رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل السابع والعشرون 27 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل السابع والعشرون 


ترجل «بارق» من سيارته في شارعٍ مظلمٍ خالٍ من المارة، ثم استند إليها منتظرًا وصول أحدهم. مرت دقيقة واحدة فقط حتى ظهرت سيارة سوداء وتوقفت خلف سيارته مباشرة، وترجل منها «مرزوق» الذي اتجه نحوه بهدوء.

قال «بارق» بنبرة تحمل غضبًا مكتومًا:
- متفقناش يا مرزوق على كده. اللواء أيمن برا حساباتنا وأنا قايلك كده من الأول، تقوم تبعت اللي يخلص عليه؟!

أدخل «مرزوق» يديه في جيب بنطاله وقال:
- اللواء أيمن هو اللي بدأ يا بارق. دمر أكبر مخزن سلاح ومخدرات ليا وقتل رجالتي. كنت عايزني أقف أتفرج وأقوله برافو؟

أجابه «بارق» بانفعال واضح:
- مرزوق، مش عايز لف ولا دوران. أنت عارف وكلنا عارفين إن ده شغل الشرطة واحمد ربنا إن الموضوع وقف لحد كده. لكن حسابات شخصية وقتل لا، أيمن يبقى أبو مراتي وحمايا وأي حد في الفريق يخصني. يكفي إني نبهتك إن طيف جايلك الشركة بعد ما عرف اللي حصل لأبوه وقلتلك جهز كاميرات المكتب علشان تنزل فيديو ليه وهو بيتهجم عليك وتكسب تعاطف الناس وده فعلًا اللي حصل. مصر كلها دلوقتي بتهاجم طيف واحتمال يخسر شغله بسبب اللي عمله. عايز تلعبها العبها بالشكل ده من غير دم وإلا أقسم بالله أنا اللي هسلمك بنفسي.

زفر «مرزوق» بضيق وقال:
- طيب اهدى اللي حصل حصل خلاص.

نظر إليه «بارق» مجددًا وقال بحدة:
- لسه حسابنا ما خلصش. ده بالنسبة للموضوع الأول، نيجي بقى لزاخر اللي خطفته وشغلته لحسابك من غير ما تعرفني حاجة.

سيطرت الصدمة على ملامح «مرزوق» فتابع «بارق» بحدة أكبر:
- الباشا شكله واحد مش مكفيه فقال يخليهم اتنين ولا ايه؟! طب على الأقل أنا وأنت شركاء وبعمل ده بمزاجي. لكن زاخر أكيد هددته وبيشتغل معاك وهو مجبر. مش خايف يبيعك لأيمن ويقوله على كل حاجة؟

هز «مرزوق» رأسه موضحًا:
- أولًا أنا عملت كده علشان يبقى هو في وش المدفع وما يبقاش فيه أي شبهة تيجي عليك. أما حكاية إنه يقول لأيمن فأنا مهدده. ده عيل أهبل وخاف وحتى لو اتكلم مفيش حاجة تثبت ده ضدي. كل مرة بكلمه من رقم مختلف وموبايل مختلف.

أومأ «بارق» برأسه، ثم اعتدل في وقفته ووضع يديه داخل جيب بنطاله وقال بجدية:
- الشحنة الجاية امتى؟ وخلي بالك حسابي لسه بيهش من بعد آخر دفعة حولتها.

اعتدل «مرزوق» بدوره وقال:
- بيهش علشان الشحنة الأولى اتمسكت والعربية اتفجرت وأكبر مخزن ليا اتهجم عليه وكل اللي فيه بقى تحت ايد الشرطة. وأنت ما ساعدتنيش بأي معلومة.

ضحك «بارق» بسخرية وقال:
- لا يا حبيبي ما تربطش دي بدي. العربية اتقبض عليها وأنا أصلًا ما كنتش أعرف بالشحنة وأنت ما عرفتنيش حاجة علشان أسهل طريقها. فلما طمعت وخبيت المعلومات الشحنة وقعت وأنا نفسي ما كنتش أعرف إنها تبعك. ثانيًا أنت كنت سبب في موت زميلي لما العربية انفجرت وأنا كمان كنت هروح فيها وعديتهالك بمزاجي. أما حكاية المخزن فكلنا كنا مشاركين في العملية بسبب موضوع قنبلة شرم الشيخ، وبرضه ما كنتش أعرف إنه مخزنك. العيب عليك يا معلم، علشان فاكر إنك لما تخبي تبقى في أمان، لكنك ضيعت نفسك بنفسك وخسرت مساعدتي.

لم يجد «مرزوق» ما يرد به، فابتسم «بارق» وقال:
- ما تحاولش تشتغل من ورايا تاني علشان هتحتاجني.

في تلك اللحظة قال «مرزوق»:
- طيب أنا محتاجك.

اتسعت ابتسامة «بارق» وهتف فورًا:
- الاتنين اللي أيمن قبض عليهم من رجالتك؟ ما تقلقش لسه ما اتكلموش.

عقد «مرزوق» يديه أمام صدره وقال:
- مش عايزهم يتكلموا خالص.

حرك «بارق» رأسه وقال:
- برضه يا مرزوق مش عايز تفهم. قلتلك الدم مش سكتي. مش زاخر دلوقتي بقى من رجالتك؟ خليه هو يخلصك منهم قبل ما يتكلموا.

***

استيقظ «نائل» كعادته لأداء صلاة الفجر. ذهب إلى المرحاض وتوضأ، ثم عاد وأدى سنة الفجر. بعد ذلك توجه إلى زوجته وهزها برفق قائلًا بهدوء:
- ياسو، ياسمين حبيبتي.

فتحت عينيها، فقال مبتسمًا:
- يلا قومي الفجر أذن. أنا رايح المسجد.

اعتدلت في جلستها وقالت بصوت هادئ:
- تمام يا حبيبي.

توجه إلى المسجد القريب وأدى صلاة الفجر، وما إن انتهى حتى عاد إلى منزله. لكنه تجمد في مكانه فور وصوله.

وجد ساحة المنزل مكتظة بسيارات الشرطة، وأضواؤها الحمراء والزرقاء تومض في المكان بشكل أثار الرعب في نفسه.

انطلق راكضًا نحو المنزل، لكنه فوجئ بأحد الضباط يقف أمامه. اقترب منه وقال باضطراب:
- فيه ايه يا فندم؟ وايه كل العربيات دي؟

تفحصه الضابط جيدًا ثم سأله:
- أنت نائل محمد؟

أومأ برأسه وقال:
- أيوة أنا نائل.

عندها نطق الضابط بكلمات وقعت عليه كالصاعقة:
- أنت مطلوب القبض عليك أنت ومراتك ياسمين الجيار.

ثم التفت إلى أحد أفراد الشرطة وقال:
- حط في إيده الكلبشات يا ابني وخده على البوكس.

ظل «نائل» واقفًا في مكانه، وقد سيطر الخوف على ملامحه، ثم قال بتساؤل:
- مطلوب القبض علينا ليه يا فندم؟ ممكن تفهمني ايه تهمتنا؟

لكن الضابط لم يُعره أي اهتمام، وقال وهو يتحرك مبتعدًا:
- هتعرف كل حاجة في القسم.

***

في صباح اليوم التالي، استمع «أيمن» إلى طرقات على باب مكتبه، فهتف بصوت مسموع:
- ادخل.

دلف في تلك اللحظة «زين»، الشقيق الأكبر لـ«ياسمين»، فنهض «أيمن» لاستقباله قائلًا بابتسامة:
- أهلًا أهلًا بالمقدم زين، اتفضل.

صافحه «زين» وجلس بعدما أشار له «أيمن» بالجلوس. وما إن تأمل ملامح وجهه حتى لاحظ ما يعتريها من توتر وقلق، فقال متسائلًا:
- مالك يا زين؟ وشك مخطوف كأن فيه مصيبة حصلت.

تنهد «زين» بعمق قبل أن يبوح بما يثقل صدره:
- ياسمين أختي وجوزها يا سيادة اللواء، اتقبض عليهم الفجر بتهمة الاتجار في المخدرات، وسعادتك عارف إن ده مستحيل يحصل.

عقد «أيمن» حاجبيه وقال بتعجب:
- اهدى بس يا زين، وفهمني اللي حصل بالظبط.

بدأ «زين» يسرد ما حدث من البداية:
- امبارح وصلت شحنة مستحضرات تجميل لشركة نائل وياسمين، وبدأوا يوزعوها على التجار. المهم إن عربية من عربيات الشركة وقفت في كمين ولما فتشوها لقوا هيروين متهرب وسط الكراتين. قبضوا على السواق وطبعًا بما إن العربية تابعة للشركة صدر أمر بالقبض على نائل وياسمين وهم دلوقتي في الحجز.

أومأ «أيمن» رأسه بتفهم وقال:
- طبعًا، ده شيء متوقع.

قطب «زين» جبينه بعدم فهم، فأوضح «أيمن»:
- مرزوق الشيمي دخل شريك مع نائل وياسمين، وده أصل المشكلة كلها. خلى حصته في الشراكة قليلة علشان يوزع السم بتاعه تحت غطاء مستحضرات التجميل ولو البضاعة اتمسكت يبقى هو في أمان لأن الإدارة كلها في إيد نائل وياسمين. 

قال «زين» بقلق واضح:
- طيب والحل يا سيادة اللواء؟ نائل وياسمين مش مكانهم السجن وسعادتك عارف كده كويس. دول مظلومين ومش هيستحملوا اللي بيحصل لهم.

أومأ «أيمن» مطمئنًا:
- متقلقش يا زين. قضية المخدرات دي همسكها أنا ورجالتي بنفسي ونائل وياسمين هيكونوا معززين مكرمين لحد ما نشوف هنعمل ايه مع الشيمي ده.

أنهى جملته ثم رفع سماعة الهاتف وقال:
- أيوة يا رماح، هاتلي الاتنين اللي في الحجز وتعالى على مكتبي حالًا.

جاءه الرد سريعًا:
- أوامر سيادتك.

أغلق «رماح» الهاتف، وقبل أن ينهض سمع طرقات على الباب. دلف بعدها «زاخر» قائلًا:
- رماح باشا كـ...

قاطعه «رماح» بسرعة:
- كويس إنك جيت. روح هاتلي الاتنين اللي في الحجز وتعالى بيهم على مكتب اللواء أيمن فورًا.

تسلل الرعب إلى قلب «زاخر»، وقال بصوت مرتجف:
- حـ... حاضر.

غادر «زاخر» متجهًا إلى الحجز، بينما توجه «رماح» إلى مكتب اللواء «أيمن». وهناك التقى بـ«زين» فصافحه بحرارة قبل أن يعرف منه تفاصيل ما حدث.

لوى «رماح» شفتيه بضيق وقال:
- طلبت من زاخر الزفت يظبطلي معاد معاك علشان أتكلم في الموضوع ده ونلحقهم قبل ما يوصل للحكاية دي لكنه ما عملش حاجة وأنا كمان اتشغلت في أكتر من مصيبة.

وفي تلك اللحظة، دوى طرق قوي على الباب، ثم اندفع «زاخر» إلى الداخل وهو يقول بنبرة بثت الرعب في نفوس الجميع:
- الاتنين اللي في الحجز قاطعين النفس وشكلهم ماتوا!

نهض الجميع في اللحظة نفسها، وصاح «أيمن» بغضب وصدمة:
- بتقول ايه؟!

لم ينتظر «رماح» ثانية واحدة، بل اندفع راكضًا نحو مكان احتجازهما. وما إن دخل الزنزانة حتى وجد الاثنين ممددين بلا حراك.

اقترب منهما بسرعة، ثم انحنى ليتحسس نبض كل واحد منهما، لكن الصدمة ارتسمت على وجهه حين تأكد من الحقيقة.

أغمض عينيه للحظة محاولًا استيعاب ما حدث، ثم صاح بأعلى صوته:
- دكتور حالًا!

لم تمر سوى دقيقة واحدة حتى حضر طبيب السجن، وبدأ في فحص الجثتين بدقة. وبعد عدة لحظات، اعتدل في وقفته ونظر إلى «رماح» قائلًا بجدية:
- بنسبة كبيرة الاتنين ماتوا مسمومين.

ساد الصمت المكان، بينما تبادل الحاضرون النظرات في ذهول، فقد أدركوا جميعًا أن هناك من سبقهم إلى الشاهدين الوحيدين قبل أن ينطقا بكلمة واحدة.

تعليقات