رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل الثالث والعشرون
دلف إلى داخل القصر بعد أن أدى مهمته على أكمل وجه وتقدم حتى وصل إلى هذا الرجل الذي كان يُغطي وجهه بقناع ذهبي اللون وقال بجدية:
- كل اللي أمرتني بيه اتنفذ
حرك هذا المقنع رأسه بالإيجاب وردد:
- كل الأخبار وصلتلي، أنت أديت مهمتك على أكمل وجه يا طيف بس خليك عارف إن دي مجرد بداية وإن خطتنا أكبر من كدا بمراحل
حرك رأسه بالإيجاب وردد بجدية:
- عارف ده كويس أوي ومستعد لأي خطوة جديدة، تحب الخطوة الجاية تكون ايه؟
***
خرج الطبيب أخيرا من غرفة العمليات وتحرك الجميع صوبه ليقول بنبرة هادئة:
- الحمدلله الرصاصة مكانتش في مكان خطر وهي بخير لكن لسة حالتها صعبة، الـ 24 ساعة اللي جايين لو عدوا على خير ساعتها هنقدر نقول إن المرحلة الخطر عدت، هننقلها دلوقتي على غرفة العناية المركزة وممنوع أي زيارة لها
رحل الطبيب وبقى «ايمن» شاردًا وما إن وضعت ابنته «تنة» يدها على كتفه حتى التفت وردد:
- خير يا حبيبتي
- خير يا بابا بس ممكن تقنع الدكتور إني أنا وماما نكون مع رنة في الاوضة؟
زفر بهدوء ونظر لها قائلا:
- مينفعش يا تنة لأنها في العناية دلوقتي، على الأقل لازم الـ24 ساعة اللي الدكتور قال عنهم يعدو الأول وبعدها نعمل ده، ممكن اسماء تبقى معاها هي بس وهشوف الدكتور وبردو هشوف لو فيه اوضة قريبة تباتي فيها، هظبط كل حاجة متشغليش أنتي نفسك
التفت «ايمن» لينظر في تلك الإجراءات لكنه وجد «ذاخر» الذي كان يقف شاردًا فتحرك صوبه وأردف:
- أنت جيت هنا امتى؟
نظر له وأجاب:
- من ساعة ما خرج الدكتور، عرفت يا عمي إن اللي عمل ده يبقى طيف؟
وقبل أن يرد صاحت «تنة» بصوت مرتفع:
- أنت بتقول ايه يا ذاخر أنت الموقف جننك ولا ايه؟ طيف مين اللي بتتكلم عنه، أخويا مختفي من سنة ولسة مرجعش
نظر لها وقال بثقة وبوجه خالي من التعابير:
- رجع، طيف رجع النهاردة وأول حاجة عملها بعد ما رجع هي إنه قتل اخته
استمعت «اسماء» للحوار من بدايته لكنها لم تتحدث لصدمتها لكن بعد أن نطق هو بكلماته تلك صرخت في وجهه وقالت:
- اسكت أوعى تقول عن طيف ابني حاجة وحشة، أنت متستاهلش بنتي، بدل ما تقف جنبها وتواسينا إحنا تقول كدا؟
حرك رأسه بعدم رضا وأردف:
- للأسف ده اللي حصل يا حماتي حتى اسألي عمي، هو عارف أنا بقول ايه كويس
نظرت إلى زوجها وقالت بنبرة تحمل الصدمة والانهيار في آن واحد:
- رد يا ايمن، رد قول إن الكلام ده مش صح، ريح قلبي بدل ما أنا بتحرق كدا
نظر له «ايمن» نظرة عتاب لأنه نطق بتلك الكلمات أمامهم ثم عاد ببصره إليها ليقول:
- طيف رجع يا اسماء
وضعت يدها على فمها بصدمة ليُكمل هو:
- بس مش طيف اللي احنا نعرفه، حد تاني بشخصية تانية، مش عارف هو بيعمل ايه ولا هو في الأصل مين، جاي لهدف معين وبداية الهدف ده هو اللي حصل النهاردة
حرك رأسه برفض وقالت بنبرة باكية:
- عايز تقنعني إن طيف عمل كدا في اخته؟ ده بيعشقها وهي بتعشقه ولا نسيت إن سبب اختفائه من الأول بسبب اللي حصلها وإنه كان عايز يساعدها، عمري ما هصدق ده أبدا
في تلك اللحظة تقدمت «نيران» التي حضرت لتوها واستمعت لتلك الكلمات لتقول:
- للأسف يا ماما هو طيف، أنا وقفت قصاده وواجهته وش لوش، ساعتها حسيت إني في حلم حتى كلامه خلاني ثابتة مقدرتش اتحرك لدرجة إنه خد سلاحي بسهولة مني، هو طيف فعلا لكن مش طيف اللي نعرفه كلنا وعاشرناه، طيف رجع لكن بعقل وذكريات مختلفة، طيف غاب سنة ومكناش نعرف هو فين ولا حصل فيه ايه لكن بعد اللي حصل ده عرفنا كويس هم عملوا فيه ايه، حولوه لشخص تاني خالص، شخص بيقتل بدم بارد، شخص ناسي وميعرفش مين أهله بس خلينا نبص للجانب الإيجابي وهو إنه رجع، إن شاء الله رنة تقوم بالسلامة وطيف نقدر نوصله ونعالجه وساعتها ميبقاش فيه خسارة
***
عاد من الخارج بعد أن أنهى عمله فوجد زوجته تحمل ابنته وتهزها أثناء تحركها فاقترب منها وهو يقول:
- لورا بتعيط ولا ايه؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت بحزن:
- مش عارفة مالها بتعيط جامد ولازم اتحرك بيها علشان تهدى
ابتسم وفرد ذراعيه وهو يقول:
- طب هاتيها كدا
أخذ طفلته منها وحملها بين ذراعيه وهو يقول بابتسامة:
- تاعبة ماما ليه يا قردة؟
توقفت الصغيرة عن البكاء فابتسم وقال بهدوء:
- يا خلاصي على العسل يا ناس، شوفتي أول ما شيلتها سكتت إزاي
رفعت أحد حاجبيها وقالت بتعجب:
- غريبة فعلا، ماشي يا ست لورا بقى أنا أشيل واهدي واسهر وافضل معاكي وفي الآخر أول ما بابا يشيلك تسكتي ومعايا طول الوقت عياط؟!
ضحك «إلياس» وضم الصغيرة إلى صدره وهو يقول:
- دي حبيبة قلب بابا دي
ابتسمت «إيلين» فجذبها وضمها هي الأخرى وهو يقول:
- ربنا يخليكم ليا دايما يارب
اغلقت عينيها وقالت بارتياح:
- امين يارب
***
نزل «هاني» الدرج بعد أن أخبره أحد العاملين بالقصر بوجود أحد ينتظره بالأسفل وما إن وجده صديقه السابق «زياد» حتى ابتسم وقال:
- زياد عاش من شافك
نهض «زياد» من مكانه وردد بعدم رضا:
- عاش من شافني بردو؟ ده أنا بقالي فترة كبيرة بتصل بيك وأنت مش بترد عليا ولا كأن ليك صاحب أساسًا
لوى ثغره وتقدم ليجلس وهو يقول:
- بص يا زياد أنت عارف إن صحوبيتنا كانت بتغضب ربنا بمعنى إننا مش بنشجع بعض على العبادة لا ده إحنا كنا بنشجع بعض تعالى نسهر في المكان الفلاني، تعالى ده فيه بنات كذا هنا، تعالى ده فيه كذا كذا، وأنا بعد ما ربنا هداني قررت ابعد عن الطريق ده كله علشان كدا مكنتش برد عليك لأني عارف إنك هتجرني للطريق ده تاني
رفع «زياد» أحد حاجبيه وقال بعدم رضا:
- أنت هتعمل فيها شيخ يا هاني؟ الكلام ده مش عليا
حرك رأسه بأسف وعاد بظهره إلى الخلف وهو يقول:
- هي دي مصيبتنا دلوقتي للأسف، لما حد من شلة معينة يقول حاجة محترمة أو فيها نصيحة لله الباقي يقوله أنت هتعمل فيها شيخ وبتاع رغم إن ده هو العادي مش محتاج الواحد يبقى شيخ ولا حاجة وحتى لو كدا ده دينا وده اللي ربنا أمرنا بيه ليه نستهزأ بالكلام ده بالشكل ده؟ ليه وصلنا إن اللي يقول كلام صح ومحترم أو يتكلم في الدين عموما نقوم نقوله أنت هتعمل فيها شيخ، ياسيدي ما يعمل شيخ فيها ايه؟ هل دي مشكلة دلوقتي لما يعمل شيخ؟ ولا أنت رافض اللي بيقوله فبتحاول تبين إن اللي بيقوله مش كلامه ولا له حق يقوله
تراجع «زياد» قليلًا فهو لا يريد خسارته في الوقت الحالي وأردف بابتسامة:
- على فكرة أنا كنت بهزر معاك مش قصدي حاجة خالص وعلى فكرة أنا محترم ده جدا ومش معارضك نهائي بس القرب من ربنا مش معناه إنك تبعد عن كل حاجة حلوة وكويسة، مبقتش تيجي النادي ولا تلعب تنس زي زمان حتى صاحبك قاطعته، كل اللي عايزه منك إنك ترجع تاني حتى لو النادي ونلعب مع بعض زي زمان وياعم مش لازم أنا أجرك للغلط ما تجرني أنت للصح؟! أظن كلامي مفيهوش حاجة غلط
التقط أنفاسه قبل أن يحرك رأسه بالإيجاب وهو يقول:
- عندك حق يا زياد، خلاص يا سيدي هرجع النادي تاني بس انسى حوارات زمان دي خالص
- حاضر هنساها
***
في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع بمكتب اللواء «ايمن» بعد أن دعى لاجتماع عاجل بعد ما حدث. دلف إلى الداخل بعد أن استقر كلٍ منهم في مكانه وجلس على مقعده قبل أن يُوجه بصره تجاه «سيزكا» قائلًا:
- كلامك كان صح يا سيزكا، طيف رجع وده معناه إنه كان مخطوف فعلا من منظمة الظلام
لوت ثغرها بأسف قبل أن تقول بنبرة تحمل الحزن:
- للأسف ده اللي كنت شاكة فيه بنسبة كبيرة، الظلام دول زي الأشباح أو الكيان اللي ممكن يواجهك بس متشوفهوش ومعنى إنهم خطفوا طيف ورجعوه تاني يبقى هي دي خطتهم، طيف رجع شخص تاني وده معناه إن كل اللي اتحكى ليا عنهم صح
ضيق «ايمن» ما بين حاجبيه وقال بتساؤل:
- ايه اللي اتحكى ليكي عنهم
مالت إلى الأمام وقالت بجدية:
- اتقالي انهم لو حطوا شخص في خطتهم معناه إن الشخص ده ورقة رابحة لا يمكن تخسر بالنسبة ليهم، اتقالي إنهم بيعذبوا الشخص ده عذاب محدش يقدر يتحمله لغاية ما عقله يبدأ ينسى أي حاجة عرفها قبل كدا وبعدين تبدأ مرحلة التدريب الشرس وأثناء المرحلة دي بيتم زرع ذكريات وهمية في عقله بحيث يبقى الشخص ده بتاعهم هم بس، أكنه إنسان آلي وبعد التدريب وكل المراحل دي ما تخلص بيبقى شخص لا يقهر بالمعنى الحقيقي، ممكن يواجه ألف شخص ويتغلب عليهم علشان كدا طيف دلوقتي عامل زي القنبلة اللي متوقع تنفجر في أي لحظة
لم تتحمل «نيران» وانهمرت عبراتها قبل أن تضع يدها على وجهها لتداري ذلك وأثناء ذلك تحدث «ايمن» قائلًا:
- الوقت ده مش وقت ضعف يا نيران، زي ما أنتي مراته أنا أبوه وقلبي مش متحمل كل اللي بيحصل ده لكن مش وقت الواحد يعيط أو يصعب عليه حد حتى لو الحد ده ابني أو بنتي، لازم نكون في أقصى قوة لينا دلوقتي علشان نواجه الناس دي وفي نفس الوقت ننقذ طيف من إنه يعمل كارثة جديدة
هنا تحدث «رماح» الذي قال بهدوء:
- لو هو بالقوة دي مهمتنا هتبقى صعبة جدا، مش علشان مش هنقدر نواجهه لا بالعكس، علشان هيبقى صعب نؤذيه
نظر له «ايمن» وتحدث بنبرة تحمل الجدية:
- منقدرش نؤذيه وهو يؤذينا عادي صح؟ دلوقتي طيف مهما كانت الأسباب في الطرف التاني ولو هيتسبب في أذى أو كارثة يبقى لازم نمنعه حتى لو كانت حياته هي التمن يا رماح
نظرت له «نيران» وقالت باعتراض:
- بس ده ابنك
وجه بصره تجاهها وقال بنبرة صارمة:
- أنتي فاكرة إني راضي عن اللي بقوله؟ طيف ده النسخة المصغرة مني ومش كدا بس ده أحسن مني كمان بس لو هيتسبب في أذى لأكتر من شخص يبقى لازم نوقفه بأي طريقة، طيف قتل أخته يا نيران، قتل أخته اللي بيعشقها ودايما هزاره معاها، لو سيبناه منضمنش هيقتل مين تاني؟! أنتي ولا أمه ولا أبوه ولا حتى ولاده، ده مش موقف نفكر فيه بقلبنا أبدا
ثم نظر إلى «يوسف» وقال:
- ولا ايه يا يوسف؟ ساكت ليه
في تلك اللحظة تحدث «يوسف» الذي قال بجدية:
- ساكت لأني كنت عارف إن ده كله هيحصل، قبل ما يظهر حلمت بيه بيخلص مننا واحد ورا التاني ومش طيف اللي عرفناه أبدا، علشان كدا رغم إنه صحبي أنا موافق على كلامك يا سيادة اللواء، مش هنستنى لما يقتل حد مننا، أكيد هنحاول نساعده لكن لو مقدرناش وكانت الطريقة الوحيدة إننا نقتله يبقى ده اللي هيحصل للأسف
هنا نهضت «نيران» من مكانها وقالت بصوت مرتفع لتعبر عن اعتراضها:
- خلاص كلمك قررتوا تخلصوا منه في الوقت اللي هو محتاج إننا نبقى جنبه ونساعده باللي نقدر عليه؟! بدل ما تقدموا اقتراحات إزاي نساعده ونرجعه لينا من تاني بتقولوا لو جت الفرصة هتخلصوا منه؟ أنا مش مصدقة إنكم كدا بجد، ده أنا أخاف تغدروا بيا بقى رغم إني منكم، أنا مش مكملة معاكم وأنا هعرف إزاي أساعد طيف واللي هيقرب منه هيشوف مني وش عمره ما شافه أبدا ولا هيشوفه
تركت الاجتماع ليعم الصمت على الجميع ليقطعه «بارق» قائلًا:
- الوضع بقى صعب
نهض «ايمن» من مكانه وخبط بكلتا يديه على المكتب أمامه بقوة ليقول بصوت مرتفع:
- مفيش حاجة اسمها صعب، أنتوا نسيتوا نفسكم ولا ايه؟ أنتوا أقوى فريق حصل خلال السنين الأخيرة، أنتوا متدربين على أعلى مستوى ومتدربين في أصعب الظروف، مش إحنا اللي نقول كلمة صعب دي، إحنا في حرب وطبيعي يبقى فيه خسائر كبيرة لكن خلينا نبص للجانب الإيجابي وهو إن خسائرنا قليلة مقارنة بيهم والخسارة بتاعتهم، اللي بيعملوه ده رد فعل من الفعل بتاعنا يعني إحنا اللي مسيطرين وإحنا الجانب الأقوى
نهض «يوسف» هو الآخر وتحدث بجدية:
- أنتوا عارفين إحنا ناقصنا ايه؟ ناقصنا نكون هاديين ومهما كانت خطورة الموقف نكون مبتسمين وواثقين إننا الجانب الأقوى بمعنى أصح ناقصنا طيف، طيف هو الوحيد اللي كان بيغير مود التيم ده كله، كان معظم الوقت يهزر ويضحك ويخلينا كلنا دايما مبسوطين ومش بنفكر في أي حاجة ولا خايفين من أي حد، لو كل واحد من جواه بقى طيف هنقدر نرجعه بينا تاني ونفوز في الحرب دي
***
في مساء اليوم تحركت «سارة» لتفتح الباب بعد رنين الجرس لتجد «نيران» أمامها فابتسمت قائلة:
- اتفضلي
دلفت إلى الداخل بينما أخبرت «سارة» «إلياس» بقدومها فنزل الدرج وهو يقول:
- أهلا أهلا بمرات الغالي، نورتي يا نيران باشا
ابتسمت وقالت بهدوء:
- البيت منور بأهله
اقترب منها وقال بابتسامة:
- جاية علشان أساعدك توصلي لطيف صح؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت على الفور:
- الصراحة أيوة، آسفة لو جيت في وقت مش مناسب
ابتسم وأشار لها بالجلوس قبل أن يقول:
- مفيش أسف إحنا أخوات
جلس وتابع:
- أنا عرفت اللي حصل ولغاية دلوقتي مش مصدق إزاي طيف اتحول بالشكل ده ويؤذي أخته اللي كان هيتجنن علشان ياخد حقها
لوت ثغرها وقالت بحزن واضح:
- ياريتك ما قولتله على عنوان اللي ابتز رنة مكانش كل ده حصل
التقط أنفاسه وقال بنبرة هادئة:
- صدقيني لو كنت شاكك بنسبة واحد في المية إن ده كمين مكنتش قولتله، أنا عمري ما عرفت سكة الناس دي ولا أعرف إنهم ممكن يخططوا لحاجة زي كدا، أنا بلغته في الفرح بالمكان لكن للأسف راح ومرجعش بس أنا واثق إن طيف هيرجع أفضل من الأول من علشان حاجة لا بس طيف ساعد ناس كتير منهم أنا وبجد دعيتله بيقين إن ربنا هيتقبل
نظرت إلى الأسفل بحزن ورددت:
- يارب
ثم رفعت وجهها لتواجهه قائلة:
- ودلوقتي هتساعدني ومكان طيف لو اتعرف محدش يعرف بيه حتى اللواء أيمن ...
