رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الخامس والعشرون 


وصلت القوات إلى المنطقة المحددة، وترجلوا بانتظام شديد قبل أن يقفوا في صفوف طويلة استعدادًا للهجوم. وقف «رماح» في المقدمة وأشار إلى «طيف» ليتحرك بقوته، ثم أشار إلى «بارق» فرفع يده وتحرك بقوته، بينما تحرك هو بباقي القوة.

كان كل فريق يتحرك بشكل منظم، وانتشروا في المنطقة بسرعة كبيرة حتى وصلوا إلى البيت المنشود، وهنا بدأت اللحظات الصعبة.

كان اللواء «أيمن» وبعض القيادات الأخرى يتابعون الهجوم عن طريق عدة شاشات كبيرة مثبتة في غرفة العمليات، وكانت الكاميرات المثبتة بخوذ القوات تبث ما يحدث بالكامل.

تقدم «رماح» بالقوة التي كانت معه، وعندما خرج أحد المسلحين أطلق عليه الرصاص على الفور فسقط قتيلًا في الحال.

كانت هذه هي الشرارة التي أشعلت الحرب داخل هذه المنطقة. خرج في الحال عدة مسلحين من الطوابق العليا، وهنا بدأ عمل القناصة الذين اتخذوا أماكنهم وفق خطة أُعدت بشكل جيد. كان كل من يخرج من الطوابق العليا ليُطلق الرصاص على قوات الشرطة يموت في الحال، مما دفعهم للمواجهة وجهًا لوجه.

ركض «طيف» نحو المبنى بحذر شديد وسط صوت الرصاص الذي ارتفع بشدة. خرج ثلاثة من المسلحين من المبنى فأطلق «طيف» العنان لسلاحه الرشاش وأسقطهم جميعًا.

أشار «بارق» للقوات التي معه بأن يتفرقوا في المباني المحيطة حتى يتم تأمين المكان بالكامل وعدم السماح لهؤلاء المسلحين بمحاصرتهم. ارتفع صراخ الأهالي في هذا الوقت، وركض كل منهم نحو منزله في جو من الرعب تحت تأمين «فاطمة» ومن معها من القوات.

اقتحمت القوات المكان، وهناك كان العدد أكبر مما توقعوه تمامًا. أطلق المسلحون الرصاص في كل مكان، وردت عليهم قوات الشرطة بنفس القوة.

ركض «رماح» ودلف إلى غرفة ضخمة يوجد بها الكثير من الأسلحة، وأطلق الرصاص على من يحتمي بداخلها، لكنه لم يضع في الحسبان أن هناك من يختبئ خلف الحائط المجاور لباب الغرفة. وعندما اقترب خرج هذا المسلح وضربه بقوة بمؤخرة سلاحه فسقط أرضًا. هنا رفع المسلح سلاحه الرشاش ليُطلق عليه بعدما أصبح فريسة سهلة أمامه، لكنه قبل أن يُطلق اندفعت «فاطمة» إلى داخل الغرفة وأطلقت عليه الرصاص بقوة فسقط قتيلًا.

نظر «رماح» إليها، فمدت يدها في الهواء لتساعده على النهوض، فاستجاب لها ونهض ليُكمل ما بدأه.

توجه «طيف» ومن معه إلى الطابق الثاني فتفاجأ بإطلاق رصاص كثيف ومتواصل نحو مدخل الباب. فنظر إلى «نيران» وهتف:
- قنبلة مسيلة للدموع.

استجابت لطلبه وألقت بالقنبلة إلى الداخل، لينطلق الغاز بقوة شديدة جعلت الرؤية مستحيلة. هنا خرج «طيف» من وراء الجدار وأطلق النار على من يتواجد بالداخل بصورة عشوائية بسبب انعدام الرؤية، وما إن نفد مخزون الرصاص حتى عاد إلى مكانه من جديد وقام باستبدال خزان سلاحه.

في تلك اللحظة اندفعت القوات إلى الداخل، وبدأ شجار عنيف بين الطرفين انتهى بمقتل الجميع.

تقدم «طيف» وسار في طرقة طويلة إلى الداخل حتى وصل إلى غرفة أُغلقت بباب خشبي. هنا أشار بيده ليتوقف الجميع قبل أن يركل الباب بقوة فكسره ودفعه إلى الداخل بعنف. في تلك اللحظة أطلق «طيف» الرصاص على اثنين من المسلحين كانا بالداخل، وأشار للقوات بمتابعة التحرك.

في الطابق الأول وصل «رماح» إلى مكان أشبه بالمخزن، كان يتم فيه تعبئة المخدرات وتجهيزها للنقل. كان المكان يضم الكثير من المسلحين، فأشار «رماح» لرجاله بأن يأخذوا حذرهم، وبدأ في إطلاق الرصاص إلى الداخل بصورة عشوائية قبل أن يعود إلى مخبئه من جديد.

هنا أشار أحد رجاله إلى وجود نافذة صغيرة تؤدي إلى هذا المكان، فأشار إليه «رماح» بالذهاب إليها وفتح ثغرة وسط هؤلاء المسلحين تمكنهم من اقتحام المكان.

كان «أيمن» يتابع الموقف وعلى وجهه علامات القلق. كان يدعو الله من قلبه بأن يخرج الجميع من هذه المعركة سالمين دون أية خسائر.

دلف الضابط من النافذة باحترافية شديدة، وما إن استقرت قدماه على الأرض حتى أطلق الرصاص نحو عدة مسلحين، فتوجهت الأنظار إليه، مما منح «رماح» وبقية القوات الفرصة المناسبة لاقتحام المكان.

اشتعلت الاشتباكات بعنف، وتبادل الطرفان إطلاق الرصاص بكثافة إلى أن تمكنت قوات الشرطة من فرض سيطرتها الكاملة على المكان.

أما في الأعلى، فتقدم «طيف» بهدوء وحذر وبرفقته قوته حتى وصل إلى درج يؤدي إلى سطح البناية.

في تلك اللحظة أشار بيده، فانطلق أحد أفراد القوة وأطلق عدة رصاصات نحو الأعلى لتشتيت الانتباه، بينما تقدم الآخر وألقى قنبلة غاز باتجاه السطح. هنا تحرك «طيف» وهو يُحكم قبضته على سلاحه الرشاش، مستعدًا لنزول أي شخص عبر الدرج.

وبالفعل، ترنح أحد المسلحين هبوطًا وهو يسعل بشدة بسبب الغاز، فوجه «طيف» سلاحه نحوه وقال بصرامة:
- اثبت مكانك.

ألقى المسلح سلاحه سريعًا ورفع يديه قائلًا بخوف:
- أنا رميت سلاحي.

أشار «طيف» بيده، فتقدم اثنان من أفراد القوة وقاما بتقييد يديه، قبل أن يسأله:
- كام واحد فوق؟

أجابه على الفور بنبرة مرتجفة:
- اتنين، وهيرموا سلاحهم.

رفع «طيف» بصره نحو الأعلى وقال:
- نادي عليهم.

امتثل الرجل لأمره، ورفع صوته مناديًا على رفيقيه، وبعد لحظات قليلة نزلا من الأعلى وهما يرفعان أيديهما معلنين استسلامهما الكامل.

أمسك «بارق» جهازه اللاسلكي وهتف:
- تم التعامل مع الأهداف، المنطقة الأولى تمام.

رفع «طيف» جهازه اللاسلكي هو الآخر وقال:
- تم التعامل مع الأهداف، الدور الثاني والسطح تمام.

ابتسم «رماح» أخيرًا، ثم رفع جهازه وقال بثبات:
- تم التعامل مع الأهداف في الدور الأول، المهمة نجحت والسيطرة على المنطقة بالكامل تمت بنجاح.

في تلك اللحظة جلس «أيمن» على مقعده وزفر بارتياح شديد وهو يردد:
- الحمد لله الحمد لله.

بينما تبادل باقي القيادات التهاني فيما بينهم بعد نجاح المهمة والقضاء على هذه المجموعة بالكامل.

***

صرخ «مرزوق» بشدة بعدما أبلغه أحد رجاله بخبرٍ ما. تحرك في المكان بهستيرية، وظل يضرب الأثاث من حوله ويكسر كل ما يقف في طريقه.

هدأ قليلًا بعد أن شوه معالم المكان الذي يجلس فيه. أشار إلى أحد رجاله، فأتى بهاتف صغير بشريحة جديدة وأعطاه إياه. أمسك الهاتف وضغط على أزراره حتى كتب رقم المتصل، وما هي إلا ثوانٍ حتى وضع الهاتف على أذنه وقال:
- أيوة يا زاخر، جه وقت أول خدمة هتقدمهالي، أنا عايز أعرف خط سير أيمن ضياء، النهاردة يبقى عندي خط سيره مفهوم؟

***

اجتمع «أيمن» بأفراد الفريق وصاح بسعادة غامرة:
- كنت متأكد إنكم قدها يا رجالة، الوزارة كلها بتتحاكى باللي عملتوه.

هنا نطق «طيف» وقال بابتسامة:
- كله بتوجيهاتك يا سيادة اللواء، بس صحيح العيال اللي اتمسكت دي معترفتش على الراس الكبيرة؟
أجاب «أيمن» عن سؤاله بعد أن جلس على مقعده:
- للأسف محدش يعرفه، واللي كان بيدير المكان ده حد تاني واتقتل في الاشتباكات. متقلقوش مسيره يقع. أهم حاجة دلوقتي نجاح المهمة، بكرا الخبر هيسمع في كل مصر.

***

وصل «أحمد» إلى الفندق الخاص بـ «تاليا» والتقى بها في الاستقبال. جلس على المقعد المقابل لها وقال بابتسامة:
- معلش، اتشغلت عنك الفترة اللي فاتت.

نظرت للأسفل وقالت بوجه خالٍ من الحياة:
- ولا يهمك يا أحمد، عادي اتعودت على كدا.

لاحظ الحزن البادي على وجهها فقال متسائلًا:
- مالك يا تاليا؟ حاسك منطفية.

نظرت إليه وقالت بنبرة تحمل الحزن:
- زهقت، مش قادرة أستحمل أكتر من كدا. بقالي شهرين مرمية هنا ومحدش يعرف إني عايشة، هفضل لغاية إمتى هربانة؟! أنا عندي الموت أهون من العذاب اللي أنا عايشة فيه ده. قولتلي خالك هيساعدني ويقبض على مرزوق، لكن ده محصلش، ولغاية دلوقتي مرزوق عايش حياة طبيعية وأنا اللي محبوسة واتحكم عليا بالسجن المؤبد هنا في المكان ده.

شعر بالحزن لحالها، لذلك حاول بث الطمأنينة والسكينة في قلبها وهتف قائلًا:
- مرزوق هيتحبس وهياخد جزاءه، لكن لازم أدلة قوية علشان يلبس بدلة الإعدام بلا رجعة. متعمليش في نفسك كدا يا تاليا، هتفرج والله وهترجعي أفضل من الأول.

علقت بصرها به وقالت وكأنها غريق يحاول التعلق بأي شيء:
- تفتكر هرجع زي الأول تاني؟

ابتسم وقال:
- أفتكر ونص كمان.

صمت للحظات قبل أن ينظر لها قائلًا:
- تاليا، تتجوزيني؟

اتسعت عيناها بعد أن سمعت تلك الكلمات، وهتفت بنبرة تحمل الدهشة:
- أتجوزك؟ وليه تربط نفسك بواحدة زيي؟ أنت ألف بنت تتمنى تكون في حياتها، ليه تبلي نفسك بيا بكل اللي أنا فيه ده؟ أنت كدا بتظلم نفسك يا أحمد.

ابتسم وأصر على ما قاله:
- تاليا، أنا وأنتِ اتقابلنا في ظروف صعبة ولو كان حد قالي زمان إني هقابل حد بالطريقة دي عمري ما كنت هصدق. مش يمكن كل ده حصل علشان نتقابل ونحب بعض ونتجوز؟ أنا عارف إن الوقت مش مناسب وكل حاجة جت بسرعة بس أنا من ساعة ما شوفتك وأنا معجب بيكي ودلوقتي أنتِ بتمري بظروف مش أحسن حاجة فلو بقينا مع بعض هندعم بعض ومش هنكون لوحدنا. أنتِ محتاجة لراجل في حياتك يدعمك وأنا محتاج لبنت جميلة زيك تكون في حياتي، ها قولتي ايه؟

***

دلفت السكرتيرة الخاصة بمكتب «نائل» إلى مكتبه ومعها عدة مستندات وضعتها أمامه على المكتب. رفع بصره وقال متسائلًا:
- ورق ايه ده يا سهام؟

أجابته على الفور:
- ده ورق شحنة مستحضرات التجميل اللي جت واتخزنت في المخازن بتاعتنا، محتاجة إمضاء من حضرتك يا مستر نائل علشان نبدأ نوزعها على الوكلاء بتوعنا في مصر.

تفحص الأوراق لبعض الوقت قبل أن يمسك بقلمه وهو يقول:
- تمام يا سهام، أدي إمضتي. عايزين التوزيع يكون في أسرع وقت علشان منخلفش كلامنا مع الوكلاء، وعايز لما شحنة بكرا تيجي تعرفيني على طول علشان دي منتجات أول مرة نتعامل معاها ومحتاج أفرزها كويس علشان أمور الدعاية والتسويق.

أومأت برأسها إيجابًا وهتفت:
تمام يا مستر نائل، اعتبره حصل.

***

ابتعد «زاخر» عن مكان عمله بالكامل، وتوقف بسيارته على جانب الطريق قبل أن يرفع هاتفه بالقرب من أذنه في انتظار رد «مرزوق» الذي أجاب بعد عدة ثوانٍ:
- ها عملت اللي طلبته منك؟

نظر إلى الفراغ أمامه وتردد للحظات، فهو لا يريد أن يكون خائنًا، لكنه أُجبر على ذلك. اتخذ قراره أخيرًا وقال:
- اللواء أيمن في زيارة للواء حامد الضبع، وده ساكن في أكتوبر وتحديدًا العنوان ده "..."، هيخلص ويرجع على البيت.

ابتسم «مرزوق» وقال بمكر:
- برافو يا زاخر، كنت متأكد إنك هتعمل اللي أنا عايزه، علشان كدا لو طلع كلامك صح بكرا الصبح هتلاقي 10 مليون جنيه في حسابك.

***

انتهى «أيمن» من زيارة صديقه الذي أُصيب بوعكة صحية، وتوجه إلى سيارته قبل أن يستقل المقعد الأمامي خلف المقود. انطلق بسيارته إلى منزله، لكنه شعر بشيء غريب يحدث.

لاحظ انطلاق سيارة من جانب الطريق، وأصبحت أمامه مباشرةً قبل أن تبطئ من سرعتها، مما دفعه للضغط على الفرامل حتى لا يصطدم بها.

وسرعان ما جاءت سيارة أخرى وأصبحت خلفه مباشرةً حتى أصبح محاصرًا بين السيارتين.

في تلك اللحظة خرج مسلح من السيارة الأولى وآخر من السيارة الثانية، وأطلقا الرصاص بشكل مكثف من أسلحتهما الرشاشة عليه.

تعليقات