيحميها لكنه رماها في النار

ضرب أدهم على صدره وقال بقهر وقلب ممزق :
أنا اللي فتحت الباب للنار دي من سنين يوم ما ظلمتك ويوم ما دخلت الشيطانة اللي اسمها سمر في حياتنا يوم ما بقيت وحش وشكيت فيكي

نفت هنا برأسها ومسحت هنا دموعها ثم رفعت وجهها بعزم رغم انكسارها وقالت بحسم :
اللي اسمه نوح ده لازم يتحاسب لازم يدفع تمن كل دمعة نزلت من بنتي لازم يا أدهم 

عندها رفع أدهم رأسه ببطء وفي لحظة تبدل الانكسار في عينيه إلى جمرة غضب مشتعلة وقال بصوت بارد مرعب :
اقسم بالله لو كان ده آخر يوم في عمري نوح هيدفع التمن أضعاف هخليه يتمنى الموت ومايلقهوش !!!!
................
ظل يونس يهيم في الشوارع بلا وجهة كأن الطرقات وحدها قادرة على احتواء فوضاه كانت خطواته متعثرة ثقيلة صمته أشبه بعاصفة مكتومة على وشك الانفجار عيناه كانتا حمراوين من شدة ما يعتصره لكن دموعه أبت أن تنزل وكأن حتى البكاء صار عاجزًا عن حمل هذا الكم من الوجع

كيف سيعود.....؟!
ماذا سيقول لشقيقته وهي التي عاشت عمرها مثقلة بجرح أم هجرتهما وتركت في قلبها ندبة لم تندمل والأصعب كيف سيواجه قمر.....؟!

كيف سيخبرها أن المرأة التي منحته الحياة كانت هي ذاتها السبب في خراب حياتها حتى وإن لم تكن اليد التي نفذت لكنها كانت أصل الحكاية.....أصل الوجع كله

في تلك اللحظة لم يكن يحتاج لأي شيء سوى عناق
عناقًا واحدًا فقط يلوذ به من كل هذا الخراب
كان يعلم رغم كل شيء أن ذلك العناق لن يجده إلا عندها

قادته قدماه إلى القصر دون وعي دخل بخطوات متسارعة غير عابئ بوجود والده ولا بسيدرا التي كانت قد علمت بما حدث بعد أن انتزعت الحقيقة من أبيها تحت ضغط
صعد إلى جناحه ليجد قمر مستلقية على الفراش وما إن رأته حتى انتفض قلبها من هيئته وجهه شاحب عيناه زائغتان عليه انكسار لم تره فيه من قبل

همت أن تنهض وهي تقول بقلق :
مالك يا يونس؟ إيه اللي حصل؟

لكن قبل أن تكمل كان يونس قد سبقها
اقترب منها بسرعة ثم ارتمى بين ذراعيها بلا مقدمات كأنها آخر ما تبقى له من أمان

شهقت قمر من صدمتها لكنها سرعان ما ضمته بقوة رغم ترددها وراحت تمرر يدها فوق ظهره وشعره محاولة تهدئته
قائلة بقلق وحيرة :
يونس طمني حصل ايه

لكنه لم يجب وفجأة انهار وانفجر بالبكاء بين ذراعيها
بكاءً موجوعًا حادًا خرج من أعماق روحٍ أنهكها الألم كان جسده ينتفض بعنف وصوت شهقاته يمزق القلوب

اتسعت عيناها بصدمة لكنها تماسكت وظلت تربت عليه بحنان هامسة له برفق :
خلاص أنا معاك اهدي.....كله هيبقى تمام يا يونس

حاولت كثيرًا أن تهدئه بكلماتها لكن وجعه كان أعمق من أي حديث وحين يأست من تهدأته أغمضت عينيها وبدأت ترتل بصوت خفيض آيات من القرآن بصوت دافئ هادئ كنسمة ليل تمر فوق روحه المحترقة

شيئًا فشيئًا بدأ ارتجافه يهدأ وخف بكاؤه وانتظمت انفاسه
حتى غلبه النوم بين ذراعيها كطفل انهكه البكاء حتى استسلم

تنهدت قمر بألم ثم حاولت تعديل وضعه ليتمدد براحة لكنه حتى وهو غارق في نومه تشبث بها أكثر وكأنه يخشى أن تتركه همس لها بصوت واهن شبه غائب عن الوعي :
ماتسبنيش

ارتجف قلبها وهمست وهي تضمه إليها أكثر بحزن :
مش هسيبك أنا معاك 

استسلمت في النهاية وبقيت مكانها بينما كان هو يحتضنها كطفل صغير احتمى بأمه بعد عاصفة قاسية

استقر رأسه فوق صدرها ومررت هي أصابعها في شعره تحدق في ملامحه المنهكة شعرت بحرارة دموعه التي تسللت من عينيه حتى بللت ثيابها شاهدة على وجع لم  يستطع ان ينطقه لكنه افرغه كله بين احضانها !!
..............
بعد وقت طويل جلست ليان بجوار حمزة في السيارة بعدما أوقفها بعيدًا قليلًا عن منزلها وقد ارتسم القلق بوضوح على وجهها لم تكن معتادة أن يطلب منها النزول في مثل هذا الوقت المتأخر وقد اضطرت للخروج متحججة بأنها ستشتري بعض الأشياء من المتجر القريب التفتت إليه بقلق وقالت :
حد ينزل حد من بيته في الوقت ده أنا بالعافية عرفت أنزل وقلت إني رايحة السوبر ماركت خير طمني إيه اللي حصل

تنهد حمزة بعمق وأسند رأسه إلى المقعد للحظات قبل أن يبدأ في سرد ما حدث وصوته يحمل ثقل يومٍ كامل :
اللي حصل النهارده كله غريب أوي يا ليان
الرسالة من الأول جات لليلى إني مخطوف وأنا أصلًا كنت بكلمها وقتها في التليفون فهمتها تعمل إيه والعيلة كلها عرفت أمناها كويس وركبتلها جهاز تتبع وكنا وراها خطوة بخطوة

توقف قليلًا ثم أكمل :
يوسف وبابا كانوا رافضين نستغلها عشان نمسك ريما لكن في الآخر عملناها ونجحت بس لما وصلنا اكتشفنا إن والدة يونس وسيدرا اللي هي طليقة عمي إلياس هي اللي ورا كل اللي بيحصل

عقد حاجبيه وهو يحاول ترتيب ما سمعه :
في حاجات كتير لسه مش مفهومة بس اللي عرفناه إنها كانت بتساعد ريما عشان تنتقم من عمتي حياة وجوزها عشان هو زمان فضلها عليها ورفضها حوار كبير ومحدش فاهمه كله

خفض نظره وأردف بصوت أكثر هدوءًا :
عمي بدر والياس طلعونا بره ورفضوا نسمع باقي الكلام بعدها بشوية يونس خرج من الأوضة منهار حالته كانت تقطع القلب

صمت لثوانٍ ثم قال بشرود وألم :
حسيت بيه يا ليان لأول مرة أحس بوجع حد كأنه وجعي أنا لأني عيشت شبه اللي عاشه
تعرفي الناس كلها شايفة إن الجواز سهل تختار واحدة حلوة عجباك تقرر تتجوزها بس محدش بيفكر في أصعب جزء إنك تختار أم لأولادك مش أي حد ينفع يبقى أم ولا أي حد ينفع يبقى أب

نظرت إليه ليان بحزنٍ خفي حاولت ألا تُظهره واكتفت بأن تمنحه ما يحتاجه من دعم وفخر التفتت إليه قائلة برقة :
أنا مبسوطة أوي بكلامك يا حمزة مبسوطة وأنا شايفة التغيير اللي فيك وانبسطت أكتر لما عرفت إنك كنت واقف جنب الكل النهارده ومهربتش زي عادتك من مشاكل العيلة

أخذت نفسًا خفيفًا وأكملت بمرح :
هي آه مشاكلنا مابتخلصش بس بتبقى أهون لما نكون مع بعض كتف بكتف ومبسوطة عشان بقيت تحس باللي حواليك وهفرح أكتر لو رجعت البيت واتكلمت مع مامتك يمكن لو سمعت منك اللي جواك تتغير زي ما إنت اتغيرت

ابتسمت وهي تضيف بفخر واضح :
وأحسن حاجة فرحانة بيها قربك من مالك أخوك وانك بتحاول تقرب منه عن الأول مش قادرة أقولك أنا فرحانة بيك قد إيه يا حمزة وفخورة بيك ولما بشوفك بفرح أكتر عشان التغيير باين عليك حتى في نظرتك

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صادقة وقال وهو ينظر إليها بعينين ممتنتين :
أنا مبسوط أكتر منك يا ليان عشان بشوف النظرة دي في عيونك أنا من غيرك مكنتش هتغير اللي أنا فيه ده بفضلك إنتي لولا دعمك ليا ولولا إيدك اللي اتمدتلي في وقت كنت فيه بضيع.....كنت ضعت فعلًا

ارتبكت ليان وابتسمت بخجل ثم قالت بصوت منخفض :
أنا معملتش حاجة يا حمزة كل اللي بتقوله ده مكنش هيبقى له قيمة لو إنت من جواك مكنتش عايز تتغير

ابتسم لها لكن هذه المرة كانت ابتسامته مختلفة أصدق أعمق تحمل شيئًا لم ينطقه بعد ثم قال وهو ينظر إليها بحب :
يمكن إنتي شايفة إنك ماعملتيش حاجة لكن الحقيقة إن وجودك لوحده كان كفاية وبيفرق يا ليان
في وقت كنت تايه فيه ومش شايف قدامي كنتي دايمًا موجودة وبتشديني للطريق الصح

خفض بصره للحظة وكأنه يسترجع كل ما مر به ثم عاد ينظر إليها بابتسامة خفيفة :
الإنسان ساعات بيحتاج حد يآمن بيه قبل ما يعرف هو يآمن بنفسه وإنتي عملتي ده معايا خليتيني أشوف نسخة مني أنا نفسي مكنتش متخيلها

صمت قليلًا كأنه يزن كلماته قبل أن يخرجها ثم قال بصدق :
في ناس وجودها بيعدي عادي وناس وجودها بيغير حاجات جواك من غير حتى هما مايحسوا وإنتي من النوع التاني يا ليان

توترت ليان من وقع كلماته وشعرت بقلبها يضطرب فحاولت إخفاء ارتباكها بابتسامة صغيرة لكن حمزة أكمل هذه المرة وهو ينظر أمامه كأن مواجهتها صارت أصعب من اعترافه نفسه :
أنا بقيت لما أفكر أعمل حاجة صح أول حد بييجي في بالي هو إنتي وبقيت عايز أبقى أحسن مش عشان نفسي بس لكن عشان أفضل مستحق للنظرة اللي بشوفها منك

استمر الصمت بينهما لثوانٍ صمت لم يكن فارغًا بل ممتلئًا بكل ما عجزت الكلمات عن قوله

ابتلعت ليان ريقها بصعوبة وقلبها يخفق بعنف تحت وقع اعترافه المبطن بينما عيناها تهربان منه بخجل
أما حمزة فظل ينظر أمامه كأنه قال أكثر مما كان ينوي قوله لكنه لم يندم

ابتسمت ليان أخيرًا ابتسامة صغيرة دافئة وقالت بصوتٍ خافت امتزج فيه الارتباك بالصدق :
المهم إنك لقيت نفسك يا حمزة.....وإنك ماتضيعهاش تاني

التفت إليها ببطء وعيناه تحملان امتنانًا أعمق من كل مرة كأنه فهم من جملتها ما لم تقله
في تلك اللحظة أدرك كلاهما أن بعض المشاعر لا تحتاج اعترافًا واضحًا يكفي أن تُرى في النظرات وتُفهم في الصمت

أحيانًا لا يأتي الحب صاخبًا ولا يطرق الأبواب بعنف
بل يتسلل بهدوء إلى القلب كنسمةٍ دافئة في ليلةٍ باردة
حتى تجد نفسك متعلقًا بمن كان مجرد مأوى لروحك
دون أن تشعر

بعد وقت قصير كانت ليان تستعد للنزول من السيارة بعدما غاب حمزة عنها لدقائق داخل السوبر ماركت وعاد يحمل حقيبة كبيرة ممتلئة بأشياء كثيرة حلوى، شوكولاتة، ومختلف الأشياء التي يحبها قلبها بدا وكأنه اشترى المتجر بأكمله
وضع الحقيبة فوق قدميها لتنظر إليها بدهشة قبل أن ترفع عينيها إليه قائلة باستغراب :
إيه كل ده ؟؟

ابتسم لها بهدوء وفي عينيه دفء لم تخطئه ثم قال :
عشان لو سألوكي اشتريتي إيه

اتسعت عيناها بذهول وهي تنظر لما بداخل الحقيبة قائلة :
بس ده كتير أوي يا حمزة هعمل بيهم ايه.....؟!

نظر إليها بتلك النظرة التي صارت تربكها دائمًا وقال ببساطة جعلت قلبها يرتجف :
مفيش حاجة تكتر عليكي يا ليان 

توقفت الكلمات عند شفتيها فعل بسيط وجملة عابرة
لكنهما لامسا مكانًا عميقًا داخلها

ابتسمت له بخجل ثم فتحت باب السيارة وركضت للداخل ظل ينظر لأثرها وما ان اطمئن انها دخلت لبنايتها استدار بسيارته ورحل بابتسامة سعيدة مرتسمة على شفتيه

بالمصعد نظرت ليان إلى الحقيبة بين يديها ثم ضحكت
ضحكة صغيرة صادقة خرجت من قلب ممتلئ بالسعادة
ضمتها إلى صدرها كأنها تحتضن شعورها نفسه مازالت غير مصدقة كل ما تعيشه مع حمزة
ربما لم يمنحها وعودًا كبيرة ولم يعترف لها بشيء واضح
لكن تفاصيله الصغيرة كانت تفعل ما تعجز عنه الكلمات وكان هذا وحده كافيًا ليجعل قلبها يزهر !!
...............
وصلوا إلى المخزن المهجور الذي احتُجزت فيه ريما ونسرين الهواء داخله كان ثقيلاً مشبعًا برائحة الرطوبة غادر البعض لمنازلهم من بينهم إلياس ليطمئن على ابنه يونس وكذلك حمزة ولم يتبقى إلا القليل

من بينهم ليلى التي رفضت الرحيل حتى ترى ما سيحدث بريما وتتشفى بها !!!

كانت ريما مقيدة بين يدي أحد الرجال تقف بعينين مشتعلتين بينما نسرين بجوارها تراقب بصمتٍ غريب كأنها تستمتع بما يحدث........

وقفت ريما تلهث بعنف وعيناها لا تفارقان يوسف الذي يقف قريبًا من ليلى يناولها زجاجة ماء يسألها بنظراتٍ مليئة
بالقلق والحب عن حالها متجاهلًا كل شيء حوله حتى نظرات أوس المشتعلة نحوه

ذلك المشهد وحده كان كافيًا ليُشعل الحقد في قلب ريما أكثر مما كان ازدادت النيران بداخلها اشتعالًا حين التقت عيناها بعيني ليلى ورأت فيهما نظرة تحدي وسخرية بها

في لحظة خاطفة دفعت الرجل الذي كان يمسكها بعنف بل انتزعت سلاحه من يده بسرعة أربكت الجميع
اتسعت أعين الجميع بصدمة بينما صرخ أحد الرجال وهو يندفع نحوها :
هاتي السلاح.......

لكنها أطلقت النار عليه بلا تردد ليسقط أرضًا جثة هامدة
تجمد الجميع مكانهم كل شيء حدث في ثوانٍ
رفعت ريما السلاح بيد مرتجفة وصوبته مباشرة نحو ليلى
لكن يوسف اندفع فورًا يقف أمامها يحميها
فصرخت عليه ريما بجنون :
ابعد عنها يا يوسف ابعد سيبني أموتها وأخلص منها هي السبب هي السبب في إنك بعدت عني
أنا عارفة أنها لو ماتت هرتاح وانت هتحبني ونعيش سوا مبسوطين

دفعت ليلى يوسف بعيدًا عنها وهي تصرخ بغضب عليها :
هو انتي مابتزهقيش من الكلام ده مش بتتعلمي
كفاية شغل الجنان ده أنا مسرقتش منك حاجة افهمي بقى بطلي تعيشي دور الضحية

التفت يوسف إليها يريد إعادتها خلفه لكن ما إن رفع رأسه حتى لمح عيني ريما تصوب السلاح تجاه ليلى 
رأى الرصاصة قبل أن تُطلق وفي جزءٍ من الثانية
تحرك ووقف أمام ليلى مباشرة لتنطلق الرصاصة وتستقر بصدره !!!!!

اتسعت أعين ليلى بصدمةٍ مروعة حين سقط يوسف أرضًا وسقط معه السلاح من يد ريما التي تجمدت مكانها تنظر إليه بعدم تصديق وهي تهمس بفزع :
يوووسف

اندفعت نحوه لكن الرجال أمسكوا بها وقيدوها من جديد  بينما هي تصرخ بجنون وهي تقاوم القيود تبكي
بانهيار وعيناها معلقتان بيوسف تردد بذعر أنها لم تقصد قتله هو وأن الرصاصة لم تكن له

أما نسرين فكانت تقف على النقيض تمامًا تتابع المشهد ببرود قبل أن تنفجر ضاحكة بشماتة وجنون وكأن المأساة أمامها لم تكن سوى مشهد ممتع تنتظره !!!

سقط يوسف بين ذراعي ليلى ودماؤه تنزف بغزارة فوق
يديها وثيابها كانت تنظر إليه وكأن عقلها يرفض استيعاب ما حدث ثم انفجرت دموعها أخيرًا وعمت الفوضى المكان
اندفع بدر كالمجنون نحو ابنه وقلبه يكاد ينفجر من الخوف
ركع بجواره وهو يرفع رأسه بين يديه

فتح يوسف عينيه بصعوبة أنفاسه متقطعة وصوته خافت بالكاد يُسمع :
سامحني يا بابا وخلي ماما تسامحني سامحوني كلكم

انهار بدر وهو يهز رأسه بعنف :
اسكت ماتتكلمش هتقوم.....فاهم هتقوم

لكن يوسف لم ينظر إلا إلى ليلى
كانت تحتضنه تبكي بجنون وتهز رأسها برفض وكأنها ترفض فكرة فقدانه ابتسم لها ابتسامة واهنة عاشقة وهمس بصوتٍ متقطع :
بحبك....سامحيني

كلمتان فقط ثم أغمض عينيه
صرخت ليلى صرخة مزقت جدران المخزن
صرخة خرجت من أعماق روحها  وبدر صرخ بقهر وعجز وهو يحتضن جسد ابنه الملطخ بالدماء

في تلك اللحظة. نسيت ليلى كل شيء
نسيت وجعها منه وخذلانه والليالي الطويلة التي قضتها تحاول تضميد قلبٍ كان هو سبب نزفه
لم تعد تتذكر شيئًا سوى وجهه الشاحب بين يديها وأنفاسه المتقطعة التي كانت تسحب روحها معها واحدة تلو الأخرى
كل ألمٍ عاشته بسببه تلاشى فجأة وكأن القلب حين يخاف الفقد يغفر دون أن يشعر

لم تعد تفكر في نفسها ولا في جراحها ولا حتى في الماضي الذي مزقها كل ما كانت تراه هو هو وكل ما كانت ترجوه في تلك اللحظة ألا يأخذه القدر منها قبل أن تخبره أن حبها له رغم كل شيء.....لم يمت يومًا !!!
..............

تعليقات