رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل السابع والعشرون
تحسس جسده بدهشة قبل أن ينظر لها قائلا بحيرة واضحة:
- أنا اتضربت برصاصتين؟!
حركت رأسها بمعنى "لا" وهتفت موضحة:
- رصاص قصير المدى، يادوب يخترق الجلد وينشر المنوم في الجسم وبعدها متحسش بأي حاجة كأنك ميت بالظبط علشان تكون المفاجأة بعد ما تصحى
ابتسم بسخرية ليقول:
- أنا اسغربت فعلا إزاي الشخص اللي بتقولوا إنه أبويا هو اللي يقتلني، أنا حتى افتكرت مشهد بيدي أطهرك من الخيانة يا ولدي قبل ما يغمى عليا
ابتسمت هي الأخرى ومالت إلى الأمام وهي تقول:
- على الرغم من كل ده بس لسة دمك خفيف
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بهدوء:
- وأنتي لسة بتستعيدي ذكريات الماضي اللي أنا معرفش عنها حاجة
باغتته بسؤال مفاجئ قائلة:
- قولي يا طيف أنت آخر حاجة فاكرها كانت ايه؟
أظهر محاولة التذكر قبل أن يقول:
- مش فاكر حاجة بس كل اللي بفتكره كل ما بشوفك هو مشهد واحد وهو إنك بتضربيني بالرصاص
ابتسمت وسندت بيديها على المنضدة الخشبية وهي تقول:
- طب فاكر الرصاصة دي جت فين بالظبط في جسمك؟
حاول التذكر لكنه لم يستطيع فقال:
- مش فاكر
حركت رأسها بالإيجاب وقالت:
- حلو، فيه حد فاكر إنه اتضرب بالرصاص ومش فاكر مكان الرصاصة في جسمه؟
ضيق ما بين حاجبيه وقال بتعجب:
- عايزة توصلي لأيه؟
- سيبك من اللي عايزة أوصله وقولي فاكر ايه قبل ظهور الناس اللي شغال معاهم دول، يعني مراحل طفولتك أو مراحل شبابك وهكذا
حرك رأسه بمعنى "لا" وقال بابتسامة:
- لا مش فاكر
عادت بظهرها إلى الخلف وأردفت:
- ليه متستبعدش إن كل اللي بيتقالك حقيقة، إنك ليك عيلة وأنا مراتك واللواء أيمن يبقى والدك وإنك اختفيت بعد ما الناس دي خطفتك وعملولك غسيل مخ وخلوك تبعهم
رفع كتفيه ولوى ثغره وهو يقول:
- ممكن بس الأكيد إن ولائي دلوقتي للناس اللي بتتكلمي عنهم دول ولو فاكرة إني ممكن أبيعهم تبقي غلطانة
ضيقت نظراتها وقالت بانفعال:
- حتى لو عرفت إن الناس دي تبع الكيان الصـ.8.ـيوني
ابتسم وقال:
- وايه يعني؟!
- يعني هتكون مشارك في قـ..تل الأطفال، في قـ..تل أي حد ملهوش ذنب، في تشريد وتدمير أسر
عاد بظهره إلى الخلف وقال بتردد:
- صدقيني أنا معرفش الكيان اللي بتقولي عليه ده بس أكيد لو بيعمل كدا فإحنا ملناش علاقة بيه
ضيقت ما بين حاجبيها وقالت:
- ملكش علاقة؟ أومال القتـ..ل ده كله هواية ولا ايه؟ أنت كنت هتقـ.تل أختك، كنت هتخفينا كلنا من على وش الأرض بدون سبب لمجرد إنك خدت الأمر منهم زيك زي الكلب
ابتسم وقال بهدوء:
- لا إحنا كدا بنغلط وأنا مش هقبل الإهانة
نهضت من مكانها وأشارت على الشاشة الموضوعة بالغرفة وهي تقول:
- شايف الشاشة دي؟! دي قناة أخبار بتنقل كل اللي بيحصل في أرض فلـ.ـسطـ.ـين الأرض اللي احتلها اللي شغال معاهم، هسيبك تتفرج وتشوف إنجازات أصحابك وهم بيتفننوا في قـ.تل الأطفال
تركته ورحلت ليتم تشغيل تلك الشاشة التي عرضت الكثير من مشاهد قصـ.ـف الاحتـ.ـلال الغاشم على منازل الأبرياء ثم تليها مشاهد أخرى لأب يبكي لفقدان أبنائه الثلاثة وأم تبكي لفقدان أبنائها الأربعة وزوجها ووالدتها وشقيقتها في غـ.ـارة جوية على منزلهم، مشاهد لطفل يبكي لفقدان عائلته ويقول:
- أخويا كان معايا دلوقتي، كان بيقولي إلحقني يا كمال، يا كمال
وطفلة صغيرة تحضن دُميتها التي تبقت من منزلها بعد خسارتها لعائلتها بأكملها وتهمس لها قائلة:
- متقلقيش، ماما قالتلي إننا لو موتـ.ـنا هنتقابل في الجنة، قالتلي المـ.ـوت مش وحش واحنا لو موتنا هنبقى شهـ.ـداء بس أنا زعلانة علشان مستـ.ـشهدتش معاهم
ليظهر مشهد أخر لأب يحضن أشــ.ـلاء ابنه ويصرخ بصوت مرتفع:
- يا حسن، ملحقتش أسلم عليك يا حبيبي، حسبي الله ونعم الوكيل، يااااااارب
كان «طيف» يشاهد تلك المشاهد ونبضات قلبه ترتفع مع كل مشهد جديد، لا يتحمل ما يراه على شاشة التلفاز فما بالك بمن يعيش كل ذلك كل يوم وكل ساعة. أغلق عينيه وحاول سد أُذنه ليقول:
- لا أنا عمري ما أكون شغال مع الناس دي وأكون سبب في مـ.ـوتهم
على الجانب الآخر كانت تشاهد «نيران» ما يحدث من خلال الزجاج. في تلك الأثناء دلف اللواء «أيمن» وردد بتساؤل:
- ها ايه الأخبار يا نيران؟
أجابته وهي تنظر إلى وجه زوجها قائلة:
- كل حاجة ماشية مظبوط حتى طيف مش مستحمل يشوف المجـ..ـازر دي كلها، أنا مش مصدقة إننا بنواجه منظمة من الكيان ده
وجه بصره إلى الحائط الزجاج وقال بهدوء:
- أنا كنت شاكك في ده لكن لما إلياس أكدلي المعلومة بعد ما اخترق النظام بدأت أفكر من جديد، المنظمة دي وكل اللي بيعاونها من جيش الاحتـ..ـلال وكل الدعم بيجيلهم من البلد الوهمية اللي اخترعوها
نظر لها وتابع بجدية:
- لازم نعرف ايه غرضهم من الوجود في مصر، ايه خططهم وايه المخطط الكبير اللي بيخدموه من دلوقتي علشان يتحقق
نظرت إليه وقالت بحيرة واضحة:
- كل اللي قاله إن المخطط ده اسمه (خطة إبليس الكبرى ألاجا) مقالش أي معلومات تاني غير إن المخطط ده هيحصل في المستقبل بس أمتى وإزاي ده اللي لازم نعرفه
حرك رأسه بالإيجاب وردد بجدية:
- أنا هدخله
بالفعل تقدم وعبر الباب إلى الداخل لجلس على المقعد المقابل له وسط مراقبة «طيف» له ليقول «أيمن»:
- عامل ايه يا طيف؟
عقد ذراعيه أمام صدره وردد:
- هكون عامل ايه باللي أنتوا مشغلينه ده
رفع حاجبيه وقال بابتسامة:
- يا راجل ده نفس اللي أنت بتعمله بالظبط، الإنسان ده يا أخي غريب والله
رمقه بنظرة عدم رضا قبل أن يقول بجمود:
- عايزين مني ايه؟
- كل حاجة، أي معلومة تعرفها أو حتى سمعتها بالصدفة، كلمني عن عملياتكم في مصر، أقولك كلمني عن "ألاجا"
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه وهو يقول:
- أهو أنت بتسأل عن الحاجة اللي فعلا معرفهاش بس هجاوبك وأقولك إنها أخطر عملية هتتعمل من ساعة ما نزل البني آدم على الأرض، ديه الحاجة الوحيدة اللي أعرفها
حرك رأسه بالإيجاب وقال بتساؤل:
- أخطر من اللي بتعملوه كل يوم في فلسـ.ـطين؟
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه مرة أخرى وقال:
- لو مش أخطر مظنش إنهم يخططولها من مئات السنين وهم بيعملوا ده على حد قولك كل يوم
هز رأسه عدة مرات ليعبر عن اقتناعه وهتف:
- صح، أنت صح، قولي بقى ايه هي خطتكم في مصر
- أعتقد إني جاوبت على السؤال ده لمراتي
ابتسم «أيمن» ومال إلى الأمام وهو يقول:
- لا مقصدش اللي بتعملوه بشكل عام، أقصد خطكم ايه في البلد دي بالتحديد
أجاب على سؤاله بثقة كبيرة:
- لا السؤال ده مش بيتجاوب عليه عادي كدا، إجابته بتبقى فعل في أرض المعركة
عقد ذراعيه أمام صدره هو الآخر وقال بجدية:
- أرض المعركة بيكون فيها نوعين من البشر، نوع ظالم ومعتدي ونوع له الحق وبيدافع عن أرضه، أنت مين فيهم يا طيف؟
ابتسم وأجاب:
- أنا اللي باخد الأوامر بالمهمة والشيك المحترم وبنفذ
ممكن
حرك رأسه بالإيجاب وقال:
- يعني معتدي وكلب فلوس، يعني أنا لو دفعتلك أكتر هتكون من رجالتي على كدا
ضحك بصوت مرتفع قبل أن يرد عليه:
- معتقدش إنك هتعرف تدفع أكتر من اللي هم بيدفعوه
اعتدل «أيمن» في جلسته وباغته بهذا السؤال:
- منفسكش تشوف والدتك وأولادك
تفاجأ جديًا بهذا السؤال وتبدلت ملامحه التي حاول إخفائها وردد قائلا:
- مليش أم ولا أولاد ومش مهتم
ابتسم وقال بهدوء:
- مش مهتم إزاي ووشك جاب ١٠٠ لون لما فاجأتك بالسؤال، مش يمكن اللي بنقوله لك هو الصح؟ أصل هنستفاد ايه لو بنضحك عليك؟
- هتستفادوا بالمعلومات اللي عايزينها
ضحك «أيمن» وقال بسخرية:
- هو إحنا أي حد هنعوز ناخد منه معلومات هنرمي بلانا عليه بالشكل ده ونقوله إن إحنا أهله؟ كنت فاكرك ذكي يا طيف، يا إما أنت من جواك مقتنع إننا صح وبتكابر يا إما أنت غبي ومبتعرفش توزن الأمور
نهض وخرج من الغرفة ليبقى «طيف» وحده وبداخله حرب كبيرة لا يعرف من الطرف المنتصر فيها.
***
بداخل مكان واسع به كافة وسائل التدريب على القتـ..ـال كان «يوسف» يلكم "كيس الملاكمة" الضخم بقوة كبيرة وشراسة غير عادية وكأنه عدوًا له وفي تلك اللحظة دلف «رماح» إلى الداخل وهو يقول:
- براحة على البوكسينج يا عم هتموته في ايدك
توقف «يوسف» لتظهر حبات العرق على وجهه وما يظهر من جسده وردد بابتسامة:
- الباشا اللي بقاله قرن مبيعتبش المكان هنا ولا بيتدرب
ضحك وتوقف أمامه وهو يقول:
- مبعتبش المكان آه لكن مبتدربش دي لا، أنا عامل مكان للتدريب صغير كدا في الفيلا عندي، المهم ايه اللي حصل مابينك ومابين اللواء أيمن ده؟
ارتسمت ابتسامة مرة أخرى على وجهه وقال:
- معاك موبايلك ولا سيبته برا
وضع يديه في جيب بنطاله وردد:
- سيبته برا اشمعنا
- علشان اعرف أقولك اللي هقولهولك، الموبايل بتاعي حد اخترقه وبيسمع كل كلمة بتحصل جنبه، أنا طبعا لقيت الموبايل بيهنج بشكل غريب فشكيت علطول وبعته لحد تبعي وعرفني إنه مُخترق علشان كدا التاتش اللي حصل بيني وبين اللواء أيمن كان مقصود علشان يوصلهم إن فيه تفكك وتخبط بينا وبدل ما هم عاملين حساب كبير يبدأوا يتخيلوا إنهم ناجحين لغاية ما نضرب ضربتنا
اتسعت حدقتا «رماح» وخبط بكلتا يديه على بعضهما وهو يقول:
- يابن الحلال، وأنا اللي جاي أقولك مينفعش اللي عملته وجاي اقنعك تصالحه، واضح إن اللواء أيمن هيفضل يخبي ولا أكني فرد في سفراء الظلام
ضحك «يوسف» بصوت مرتفع وعاد خطوة إلى الوراء وهو يقول:
- مش حكاية يخبي، تلاقيه مكانش فاضي يقولك بس، لو عايز يخبي كان قالي مقولش حاجة لحد، المهم سيبك من الرغي ده وتعالى نافسني، لو كسبتني هقول للتيم كله إنك غلبتني، ها جاي؟
رفع أحد حاجبيه وقال بشك:
- لو غلبتك هتقول للتيم كله؟
حرك رأسه وهتف بجدية:
- أنت تعرف عني إني قولت كلمة ورجعت فيها؟
حرك رأسه وهو يجيب:
- لا
كور قبضة يده وقال بابتسامة تحمل الحماس:
- طب ايه، يلا ولا خايف
تحرك «رماح» وأخذ وضع الاستعداد وهو يقول:
- مش رماح اللي يخاف يا يوسف باشا
اقترب «يوسف» بهدوء وفجأة حاول لكم «رماح» الذي صد الضربة بسرعة كبيرة ومهارة لكنه لم يكن يدري أن يوسف يقفز ليركله في وجهه وبالفعل نجح في ذلك ليسقط «رماح» وهو يقول متألما:
- اااه لا كدا غش
أشار له بابتسامة لينهض وهو يقول:
- قوم قوم، دي المهارة القتا.لية يا معلم، مش هقولك يعني بعد اذنك ممكن اضربك مفاجأة، قوم ياض هتقضيها عياط زي الأطفال
نهض «رماح» بهدوء وفجأة قفز بقوة ليركل «يوسف» في وجهه ليعود على إثر الضربة وهو يقول بابتسامة:
- عاش، قابل بقى يا وحش
اقترب منه وقام بالقفز عن طريق عكس جسده وما إن سقط بالقرب من قدمه حتى جذبها بقوة ليسقط «رماح» على ظهره، لم يكتفي «يوسف» بذلك بل وضع ركبته على صدره وبيده جذب أذنه بقوة وهو يقول:
- مهما علمتك هتفضل تقع في الحركة دي، أنت طالب فاشل
صرخ «رماح» بتألم وهتف قائلا:
- ااااه سيب وداني، يا بني هتخلعها في ايدك، أنا مستسلم، والله مستسلم
تركه «يوسف» ونهض من مكانه وهو يضحك ويقول:
- نعرف بقى التيم بالمعركة الجميلة دي
نهض «رماح» وهو يفرك أذنه بألم وردد:
- اثبت يا كبير إنك فعلا غلبتني، محدش هيصدق
ضحك «يوسف» بصوت مرتفع وأشار إلى الكاميرا الموضوعة خلفه وردد:
- نسيت دي يا رموحة
التفت «رماح» ليجد الكاميرا فوضع يده على وجهه وهو يقول:
- أخ كدا لبست
***
تدهورت أحوال «هاني» بشكل كبير وفسدت أخلاقه بشكل فاجأ الجميع مما جعل شقيقته «مريم» تشتكي منه لأبناء عمه لكن لسوء حظها أن «إلياس» سافر إلى القاهرة بعد ما حدث وبقى «كرم» الذي ذهب إلى منزله وقابل ابنة عمه قائلا:
- هو فين؟
أشارت إلى الأعلى ورددت بحزن:
- نايم فوق يا كرم، بينام طول النهار ويسهر طول الليل، هاني أخلاقه بقت وحشة أوي يا كرم، هاني كان متدين ومش بيوفت صلاة بعد ما ربنا هداه، أنا نفسي بقيت أصلي بفضل ربنا ثم هاني ونصايحه وكلامه، اتحول ١٨٠ درجة، بقى حد تاني أنا مش عارفاه ولما اتكلم معاه ولا أكني قولت حاجة
لوى ثغره بأسف وردد:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، متقلقيش يا مريم أنا هطلع اتكلم معاه ومش هسيبه غير لما يرجع
- ياريت يا كرم، أنا حاسة إن أخويا ضاع مني
ابتسم ابتسامة هادئة ليبث الطمأنينة في قلبها وقال:
- مضاعش ولا حاجة، هيرجع إن شاء الله
تركها واتجه إلى الأعلى ودلف إلى داخل الغرفة ليجذب مقعد ويجلس بالقرب منه مباشرة. التقط أنفاسه وهزه بقوة وهو يقول:
- هاني؟ هاني قوم أنا عايزك
تقلب في الفراش وردد بصوت نائم:
- اممم عايز أنام
نهره بقوة وهو يقول:
- قوم يا هاني أنا كرم
فتح عين واحدة وقال بتكاسل:
- حد يزور حد في وقت زي ده يا كرم، عايز أنام
رفع أحد حاجبيه وردد بسخرية:
- ليه هي الناس بتزور بعضها الفجر ولا ايه، إحنا العصر يا حبيبي وأنت لسة نايم، طبعا ما أنت سهران طول الليل زي عوايدك
نهض بتثاقل وردد بنبرة تحمل عدم الرضا:
- اممم كدا الموضوع فيه مريم، مش فاهم هي عايزة مني ايه
عقد ذراعيه أمام صدره وقال بغضب واضح:
- آه وهي أختك لما ميعجبهاش حالك المايل ده وتكون عايزاك أفضل وأنضف تبقى عايزة منك ايه؟ أنت مالك يا هاني جرالك ايه؟ فين هاني ابن عمي الذكي الشاطر المتدين اللي بيحب الخير وبيعمله بدون تردد ...
نظر له «هاني» وقد تملك منه الغضب وردد:
- أنا مستعد أقوم ارتكب جناية دلوقتي علشان أكمل نوم، امشي يا كرم أنت مطرود من بيتي ..
