رواية صياد النايا آل حانا الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم اية العربي


 رواية صياد النايا آل حانا الفصل الخامس والعشرون 

أدركت للتو أن الدعم لن يأتي إلا من داخلي، وأن القوة أساسها في نفسي، وأن الدموع كلما كثرت كلما فقدت قيمتها، وأن العين المغلقة يفوتها الأمل، والوجه العابس يجذب الحزن.

أدركت أن طيبة القلب يحذر استعمالها مع المتغطرس ، وأن التسامح إن استخدم مع قليل الأصل سيسبب المتاعب، وأن النسيان يخفي الجراح الملتهبة ولا يعالجها، وأن الفرصة الثانية درعا لا يستحقه سوى قلبي، لقد تعلمت الدرس جيدًا، تعلمت بثمن باهظ كيف أبحث عن نفسي أولا وأخيرا .

بقلم آية العربي

في الأعلى

انتهى من قراءة آخر جزء من القصة، وأغلق الكتاب يطالعها وهي تتمدد على ساقه وتشعر بسعادة وانتشاء من جمال تعبيره ومؤثراته خلال قراءته ، ليجدها شاردة تفكر فنطق بحب وهو يمرر أصابعه بين خصلاتها:

سرحتي في إيه يا رمانة؟

التفتت تطالعه وتبتسم، وتبادلا النظرات قبل أن تنطق بسكون يجتاحها جديدًا :

- حلوة جوي حكايتهم يا عمار، والأحلى انهم في النهاية جدرو يتجاوزوا التحديات وحبهم انتصر، بفكر لو أني

مكان البطلة كنت حتحمل اللي حصل ده؟

دقق النظر في عينيها ونطق بصدق وهو يتلمس تفاصيل وجهها بإصبعه :

- إنت أجمل من أي بطلة، إنت بطلة روايتي اللي اتحملتي كتير وصبرتي كتير وجدرتي تحافظي على جلبك من الجسوة والظلم اللي كنت بتتظاهري بيهم ، إنت الفرحة اللي طال انتظارها يا فرحة.

ابتسمت بخجل حقيقي، ونهضت تعتدل وتجاوره وتطرق رأسها بتنهيدة تستعيد بها سريعًا ما مرت له، فمد يده يرفعها ويتطلع عليها مسترسلا بمشاعره الهائمة بها :

- بتحبيني يا فرحة ، مبسوطة ويايا ؟

نعم تحبه، هو يجبر من أمامه على حبه، تفهمه، احتوائه حنانه عاطفته، اهتمامه ، واحترامه لها، جميعهم توليفة مميزة تجعل حبها يتضخم يوما بعد يوم.

تحبه ذلك الحب الصحي الذي يكتمل بأفعال تنعش الروحوتجعل السعادة مسكنها، لذا ابتسمت ونطقت بصدق توميء :

جوي يا عمار، ما بتعملش أي حاجة تخليني ماحبكش

انتعش ووزع نظراته ومشاعره على ملامحها بالتساوي حتى وصل إلى شفتيها فكان لهما النصيب الأكبر، واقترب يعطيهما حقهما ويقبلها باشتياق كأنه لم يرها منذ أمد ليبتعد بعد ثوان يلتقط أنفاسه الحارة ويتساءل مبتسمًا

وهو يستند بجبيته على خاصتها :

- أمتى بجى يا رمانة ؟ أني بجيت اشك أني منحوس، من تعب رجلي لتعب الحاج لموت عمتي ودلوك المبروكة اللي مارضياش تخلص دي ، بزيداها إكدة عاد، هي بتجعد عندك جد إيه ؟

ضحكت تتلمس صدغه كأنها تواسيه ثم أجابته متوردة بخجل كعادتها :

- معلش هانت فات الكتير مابجي إلا الجليل.

ضيق عيناه يطالعها بشك ونطق ممازحًا :

- طلبتيها ونولتيها، جولتي اصبر عليا يا عمار، اهو الصبر حط عليا حطة ما يعلم بيها إلا ربنا، لما نشوف اخرة الصبر إيه الجماعة تحت دلوك بيعدوا عليا

ضحكت بخفة ثم مالت تضع رأسها على كتفه وتردف معبرة :

وبالخصوص الحاجة صابحة، بتغير عليك جوي.

احتضن كفيها ونطق يوضح :

- بتغير عليا بس راحتي تهمها، لوّل كانت بتخاف منك عليا، دلوك جلبها ارتاح وكل ما حتشوف حبنا حترتاحوتطمن امي أصلها بردك عاشت الفترة اللي فاتت دي حاطة يدها على جلبها، لدرجة بجت تخاف عليا من خيالي، بس ماحتلاجيش أحن ولا اطيب منها.
برغم اعتراضها الداخلي على كلامه، حيث تشعر بغيرة صابحة القوية تجاهها، ولكنها أومأت بتفهم، فمن المؤكد لن يقول غير ذلك عن والدته

غادر وتركها تجاور والدته وتطالع أثره بغضب، ينتابها دوما الشعور بالاستنكار، كيف كانت تعطي ذلك الشخص حبا ؟

لقد جاءته بزهرة حب مكتملة، وغادرته بآخر بتلة لديها، كم كانت قاسية في حق نفسها؟

- نهاد؟

نادتها صابحة فالتفتت تطالعها فوجدتها تميل عليها وتبرر حديثه بعاطفة الأم قائلة :

- أني عارفة إنك دلوك بتجولي عليه مالوش حج فيكي بس أني فاهمة ولدي زين واجدر ابصم لك بالعشرة إنه مهواش مرتاح من وجت ما طلجك، وماحيرتاحش واصل هو بيحبك جوي بس ماعرفش يعبر

طالعتها بخيبة أمل، وابتسمت تستنكر :

- بيحبني ؟! أومال لو كان بيكرهني كان عمل فيا إيه يا مرات عم ؟ بيحبني ورايح دلوك يترمي في حضن مرته ؟ ده إيه الحب الأسطوري ده؟

نطقت صابحة توضح بصدق :

عارفة إن اللي ولدي عمله ما يتغفرش، وعارفة أنه خسر كتير جوي، وهو كمان عارف بس عنده موديه في داهية خد خطوة غبية دمر بيها راحته ولساته بيعاند

حدقت بها وربتت على كفها تستطرد بقلب أم ينتمي لأولادها :

- أني نفسي يفوج يا نهاد جبل فوات الأوان، يفوج لنفسه ويصلح غلطه في حجك وحج ولده، ووجتها حتديله فرصة ثانية يا بتي، صوح؟

باتت ترتعب من هذه الفكرة، فرصة ثانية ؟ وعودة لكل تلك الآلام ؟ والضعف ؟ والخوف والصراعات؟

فرصة أخرى لفتح الجراح وسكب الكحول المسمم فوقها ؟ عودة ثانية من بعد خيبة كبرى؟

هزت رأسها بلا وشعرت بأنها تختنق، وأن كلمات صابحة برغم أنها ترتدي لباس حسن النية وتتحلى بعاطفة الأمومة، إلا أنها كالسكاكين تقطع روحها إربا، لذا نطقت بنبرة مختنقة

- يفوج لنفسه يا مرات عم يصلح غلطته في حج نفسه يبعد عني ويهملني لحالي طول عمري

حزنت صابحة حينما لمحت نظرة الثبات لديها، لذا نطقت في محاولة أخيرة منها لترميم الشروخات :

- بس الواحدة فينا يابتي لما بتحب ما بتعرفش تكره وأني واثجة إنه لو ندم دلوك وطلج الحية اللي وياه دي

وعرف غلطته زين إنت حتسامحيه، أني عارفاكي وعارفة طيبة جلبك، وماتنسيش حمزة بردك، إحنا الأمهات لازمن نحط اولادنا في عين الاعتبار بردك، ولا إيه يا نهاد؟

از دردت ريقها وباتت تطالعها بصمت، وصلتا إلى مفترق طرق، لا هي ستتقبل كلماتها، ولا صابحة باتت تتفهم دواخلها، لذا نهضت تنطق بملامح حزينة :

- أني حطلع أنام يا مرات عم، عندي شغل بدري وبزيادة إكدة، تصبحي على خير

تحركت تغادر وظلت صابحة تطالع أثرها بتخبط، تدرك فداحة فعل ابنها، ولكنها تأمل بصلاح حاله وعودته إلى زوجته بعد تلقينه درسًا لا ينساه، هي في الختام أم

لم تكن تتوقع أن تحاول التواصل مجددًا مع صديقتها الأمريكية ، ولكن شعور الملل لديها بات لا يحتمل، ولا أحد هنا يستحق صداقتها، ومهران أضحى يغيب بكثرة، ويبدو أن الحياة التي رسمتها معه يتم محو معالمها بتصرفاته الغير مفهومة.

تجلس على السرير تتراسل معها وتبتسم على ذهول الثانية بعودتها حيث كتبت بالأنجليزية :

( أنا حقا لا أصدق أنني عثرت عليك تيا، ظننتك ميتة، أين كنت ولم أختفيت طوال هذه الفترة ؟

عادت بذاكرتها إلى ما حدث، لتتجهم ملامحها لثوان قبل

أن تجيبها :

) عدت إلى مصر، وبحثت عن عائلتي)

ووجدتيهم ؟)

سألتها بترقب لتجيب تيا وهي تتسطح على معدتها وتضع الوسادة أسفل صدرها:

) نعم وجدتهم، ولكنهم رفضوني، ولكنني تزوجت

لم تستطع الأخرى كتابة نص بل أرسلت مقطعًا صوتيا يعبر عن اندهاشها حيث قالت :

- ماذا ؟ تزوجتي ؟ بهذه السرعة ؟ كيف حدث ذلك؟ هل أجبروكي على الزواج أم ماذا اخبريني بكل شيء حدث معك تيا، أنا لا أصدق إلى الآن أنك حية.

بدأت تخبرها بمقتطفات ما حدث، وبمهران، وقصته ، وكيف تقابلا ، وحبهما الوهمي .

بعد أن انتهت من سرد ما حدث معها وأخفت مالا تود البوح به كتبت الأخرى لها ببعض الإعجاب :

يا لك من محظوظة كالعادة تزوجت بمصري وصاحب شركة سياحة تعلمين شيئًا، كنت أفكر في زيارة مصر قريبا وأخشاها في الوقت ذاته ، ولكن بعد كلامك هذا وددت زيارتها ورؤيتك، وربما تعرفت أنا أيضًا على صديق لزوجك، ما رأيك؟

تأهبت تيا، حيث عادت لوضعها الأول ونهضت تجلس وتستند على الوسادة وتصدها برفض مغلف بالخوف :

- هي فكرة رائعة ولكن في الحقيقة مهران اشترط عليا من البداية ألا ألتقي أو أتحدث مع صديقات الماضي، أنا فقط اشتقت لك وأحدثك دون علمه، أنت تعلمين طريقة تفكير الرجال هنا أليس كذلك؟ أرجوك لا تنزعجي، ولكن أعدك سوف أحاول معه وأخبرك إن قبل

اغتاظت الأخرى من حديثها ودونت لتعوض كسفتها :

- لا عليك حبيبتي رحلتي كانت للسياحة فقط ، ولكن قلتها كي أراك، على كل أنا سعيدة بعودتك والتحدث إليك، وأخبري زوجك أن الماضي لا يمكنه أن ينتسى)

كتبتها وختمتها بملصق ضحك ولكنها كانت تتعمدها لتبادلها تيا بملصق مثله وتختم رسالتها برد يبدو ساخرًا ولكنه مبطن بالكثير :

( الماضي يمكنني التلاعب به كيفهما أريد، ألا تعرفين تيا بدران؟)

- بتعملي إيه يا تيا؟

انتفضت وسقط الهاتف منها على الفراش وهي تنظر أمامها لتجد مهران يطالعها قاطبا ما بين حاجبيه، ولكنها أسرعت تترجل وتبتسم قائلة :

- خضتني يا مهران، ماحستش بيك خالص

قالتها وهي تقترب وتعانقه فربت على ظهرها ولكن عيناه كانتا على هاتفها لبرهة قبل أن يبعدها ويحدق بوجهها قليلا قبل أن يردف :

- كنت مشغولة بجى، لإني جفلت الباب وصوته كان مسموع

ابتسمت تواري توترها وأسرعت تنطق لتشغله :

- ممكن فعلا لإني كنت بشوف حاجات محتجاها على أمازون، نتعشى

لف وجه ونطق يوميء :

تمام حدخل اخد شاور لحد ما تجهزي العشا

تحرك من أمامها نحو غرفة الملابس، فزفرت بارتياحوخطت نحو الفراش تستل هاتفها وتغلقه وتدسه بجيب منامتها ثم تحركت نحو المطبخ.

أما هو فمال ينظر لأثرها لبرهة، ثم عاد يكمل ما يفعله

استل ملابسه ودلف الحمام ليستحم تجرد من ثيابه واتجه يقف في كابينة الاستحمام وفتح المياة الدافئة ووقف أسفلها يفكر ويستعيد كلمات والده .

المياة تسقط عليه وتتساقط منه الشرط الذي وضعه له كي يعود إلى نهاد هو تطليق تيا ، وهذا الأمر ليس بمأزق ولكنه إن فعلها الآن سيبدو راضحًا لأمر والده مجددًا

وسيبدو استغلاليًا أمام تيا، وكذلك سيظهر أمام الجميع بصورة الرجل المتقلب الذي لا يعلم ماذا يريد كيف سيتخلى عنها الآن ؟ وما السبب؟ لن يقبل بهذه الصورة ولن يضع نفسه بها ولن يطلق تيا إلا إذا استحقت ذلك يجب أن يكون مسؤولا عن قراراته واختياراته حتى لو كانت خاطئة، يجب أن يؤكد للجميع أن بحوزته حلولا لمشاكله، سيجد حلا ويعيد نهاد إليه مهما حدث، ولن يظلم تيا بطلاق مفتعل ، كل ما عليه الآن هو استرداد نهاد بأي وسيلة ، لأنه يدرك جيدًا في عمق نفسه أنه إن خير عمن يريدها، سترجح كفة نهاد بدون أي تردد.

في غرفة جابر

جلس أمام حاسوبه، يتحدث من خلاله مع ريم ويتناقشان في أمور العمل...

انتهيا ونطقت لتغلق :

- تصبح على خير .

- استني يا ريم.

نطقها قبل أن تغلق المكالمة، فشعرت بما يود قوله، لذا زفرت وتساءلت :

- نعم ؟

نطق بنبرة هادئة محاولاً إقناعها :

- ما ينفعش ماتجيش الشركة، أني من يوم ما عرفتك وشايفك أجوى من إكدة مش حديث مالوش عازة هو اللي حيهزك إنت جيمتك أكبر من كل ده، تعالي وخليكي في شغلك وما تعبريش حد واصل واوعدك لو حد جال كلمة تاني في حجك أني اللي حجف له.

سعدت بتمسكه بها، وزاد منسوب مشاعرها المدفونة ولكنها نطقت توضح :

- للأسف هي دي المشكلة يا مستر جابر، أنا فاهمة كويس إن عندي مسؤولية تجاه الشركة ومش حقصر خالص من الناحية دي بس أي تميز منك تجاهي حيتفهم بطريقة أنا مش حابة أبدًا اتحط فيها، أنا بتعامل معاك زي ما بتعامل مع مستر كمال ومستر أحمد بس يمكن لإني اعرفك أكثر منهم بيبان إننا قريبين من بعض، والكلام هنا للأسف بيضايق، خصوصًا إنه بيتقال من بنات زيي، وبالذات بعد كلام البني آدم اللي اسمه مسعود ده، فأنا فعلا محتاجة ابعد عن الشركة شوية الفترة دي، بس أكيد حرجع، وانا معاكم في أي حاجة بردو

لم يتقبل حديثها جملا وتفصيلا، خاصة وهي تخبره أنها تعامل معه مثلما مع غيره، هو يريد منها التميز عن الجميع كما يفعل معها، يريد منها معاملة خاصة، وليحترق العالم هو يراها بشكل مختلف، لقد تجاوز الإعجاب بها، تجاوزت مشاعره الإنجذاب نحوها، لقد بات يشعر أنها تنتمي إليه.

نطق بنبرة باردة مبطنة بالضيق :

زي ماتحبي، تصبحي على خير.

أغلق معها، وجلس يتأكل، يجب أن يأخذ خطوة جادة نحوها، ولكن كيف يفعل، هل يلجأ للطريقة التقليدية ويطلبها من شقيقها ؟ أم يعترف لها أولا ويرى ردة فعلها ؟

وهل هو على استعداد لخوض تجربة الحب الذي كان يخشاها؟ يشعر بأن لديه طاقة قوية تجاهها ، لديه غيرة اهتمام ربما مبالغا به، وهذه الأمور يتمنى تجربتها معها ولكن أولا يجب أن يتأكد من أنها تريده، وأن كلماتها الآن ماهي إلا حفاظًا على كبريائها أمامه كي لا يضع نفسه داخل إيطار سيء

صباحًا

استيقظت على قبلته الناعمة، فابتسمت تطالعه بنعاس فبادلها ومال يحط أنفه بخاصتها ويهمس :

- بجيتي تنامي كتير يالا جومي حضريلي الفطار، أني چعان

تعجبت حيث أن هذه ليست طريقته، ولكنها ابتسمت تنهض وتنطق بهدوء

- حاضر جومت أهو معلش بجى النوم الكتير ده أعراض الحمل

جلس يحدق بها ثم عبس يردف بتهكم مخادع :

واضح إكدة إنك حتأهمليني يا بجلاوة، إكدة حزعل وزعل الشيخ يونس واعر جوي زي إكدة.

نطقها وهو يشير نحو الجهة الأخرى من الغرفة لتتفاجأ بصينية الفطار موضوعة على المنضدة، التفتت تطالعه لبرهة لتجده يبتسم لذا ارتمت تعانقه ونطقت بثقة:

- عارفة إنك بتهزر .

ملس على طول ظهرها ثم أبعدها قليلا ينطق بحب :

- بجلاوتي تتدلل وتنام براحتها بس دلوك في حد تاني لازمن يتغذى زين، جومي افطري وخدي فيتاميناتك وبعدين كملي نوم براحتك

نطقت معترضة :

- لااا، ماعيزاش اتعامل كيف الحوامل اللي بيرجدوا من تاني شهر، أني لازمن اعود عيلي ع الحركة لاجل ما يطلع رياضي من يومه كيف أبوه

ابتسم برضا واستعرض منكبيه أمامها فضحكت توميء :

صوح إكدة

ابتسم ونطق بحب وهو يحتضن كفها ويسحبها معه :

- طب يالا عشان نفطر.

بعد دقائق جلسا يتناولان الفطور، ولكن نوارة شعرت بالقليل من الدوار والغثيان، ولاحظها يونس لذا تساءل ممازحًا :

- نفسك بتغم عليكي !

ابتسمت توميء ونطقت توضح :

- الحمد لله، دي الدوخة اللي على جلبي كيف العسل تعرف اول ما حسيت بالأعراض دي فكرت إن عمتي عملت حاجة تاني ماكنتش متخيلة الحمل دلوك، الحمد لله ربنا كريم.

أومأ مؤكدًا ونطق بعبوس :

ونعم بالله ، للأسف عمتي ماخليتناش حتى عارفين نتحرم عليها، ما عرفش اجول إيه هي راحت للي خالجها و چوزها هرب واللي بيدفع التمن دلوك عيالها، أني زعلان جوي على راضي وسجود وماعرفش اعملهم إيه ياريت في يدي اساعدهم

تملكها شيء من الأنانية، لا تريده أن يقترب منهما، تعلم أنه متخصصًا ومسؤولاً عن تقديم هذا النوع من المساعدات لمن حوله، ولكنها تخشى عليه منهما تحديدًا، تخشى على حياتهما، لذا نطقت بترقب :

ربنا يتولاهم ويكفينا شرهم يا يونس، المساعدة اللي ييجي من وراها أذى حرام، وسجود بت عمتي بردك مهياش مريحة .

تيقن من عدم رغبتها في تقديم المساعدة لهما، لذا صمت لبرهة قبل أن يستطرد بابتسامة لينة مغيرا دفة الحوار حيث التقط ملعقة من حساء العدس يطعمها لها :

- طب خلصي الطبج ده كله يالا.

تناولتها ولكنها تذمرت تردف :

- شوربة عدس يا يونس ؟ حد يفطر شوربة عدس ع الصبح ؟

أومأ يؤكد :

- مليانة حمض الفوليك وحتفيدك جوي، أني جهزت جايمة بالوكل اللي حيفيدك الفترة دي وكل يوم حوكلك بيدي، لازمن ندلع البجلاوة والعسل اللي حيطلع منيها

ضحكت بخفة ومالت تقبل وجنته لتشكره على اهتماته بها ثم ابتعدت تكمل فطارها معه ويتحدثان سويا..

في شركة السياحة

سردت لصديقتها كل ما يؤرقها، كانت بحاجة ماسة إلى

التحدث مع أحدهم، تحتاج نصيحة، دعم، مساندة، خاصة بعد كلماته لها أمس، وكلمات صابحة، ونظرات عمها، كأنهم اجتمعوا فجأة ضدها....

نطقت وهي تجلس على طاولة في كافيتريا الشركة :

إيه يا چهاد؟ تنصحيني بايه؟

مطت جهاد شفتيها بضيق، لم تر من مهران سوا الوجه الجيد، ولكنها للأسف تعلم أن لكل إنسان وجه آخر، وتعلم أن الرجال الذين على شاكلته مصابون بالغرور، بالترفع عن الأخطاء، بالوقوع بها وانكارها بالعناد حتى وإن وصلت خسارتهم إلى القاع، في هذا المجتمع الرجال أنانيون والنساء يرضخن لهذه الأنانية، بل وأحيانًا تقسدنها.

نطقت بحيرة عادة ما تتمكن منها :

- مش عارفة اقولك إيه يا نهاد، للأسف وضعك صعب جدا، خصوصًا إن الداعم الوحيد ليكي هو والد مهران، وولدك معروف امره، فأنت خياراتك قليلة، ومافيش قدامك غير أمرين.

حاولت أن تستشفهما، وحينما أصابها التخبط تساءلت :

- إيه هما ؟

أجابتها بترقب وهي تحدق بها وتدقق في ردة فعلها :

- يا إما تتكلمي مع مهران وتحطي كل شروطك اللي لو نفذها تقبلي ترجعيله وساعتها حترجعي على مبدأ جدید

ونظام تاني .

لم تقبل بهذا الخيار، تخشاه كخشية الطفل للوحوش تخشى العودة له ولضعفها مجددًا لذا تساءلت سريعًا :

أو؟ -

أجابتها :

- أو تتكلمي مع مستر عبدالله وتطلبي منه مساعدة، بما إنه ابن عمهم أكيد فاهمهم كويس جدا، هو ممكن يقدر يقنع عمك إنك تسافري حتى لو فترة صغيرة وترجعي تاني، وانك حتكوني تحت حمايته هناك، لو عمك وافق مهران مش حيقدر يعترض زي كل مرة.

نطقتها بسخرية، فشردت تفكر هل يستطيع عبد الله إقناع عمها بالفعل ؟ وهل تلجأ إليه ليساعدها؟ وهل سيقبل ؟

نطقت بتيه جعلها تحزن :

- بس أني ماريداش حد يعرف عني حاجة، أني حكيتلك عشان وثجت فيكي يا چهاد بس عبد الله ده مهما كان هو راجل ومن العيلة وأكيد ما حيجبلش يعمل إكدة بالخصوص إن مهران صديجه

هزت جهاد كتفيها ومالت عليها تنطق :

چربي مش حتخسري حاجة، وماتتكلميش معاه عن أي حاجة جواكي، إنت بس حتطلبي مساعدته وتشوفي

حيقبل ولا لاء، لو قبل خير وبركة، ولا ما قبلش يبقى اسمك حاولتي، وساعتها نبقى ندور على حل تاني..

زفرت توميء بيأس، يبدو أنها ستظل محاطة بهذه الحلقة التي تضيق عليها، لم لا يتركوها تعيش بسلام؟ أكثيرا عليها السلام بعد الحطام ؟ أم يجب أن تهدم داخليا وخارجيا ؟

بعد وقت

خطت بخطوات مترددة، حتى وقفت أمام الغرفة التي خصصت ليمارس بها عبد الله أعماله خلال فترته هنا

سمح لها فدلفت تلقي السلام، رفع رأسه ورآها وتعجب حيث تأتيه لأول مرة منذ تواجده هنا، رد السلام ولاحظ توترها فاعتدل يردف وهو يشير نحو المقعد :

اتفضلي يا مدام نهاد، خير

از دردت ريقها، وشعرت برغبتها في الركض، حتى أنها ندمت على مجيئها، ولكن قدميها أخدتاها إلى المقعد فجلست عليه تطالعه بتردد بالغ، فعاد يتساءل باهتمام :

- اتفضلي سامعك، حصل حاجة

نطقت بنبرة خافتة كأن صوتها اختفى :

- أني.. كنت... محتاجة مساعدتك

قطب جبينه يستفهم ويردد :

مساعدتي أنا؟

أومأت توضح وهي تفرك كفيها:

- أني محتاجة اتنجل فرع اسكندرية ضروري، حتى لو فترة جليلة، وطبعًا عمي ما حيجبلش بحاجة زي دي بس إنت ممكن تجنعه ؟ لو تجدر يعني ؟

منذ مجيئه وهو يرى حالتها، ويدرك الضغوطات التي يمارسها مهران عليها، والآن يلاحظ استنفارها ورغبتها في الابتعاد، يلاحظ كل شيء، ولكن ما تطلبه منه يعد مبالغا به كثيرا نسبةً لوضعها ولقوانين النجع وللنظام الذي يطبقه عبد الوهاب على عائلته.

ولكنها من المؤكد لم تلجأ إليه إلا بعدما تعرضت لضغوطات بالفعل، ولم يعتد صد من يطلب مساعدته لذا أومأ ينطق مبتسما :

تمام ححاول اتكلم مع عمي واقنعه بما إن دي رغبتك طبعا بس بالنسبة لمهران

- أهم حاجة عمي، لو أجنعته يبجى تمام

قاطعته بها، فلم يعد مهران يهمها لا هو ولا ردود أفعاله المستفزة، لذا أوماً قبل أن يرن هاتفه برقم صديقه الغربي الذي سيجتمع معه ومع مهران في الخارج، فنهض يردف بنبرة مرحة كي يخفف من وطأة الضغط عليها :

- طيب حاضر، ولو ما قبلش ياستي ممكن نجيبلك اسكندرية كلها هنا سبيها على الله، وأنا ححاول حاضر

اتفضلي

نطقها وهو يتقدم من الباب كي يصطحب مهران معه

فتح الباب فنهضت تطالعه وقد لفحتها نسمات الأمل من طريقته التي فاجأتها، لذا تحركت تتبعه فخرج ووقفت أمامه تبتسم بخفة وتنطق بامتنان :

- متشكرة جدا .

- على إيه بس أنا لسة ما عملتش حاجة.

نطقها وهو ينوي الرحيل، ليتابع تحت أنظار من يحترق بعيدًا ولم يتحمل هذا المشهد فتقدم منهما وسمعه يقول

:

- عن اذنك أنا لازم انزل حالا، وزي ما قولتلك سبيها على الله

- ونعم بالله

التفت ليغادر فتقابل مع مهران الذي حدجه بنظرة مشتعلة ونطق بتجهم :

- استناني تحت.

تقدم منها واستطرد وهو يسحبها من ذراعها :

- تعالي ويايا

سحبها نحو مكتبها تحت أنظار عبد الله الذي لم يحب طريقته، ولا يمتلك الحق بالتدخل الآن، ولكنه سيحاول مساعدتها

دلفا مكتبها، وأغلق الباب كعادته ووقف يطالعها بغضب ولولا أنه مدير الشركة لو بخته أمام الجميع، ولكنها استسلمت مجددًا، استسلمت لتحكمهم بها، تطالعه بنظرة جوفاء، لا مشاعر فيها، بينما هو تقدم منها حينما لم يحتمل خروجها من غرفة عبد الله لذا نطق مهتاجا :

- خير؟ بتعملي إيه عند عبد الله ؟

لم تجبه، بل تكتفت والتزمت الصمت، تطالعه فقط بنظراتها الباردة الذي جعلته يقف يلف وجهه عنها ويغمض عينيه ويقبض على عقله ليهدأ ويفكر ببعض المنطق سريعًا، ثم عاد يلتفت لها ويحدق بها مسترسلا:

- بردك حاطة موضوع السفر في دماغك، صوح؟

قررت ألا تريحه، فلم تنبت ببنت شفة، فزاد منسوب جنونه، ولكنه حاول أن يلتقط بقايا اللبن المسكوب فزفر بقوة ونطق مترقبا :

خلينا نرجع يا نهاد، واللي إنت رايداه حعملهولك، حتى لو رايدة تبعدي عن إهنة موافج، بس وانت على ذمتي تاني

كلماته أحرقتها ولكنها لم تبد ألمًا إلا من خلال الغيوم التي تكونت في مقلتيها لذا وقف يحدق فيهما ويرى دموعها

التي على وشك الهطول ليستطرد بغصة أوشكت على سد

مجری تنفسه :

معجول كرهتيني للدرجادي ؟

ابتسمت تزامنا مع سقوط دموعها التي أسرعت تلحقهما بكفها وتغلق عيناها، وحاولت أن تتنفس لتهدأ ولكنها شعرت به يقترب ويحاول احتضانها لذا أسرعت تبصر وتبتعد وتحذره بعينيها وكفيها بألا يقترب فعاد يسأل برهبة :

- كرهتيني صوح ؟

كأنه يراهن على الماضي كآخر ورقة رابحة معه، يستعطفها ربما تعترف، ولكنها تتعجب، أينتظر منها حبا بعد كل ما فعله بها ؟ ليتها تستطيع أن تخبره بـ نعم فعلت، ولكنها لم تجب على سؤاله بل زفرت بنفاذ صبر ونطقت باستنفار :

- بعد عن طريجي يا مهران حل يدك من على رجبتي وخليني اعرف اخد نفسي ماتخليش يوصل بيا الحال إني اغضب ربنا مرة ثانية، والمرة دي حريحك مني ع الآخر .

صدم من تصريحها ووقف يطالعها بذهول لبرهة قبل أن ينطق مستفهما :

- معناته إيه الحديث ده؟

استغفرت بنفاذ صبر ثم طالعته تنطق بثقل حيث لم تعد

تحتمل هذه الصراعات :

- اللي فهمته، إنت وصلتني لحيطة سد، يا إما امشي من إهنة أني وولدي أو حريحكوا كلكوا مني، وجتها بجى ما حتلاجيش اللي تمارس عليها فرعنتك وجلة ضميرك يا ظالم يا مفتري.

كاد أن يستنكر كلمتيها، ولكنه اتخذ قراره بألا يكابر، هو بالفعل يعترف بأنه ظلمها وافترى عليها، لذا تساءل وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله ليبدو بمظهر المسيطر :

والمطلوب إيه عشان ارفع من عليكي الظلم والافترا بتوعي ؟ اسيبك تسافري صوح ؟ أكدة حبجي انسان متفهم ومتفتح ويمكن ارجع اعجب تاني، مهو أني لما كنت مهملك كنت عاجب ودلوك عشان رايدك مش عاجب لو سيبتك تسافري وتعملي اللي إنت رايداه وتعيشي لحالك في بلد غير بلدك ومعاكي طفل صغير من غير أي حماية لا ليكي ولا ليه وجتها حبجى زين؟ مش هو ده اللي إنت رایداه؟

ابتسمت ساخرة وتساءلت تخفي تألمها الداخلي من هيمنته :

- تحميني من مين ؟ الحاجة الوحيدة اللي كان لازم اتحامى منها هو إنت إنت مؤذي لدرجة ماتتخيلهاش إنت لحد اللحظة دي واجف جدامي بكل جبروت وبتتحدت كنك صاحب حج وما مستوعبش اللي عملته فيا، وماحتحسش باللي عملته غير لما تدوج من نفس الكاس یا مهران

اندلع حريق داخل صدره يطالعها لبرهة، ثم التهم خطواته نحوها حتى بات أمامها مباشرةً يتساءل بتملك واضح :

حتدوجيني من نفس الكاس كيف ؟ إنت طلعتي من دار أبوكي على داري اوعي تفكري إن اسمك حيبجي على اسم حد تاني واصل ماحتبجيش غير لمهران آل حانا وبس، و حرجعك تاني يا نهاد.

ابتعد خطوة حينما رآها تتألم وهي تنحني للخلف كي لا تلتصق به واستطرد بثقة :

- حعملك اللي إنت رايداه ، والأذى اللي بتجولي عنه ده أني حعرف زين انزعه من جواتك، عارفة ليه؟

دقق في عينيها وتابع بصدق جعل خارجه وداخله يتطابقان للمرة الأولى كأنه أراد أن يحرر نفسه :

- لإني بحبك، وكنت غلطان لما جولت انك اختيار أبويا ليا، لو كان اداني الحج أني اختار شريكة حياتي صدجيني مكانتش حتبجى غيرك، ولا كنت عمري فكرت اچرب اختار حاجة بنفسي ، بس لما انت بعدتي عني وما بجتش جادر اجرب منك فهمت زين إن وجودك في حياتي مهم جوي، أني اللي ماكنتش فاهم زين خلينا نبدأ صفحة جديده يا نهاد، واوعدك ما خلكيش تندمي واصل

انتهى وزفر حيث ظن أنه بهذا الاعتراف العظيم لم يعد بينهما فواصل، وأنها ستفرح وتسامح، وتبدأ في نسيان أذاه.

ولكنها وقفت صامتة، تطالعه وتبحث عن ردة فعل تريحها

هل تصرخ وتلكمه وتصفعه ؟ هل تنهار وتبكي وتطرده؟ هل متاح خيار فقدانها للوعي لتكف عن رؤيته ؟

تزوج غيرها، لمسها عاشرها، اختارها، والآن يخبرها أنه يحبها، هذه الكلمة انتظرتها منه لعامين حتى لم يعد للانتظار أي قيمة، لذا لأول مرة يطرأ على عقلها خيارًا رابعًا ربما سيريحها .

أومأت تنطق بملامح بدى عليها التأثر تظهر عكس ما تخفي :

تمام اديني وجتي بجى وخليني افكر لحالي ومن غير ضغط عليا، وبردك أني مصممة على موضوع السفر، هناك حجدر أخد جرار ضح

ظن أن ردة فعلها ستكون أفضل من هذه، ولكنه ارتضى ولأنه لم ير منها يوما خبث أو خداع صدقها، وبرغم صعوبة ابتعادها عنه إلا أنه زفر بقوة ونطق ببعض

الارتياح :

- ماشي يا نهاد بس بردك خليني أأمنكو زين إنت وحمزة، وحعتبرها فسحة تغيير چو و هترجعي واخدة جرارك

ابتسمت وخلف ابتسامتها مئة ألف توعد، لتوميء بعدها وتردف ببرود :

- ماشي يا مهران

عصرا

جلس أيوب مع عمه في بهو القصر ليتحدث معه عن مروة بعدما حسم أمره

ها يا أيوب ؟ خير يا ولدي؟ نويت تتجوز ولا إيه؟

نطقها حسان ممازحًا ولكنه أصاب حيث نطق أيوب بنبرة جادة :

صوح يا عمي نويت بإذن الله، مهو عشان إكدة جولت اكلمك ونروح نطلب يدها.

ابتهج حسان وتجلى ذلك على وجهه، فأخيرا قرر أيوب أن ينظر لنفسه ولمستقبله ويبتعد عن المراهقة التي كان ينغمس بها، لذا تساءل بحماس :

- على خيرة الله ، بس جولي بنت مين من الحوامدية ولا من برا؟

جاءت منصورة من مطبخها وجلست تجاور زوجها بعدما استمتعت لحديثه الأخير وسعدت بقرار أيوب الذي طالعها ثم عاد إلى عمه ينطق بترقب :

- مروة بنت الحاجة رتيبة، اللي جاعدين عند الحاج عبد الوهاب.

ابتسمت منصورة حيث تأكدت من إحساسها، بينما انزعج حسان ونطق باستنكار :

وه ؟ معجول يا ولدي ؟ بس دول ناس على جد حالهم جوي ؟ ماتنساش إنك ولد الحوامدية بردك.

التفتت منصورة تطالعه بصدمة ونطقت مجابهة :

- ومالو حالهم يا حسان ، ده عبد الوهاب بيعاملها كنها اختنا، ومروة تعتبر واحدة من بنات العيلة.

صمت قليلا لا يقنعه هذا الحديث، فحقيقة الأمر أن الناس في النجع لن يتقبلوا زواج ابن الحوامدية من ابنة عائلة فقيرة، هذه هي العادات هنا.

لينطق أيوب مطالعا عمه بنظرات ثابتة :

- أني ماعرفش الحديث ده يا مرات عم، وما يهمنيش يا عمي هي بنت فقيرة ولا بنت العمدة، أني رايدها لشخصها اللي يهمني إن أخلاجها زينة وبنت حلال.

شعر حسان بالضغط الذي حط عليه منهما، ولكنه وقف عند قناعته بأنها لا تناسب ابن عائلة آل حامد، لذا نطق بنبرة جادة تحمل بعض التعالي :

- أني ما تحدتتش عن أخلاجها لا سمح الله، هي بنت زينة وطيبة وامها ست محترمة، بس بردك ما يناسبوناش يا ولدي، فكر زين لإن دي حتبجى أم اولادك، والنسب عندينا عصب ولاز من نختار من عشيرتنا يا إما من عشيرة كبيرة زي ماني اتجوزت عمتك منصورة، وزي ما يونس اتجوز بنت خاله وفرحة اتجوزت عمار .

شعر أيوب بالغضب سريعًا كعادته، وتحفز ينطق باعتراض :

عارف كل اللي جولته ده يا عمي، بس بردك أني ماريدش غيرها، اعتبرني كسرت الجاعدة دي ما عملتش حاجة عيب ولا حرام يعني أني ما يهمنيش رأي الناس أني اللي يهمني راحتي

طالعه حسان بضيق والتفت ينظر إلى منصورة التي تطالعه بلوم، تعلم أن زوجها يحمل طباع العشيرة، ويشبه والده كثيرًا في الأمور التي تخص العائلة، ولكنها لم تكن تتوقع أن يتبنى هذا الفكر الطبقي القاسي، لذا نطقت :

- تعرف إن أبوها الله يرحمه كان ريس أنفار جد الدنيا وكلمته كانت سيف على رجاب رجالة كتير ، ومروة ب.

بردك كل ده ما يهمتيش يا مرات عم

قاطعها أيوب بها يستطرد وهو يحسم أمره ويطالع عمه :

- أني حطلب يدها يا عمي، ولو إنت ما جبلش بيها أني حاخدها ونسکن برا بس ماحتچوزش غيرها .

نهض بعدها يتحرك نحو غرفته وتركهما يجلسان ليلتفت حسان لها ينطق معاتبا :

چرا إيه يا منصورة ؟ هو إنت ما خبراش عوايدنا ولا إيه؟ حسستوني إني بغلط في الخلج ؟ الناس كلياتها خير

وبركة بس إحنا عندينا عادات وتقاليد مهياش ميغا إكدة.

نطقت توضح بنبرة رزينة :

- خابرة العوايد زين يا حسان بس بردك أني وانت عارفين إنها عوايد ظالمة، وزمان غير دلوك جيل الأيام دي ماحدش بيجدر يفرض عليه حاجة، هو من حجه يختار اللي جلبه رايدها، ومادام هي بنت محترمة وأخلاجها زينة يبجى باركله واطلبهاله وسيبك من حديث الناس، ولد أخوك حيعاشرها هي ما حيعاشرش الخلج.

احتد قليلا ونطق بصبر نافذ وهو يلوح بيده :

- ياستي افهميني إنت التانية، عاجبك يعني لما أخوه صمم يخطب واحدة لهي زينا ولا من توبنا وبردك جولنا يالا زي بعضو عشان مصمم عليها ورايدها وفي الآخر طلعت هي اللي جتلاه ودخلتنا كلنا في الحيط، أولاد أخويا علي كل اختياراتهم غلط وأني لازمن أوعيه.

نهضت حينما وجدته محتدًا، ونطقت بنبرة جادة :

- ما تشبهش مروة بالعجربة اللي اسمها سمية دي يا حسان فرج بين السما والأرض، وافهم زين إن تفكير ولادنا غيرنا، مش كل اللي إنت رايده حينفذوه ولا حتعرف تمشيهم على نظام زمان لازمن إنت اللي تجرب من أفكارهم وتمشي ويا الزمن بتاعهم عشان

ما نخسرهمش، وإنت خابر إن أيوب لما بيحط حاجة في راسه ما بتنازلش عنيها واصل، يبجى افهمه وخليك وياه بدل ما يعمل حاجة من ورانا

تحركت بعدها نحو غرفتها وتركته يفكر في حديثها، ربما هي محقة، ولكن تنفيذ ذلك وردود الأفعال التي سيواجهونها لن ترضي أحد

مساءً

جلس يفرد ساقه المصابة التي بدأت تتعافى، تجاوره صابحة التي تطالعه بنظرات حادة فيبتسم

نطقت وهي تحدجه بغيظ ظاهري يخفي فرحتها بسعادته :

- وبيضحك كمان كنه خلاص ما بجاش محتاج أمه.

زحف نحوها حتى التصق بها ومال يقبل وجنتها ثم ابتعد ينطق بحنان :

ماجدرش دانت عيوني اللي بشوف بيهم يا ست الكل.

ارتضت ولكنها نطقت ساخرة :

- لاء خلاص راحت عليا وعيونك وجلبك بجوا فرحة يا خويا.

وه ؟ بتغيري يا صبوحة ؟

التفتت تحدق بملامحه، أقربهم إليها وأكثرهم طاعة

وطواعية لها وحنانا عليها، لذا فقلبها معلقا به، ولكنها لا تغار، بل تحمد ربها أنه وجد راحته بعد عناء، وأن فرحة رأته بعين الحبيبة بعيدًا عن الثأر والغضب، لذا زفرت بقوة ونطقت :

- لاء ما غيراش، بس إن كان حبيبك عسل، يعني كنك اخدت رجلك حجة عشان تجعد فوج، وأني بتكسف اطلعلك، وكل شوية اجول يا بت حينزل يابت وحشتيه ولا نزلت ولا عبرتني.

عاد يقبل وجنتها مرة أخرى ويبتسم ثم اقترب من أذنها وهمس :

- أهو الجعدة دي كلياتها ولسة ولدك الغلبان ده لا أكل عسل ولا جشر رمانته ، وأني عمال اجول في إيه يا عمار ومين حاطط عينه في فرحتك دلوك عرفت.

لكزته تبتعد بعدما كانت ستسأله بفضول، وصفعت ذراعه تنطق باستنكار :

- فشرت أني عيني حسودة يابن عبد الوهاب؟

ضحك مستمتعا باستفزازها ثم نطق ساخرًا :

- دلوك بجيت ابن عبد الوهاب ؟ أباي عليكم، تكفرن العشير بصحيح

نطقها تزامنًا مع مجيء فرحة من المطبخ تحمل صينية الحلو الذي جهزته لهم ففتح ذراعيه يستقبلها ويستطرد

- الحلو مايجبش غير الحلو اللي زيه جدمي يا فرحة جلبي جدمي

ابتسمت بخجل، بينما لم تصمت صابحة بل صاحت :

- يعني امك تكفر العشير ومرتك فرحة جلبك ؟

غمزها كأن مدحه لفرحة خدعة، ولكنه كان محق، فهي بالفعل فرحة جلبه الذي فتح أبوابه على مصراعيه للسعادة، ناولتهما طبقين من حلوى الأرز باللبن وجلست تجاورهما وتنطق بهدوء :

- بأمانة أني ماشوفتش ست زي الحاجة صابحة، عمي عبد الوهاب هو رقم واحد عنديها، يعني كفر العشير دي ما تلجش عليها واصل.

افتخرت صابحة بحديثها عنها ونطقت تستشهد :

- سمعت أهي فرحتك جالتها

استفزها مجددا فنطق :

مادام فرحة جالت اكدة يبجى صوح.

عادت تميل نحوه وتصفع ذراعه وثلاثتهم يضحكون قبل أن يدخل جابر بملامح مقتضبة عائدًا من شركته بعد يوم عمل ممل وباهت بدون وجود ريم، ألقى السلام عليهم واتجه يجلس مقابلهم فالتقطت فرحة طبق حلو وناولته إياه قائلة بهدوء :

اتفضل یا چابر

مد ذراعه يلتقطه منها ويشكرها تحت نظرات عمار وصابحة المتعجبان من تجهمه، فقد اعتاد الجميع على مرحه وبشاشة وجهه وعبثيته، لذا تساءل عمار بترقب :

- فيه حاجة يا جابر ولا إيه؟

حك مؤخرة رأسه وهزها بلا ثم بدأ يتذوق من طبقه وحينما لاحظ تحديقهم به لف نظره نحو فرحة وابتسم يردف :

- تسلم يدك يا فرحة ، ابجي كتري من الحلو لاحسن من لما نهاد اشتغلت وما بجاش حد يعمله.

- عنيا

نطقتها بنبرة ودودة، ونظرت إلى عمار تنتظر رأيه فتذوق منه يردف بحب :

ده أجمل رز بلبن دوجته في حياتي

التفت ينظر إلى صابحة التي استندت بوجهها على الابهام والسبابة تحدجه بتوعد فأكمل يراضيها :

- بعد اللي بتعمله صبوحة

في منزل البسيوني

جلس نوح بين أسرته يتناقش معهن عن حفل زفافه الذي اقترب نطقت نجلاء بتذكير :

ابقى افتكر كلم اولاد عمك يا نوح، ادعيهم عشان محدش يزعل

أومأ يؤكد قائلا ببريق السعادة الذي يحتل عينيه :

- حكلمهم أكيد، وانت ياريم هاتيلي رقم جابر وزمايلك في الشركة عشان اعزمهم

نظرت إليها مودة، تستشف ملامحها، فقد أخبرتها ليلة أمس ما حدث معها في الشركة، شاركتها حزنها بعدما أتت لتتحدث معها وتسألها عن رأيها في عدة أغراض، وجدتها شاردة وحزينة لذا جلست تسألها فسردت لها ريم كل ما حدث وطلبت منها عدم إخبار نوح أو نجلاء.

حزنت مودة كثيرًا، وشعرت بأن ريم تكن مشاعر إلى جابر ولكنها تشعر بالضيق لأن شقيقها هو السبب، ولذلك ستحاول أن تدعمها وتفرحها.

تحمحمت ونطقت بترقب :

- خلي ريم تكلمه دلوك يا نوح واعزمه عشان ماتنساش إنت وراك حاجات كتير لسة.

أومأ مؤيدا ينظر إلى ريم التي توترت فلم تظن أن شقيقها

سيدعو من بالشركة، ولكنها التقطت هاتفها وطلبت رقم جابر بحماس خفي وناولته لشقيقها.

لم يمر ثانيتين حتى أجاب ينطق بنبرة بدت متلهفة وقد زال عبوثه وهو ينهض ويبتعد عن المجلس تحت نظرات عمار له :

- سلام عليكم كيفك يا ريم.

نطق نوح بتريث :

- وعليكم السلام يا باشمهندس معاك نوح، أخبارك إيه؟

أحبطه عدم سماع صوتها، ولكنه تساءل عن سبب اتصال نوح لذا نطق :

- أهلا يا دكتور نوح عامل إيه، اتفضل سامعك

نطق بهدوء :

- حبيت اعزمك على فرحي يوم الخميس الجاي بإذن الله في قاعة ألف ليلة وليلة

- ألف مبروك يا دكتور، ربنا يتمملك بخير

- تسلم يارب عقبالك

قفزت ريم على مخيلته، وسرعان ما رسم مشهد لهما سويًا بملابس الزفاف، لتحتل الابتسامة وجهه وينطق بتيه :

جريب إن شاء الله

أجابه نوح بترو :

على خير يارب ربنا يفرحك

تحمحم جابر ونطق بعدما انتبه لنفسه :

- تسلم يا دكتور

أغلق معه بعد حديث لم يظل، وناول الهاتف لشقيقته

ينطق بفضول جديد :

هو جابر حيخطب؟

تهاوى قلبها بشكل فاجأها ، ونطقت بملامح شاحبة وهي تز درد ريقها تحت أنظار مودة التي تأهبت بحزن :

- ما عرفش ليه سألت؟

رفع حاجبيه في عدم معرفة يجيبها :

- هو اللي بيقول قريب إن شاء الله لما قولتله عقبالك، ع العموم خير هاتيلي رقم المهندس كمال والتاني ده نسيت اسمه

شردت ولم تعد تسمعه، بل شعرت بغصة حاولت ابتلاعها بصعوبة، لتسرع مودة في تشتيته حتى لا يلاحظها :

اعملكو شاي ؟

التفت لها ولاحظ ما تحاول فعله، لذا عاد إلى ريم التي تطالعها ثم تحمحمت تجيبه :

مستر أحمد، ثواني حجبلك أرقامهم

عبثت بهاتفها بينما نهضت نجلاء تردف :

- خليكي إنت يا مودة أنا اللي حعمل الشاي واجبلكو بسكوت.

تحركت نحو المطبخ بالفعل بينما تساءل نوح بعينيه التي يوجهها نحو زوجته التي ابتسمت تحيد أنظارها عنه، بل نهضت تنطق وهي تتحرك خلف نجلاء:

- أني جاية اساعدك يا ماما نجلاء

هربت فتأكد من شكوكه والتفت إلى ريم يسألها بشكل مباشر :

- هو فيه حاجة ما عرفهاش يا ريم؟

سألته بتوتر وابتسامة باهتة :

حاجة إيه يا نوح ؟

- مانا بسألك أهو، وبردو ملاحظ غيابك عن الشركة اليومين دول في حد مزعلك؟

سأل باهتمام فأجابته تراوغ :

- لاء خالص، أنا غايبة علشان ابقى جنب مودة، وبعدين أنا بتابع كل حاجة من هنا ، ماتقلقش يا نوح لو فيه أي حاجة حعرفك أكيد

زفر وأوماً بغير اقتناع، فأسرعت تمليه رقمي أحمد وكمال ونهضت تردف قبل أن تخونها دموعها :

حروح اجيب حاجة وراجعة.

تحركت نحو غرفتها تختفي بها، وبكت، يبدو أن مشاعرها تجاه جابر قد تضخمت دون إرادة منها، يبدو أنه نجح في السطو على قلبها، ويبدو أنها فهمت تصرفاته تجاهها بشكل خاطيء، نعم هذا ما حدث، فربما هو الآن على مشارف علاقة حب أو ارتباط، لذا يجب أن تلتزم بثباتها، وتعيد بناء حدودًا مسلحة، لتسعى نحو مستقبلها العملي فقط، وليتنحى الحب جانبًا في هذه الآونة ، لذا همست لنفسها توبخها :

- فوقي يا ريم، إنت اقوى من كدة .

في منتصف الليل

تنام سجود في سريرها ولكنها بين اليقظة والنوم، لا تنكر أنها كانت تشعر بالأمان في وجود والدتها، والآن تخشى كل شيء، حتى أنها باتت تكره الليل وتتمنى لو تفقد

وعيها فيه نسبة للأفكار المخيفة التي تراودها

غفت بعد صعوبة، ولم تشعر بباب غرفتها الذي فتح، ليظهر شقيقها الذي وقف يطالعها بعقل مغيب إثر تناول الكثير من المخدرات

عقله يترجم له أن من أمامه الآن هي فقط امرأة، لا يتذكر أي صلة بينهما، ولا يعي المكان من حوله، بل اختل دماغه بشكل عنيف فتعطلت مكابحه فلم يعد متحكما في أي شيء ولا يمكنه حتى تقييم المخاطر، بل ينقاد مع رغبة تتحكم به وتحركه نحو سرير شقيقته.

ليرتمي فوقها بشكل مفاجيء جعلها تجحظ، وكادت أن تصرخ إلا أنه كمم فمها وهمس متوعدًا بعيون شيطانية :

- لو صوتك طلع حجتلك.


تعليقات