رواية صياد النايا آل حانا الفصل السادس والعشرون
الحياة ليست وردية، ولم تخلق للرفاهية ، الراحة فيها سلعة نادرة، والهموم في أسواقها مهدرة، الأفكار تباع بالرطل، والأحزان توزن باللتر، والنفوس تحتاج إلى من يداويها، ومن يداويها أساء الظن فيها.
إلا طبيبًا يأتيك كرزق، تطيب معه الحياة، تشعرين أنه يوفر عنك جهدك، يفهمك دون أن تهلكي رجلا يؤكد لك أن الود مبدأه ، وأن الخصومة رداء يبغضه ، وأن الاحترام منبته ، وأنك تنتمين له أولا وأخيرًا.
زوجا قادرًا أن يحول حقدك إلى هيام ، وعداوتك إلى اهتمام، وغضبك إلى استسلام.
الحياة تصبح آمنة مطمئنة مع زوج أسس كرجل يحمل صفة طبيب تأمنين على قلبك بين يديه وتثقين بأن آمالك فيه لن تخيب
تتمادى كثيرا
تتمادى لدرجة انك جعلتني أرتدي قناعا لا يشبهني وأسلك دروب المستحيل، أتعامل بغير قناعاتي، ابتسم والنار في صدري تسيل.
أنت رسبت في تقدير حبي لك، ولكنك نجحت بامتياز في تغيري، نجحت في ولادة قسوتي وتربيتها.
صفعتني ثم لومتني حينما تألمت يداك، فعززت داخلي الرغبة في أن أذيقك من الشعور ذاته.
أهدرت حبي في أزقة اتهاماتك الفارغة، ثم جئت تلومني
على صقيع أبوابي التي أغلقتها في وجهك، وذهبت تشتكيني بأني قاسية، مقصرة.
أتنتظر ربحًا من تجارة فاسدة؟ أفسدتها بإهمالك؟
أتنتظر قوامة من امرأة، ينزف قلبها من إذلالك؟
لا تنتظر ضلحًا وانت تجلس على سلطانك، تذوق أولا خمسون كأسا من علقم ثم قف واطلب الغفران (بقلم آية العربي)
مستيقظة، لم تنم بعد نام صغيرها في سريره، وجلست على أريكتها تفكر.
مازال يتردد صدى اعترافه لها على عقلها، ولكنها زاهلة من استحقاقيته فيها، ما سبب هذا التجبر والتملك ؟ لم يتعامل معها كأنها حق مكتسب وليست انسانة من لحم ودم؟
أيظن أنها مازالت تنتظر حبه ؟ أيظنها ستتجاوز كلماته ؟ وزواجه ؟ ولمساته الأخرى ؟ وإهانته لمشاعرها؟ والتقليل من شأنها ؟ باسم الحب؟ وما هو الحب؟
أيريد فقط حبا مفصلاً حسب أهوائه ؟ وقوانينه ؟ وأوامره ؟
ما هذا الطغيان الذي يمارس عليها ؟
ترى كم من نهاد أخرى حولها ؟
ربما هي أقلهن ضررًا، ربما تمتلك بعض القوى المتجسدة في عمها ووظيفتها، ربما هي نجحت في الانفصال عنه مهما كانت النتائج، لأنها تدرك جيدًا أن الطلاق هنا معجزة وأن المرأة أما أن تتحمل حد الموت كما حدث مع والدتها، أو تنتفض حد العار وحينئذ يصبح الموت كذلك مصيرًا محتومًا.
فمن هنا نصفت لتنصف هي؟ من هنا أخذت حقوقها
لتأخذها هي؟ حتى تلك التي رزقت بزوج لين متفهم ينعتونها بالساحرة وإن لم تنجو بنفسها من هذا المجتمع ستعاني حسدًا.
هنا القوامة مشوهة ترتدي معطف سميك في جو حار وتمشي عارية في البرد القارص ، تفتقد للمنطق، وتتخذ من الهراء ملكا
كل ما تسعى إليه هو النجاة بنفسها وبصغيرها والتخلي عن ذلك الحب البائس، تريد السلام، وألا يجبرها أحدًا على العودة، والآن فقط تلتمس له العذر، فالإجبار شيء بالغ السوء والأذى ، ولكنها ستكون أجرأ منه ولن ترضخ لن تعود إليه، وستلقنه درسا في الإرادة، وستتحدى الجميع حتى عمها، لتؤكد له أنه لم يجبر عليها كما قال، بل لم يكن على قدر كبير من الصمود على ما يريده ، هذا ذنبه العظيم، ويجب أن يدفع الثمن، كما تدفع هي ثمن حبها المشوه
ولم تكن وحدها من جفاها النوم
بل جلس عبد الله كذلك في غرفة الفندق يفكر كيف سيقنع عبد الوهاب بسفرها؟ يعلم أنه أمرًا بالغ الصعوبة فكيف سيجد وسيلة يقنعه بها ؟
يفكر عن سبب ثقتها فيه دونًا عن غيره ! وعن لجوئها له ! عن رغبتها في السفر والابتعاد عن هنا ! وعن تملك مهران لها ! وعن حديث ابنه وابنته عنها ! وعن قوتها التي يراها كل يوم حينما تمارس عملها أمام مهران
وزوجته دون أن تعيرهما أدنى اهتمام ، حتى لو كان هذا التجاهل ظاهريا .
أنها امرأة تستحق الاحترام والتقدير، لا تستحق كل ما يفعله مهران بها يراه ظالمًا معها، لذا سيفعل ما بوسعه لمساعدتها.
وكأن هذه الليلة تعهدت ألا تترك أحدًا منهم يغفو، فتمدد مهران على فراشه يستعيد ردة فعلها على اعترافه بالحب ربما كان عليه أن يهيؤها لهذا الاعتراف، كان عليه أن يهيء المكان والزمان أولا، ولكنه بدأ يخاف.
يخاف من فقدانها وابتعادها عنه، يخاف أن تكرهه ويعلم أن لديها أسبابها لتفعل، يخاف أن تتمرد على الجميع من شدة الضغط كما فعل هو، لذا اعترف.
ومن الآن وصاعدًا لن يخفي عنها شيء، سيصارحها بما يشعر، ربما هي الوحيدة التي تستحق أن يتعرى أمامها بعد كل ما مرا به سويًا ، ربما تفهمه وتدرك يوما سبب زواجه من أخرى.
سيقنع والده بسفرها المؤقت، وسيعين أحدهم لحراستها، وإحداهن لرفقتها، سيفعل كل ما يلزم لينفذ رغبتها دون أن يفلتها
زفر بقوة، ونهض يترجل ويخطو نحو الحمام، ثم عاد بعد دقيقتين ينظر إلى تيا الغارقة في النوم، وإلى ما ترتديه وما تحاول فعله
يعترف أنه يظلمها ببروده معها، يظلمها حينما يأخذ حذره كي لا يحدث حمل، لذلك يعوضها بالهدايا، ويراها ترتضي.
ترتضي بالهدايا، ونهاد كانت ترضيها ابتسامة منه، كلتاهما مختلفتان، وذلك الاختلاف جعله يدرك قيمة نهاد جيدا لذا يسعى إليها بطريقته المهيمنة.
لمح إنارة هاتف تيا وصوت اهتزاز ضئيل، فتقدم منه والتقطته ينظر للشاشة ليجد إشعارًا برسالة نصية انجليزية من اسم لفتاة أجنبية، حيث دونت ( تيا ! هل أنت مستيقظة ؟ كنت أود أن أتحدث معك عن أمر هام)
أثارت هذه الرسالة تساؤلاته، فآخر ما يعلمه أنها ليست على أي تواصل مع أحد، خاصةً صديقاتها القدامى، ولكن ربما قررت التواصل مع واحدة منهن نسبة لعدم استطاعتها إنشاء صداقة هنا
زفر وترك الهاتف مكانه ثم عاد يتمدد وينام ليستيقظ باكرًا ويرى والده ويتحدث معه قبل الذهاب إلى الشركة....
جحظت وهي تراه يعتليها كشيطان خبيث، ويهددها بالقتل، ينوي الاعتداء عليها، ولا أحدًا هنا لينجدها.
حاولت مقاومته فباتت تتحرك أسفله بحركات مفرطة وتنطق وهي تدفعه بكلتا يديها :
فوج يخربيتك أني اختك يامري، يامري، بعد عني يا ، يخربيت اللي بتشربه.
ظلت تردد تلك الكلمات بقلب مرتعب، وهي تراه مغيبا قاصدًا تدمير علاقتهما بكبيرة من الكبائر، كأن هذا المسار الطبيعي لتربيتهما، والحصاد الفاسد لما زرعته نجوى وزوجها.
عاد يهددها كأنه لم يسمع :
- اكتمي يا بت .
لم ترضخ له ولا لتهديداته، خاصة بعدما تأكدت أنه لا يملك سلاحًا، لذا ظلت تقاوم وتدفعه عنها وحينما فشلت في دفعه مدت يدها تلتقط كوب المياة الموضوع على الكومود، ثم رفعته لأعلى وتهاوت به على رأسه فتهشم بين خصلاته ليئن وينشغل بجرحه فأسرعت تدفعه بقوة..
سقط أرضًا فنهضت تركض بأقصى سرعة وترحل من الغرفة ومن المنزل بأكمله، تاركة خلفها كل شيء، بعدما نوت التوجه إلى منزل خالها
خرجت من الحمام بخصلات رطبة تحتضن كل مجموعة بعضها، تخطو على استحياء، تضم كفيها أمام معدتها وتسلط عيناها عليه حيث كان يتمدد على الأريكة ويعبث بهاتفه.
توغلت رائحتها إلى أنفه فرفع رأسه يطالعها، ليجدها
ترتدي ما جعله لا يستطيع إحادة أنظاره عنها، كأن الزمان توقف في مقلتيه، وتخلت يده عن الهاتف وهو يزدرد ريقه وينهض متكنا على ساقه السليمة، ثم نطق يسألها بترقب يحتله خوفا من تحطيم ظنونه :
خلصت ولا ده عشم ع الفاضي؟ أوعي تكوني بتعذبيني يا رمانة ؟
ابتسمت بتورد وأومأت وهي تطرق رأسها، لم تعد تستطيع مواجهته بعينيها، لذا تقدم حتى وقف أمامها، ومد يده يرفع وجهها ويحدق بها بنظرات أسمى من الكلمات، ثم حرر ذراعيه ليتلمس خاصتها، فوضعهما عند أعلى ذراعيها، يتلمسهما بتمهل يصيبها برعشة من نوع خاص حتى وصل لكفيها فاحتضنهما ورفعهما يقبلهما ويعانقهما ولولا جدران صدره لأدخلها في قلبه الآن وأغلق عليها للأبد، ولكنه بدلا عن ذلك نطق يعبر بقلب يصارع نبضه ومشاعر تضخمت من قربها :
- أني دلوك حاسس إن كل حاجة حلوة ملكي، فرحتي بين يدي وجدام عيني وفي جلبي ماعيش أي حاجة تاني ياريت لو تجدري تشوفي اللي جوايا ليكي يا فرحة، ربنا رضاني بيكي إنت، وأني رضيت وصبرت ونولت صوحخليكي چاري و ماعيزش من الدنيا غيرك.
لم تكن تتوقع أن ترزق بكل هذا الحب، ظنت أنها ستنتقم ثم تتزوج بأي رجل، لم تكن تهتم بالحب بقدر الانتقام، لم تكن تنتظر أن ترى أو تقدر، حتى أنها تناست نفسها لسنوات، فقدت رشدها في التأمل بمستقبلها، لذا ما يحدث الآن يعد هجومًا على حواسها، حبا ومشاعر مبالغا بهما، لم تكن بحاجة هذا الكم من الأمل في هذه الحياة
كانت فقط تنتظر الراحة، ولم تكن تدرك أن الراحة والحب والأمل مع أكثرهم عداءً لها، لذا فهي الآن تحبه بقدر ما كرهته، تنظر له بنظرة استسلام بعدما سقطت عنها كل شراستها، تعترف أنها لو لم تكن تكرهه بذلك القدر، لما أحبته بهذا المنسوب، لذا نطقت بشفتين مرتعشتين من زخم المشاعر
وأني كمان ما عيزاش حاجة من الدنيا غيرك يا عمار
احتوى وجهها بين كفيه، وتقدم يقبل جبينها ثم أخذها بين ضلوعه يعانقها، يستشعر نعومتها وارتعاشتها الخفيفة فيبث فيها الدفء والحب والاحتواء، يشدد من عناقه بقوة ضلوعه التي لا تكسر بقدر ما تجبر، يدرك أنها كانت بحاجة من يفهمها، يقدر مشاعرها، يرى داخلها.
استكانت كأنها لم تعش القهر يوما، تتطاير من روحها الأحزان كمن يطهر يده بكحول طبي، ليهمس لها بعد وقت بنبرة خافتة كأن صوته قد غفا تأثرًا :
- نصلي ركعتين ؟
أومأت له فتحركا معا نحو الحمام ليتوضاً ويؤديا ركعتين يبدأ بهما حياتهما الجديدة
وصلت إلى قصر خالها تجهش في البكاء، فتركوها الحراس تعبر وتهرول نحو الداخل بعدما شاهدوا هيأتها وهي تنادي بعلو :
- يا خال الحجني يا خال.
انتفضت صابحة من نومها على صوتها الذي وصل إليها، لذا نهضت تترقب السمع، وحينما تأكدت من هويتها لكزت زوجها تردف :
جوم یا عبده بنت نجوى بتنادي عليك.
استيقظ يطالعها مستفهما، لينهض حينما سمعها تكرر النداء لذا أسرع يترجل ويلتقط جلبابه يرتديه ويندفع نحو الخارج ليرى ما يحدث
وصل إلى الباب فرأته فأسرعت تلقي بنفسها عليه، ونطقت تجهش في بكاء حاد
- راضي أخوي اتهجم عليا يا خال، كان رايد يغتصبني
شهقت صابحة بذهول وصدمة، ثم نظرت حولها لتجد أحد الحراس قد سمع ما قالته ولكنه أطرق رأسه حينما لمحته، بينما التفت تنظر إلى زوجها الذي أبعد سجود يطالعها بصدمة مماثلة ويتساءل وهو يقبض على ذراعيها
- إنت واعية للي بتجوليه ده ؟ يعني إيــــــــــــه ؟
أومأت مرارًا تؤكد بقسم :
- ياريتني ماكنت واعية يا خال ياريتني مت ويا أمي ولا عشت حاجة زي دي، راجع شارب زفت و مهواش داري فضلت اجوله أني اختك فوج ، ولما لجيته متوول ضربته
على راسه بكوباية وجريت على إهنة
مازال عقله لا يستوعب ما قالته، ولكنه عاد يسحبها إليه ويطمئنها تحت نظرات صابحة التي ترأف عليها وتخشاها في آن، فهي ابنة نجوى ويجب أن تنتبه لها جيدا
أشار عبد الوهاب إلى الحارس الذي سمع كل شيء، فأسرع يقترب منه ويردف :
- أؤمرني يا حاج !
أردف بنبرة ثاقبة حادة :
حتروح دلوك تجيبلي المحروج ده وتيجي طوالي
وحسك عينك حد يعلم ولا يدرى باللي سمعته دلوك
على راسي يا حاج مسافة السكة وحتلاجيني جدامك...
التفتت الرجل يهرول ليحضر راضي، بينما سحب عبد الوهاب سجود معه نحو الداخل وهو يربت عليها ويهدؤها وتتبعه صابحة التي أردفت على مضض :
- لا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم، لله الأمر من جبل ومن بعد
نطق عبد الوهاب بنظرات معنية
- اعمليلها كوباية لامون يا صابحة .
أومأت وتحركت نحو المطبخ لتفعل وقلبها لا يشعر
بالاطمئنان
انتهيا من صلاتهما، ونهض عمار يحركه حماسه و لهفته بها يتجرد من جلبابه وعينيه منكبة عليها، فتعالت وتيرة توترها، فأسرع يميل عليها ويمد كفه لها، فنهضت تطالعه وتبتسم فنطق بحب ورغبة قاصدًا بعثرة توترها عندما لمح تورد وجنتيها خجلا :
احمريتي واستويتي يا رمانة.
ليسترسل وهو يحك أنفه بخاصتها مدللاً إياها :
- جلبي ماجدرش ع الجمال ده كله.
حينما تيقن أنها لم تعد تحتمل توترًا وخجلا مال يلتقطها بين ذراعيه، فتعلقت برقبته وابتسمت تميل برأسها على صدره وتغلق عينيها، لم تعد بحاجة إلى النظر فيكفيها ما تعيشه من مشاعر.
وجدته يمددها على الفراش ويحاوطها ويتلاعب بخصلاتها، ولم يكن رحيمًا بها بل انحنى يلتهم شفتيها ثم ابتعد إنشا يهمس :
- فتحي عيونك يا فرحتي
رفضت فهزت رأسها بخفة، فابتسم يقدر حالتها، وتولى
عنها زمام الأمور، ليعاملها بالفعل كحبة رمان ناضجة.
كان بارعا في فرطها دون هدرها، يفصص مشاعرها حبة حبة ، بتهمل وحذر ، تنهمر منها قطرات الخجل فيلتهمها بشغف ونهم، حتى تحررت من قيودها وأضحت تجاريه حبا
لم تشبه رمانته شيء، بل أنها كانت أجمل من كل شيء مر على كيانه ووجدانه لدرجة جعلته يشعر بأنه اكتمل لتوه معها اكتمل بلذتها ونعومتها، وسكونها، ولمسات أطرافها التي وزعتها على ظهره العريض وكتفيه وخصلاته فجعلته يرسم على قلبها خريطة أخرى لرغباته، ويتوعد لها بالتوغل إليها كلما فقد بوصلته
همست دون أن تبصره بنبرة متحشرجة يختلط بها القليل من الألم :
- عمار.
انحنى يقبلها بخفة، ثم تسطح جانبًا وسحبها إليه يعانقها ويملس على طول ظهرها بتمهل مرارًا حتى سكنت داخله ليهمس عند أذنها وهو يبتسم بسعادة :
- مبروك يا رمانة.
ابتعد يطالعها ليجدها تبتسم وتفتح عيناها ببطء وحينما التقت به أسرعت تغلقهما مجددًا فضحك وعاد يحتويها ويسترسل وهو يشعر باسترخاء لا مثيل له ويده تملس
عليها باحتواء :
- إنت زينة ؟
أومأت فتابع يستفسر بترقب وحنان :
- تحبي اساعدك تاخدي دش بمية دافية؟ لو حاجة و چعاكي ؟
أبصرت تطالعه بحب ومدت كفها تتحسس صدغه وتردف مطمئنة :
- أني زينة .
تنهد بعمق وحرارة كدليلا على مدى ارتياحه وسكينته، ثم ابتسم وأراد تدليلها فنطق بجرأة اكتسبها للتو :
- وأحلى زينة، وأطعم زينة، كنت مدارية عني الجمال ده كله فين؟ دانت طلعت طعم إيه يا احمر يا مسكر.
دلاله كان مبالغا حتى أن قلبها لم يحتمله فنطقت بتبتسم بسعادة :
بزياداك عاد يا عمار .
اقترب يحك أنفه بخاصتها مجددًا وهز رأسه رفضًا ينطق بتوعد :
- بزياداني إيه؟ أني الليلة ليلتي وماحدش حيوجفني يا حلو يا ابيض انت.
لكزته مستنكرة تنطق بهمس :
- ارسي على بر ابيض ولا احمر ولا رمانة ولا عسل.
قضم شفتيها المغريتين ثم عاد يحدق بمقلتيها وينطق بعبثية سافرة من فرط سعادته :
- ماعيزش ارسي على بر دلوك خليني غرجان في برطمان النوتيلا ده يا طعم إنت .
قضى الليل يدللها بالكلمات، ويعاملها كالجوهرة، ويسكن إليها كأنها آخر البلاد الآمنة، لترى منه وجها لم تكن تدرك أنه مازالت الحياة تحتفظ به لها ...
بعد وقت
عاد الحارس يخبر عبد الوهاب بما رآه حيث نطق وهو يقف أمامه في بهو القصر :
- مالجتلوش أي أثر يا حاج دورت عليه في البيت كله كنه فص ملح وداب، بس لجيت بجع دم ع الأرض، أكيد فاج ومشي جبل ما اوصل بس ما تجلجش، حدور عليه واجبهولك.
نظر إلى زوجته التي تجاوره بعدما توجهت سجود إلى غرفة نوارة لتستريح بها، ثم عاد إلى الحارس يردف :
- خد معاك رجلين ودوروا عليه لحد ما تجيبوه ولو حد سألك جول ماعرفش تمام؟
أومأ الحارس يؤكد قبل أن يغادر
تمام یا حاج، إنت تؤمر .
رحل وتركه يتنهد بحزن أوصل به الحال بأن يعتدي على شقيقته ؟ في أي زمن نعيش ؟ عقله لا يستوعب بعد.
رفع نظره يطالع زوجته التي تربت على كفه بمأزرة، فنطق بوهن :
- اعمل إيه يا صابحة ؟ معجول الحال يوصل باختي واولادها لاهنة ؟ الحاجات اللي كنت لما اسمع عنيها اجرف وما صدجش إنها ممكن تحصل في بلادنا، تطلع في الآخر من اختي وولدها ؟
نطقت وقلبها يتألم على حاله وما يحدث معه :
- إنت ماجصرتش مع أي حد فيهم يا عبده، ربنا يسامحها نجوى عصت ربها ودخلت على عيالها الشيطان يتملك منهم .
أومأ وصمت فتابعت بترقب :
- لما يلاجوه جدمله في مصحة يتعالج اللي زي ده ما ينفعش يفضل وسطينا، واخته اهي جاعدة لما نشوف حنعمل وياها إيه.
أومأ مجددًا وعقله يعمل في اتجاهات عدة، يحاول أن يجد حلولاً لهذه المشاكل المتتالية.
في صباح اليوم التالي
قرر أن يذهب باكرًا ليرى والده ويتحدث إليه قبل التوجه إلى الشركة، توجه إلى المجلس الخاص به الموجود بين الأراضي الزراعية.
دلف يلقي السلام، حيث كان عبد الوهاب يجلس مع رئيس الأفراد والمسؤول عن رعاية الأراضي.
ردا السلام ونهض الرجل يتركهما ويغادر، فاتجه مهران يجلس أمام والده ويردف مباشرة :
- أني جولت اجيلك اهنة بعيد عن الجصر عشان اتحدت وياك عن الموضوع اللي كلمتك فيه جبل سابج، بس المرة دي أني غيرت رأيي.
تنبهت حواس عبد الوهاب وشبك كفيه أمام مكتبه يتساءل :
- جصدك على رجوعك لنهاد؟ كيف يعني ؟
هز رأسه ونطق يوضح :
- لاء، جصدي على سفرها اسكندرية، أني اتحدت وياها واتفاهمنا، تجدر تجول يعني إن الأمور بينا حتتحل جريب بإذن الله، بس هي رايدة تسافر وتبعد شوية لاول، وأني وعدتها إني حعملها اللي هي رايداه
لم يقتنع عبد الوهاب بما قاله، لذا استفسر :
- حتتحل كيف ؟ حترجعلك يعني ؟ من غير ما تطلج الثانية دي ؟
رفع أنظاره يطالع والده بمغزى ونطق يؤكد :
- هي مجابتش سيرة تيا هي طلبت اسيبها تسافر شوية وتفكر بعيد وبعد إكدة نبجى نشوف حنعمل إيه.
نطق عبد الوهاب يؤكد :
- بس أني ما حجبلش واصل إن نهاد ترجعلك والثانية على زمتك، ولو انت فرحان جوي بانك حتبجي چوز لاتنين ودي تحبك والتانية تحبك تبجى غبي.
احتدت نظراته لوالده وشعر بالإهانة فأكد عبد الوهاب كلماته يستطرد موبخا :
- إيوة غبي ودماغك مسوحاك، مافيش ست في الدنيا بتحب راجلها تجبل تبجالها ضُرة، ولو نهاد جبلت بعد كل ده يبجى لازمن تتأكد إنها ما بجتش طيجاك بس حترجعلك عشان احنا ضاغطين عليها ، عشان اكدة أجل حاجة تعملها إنك تطلج التانية دي جبل ما ترجع مرتك وتعرف جيمتها زين وتعاملها بما يرضي الله وتنسيها اللي
شافته منك غير اكدة يفتح الله.
ظهر غضبه الذي حاول تقييده أمام والده لذا نطق بتهكم
:
- يعني إنت يرضيك أطلج واحدة ملهاش ذنب ولا عملت أي حاجة إكدة من الباب للطاج؟ يرضيك اطلع عيل جدامها بعد ما وثجت فيا ؟ وبعدين يعني إيه نهاد مبجتش طيجاني ؟ أني صوح عرفت جيمتها، وغلطت أني ما فهمتهاش من لاول، بس بردك ما تشيلنيش الغلط لحالي يابوي، إنت وهي غلطو في حجي، وأني ما عملتش حاجة تغضب ربنا الحاجة الوحيدة اللي ندمان عليها إني كسرت خاطرها جدامكم، وعشان كدة أني حوافج على أي طلب تطلبه لاجل ما اردها لعصمتي تاني جدام الكل، والمرة دي حبجى أني اللي اختارتها وحردلها جيمتها، لكن تيا ما حطلجهاش إكدة من غير ذنب، هي بردك بتحبني وبتعمل أي حاجة ترضيني، مش إنت زعلان إني ظلمت نهاد بلاش نكيل بمكيالين يا ابوي.
يبدو أن ابنه بالفعل يتغير، فهو لم يكن يستطيع مواجهته مسبقًا، ولكنه الآن يخبره بما يشعر به دون استسلام لقراراته، والحقيقة أنه لا يكيل بمكيالين، ولكن عاطفته تجاه ابنة أخيه تتفوق على عدله، خاصةً وأنه يشعر تجاه تلك التيا بمشاعر سلبية دون أن يراها، ويمكنه أن يؤكد له نظرته ولكنه سيتركه يكتشف ذلك بنفسه، ليتنهد ويردف بترقب :
- اعمل اللي إنت شايفه ضح، وأني بردك حعمل اللي مجتنع بيه.
اومأ مرارًا ثم عاد للحوار الرئيسي فنطق :
- تمام، خلينا دلوك في موضوع سفرها، خليها تسافر وأني حشيع وياها واحد من رجالتنا، وحشوف لها واحدة من معارفنا اللي عارفينهم زين تبجى وياها وتخلي بالها من حمزة بردك، وطبعا الموضوع ده يادوب شهر ولا اتنين و ترجع تاني، وأني حسافرلها كل أسبوع اطمن عليهم وارجع
شرد يفكر، كيف سيقبل بسفرها إلى محافظة أخرى بمفردها هي والصغير ؟ هذا منافي تماما لقناعاته، برغم أنه يدرك رغبتها في الابتعاد، ولكن عقله لا يتقبل تلك الفكرة هو يثق بها، ولكنها في نهاية المطاف امرأة مطلقة وجميلة، وستكون مطمع للكثيرين، كيف يفعلها ؟
هل يريحها وينفذ لها ما تريد على حساب الأعراف؟ ماذا إن حدث لها شيء ؟ بالطبع يخاف عليها من هذا الأمر ويجب أن يفكر جيدًا قبل أن يتخذ قراره، لذا نطق :
- إنت فاهم زين يعني إيه بنت من العيلة تطلع برا لوجصر لحالها، ما بالك بنهاد ومعاها حفيدي اللي بتجوله دي عجلي ما مستوعبوش.
هو يتفق مع والده في هذا الأمر، ولكنه وعدها، وسيحاوطها من كل الجوانب حتى وإن ذهبت لكوكب آخر، لذا نطق مطمئنا :
فاهم، بس بردك أني ما وافجتش غير وأني واثج زين إن عيني حتيجى عليهم هناك وحتجعد في مكان فيه حراسة ومتأمن زين وحيبجي فيه عربية توصلها للشركة
وترجعها ع البيت لما نشوف اخرة دلعها علينا ده إيه؟
باغته بنظرة غير مرضية، ثم زفر يستغفر وشرد لدقائق قبل أن ينطق :
- خليني بردك اتحدت وياها، يمكن تلغي فكرة السفر دي من أساسه .
فتح عينيه ببطيء بعدما استشعرت حواسه رائحتها ليجدها تخرج لتوها من الحمام تخطو نحوه وتبتسم وهي تجفف خصلاتها بمنشفة.
تركتها على طرف الطاولة وتحركت تجلس جواره ثم مالت تطبع قبلة على صدغه واعتدلت تردف بنبرة ناعمة :
- صباح الخير.
بادلها ابتسامة دون أن يجيبها، وظل يتأملها فقط، ثم التقط كفيها يقبلهما وينطق بحب يقطر منه :
- صباح السعادة يا فرحة جلبي.
التمعت عيناها تأثرًا بعدما تضاعف منسوب حبها له وتعلقها به، لتعترف بصدق وهي تحرك كفها نحو خصلته تتلاعب بهما :
- إنت اللي فرحة جلبي يا عمار، إنت اللي حليت الحياة
في عنيا بعد الحزن والجهر.
تنفست بعمق تسترسل باعتراف بعد وقت من التفكير قضته لتوها في الحمام :
- أني ضيعت كتير جوي من عمري وأني شيفاك عدو وجاتل، كنت رايدة اجتل فرحتي بيدي، كنت حعيش كيف لو إنت ما دخلتش حياتي ؟ أني اتعلمت منك اشوف الحياة حلوة واتفائل وما ستسلمش واصل، كان معاك حج في كل كلمة جولتها وأني اللي كنت غلط، طلعت اسم على مسمى یا عمار، إنت عمرت جلبي بعد ما كان خربان.
ارتفع يوازيها وقلبه ينبض بصخب من كلماتها، لذا أسرع يعانقها ويردف بتحشرج من تضخم مشاعره :
وه وه وه وه، الحديت ده ليا أني؟ ومن فرحتي؟ ويوم صباحيتي ؟ ده إكدة تبجى الحاجة صابحة دعيالي في ليلة الجدر، كتير عليا يا رمانة بينك إكدة ما عرفتيش تجتليني كره حتجتليني حب يا بنت الحوامدية ياللي وجعتيني ولاحدش سما عليا.
نطقها ويديه تسافر حول أزقتها الأنثوية، لينحني عند أذنها يهمس بخبث ومرح :
بتحبي تاكلي الرمان مفروط ولا معصور ؟
ضحكت بخفة وهزت كتفيها تأثرًا تهمس باستسلام يحتوي على السيطرة الناعمة :
- اللي إنت تحبه اني ححبه
قضمها يكافئها وكاد أن يريها كيف يحبه ولكن منعه رنين هاتفه الذي حاول تجاهله إلا أن المتصل لم يكف عن الاتصال، لذا زفر يبتعد ويطالعها شاكيًا فربتت على كتفيه تهدأه فازدرد ريقه ومال قليلا يتلقط الهاتف من فوق الكومود ويطالعه ليجده المحامي المكلف بمتابعة قضية سمية، لذا أردف وهو يرتد مستندا على ظهر السرير:
- لازمن أرد.
أجابه تحت أنظارها حيث تأهبت بعدما لمحت الاسم :
- سلام عليكم يا أستاذ محمد، خير طمني؟
نطق المحامي بمهنية وهو يستقل سيارته بعدما انتهت جلسة المحاكمة :
- الجلسة اتأجلت شهر بس نهائي بإذن الله، طبعًا المحامين اللي معاها حاولو يلغوشو ويعملو ما في وسعهم بس بردو دليلنا كان قاطع، وكانت خطوة كويسة جدا لما قدمتوا الأحراز للنيابة علطول لان واضح إنها ست ايدها طايلة، وبردو ما عرفتش تغير اعترافها الاول بعد اعتراف الدكتور اللي زورلها الورق، يعني أكيد حتاخد حكم مرضي
نظر عمار إلى فرحة التي استمعت بملامح رافقها الغضب ليغير دفة الحوار مستفسرا :
- والعينة اللي أيوب جبهالك، نتيجتها طلعت ولا لسة؟
يقصد عينة تحليل إثبات نسب الطفل، حيث عثر أيوب على خصلات من شعر مؤمن كانت معلقة بفرشاته المحفوظة داخل درج مرآته، ليجيبه المحامي بهدوء :
- بكرة إن شاء الله النتيجة حتكون معايا وحبلغك بيها فورا..
أومأ عمار ونطق :
متشكر يا أستاذ محمد حبعتلك باجي أتعابك حالا...
أغلق معه وعبث بهاتفه يرسل له مستحقاته بالفعل، ثم تركه جانبا وعاد يطالعها ويغمز لها مستفهما بمكر :
- كنا بنجول إيه يا رمانة
ابتسمت ووضعت أفكارها جانبًا لتفسح لمشاعره المجال فعاد يستكمل ما بدأه، ولكن حظه العثر يركض خلفه حيث استمعا إلى طرقات على الباب فانزعج يبتعد عنها ويمسحبكفه على وجهه مستغفرا، ثم عاد يطالعها وهي تكبت ضحكاتها على هيئته المحبطة، لذا نطق وهو يترجل :
- المرة دي باينها الحاجة صابحة، أني اللي انسحبت من لساني وجولتلها تبجى تطلع وتخبط في أي وجت
تحرك يلتقط جلبابه ويرتديه سريعًا ثم خطى نحو الباب يفتحه قليلا قبل أن تصدمه رؤية سجود أمامه، تطالعه بابتسامة قبل أن تنطق بنبرة تحمل خجلا مصطنعًا :
- كيفك يا عمار، هي فرحة صاحية؟
قطب جبينه لبرهة، ثم تساءل بتعجب :
انت جيتي إهنة امتى؟ وعايزة فرحة في إيه؟
عبست ملامحها ونطقت بنبرة بائسة تسرد له ما حدث أمس :
- أني چيت جبل الفجر، أصل راضي أخويا ربنا ينتجم منه بسبب الزفت اللي بيشربه فكرني واحدة من اياهم وكان حيجرب مني بس ربنا ستر وضربته وطلعت چري على اهنة.
هل هذه معتوهة أم ماذا ؟ هل تتحدث بصدق أم تهرتل ؟ لذا وقف يطالعها باستنكار لثوان وكاد أن يصدها ولكنها استطردت وهي تسترق النظر نحو الداخل لولا جسده الذي يمنعها :
اصل مافيش حد إهنة اتحدت وياه وأني مخنوجة جولت اچي اتحدت و يا فرحة شوية، هي نايمة؟
- مالكيش صالح نايمة ولا جاعدة يا بت نجوی وما تطلعيش إهنة وتخبطي على راجل ومرته مرة تانية انزلي يالا.
كانت هذه كلمات صابحة التي لمحتها وجاءت لتوقفها عند حدها، فهي لن تسمح لها بافتعال مشاكل هنا، لذا التفتت تنظر إلى عمار وتتابع :
- ادخل أوضتك يا ولدي
أومأ عمار وبالفعل دلف يغلق الباب بينما حدجت سجود صابحة بكره خفي، ولكنه لم يخف عليها حيث اقتربت منها ونطقت تحذرها بسبابتها وعينيها :
- اجعدي إهنة باحترامك وحسك عينك تفكري تعملي حاجة اكدة ولا اكدة، ساعتها حتلاجيني أني اللي في وشك، وياويلك مني
تركتها ونزلت الدرج ووقفت سجود تطالعها بتوعد، أتظن أنها باتت بائسة بعد موت والدتها ؟ أو منكسرة بعد ما فعله شقيقها ؟ أو مهزومة بعد هروب والدها؟ إذا لم
يتعرفوا عليها بعد هي ستظل هنا وتعيش بالطريقة التي
تحبها، يكفيها أن تتلون وتؤثر على خالها بدعوى الرضوخ
لأوامره
في الشركة
اقتحم مكتبها تحت أنظار تيا التي التهمت غضبها، فلم تعد تستطيع التعبير عنه، لذا اندفعت نحو مكتبها ولكنها ستتحدث معه عند العودة إلى المنزل، فهي لن تقبل بهذا الهراء.
دلف يلقي السلام، فرفعت رأسها تطالعه بترقب، تقابلت معه هو وزوجته عند باب الشركة اليوم، لو يعلم كيف مر هذا المشهد عليها لتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه، ويظنها استسلمت ؟ كيف تذيقه ذلك الألم ليدرك فداحة ما فعله بها ؟
يرتدي حلة زرقاء وقميصا أبيض ، تذكرت حينما كانت تتغزل دوما بهيأته وباختياره المتناسق لملابسه ، ولكنها اكتشفت مؤخرًا أنه شخصا يحب أن يُهمل.
ردت السلام وتساءلت وهي تراه يجلس أمامها :
- في حاجة ؟
أومأ يتفحصها ليتساءل باهتمام بعدما ظن أن رؤيتها لتيا تتكتفه المتها :
- إنت زينة ؟
لم يرد أن يذكر سيرة تيا، ولكنه يعلم أنها تفهمه، لذا ابتسمت توميء تعطيه ما يريد سماعه :
- زينة جوي.
تنفس بارتياح ونطق يبشرها :
- أني اتحدت مع أبوي، وجولتله يسيبك تسافري.
تفاجأت تتساءل بترقب :
- ووافج ؟
وضح لها :
صعب يوافج، إنت خابرة زين هو بيخاف عليكي وعلى حمزة جد إيه، بس أني جولتله إني حأمنك ، حيبجى
معاكي حارس تبعي بعربيته، وكمان حجبلك جليسة تجعد معاكي ومع حمزة لما تنزلي الشغل، ولازمن تكون زينة وموثوج منها، وكمان حبجي اچي اشوفكم كل أسبوع لحد ما تفكري زين وتاخدي الجرار اللي اتفجنا عليه يا أم حمزة.
ما هذا الكم من اللطف والاحترام والتفاهم والاهتمام التي تمتلكهم أيها الرجل، حقًا تتعجب، برغم أنها ستكون مقيدة، إلا أنه يكفيها فقط أن تبتعد وتجد حلا للخلاص منه، لذا ابتسمت تجيبه :
- تمام.
ضيق عينيه ينطق وهو يلوح بيده :
- بس إكدة؟ ما عندكيش أي استفسارات تانية؟
هزت رأسها بلا فتابع محذرًا بتملك وغيرة :
- ماتروحيش تسألي عبد الله عن حاجة واصل، أني جدامك أهو أي استفسار حجاوبك عليه ، مالكيش صالحبيه.
نطقت توضح :
- بس اللي اعرفه إن مستر عبدالله كلها أسبوع ويرجع اسكندرية وهناك حتلجى فيه بحكم إنه المدير وأكيد ححتاج اسأله عن أي حاجة تجف جدامي.
هذا ما يؤرقه منذ أن رضخ لرغبتها، وبرغم صعوبة تقبله
للأمر، إلا أنه يعتمد بشكل كامل على حبها، لذا نطق محذرًا
:
- بردك على جد الشغل وبس، زيك زي غيرك من
الموظفين، لو أي حاجة وجفت معاكي في أي مكان كلميني، أو جولي للحارس اللي حيبجى وياكي يكلمني واني حتصرف، اتفجنا على إكدة ولا بلاها سفر من أساسه ؟
غضبت من طريقته معها لذا أردفت :
- أنا مش عيلة صغيرة جدامك يا مهران، إنت جولت وأني وافجت، انتهت
أومأ يردف :
- تمام
نهض يستطرد ويتمنى لو تطالعه بنظرة كانت تغرقه بها :
- أني في مكتبي لو احتجتي حاجة، وخدي بالك الحاج حيتحدت وياكي ويحاول يجنعك ما تسافريش، لو عليا اتمنى يعملها، بس بردك اللي إنت رايداه حعملهولك، أني دلوك مارايدش غير إنك تبجي مبسوطة
أومأت له مرارًا ورسمت ابتسامة زائفة ليرحل مسرورًا إلى مكتبه ويترك خلفه جراحًا ملتهبة...
مساءً
أمر رجاله بالبحث عن راضي، ولكنه اختفى كذوبان الملحفي الماء، لا أثر له سواءً في هذا النجع أو في النجوع المجاورة، من المؤكد أنه وعى على نفسه وأدرك فداحة ما فعله، لذا هرب .
جلس مع نهاد في غرفة مكتبه، تتطلع عليه وتنتظر حديثه، يبدو مهمومًا، وهو كذلك حيث يحمل على عاتقه هم ولده الأكبر مهران، وسفر نهاد، وأولاد نجوى، وشؤون أهل النجع.
ولكنه ابتسم لها ونطق بنبرة حنونة مراعية :
- عايزة تبعدي عن عمك يا نهاد؟ للدرجادي يابتي أني ضغطت عليكي من غير ما احس ؟
يستعطفها بنبرته، ويدرك أنها ستتأثر بكلماته، وبالفعل نطقت موضحة :
- يا عمي أني لو لفيت الدنيا دي كلها ما حلاجيش حد يحبني جدك، ودي حاجة مافيهاش شك بالنسبالي ورغبتي في السفر ملهاش علاجة بضغطك عليا، أني بس محتاجة ابعد شوية مهواش علطول بس لفترة.
نطق يستنكر :
- وحدخل الجصر كيف وانت وحمزة مش فيه ؟ ومرات عمك حتتحمل بعدكو كيف؟ أني لسة ماجولتلهاش وما عرفش اجولها كيف.
استشفت موافقته لذا تساءلت :
- يعني إنت موافج يا عمي ؟
تذكر كلمات عبد الله له حينما أتى لمقابلته بعد مغادرة مهران في بداية الأمر لم يرحب بتدخله، ولكنه أدرك بعدها أنه جاء بتوصية من نهاد، وربما هذه المعلومة أزعجته، يخشى أن يحدث مالا يتمناه، لتأتي كلمات عبد الله رزينة ومتزنة حينما نطق :
- أنا مش چاي دلوقتي عشان اقنعك إنها تسافر، لإني عارف إن دي حاجة صعبة إن ماكنتش مستحيلة بالنسبة للعادات هنا ، بس أنا لازم افكرك بوالدتي ووالدة نهاد الله يرحمهم والحياة اللي عاشوها والتعب اللي جالهم من كمية القهر والضغط اللي شافوها ، وغيرهم كتير وحضرتك أدرى مني بأهل النجع ، مافيش ست تقدر تتحمل تشوف اللي بتحبه مع واحدة تانية قدامها، وحضرتك للأسف سمحت أنها تشتغل وتشوفهم كل يوم مع بعض وانت متأكد إن نهاد لسة بتحب مهران ومش حتعرف تكرهه ، أنا فاهم كويس قصدك من كدة بس تفكيرنا غيرهم ومهران في النهاية راجل صعيدي ممكن يشوف إنها حاجة واردة ومادام ربنا شرعها يبقى تمام، بس الحقيقة غير كدة مهران بيضغط على نهاد جدا، آخر مرة سحبها من ذراعها قدامي وقدام الموظفين بطريقة مهينة، وأنا مش حابب إن علاقتي بمهران تتوتر بسبب كدة وإلا كنت اتكلمت معاه بس ممكن اتفهم غلط.
صمت لبرهة يستشف ردة فعل عبد الوهاب، ليجده يستمع له بتركيز لذا استرسل بنبرته المتزنة :
حتى لما نهاد طلبت مني اتكلم معاك واحاول اقنعك، أنا من وقتها قلقان ومش عارف حتكلم في الموضوع ده إزاي، بس لإني واثق في تفكيرك وضميرك وعارف إنك اتحديث عاداتنا عشان ترجعلها حقها، واتمنى منك ياعمي تكمل معاها للآخر، لإن فعلا كدة مهران بيظلمها برغم إن هو كمان بيحبها جدا بس كل واحد فيهم محتاج يبعد عن التاني شوية عشان يعرف يفكر صح
وجده صامتا يقلب الكلمات في رأسه، كأنه على وشك الاقتناع، لذا تابع قبل أن ينهض :
- ولو على السفر للاسكندرية والشغل في الشركة، ده لو قبلت يعني احب اطمنك إن تلت تربع الموظفين قرايبنا وحضرتك تعرفهم وهما كمان عارفين نهاد، يعني حتبقى في وسط اهلها وناسها وحتبقى في الحفظ والصون طول الفترة اللي حتقضيها هناك، واللي أنا حاسس إنها حتبقى قليلة لإن مهران حيلاقي حل ومش حيسمح إن أم حمزة تفضل بعيدة عنه
- عمي ؟
نطقتها نهاد حينما وجدته شاردا فعادت تستفسر :
- حتسيبني اسافر؟
انتبه يحدق بها قبل أن يوميء قائلا بصعوبة :
- ولونها صعبة جوي عليا وعلى صابحة، وما عرفش كيف
حنجعد طول الوجت ده من غير حمزة بس ماجدرش اشوفك رايدة حاجة واجول لاء، بس لو ليا خاطر عندك ما تطوليش يابتي.
قلبها يتألم لأن هذا السفر سيغير كل شيء، ولن تعود منه كما هي الآن، وتخشى أن يحزن منها، ولكنها مجبرة، يجب أن تسلك طريقا غير تقليديًا لمن من مثلها، يجب أن تحب نفسها.
لذا نهضت تلتفت إليه وتعانق ظهره وتنحني عليه مردفة بمقلتين لامعتين :
- ماتزعلش مني يا عمي إنت الوحيد اللي زعلك يعز عليا جوي.
ربت على كفيها ونطق بعاطفة وصدق :
- ماجدرش ازعل منك، أني المهم عندي اشوفك مبسوطة ولآخر نفس فيا حفضل في ظهرك وحعملك كل اللي إنت رایداه
في اليوم التالي
تخطوان بين المحلات التجارية لتبتاعان ما ينقصهما قبل موعد الزفاف الذي لم يعد يفصلهما عنه سوا يوم فقط.
ابتاعت ريم حذاء أنيقًا لترتديه مع الفستان، وابتاعت مودة أيضًا بعض الأحذية، ووقفت الأولى تسألها بترقب
وهي تريها ما بيدها :
- إيه رأيك دي أحلى مع الفستان ولا اللي وريتهالك قبل كدة ؟
تحققت مودة منها ونطقت بإعجاب :
- لاء دي أجمل الثانية حلوة بس دي أحلى.
أومأت مؤيدة تبتسم وقررت ابتاعها، ثم كادت أن تتحرك لتدفع حساب المشتريات، ولكن أوقفها رنين هاتفها فالتقطته من حقيبتها لتجده جابر، وقفت تتطلع إلى مودة التي ابتسمت بعدما علمت هوية المتصل، لتلتقت منها الأغراض وتردف قبل أن تبتعد قليلا :
- ردي وأني حستناكي هناك .
أومأت وفتحت تجيبه قائلة بترقب :
- سلام عليكم.
أجابها مترقبا بملامح منزعجة :
- ريم أنا محتاج اقابلك حالا، لو سمحت.
قطبت جبينها تستفسر :
- حصل حاجة ولا إيه؟
نطق دون نقاش :
- لما اجبلك حتعرفي لو سمحت حتى لو دجايج بس اشوفك واتحدت وياكي وحسيلك تروحي علطول.
نظرت حولها ولم تعد تعلم أتقبل أم ترفض لذا تنفست بعمق ونطقت :
- تمام، أنا دلوقتي في السوق العمومي، قدام محلات الزهور .
لحسن حظه أنه كان قريبا لذا نطق متحفزا:
- حلو جوي أني جريب منك، ربع ساعة وحكون جدامك
أغلقت معه وتحركت نحو مودة تخبرها بتخبط :
چابر عايز يقابلني يا مودة وبيقول إنه قريب من هنا وانا اضطريت اوافق ، معلش ممكن تستنيني في الكافيه ده وأنا حكون جنبك حشوف بس هو عايز إيه ونمشي علطول، بس لو سمحتي ماتعرفيش ماما أو نوح غير لما اعرف في إيه ؟
أومأت تبتسم ونطقت وهي تتحرك معها :
- تمام ما تجلجيش، تعالي لما نحاسب على الحاجات دي لاول وبعدها روحي واني حستناكي .
بالفعل لم يمر سوا دقائق حتى وجدته أمامها، كانت
تجلس تنتظره على إحدى الطاولات، تحرك نحوها يطالعها باشتياق لم يعد يستطع إخفاؤه، غيابها عن الشركة لم يعد
يحتمل ..
جلس يستهدف عيناها بخاصته ولم ينطق بعد، لتتوتر وتتعجب وتزدرد ريقها من نظراته لذا نطقت مستفهمة :
- خير يا جابر في إيه؟
نطق دون أي مقدمات حيث لم يرحم حالتها :
- خلاص يا ريم أني رفعت الراية البيضة، وباعترف أني ما بجتش متحمل غيابك عن الشركة، ما بجتش عارف اجعد فيها من غير وجودك فيها حاجة نجصاني ومخيالي ما عرفش اشتغل زين، والتوليفة دي على بعضها أكدت لي إن جوايا مشاعر ليكي، وطالب يدك على سنة الله ورسوله
