رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الرابع والعشرون
فتح عينيه بصعوبة وهو يُصدر تأوهًا بسيطًا بسبب ألم اجتاح رأسه بفعل الضربة التي تلقاها وأفقدته الوعي. وقع بصره في تلك اللحظة على «مرزوق» الذي كان يجلس على مقعد مقابل له ويضع قدمًا فوق الأخرى. ارتسمت ابتسامة على وجه «مرزوق»، وقال:
- نومك تقيل يا سيادة النقيب، مكانتش ضربة على دماغك يعني.
نهض ليعتدل في جلسته قبل أن يقول بنبرة خرجت بصعوبة:
- أنت مدرك أنت عملت إيه؟ أنت ضربت ظابط وخطفته ودي تهمة توديك ورا الشمس.
ضحك «مرزوق» بصوت مرتفع ونظر إليه قائلًا:
- الكلام ده تقوله لمتهم أهبل عندك تمارس عليه سلطتك يا سيادة النقيب.
صمت للحظات وتابع:
- قالولي إنك ماسك مهمة مراقبتي وقال ايه عايز توقعني. حسيت إن بعد التاريخ اللي أنا عملته ده كله، إهانة كبيرة ليا لما يخلوا عيل صغير زيك هو اللي يراقبني.
ابتسم «زاخر» وقال بسخرية:
- العيل الصغير ده هو اللي هيلف حبل المشنقة حوالين رقبتك الحلوة دي يا شيمي.
ضحك «مرزوق» مرة أخرى وقال:
- الطموح حلو مفيش كلام. سيبك بقى من الهبل ده كله وتخيل معايا لما طيف يعرف إنك أنت اللي كنت بتحاول تقتله وإنك بعتله حد يقتله. ولا أقولك تخيل أختك تعرف إنك كنت هتتسبب في موتها وموت جوزها. أنت بس مش هتخسر الأمل البسيط اللي جواك إنك تتجوز أخت طيف، لا أنت هتخسر أختك وشغلك وكل اللي حواليك ومش بعيد طيف يقتلك.
نظر له «زاخر» نظرة استحقار وهتف بقوة:
- أنت أقذر مما تخيلتك، الحق عليا إني غبي وخليت بني آدم زيك يمسك عليا حاجة.
ابتسم «مرزوق» وقال:
- مش وقت ندم بقى يا زيخو، أنا عايزك تختار يا حبيبي بين إني أفضحك وأخسرك كل حاجة أو تبقى راجل من رجالتي وساعتها هعيشك ملك وكل اللي تحلم بيه هحققهولك. اختار مستقبلك هيكون إزاي، بس خلي بالك تهديدي مش بس فضحك لكن ممكن أوي أخلص على أخواتك البنات زي ما خلصت على جوز أختك فهد. أنا لو منك أختار صح وأخلص من الهم ده.
***
نهض «طيف» من مقعده وتقدم صوب «مراد» وهو يُعيد ما قاله مرة أخرى:
- ها يا مراد، مش عايز تقول برضه مين اللي خلاك تزرع القنبلة في العربية؟ أنا معنديش مشكلة تشيلها أنت وتتعدم بعد ما تتفضح وكل العالم يعرف إنك إرهابي قذر واللي خلوك تعمل كدا يفضلوا عايشين حياتهم عادي ويبقوا مبسوطين ومش هاممهم الكلب بتاعهم اللي شال الليلة.
نظر إليه «مراد» نظرة تحمل الخوف وهو يقول:
- أنا مكنتش أعرف إن العربية دي رايحة المؤتمر.
رفع «طيف» أحد حاجبيه وقال ساخرًا:
- أومال زرعت فيها القنبلة علشان تنفجر في عيد ميلادك ولا ايه؟
رد بنبرة مضطربة بسبب الخوف الذي سيطر عليه بالكامل:
- كان الاتفاق إني أودي العربية المقر بتاعنا علشان القنبلة تتزرع فيها. الاتفاق كان إنها تنفجر بالسفير مش المؤتمر، أو هم كانوا مفهمينا كدا.
جلس على طرف المكتب وقال باهتمام:
- هم مين بقى؟ وليه يقتلوا السفير؟
أغلق عينيه بعد أن تبلل جبينه بحبات العرق، وقال:
- إحنا مش منظمة إرهابية زي ما سعادتك فاكر، إحنا شغلنا في السلاح والمخدرات بس. السفير كان فيه اتفاق معاه هيسهل دخول شحنة مخدرات البلد، لكنه بلغ الشرطة والشحنة اتمسكت كلها فحبوا ينتقموا منه واستغلوا وجوده في شرم الشيخ علشان المؤتمر.
أومأ برأسه إيجابًا وقال متسائلًا:
- حلو، مين دول بقى؟
تلعثم في الحديث وهو يجيبه:
- د..ول، هم مجموعة مسميين نفسهم الأصفاد، معرفش هم مين بالظبط يا باشا بس أعرف أشخاص معينة وأعرف المكان اللي كنا بنقفل فيه الشحنات علشان تتسلم.
وقف «طيف» من جديد وقال باهتمام:
- تمام أنا عايز منك أسماء الناس دي والمكان اللي بتتكلم عنه ده.
حرك رأسه عدة مرات وهو يقول على الفور:
- حاضر، هبلغ سعادتك بكل حاجة.
أدلى «مراد» بكافة المعلومات التي يعرفها، وما إن انتهى حتى بكى بحرقة شديدة، فنظر له «طيف» وهو يقول بدهشة:
- بتعيط ليه؟
نظر له وقال بانكسار من بين دموعه:
- علشان خسرت كل حاجة وحياتي كدا انتهت خلاص.
زفر «طيف» بهدوء قبل أن يرفع رأسه وهو يقول:
- مش أنت اللي حطيت نفسك في الموقف ده يا مراد؟ الإنسان هو اللي بيختار طريقه سواء خير أو شر، وأنت رغم النعمة اللي ربنا رزقك بيها وبقيت دكتور، فرطت فيها وروحت بردو للطريق الغلط، جاي تلوم نفسك ليه دلوقتي؟
مسح عبراته بحركة بطيئة تعبر عن مدى يأسه وقال:
- لقيته طريق مختصر، قدامي طريقين واحد هقعد فيه سنين لغاية ما أقف على رجلي ويادوب هكفي نفسي بالعافية، وواحد تاني هحقق فيه في يوم اللي كنت هحققه في سنة في الطريق الأول.
استعد «طيف» للرحيل وقال جملته الأخيرة:
- منين أجزمت إنك هتقعد سنين عقبال ما تحقق اللي عايزه؟ ربنا تكفل بأرزاق العباد كلها والواحد في يوم وليلة ربنا بيغير حياته وبيرزقه رزق عمره ما كان يتوقعه، أو القليل ده ربنا بيبارك فيه أضعاف مضاعفة. أنت سلمت نفسك لطريق الشيطان يا مراد بكل اختيارك ومفكرتش ساعتها في لحظة الندم اللي أنت فيها دي.
عاد «مراد» ليبكي من جديد بينما رحل «طيف» واتجه إلى مكتب «رماح». دلف إلى الداخل وقال بجدية:
- عرفت المقر بتاعهم وكام اسم منهم، وكمان الوقت اللي بيتجمعوا فيه.
ابتسم «رماح» ونهض من مكانه وهو يقول:
- الله ينور عليك يا طيف، هبلغ اللواء أيمن علشان يعرفنا هنعمل إيه.
ما هي إلا دقائق، وجمع اللواء «أيمن» أفراد الفريق في غرفة العمليات وبدأ في شرح الخطة قائلًا:
- المعلومات اللي عندنا إن المكان اللي هنقتحمه عبارة عن مبنى من دورين في منطقة شعبية. المهمة دي خطورتها في حاجتين، أول حاجة إن المنطقة شعبية وفيها مدنيين فلازم ناخد بالنا كويس أوي، وتاني حاجة إنهم أكيد موزعين نفسهم في المنطقة كويس علشان لو حصل هجوم تكون السيطرة والغلبة ليهم. المهمة دي من أخطر المهام اللي هنعملها، العناصر كلها مسلحة واسم المجموعة دي "الأصفاد". المعلومات اللي قالها مراد بتقول إنهم بيتجمعوا كل يوم في الميعاد ده علشان المخدرات والسلاح اللي جهز يتم شحنه ونقله. العملية كلها هتتابع بث مباشر والوزارة كلها متابعة الموضوع، علشان كدا كل واحد فيكم هيلبس خوزة عليها كاميرا وهيتحرك معاكم مجموعة من أكفأ القوات الخاصة.
صمت للحظات لكي يتابع تعابير وجوههم، ثم قال بهدوء:
- المهمة صعبة لكن أنا واثق إن رجالتي ياكلوا الزلط، ربنا معاكم يا رجالة.
تحركوا وارتدوا جميعهم الملابس اللازمة للهجوم، واستعدت القوات بأكملها في الساحة المخصصة. ارتفع أذان العشاء، فصلوا جميعهم في جماعة، وانطلقوا إلى السيارات المدرعة المخصصة لنقلهم.
تحركت السيارات إلى وجهتها، واستعد كلٌّ منهم لتأدية دوره في المهمة كما أخبرهم «رماح».
ارتفع رنين هاتف «طيف»، فنظر إلى شاشته ليجده رقمًا غير مسجل. أجاب على المكالمة ووضع الهاتف على أذنه وهو يقول:
- ألو؟
جاء الرد من الجهة الأخرى قائلًا:
- أهلًا بيك، معايا طيف أيمن؟
تعجب «طيف» وقال على الفور:
- أيوة أنا طيف، مين حضرتك؟
- أنا فكري، اتش آر كشري ماما جت.
أبعد «طيف» الهاتف عن أذنه ونظر إلى شاشته بتعجب قبل أن يعيده مرة أخرى وهو يقول:
- ماما جت؟! وهو من إمتى محلات الكشري ليها اتش آر؟ آه اتفضل حضرتك عايزني في ايه؟
- حضرتك كنت محتاج وظيفة استيوارد، أنا بعت لحضرتك اللوكيشن وهتشرفنا يوم السبت الساعة 12 الضهر.
قطب «طيف» جبينه وقال:
- استيوارد ايه ولوكيشن إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
هنا جاء الرد موضحًا:
- وظيفة عامل نظافة بالفرع.
ضحك «طيف» رغمًا عنه وقال:
- عامل نظافة؟ ومين بقى اللي إدالك رقمي يا عسل؟
أجاب عليه:
- دي داتا توظيف.
- أيوة يعني ايه إيه داتا توظيف؟ مش فاهم بردو أنت جبت رقمي منين؟ أنت بتكلم ظابط شرطة وشكلك كدا عايز تتروق.
ظهر الصوت من الهاتف مرة أخرى، ولكن تلك المرة كان مرتبكًا، وهتف:
- يا لهوي، أنا آسف جدًا لحضرتك والله بالغلط، مش حضرتك محمود الدمياطي ورقمك آخره 66؟
رفع «طيف» أحد حاجبيه وقال:
- لا بقولك ايه، متصيعش عليا، أنت قولت اسمي رباعي في أول المكالمة، أنا مش أهبل، هجيبك يااض.
ظهر الخوف في نبرته وهتف:
- والله العظيم آسف يا باشا ومش هتتكرر تاني، والله رقمك ظهرلي فعلًا في داتا التوظيف وبعتذر جدًا على الإزعاج.
قال «طيف» بعدم رضا:
- ابقى اتأكد بعد كدا من الأرقام اللي بتكلمها يا عسل، مش وقتك خالص.
- حاضر والله هتأكد، بعتذر مرة تانية.
أنهى المكالمة، فنظرت إليه «نيران» وهي تقول بتساؤل:
- مين ده؟
أجابها وهو يكتم غيظه:
- اتش آر كشري ماما جت، قال ايه أنا محتاج وظيفة عامل نظافة في الفرع، ومحددلي ميعاد أستلم فيه الشغل.
ضحك جميع من في السيارة بصوت مرتفع، قبل أن يقول «بارق» مازحًا:
- طب مقالش ليك هتجيب أنت المقشة ولا هم هيسلموهالك هناك؟
ارتفع صوت الضحك من جديد، وهتفت «فاطمة»:
- استعجلت ليه يا طيف؟ كنت سألته على رينج المرتبات كام يمكن يكون أوفر حلو.
ضحكوا مرة أخرى قبل أن تقول «نيران» مازحة:
- ابسط يا عم هتاكل كشري براحتك ببلاش.
ارتفع ضحكهم بشدة، فنظر لهم «طيف» نظرات تحمل الغيظ وهو يقول:
- يه خفة الدم اللي حلت عليكم فجأة دي؟ فجأة كدا طلعتوني مسرح، ماشي...
صمت للحظات قبل أن يتابع:
- يا ترى هيرضى يقولي الأوفر بعد ما شتمته؟
انفجروا في الضحك من جديد وسط أجواء من المرح سبقت أجواءً صعبة سيعيشونها بعد قليل.
وصلت القوات إلى المنطقة المحددة، وترجلوا بانتظام شديد قبل أن يقفوا على شكل صفوف طويلة استعدادًا للهجوم. وقف «رماح» في المقدمة وأشار إلى «طيف» ليتحرك بقوته، ثم أشار إلى «بارق»، فرفع يده وتحرك بقوته، وتحرك هو بباقي القوة.
كان كل فريق يتحرك بشكل منظم، وانتشروا في المنطقة بسرعة كبيرة حتى وصلوا إلى البيت المنشود، وهنا بدأت اللحظات الصعبة.
