رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل السادس والعشرون
لاحظ «أيمن» انطلاق سيارة من جانب الطريق، وأصبحت أمامه مباشرةً قبل أن تبطئ من سرعتها، مما دفعه للضغط على الفرامل حتى لا يصطدم بها.
وسرعان ما جاءت سيارة أخرى وأصبحت خلفه مباشرةً حتى أصبح محاصرًا بين السيارتين.
في تلك اللحظة خرج مسلح من السيارة الأولى وآخر من السيارة الثانية، وأطلقا الرصاص بشكل مكثف من أسلحتهما الرشاشة عليه.
انخفض «أيمن» سريعًا داخل سيارته ليتجنب الطلقات التي اخترقت الزجاج وحطمته متسببة في أضرار كبيرة بالسيارة.
أخرج سلاحه وقرر مواجهتهم رغم استحالة الموقف. أطلق عدة طلقات نحو المسلح الموجود في السيارة الأمامية ثم عاد إلى وضع الاحتماء من جديد.
ألقى نظرة سريعة إلى يمينه، فوجد أرضًا زراعية يتوسطها طريق طيني ضيق، فانحرف بالسيارة فورًا إلى ذلك الطريق، بينما واصلت السيارتان مطاردته.
لاحظ ارتفاع الزرع على جانبي الطريق، فأطفأ جميع أضواء السيارة، ثم فتح الباب وقفز وسط الزرع الكثيف.
توقفت السيارتان، وترجل منهما المسلحون الذين اندفعوا نحو المكان الذي سقط فيه «أيمن» لكنهم لم يعثروا له على أثر خاصة أن الظلام كان يهيمن على المكان بأكمله. عندها وجهوا أسلحتهم نحو الأرض الزراعية وأطلقوا الرصاص عشوائيًا أملاً في إصابته.
وبعد دقائق من إطلاق النار، فرغت مخازن أسلحتهم. نظر أحدهم إلى الآخر وقال:
- تفتكر مات؟
أجابه الآخر على الفور:
- أفتكر ونص، إحنا غربلنا المكان كله.
في تلك اللحظة، ظهر «أيمن» من خلفهم وهو يقول بثقة:
- مش اللواء أيمن اللي شوية عيال زيكم يقدروا يخلصوا عليه.
أطلق النار من سلاحه فأردى اثنين منهم، بينما رفع الثالث والرابع أيديهما مستسلمين وهما يقولان:
- إحنا ملناش دعوة، إحنا كنا سايقين بس.
أشار إليهما بسلاحه وقال بجدية:
- انزلوا على ركبكم وكل واحد يحط إيديه ورا راسه.
استجابا لأوامره وما هي إلا دقائق قليلة حتى وصلت قوات الشرطة إلى المكان.
ركض «طيف» نحو والده واحتضنه بقوة وهو يسأله بقلق:
- بابا أنت كويس؟
ابتسم «أيمن» وأجاب مطمئنًا:
- ما أنا أهو قدامك صاغ سليم، متقلقش أبوك تقيل برضه وأكشنجي قديم.
اشتعل الغضب في عيني «طيف» وقال بانفعال واضح:
- واضح إن الكلب مرزوق ده مش ناوي يجيبها البر، أقسم بالله ما هسيبه بعد الحركة دي.
أمسكه «أيمن» من ذراعه وقال بتحذير:
- طيف متبوظش كل اللي إحنا بنعمله.
سحب «طيف» ذراعه من يد والده وهتف بغضب:
- إحنا بنعمل إيه يا بابا؟ عمالين نراقبه وكل ما نكسب معركة منعرفش نجيب عليه دليل حاسم. هنفضل ساكتين لحد ما الكلب ده يخلص علينا؟!
تركهم ورحل بينما أشار «أيمن» إلى «بارق» ليلحق به.
استقل «طيف» سيارته وانطلق بسرعة كبيرة نحو شركة «مرزوق» بعدما علم من مصادره أنه لا يزال موجودًا هناك.
وصل بعد دقائق، وترجل من سيارته متجهًا إلى الداخل بخطوات سريعة عكست حجم الغضب الذي يعتمل بداخله. وما إن وصل إلى البوابة حتى أوقفه أحد أفراد الأمن قائلًا:
- بعد إذنك يا فندم، الشركة قفلت وممنوع الدخول.
صرخ «طيف» في وجهه بانفعال:
- شرطة وسع من وشي.
ابتعد رجل الأمن عن طريقه، بينما اندفع «طيف» نحو المصعد وقد احمر وجهه من شدة الغضب.
وصل إلى الطابق المخصص لمكتب «مرزوق» واتجه مباشرة نحوه. في تلك اللحظة هرعت مديرة مكتبه خلفه وهي تقول:
- استنى يا فندم، ممنوع تدخل كده.
لكنه لم يلتفت إليها، بل اقتحم المكتب بعد أن دفع الباب بعنف، فاصطدم بالحائط بقوة.
انتفض «مرزوق» من مكانه وقد ارتسم الذعر على ملامحه، وقال باستنكار:
- أنت مين؟ وإزاي تدخل مكتبي بالشكل ده؟
لم يرد «طيف» بل اندفع نحوه وأمسك بياقة قميصه، ثم دفعه بقوة حتى ارتطم بالحائط خلفه. قبض على قميصه بعنف وهدر في وجهه بصوت مرعب:
- أقسم بالله يا مرزوق لو فكرت مجرد تفكير تقرب من أبويا تاني أنا هقتلك، مفهوم؟
اتسعت عينا «مرزوق» وهو يهتف بنبرة يملؤها الخوف:
- أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه! ومين أبوك ده؟! أنت متعرفش أنا مين؟
ضغط «طيف» على أسنانه بقوة وقال:
- لا عارف أنت مين كويس. أنت مرزوق الشيمي المسؤول عن كل شغل قذر بيحصل في البلد وشغل المسكنة ده مش هيمشي عليا. اللعب بقى على المكشوف يا روح أمك.
اقترب منه أكثر وأكمل بنبرة حادة:
- ولو فاكر إن معارفك الكتير وسيطرتك على نص تجارة البلد هيحموك فأحب أعرفك أنا مين. أنا المقدم طيف أيمن اللي وقع الشياطين بنفسها، ومحدش قدر يقف قصاده. مش هيجي واحد زيك ويقف في وشي. قبل ما تفكر تواجهني اسأل عني كويس لأني هنسفك من على وش الأرض.
دفعه بقوة مرة أخرى، ثم تابع:
- ومتفتكرش إن أيامك هتطول. أنت بقيت في دماغي خلاص وكلها أيام والتهم كلها هتثبت ضدك وساعتها هشوفك متمرجح على حبل المشنقة يا شيمي.
تركه مكانه ورحل وسط نظرات «مرزوق» المضطربة.
***
"بعد مرور يوم"
انفعل «أيمن» وقال بغضب واضح:
- اللي عملته ده غلط وعشوائي يا طيف. تروح له بالشكل ده وتكشف له كل حاجة؟! لا وكمان تعتدي عليه في مكتبه وتسيبه يطلع للإعلام ويقول إن ظابط شرطة هاجمه وينشر فيديو من كاميرات المراقبة عنده؟! ده تصرف متهور.
لم يصمت «طيف» بل قال مدافعًا عن نفسه:
- كشفت له إيه يا بابا؟! ما هو عارف أصلًا إننا بنراقبه وإنه هدف بالنسبة لنا وبيتصرف على الأساس ده. يبقى طالما كده نلعبها وش لوش ونشوف مين اللي هيكسب. أما الفيديو الأهبل اللي نزله ده فبالعكس هيبقى دليل ضده يوم ما يتقبض عليه ويقع.
تحرك «أيمن» نحوه وهتف معترضًا:
- أنت ليه مش مدرك إن الفيديو ده عامل ضجة ضخمة ووصل لملايين المشاهدات في كام ساعة؟! الزفت مرزوق ده شخصية معروفة واسمه تقيل. الوزارة ممكن في أي لحظة تتدخل وتحقق معاك بسبب اللي حصل.
رفع «طيف» حاجبيه وقال بصدمة:
- يحققوا معايا؟! علشان شايف شغلي؟! ده مجرم ومفيش نوع من أنواع الإجرام إلا وعمله واللي عملته ده مجرد رد فعل.
خفف «أيمن» من حدة نبرته قليلًا وقال:
- ده بالنسبة لنا إحنا يا طيف، لأننا عارفين حقيقته وعارفين ملفاته كلها. لكن بالنسبة للناس هو رجل أعمال ناجح وشخصية عامة محترمة ساعد ناس كتير ووفر فرص عمل لشباب كتير وأعماله الخيرية مالية الدنيا. الناس هتقف في صفه لأنهم ميعرفوش الحقيقة.
تنهد ثم أكمل:
- وإحنا بقينا في زمن اللي بيصور فيديو وينزله على السوشيال ميديا هو اللي الناس بتصدقه على طول وبيحكموا على الطرف التاني من غير ما يعرفوا الأسباب ولا الكواليس. ادخل شوف التعليقات بنفسك؛ واحد كاتب إن الظابط ده بيستغل سلطته ولازم يتحاكم، وواحد تاني بيقول شوف الشرطة بتعمل ايه في الناس، وتالت بيتمنى البلد تنضف من الأشكال دي.
صمت لثوانٍ، ثم تابع بنبرة تحمل مرارة واضحة:
- تخيل إن واحد ما يعرفش عنك أي حاجة يحكم عليك بالشكل ده وأنت شايل الهم وشايف الويل، وحياتك اتعرضت للخطر مليون مرة علشان شغلك. علشان كده بقولك إن خطوتك دي ما كانتش محسوبة يا طيف.
***
استشاطت «رنة» غضبًا بعدما قرأت عشرات التعليقات السلبية بحق شقيقها على تطبيق «فيسبوك». كانت ترد بعصبية على كل تعليق يقع أمامها، حتى ألقت الهاتف جانبًا وصاحت بغضب:
- أنتوا اللي بهايم!
توجهت «تنة» مسرعة نحو شقيقتها وقالت بدهشة:
- في ايه يا رنة؟ حد ضايقك؟
انهمرت دمعة من عينيها وهتفت:
- كلهم منزلين فيديو طيف وعمالين يشتموه ويطالبوا بمحاكمته علشان ضرب الزفت مرزوق الشيمي. الفيسبوك كله ملهوش سيرة غير طيف ومرزوق.
خفضت «تنة» بصرها وقالت بأسف شديد:
- عرفت الموضوع ده، أنا كمان لسه شايفة منشور على صفحة وزارة الداخلية بيقول إنهم أوقفوا طيف عن العمل وحولوه للتحقيق.
اتسعت عينا «رنة» وهتفت بصدمة:
- ايه؟!
التقطت هاتفها بسرعة، ثم دخلت إلى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على «فيسبوك»، لتجد المنشور الأخير يقول:
- في إطار كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن قيام ضابط شرطة باقتحام مكتب رجل أعمال شهير والتعدي عليه بشكل مفاجئ.
بالفحص أمكن تحديد الشخص الظاهر بمقطع الفيديو (ضابط شرطة – مقيم بدائرة قسم شرطة ----) وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه مبررًا ذلك باتهامه لرجل الأعمال المذكور بارتكاب بعض الجرائم.
تم إيقاف الضابط عن العمل وإحالته للتحقيق لخروجه على مقتضى الواجب الوظيفي ومخالفته التعليمات المنظمة للعمل. ويأتي ذلك في إطار المتابعة المستمرة للالتزام بالقانون، واتخاذ ما يلزم حيال أي تجاوزات فردية.
ظلت «رنة» تحدق في الشاشة لعدة ثوانٍ، بينما بدأت ملامح الصدمة والغضب ترتسم على وجهها تدريجيًا، غير مصدقة أن الأمر وصل إلى حد إيقاف شقيقها عن العمل وتحويله للتحقيق بسبب تصرف اندفع إليه تحت وطأة الغضب.
***
خرج «مرزوق» من شركته، فاندفع نحوه عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين للحصول على تصريح بشأن آخر المستجدات.
تقدم أحدهم وسأله قائلًا:
- رأي حضرتك ايه بعد إعلان وزارة الداخلية إيقاف الظابط الذي اعتدى عليك في مكتبك؟
رسم «مرزوق» على وجهه ملامح الحزن والاستياء، ثم قال:
- للأسف أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق إن فيه شخص ممكن يعمل كده. أنا بحترم مؤسسات الدولة وبحترم رجال الشرطة اللي فعلًا سهرانين على حمايتنا، وأكيد اللي عمله الظابط طيف لا يمثل رجال الشرطة المحترمين.
ثم تابع بنبرة متأثرة:
- بشكر وزارة الداخلية على موقفها السريع وإحالة الظابط للتحقيق. مش علشان أنا رجل أعمال أو شخصية معروفة، لكن لأن اللي حصل كان اعتداء على مواطن من المفترض إن رجل الشرطة يكون مسؤول عن حمايته مش التعدي عليه.
هنا تقدم صحفي آخر بسؤال جديد:
- رأي حضرتك في الاتهامات اللي وجهها لك الظابط طيف أثناء التحقيق؟
ابتسم «مرزوق» ابتسامة هادئة وقال:
- طبعًا دي مجرد اتهامات هدفها تبرير اللي عمله. هو فيه ظابط شرطة بيتهم شخص بارتكاب جرائم، فيروح يعتدي عليه بالشكل ده؟! الموضوع بصراحة غير منطقي.
هز رأسه بأسف وأكمل:
- أنا لحد دلوقتي مش قادر أفهم سبب تصرفه بالشكل ده، خصوصًا إن مفيش أي علاقة سابقة بيني وبينه وعشان كده أنا واثق إن التحقيق هيكشف الحقيقة كاملة، وهيظهر مين المخطئ ومين المظلوم.
***
اقترب «بارق» من «طيف» الذي خرج لتوه من غرفة التحقيق، وقال بهدوء:
- ها ايه اللي حصل؟
زفر «طيف» بضيق وأجاب:
- هيكملوا معايا التحقيق بكرة وطبعًا كل الاتهامات اللي وجهتها لمرزوق ملهاش قيمة دلوقتي لأني معنديش دليل يثبتها.
ربت «بارق» على كتفه وقال محاولًا طمأنته:
- متقلقش إن شاء الله هتعدي. اللواء أيمن أكيد هيتصرف ويكلم معارفه وهتخرج من الموضوع ده.
خرجا معًا إلى الممر الخارجي، فوجدا «نيران» في انتظاره. أسرعت نحوه وأمسكت بذراعه وهي تقول بقلق:
- ها يا طيف؟ طمني.
رفع كتفيه في ضيق وقال:
- لسه التحقيق شغال وبكرة هكمله وهفضل موقوف عن العمل لحد ما التحقيق يخلص.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
- ولا يهمك يا حبيبي ده إجراء طبيعي بعد اللي حصل. إن شاء الله مرزوق ده هينور السجن قريب وساعتها كل الناس هتعرف الحقيقة.
***
انطلقت السيارات المخصصة لتوزيع مستحضرات التجميل التابعة لشركات «نائل» وزوجته «ياسمين»، متجهة إلى منافذ البيع المختلفة.
وعلى أحد الطرق، توقفت إحدى السيارات عند كمين للشرطة. اقترب الضابط من نافذة السائق وقال بلهجة رسمية:
- الرخص.
أخرج السائق رخصته ورخصة السيارة، فتفحصهما الضابط بعناية قبل أن يوجه نظره نحو الجزء الخلفي من السيارة ويسأل:
- ايه حمولة العربية؟
أجابه السائق سريعًا:
- مستحضرات تجميل ومواد تنظيف يا باشا، تبع شركة "YN"، ورايحة تتوزع على أماكن البيع.
تراجع الضابط خطوة إلى الخلف وأشار إلى صندوق السيارة قائلًا:
- افتح الصندوق.
ترجل السائق على الفور وفتح الصندوق الخلفي. صعد الضابط برفقة فردين آخرين من القوة وبدؤوا عملية التفتيش.
فتح الضابط إحدى الكراتين وأخذ يفحص محتوياتها. أخرج عدة عبوات من مستحضرات التجميل وفتحها واحدة تلو الأخرى، فوجدها طبيعية تمامًا، مما جعله يعيدها إلى مكانها.
لكن شيئًا ما أثار شكوكه.
مد يده إلى إحدى الكراتين الموجودة في الخلف، والتي بدت وكأنها لم تُمس من قبل. سحبها نحوه وفتحها، ثم تناول إحدى العبوات وفتحها بحذر.
ما هي إلا لحظات وتجمدت ملامحه. فبدلًا من مستحضرات التجميل، كانت العبوة ممتلئة ببودرة بيضاء اللون.
أفرغ قليلًا من المسحوق على راحة يده، ثم اقترب منه بحذر ليفحصه.
اتسعت عيناه فجأة، والتفت نحو السائق بنظرة حادة وهو يهتف:
- هروين يا روح أمك؟! ده أنت يومك أسود.
