رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل الثامن والعشرون 


نظر له «هاني» وقد تملك منه الغضب وردد:
- أنا مستعد أقوم ارتكب جناية دلوقتي علشان أكمل نوم، امشي يا كرم أنت مطرود من بيتي

ابتسم «كرم» ووضع قدما فوق الأخرى وهو يقول:
- ده مش بيتك ده بيت عمي وبيت بنت عمي، وبعدين مالك بقيت شخصية لا تطاق كدا؟ مريم حكتلي على مواقف تخلي الواحد يشيب، مبقتش تصلي ولا تصوم ولا تعمل أي حاجة تثبت إنك مسلم ومش بس كدا، البجاحة وصلت بيك إنك تجيب بنات هنا البيت وأختك موجودة؟! يعني زنا وكبيرة من الكبائر ومش بس كدا لا وأخته موجودة معاه في البيت كمان، فيه ايه يا بني آدم أنت اتجننت؟! ترضاها لأختك؟! مالك يا هاني ايه اللي وصلك لكدا؟! الشيطان ضحك عليك وأنت ما صدقت مشيت وراه، فوق وتوب من القرف ده، ارجع لربنا علشان يسامحك ويغفرلك

ضحك بسخرية وقال بنبرة استفزازية:
- أنت فاكر بعد كل اللي أنا عملته ده ربنا هيغفرلي؟! امشي يا كرم ولا أقولك هحكيلك اللي محكتهوش ليك مريم، أنا بشرب مخدرات وكل يوم مع بنت مختلفة عن اليوم اللي قبله، بشرب لغاية ما أبقى مش دريان بنفسي وبعمل أي حاجة حرام تتخيلها، هل بعد ده كله سهل ارجع؟ استحالة يا كرم، دي بقت حياتي

حرك رأسه برفض وقال بقوة:
- دي مش حياة يا هاني، ده كدا ضلال، ضل سعيك في الحياة، مش ده اللي أنت موجود علشانه، إحنا هنا موجودين علشان نعبد ربنا ونؤدي الرسالة اللي ربنا خلقنا علشانها علشان في النهاية يكون مصيرنا الجنة مع رسولنا الكريم، المعادلة بسيطة يا ابن عمي بس أنت اعقلها، حياة مع استقامة في العبادة بتساوي حياة أبدية في الجنة، ده الطريق بتاعنا ليه أنت بعدت عنه

حرك رأسه ليعبر عن جهله وقال:
- معرفش، اليوم اللي اتجرت فيه رجلي للحوار ده من تاني، زعلت أوي من نفسي ومبقتش طايق أبص لنفسي في المراية، قولت أكيد ربنا مش بيحبني علشان كدا سابني أرجع لده، قولت خلاص مفيش فايدة أنا اتولدت كدا وهفضل كدا دي هتبقى حياتي

وضع «كرم» يده على كتفه وقال بهدوء:
- ربنا بيحب عباده كلهم لكن فيه اختبار يا هاني، الاختبار ده هو اللي أنت اتحطيت فيه وللأسف فشلت، ربنا بيختبرنا علشان يعرف صدق عبادتنا وصدق اتباعنا له وهل مع أول سلمة هنقعها هنستسلم ولا هنلجأ له ونرجعله

التقط «هاني» أنفاسه ونظر إلى الفراغ وهو يقول:
- مش عارف يا كرم، أنت بنفسك قولت فشلت في الإختبار، مين قالك إني مبسوط باللي أنا فيه ده؟ أنا قرفان من نفسي واللي بعمله ده أكني بعاقب نفسي، مليش عين أرجع أصلا، بعد كل ده أرجع؟ صعب

ابتسم «كرم» وردد بهدوء:
- ما أنت رجعت في الأول وشوفت لذة العبادة والرجوع لربنا، ربنا بيحب اللي بيتوب ويرجعله، تخيل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، تخيل؟! ربنا عايزنا نستغفره ونتوب له ونرجعله

***

دلف «ذاخر» إلى غرفة «طيف» التي يُحبس بها وجلس على المقعد المقابل له وفرد ذراعيه على المنضدة وهو يقول:
- دلوقتي أنت مش طيف اللي أعرفه، أنت مجرد كلب حاول يقتل حبيبتي وده مش هيعدي بسهولة أبدا، لو كلهم رحموك محدش هيرحمك من إيدي

ابتسم «طيف» وردد بسخرية:
- مبقاش غيرك يالا يابن امبارح اللي تيجي وتهددني، امشي من هنا يا شاطر وسيب الكلام ده للناس الكبيرة

لم يستطع تمالك أعصابه ونهض من مكانه ليلكم «طيف» لكن الأخير كان أسرع منه وصد ضربته وبظهر كف يده ضربه بقوة في وجهه ليسقط «ذاخر» أرضًا وأنفه تنزف بقوة. في تلك اللحظة دلف «يوسف» بسرعة إلى الداخل وردد بغضب شديد:
- ذاخر؟! ايه اللي جابك هنا؟

نهض وهو يضع يده على أنفه ليمنع النزيف وردد بغضب شديد:
- جاي اخد حقي منه بعد اللي عمله في خطيبتي

رفع «يوسف» أحد حاجبيه قبل أن ينفجر غاضبًا:
- ايه شغل العيال الصغيرة ده؟ أنت اتجننت يا ذاخر؟ ما خطيبتك تبقى أخته وسعادتك جاي تبوظ كل اللي إحنا وصلنا له علشان تبان جامد قصاد نفسك؟ 

جذبه من ياقة قميصه وتابع بغضب شديد:
- أنت متحول للتحقيق يا ذاخر وموقوف عن العمل لغاية أما نشوف شغل العيال بتاعك ده، غور من هنا مش عايز أشوف وشك

دفعه بقوة ليرحل «ذاخر» بينما بقى «يوسف» و«طيف» وحدهما. قطع «طيف» الصمت بعد هذا الحدث وقال بابتسامة:
- أيوة كدا يا جدع مش ناقصة أطفال أنا للحظة كنت هغير نظرتي ليكم

نظر له «يوسف» ورسم ابتسامة هادئة على وجهه وهو يقول:
- اتمنى السويت السبع نجوم ده يكون عاجبك يا باشا

لوى «طيف» ثغره وردد:
- مش بطال بس ياريت حد يفصل التلفزيون ده علشان جابلي اكتئاب

رفع «يوسف» حاجبيه ووضع يديه في جيب بنطاله وهو يقول:
- يا راجل دي إنجازات اللي شغال معاهم، ولا أنت قصدك جالك اكتئاب من اللي المقا..ومة بتعملوا فيكم؟

- يا راجل أنا مليش دعوة بكل ده، أنا الفرع المصري دي فروع أجنبية مليش علاقة بيها

ضحك «يوسف» وتقدم ليجلس على المقعد وهو يقول:
- خلينا نبص للجانب الإيجابي وهو إن لسة دمك خفيف

ابتسم «طيف» وردد:
- ربنا يخليك نيرو لسة قايلالي كدا، واضح إني كنت الأراجوز اللي بيضحكم فيما سبق

حرك «يوسف» رأسه بالإيجاب وقال بابتسامة:
- دي حقيقة، بس سيبنا من الأراجوزات دلوقتي وقولي لسة مقتنع إنك طيف بتاعهم ولا فيه شك ولو بسيط إنك تبعنا

عقد «طيف» ذراعيه أمام صدره وردد بهدوء:
- والله أنا مش هكذب عليك، أنا بفكر في الموضوع بس فيه جزء ناقص وهو لو أنتوا صح فأنا مش فاكر حاجة إزاي؟ ولو هم أعداء فليه أنا معاهم وولائي ليهم؟!

عاد «يوسف» بظهره إلى الخلف وردد:
- بالعقل كدا أنت مختفي بقالك سنة، اتعملك كمين منهم وخطفوك، عملولك غسيل مخ وبعد كمية تعذيب محدش يستحملها زرعوا في دماغك أحداث مش صح زي إن نيران ضربتك بالنار وده محصلش ومسحوا كل ذكرياتك وده مش صعب عليهم لغاية ما بقيت اللي أنت عليه دلوقتي

رفع كتفيه ولوى ثغره وهو يقول:
- ممكن وممكن لا، الموضوع صعب أفكر فيه وأطلع بنتيجة

- طب لو طلعنا إحنا صح، شعورك هيبقى ايه بعد ما كنت هتتسبب في موت أختك وموت عيلتك كلها

التقط «طيف» أنفاسه وهتف بنبرة هادئة:
- مش عارف، معتقدش إني هتأثر أوي لأني مش فاكرهم ولا فاكرك أصلا
- بس ده هـ...

دلف «رماح» إلى الداخل وردد بجدية:
- يوسف تعالى فورا 

نهض «يوسف» من مكانه ونظر له قائلا:
- جايلك حالا

ثم وجه بصره نحو «طيف» وردد:
- نكمل كلامنا بعدين

ابتسم «طيف» وردد بلامبالاة:
- براحتك أنا كدا كدا فاضي زي ما أنت شايف

خرج «يوسف» بصحبة «رماح» ليجد بالخارج «نيران» واللواء «أيمن» فردد بتساؤل:
- فيه ايه؟

هنا تحدث «أيمن» وقال بجدية:
- جيه تهديد بإننا لو مسيبناش طيف وسلمناه ليهم هيتم تفجـ..ير مديرية الأمن

ضيق «يوسف» ما بين حاجبيه وقال:
- تفجـ..ير مديرية؟ هو بالسهل اللي بيقولوه ده؟ استحالة ده يحصل أصلا

هنا رددت «نيران» وقالت بنبرة تحمل القلق:
- الناس دي تقيلة توقع منهم أي حاجة، يكفي اللي عملوه في طيف

نطق «رماح» وقال باعتراض:
- إحنا استحالة نسلمهم طيف بعد كل اللي عملناه ده

جلس «أيمن» على مقعده وقال بجدية:
- العملية دي سرية ومش عايزين نخاطر، سهل نأمن المديرية على الأمان بتاعها أصلا بس ساعتها أنظار كتير هتتوجه لينا واحنا مش عايزين ده، مفيش غير حل واحد وهو إننا نسلمهم طيف

ضيق «يوسف» ما بين حاجبيه وقال بتعجب:
- نسلمه؟ هو أي حد يهددنا نسمع كلامه بسهولة كدا؟

جاء رد «أيمن» والذي كان غامضًا بشكل كبير:
- هنسلمه بس بطريقتنا، جيه الوقت علشان نبدأ لعبتنا يا رجالة

***

في غرفة اجتماعات غلب عليها الظلام كان يجلس ستة أشخاص حول تلك المنضدة الخشبية الضخمة والتي يوجد عليها نجمة كبيرة بداخلها شموع مشتعلة. تحدث القائد باللغة الإنجليزية وردد بهدوء:
- يجب أن نحارب على الكثير من الجهات، وتلك الجهات هي المخابرات والشرطة وإلياس الجانب الرابح لديهم

هنا ردد أحد الجالسين وقال بتساؤل:
- وكيف سنهزم إلياس، إنه متفوق للغاية

اعتدل القائد في جلسته وردد بابتسامة تعبر عن الانتصار:
- لسنا نحن من سنتغلب عليه، الشرطة المصرية هي من ستفعل ذلك، سنسلمهم كافة الأدلة التي تثبت أنه هو من قام باختراق قنوات التلفزيون والهواتف الذكية، خاصة أنه فعل ذلك دون أن يخفي مكان تصفحه وعنوان الـ IP الخاص به بسبب تحركه بسرعة وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه إلياس

***

كان «إلياس» يجلس بجانب زوجته التي تحمل طفلته ويمزح معهما لكنه توقف للحظات وشرد وكأنه تذكر شيء خطير. نظرت له «إيلين» وقالت بتعجب:
- فيه ايه مرة واحدة سرحت ووشك اتغير
نظر لها وقال بنبرة تحمل القلق:
- الاختراق اللي عملته كان بدون حماية

اعتدلت في جلستها وقالت باهتمام:
- بدون حماية إزاي؟ قصدك إنك مشغلتش البرامج بتاعتك؟

حرك رأسه بالإيجاب ونهض من مكانه وهو يقول:
- أيوة، كل حاجة جت بسرعة وكنت لازم اتصرف قبل ما طيف يتسبب في موتهم كلهم علشان كدا بدأت كل حاجة وأنا بصارع الزمن ونسيت أهم حاجة وهي البرامج بتاعتي اللي بتمنع حد يوصل ليا، اللاب متوصل ببرنامج حماية شغال دائم بس مش قوي وأي حد بيفهم هيعرف يوصلي خصوصا إن الاختراق تم من بيتنا في الإسكندرية

نهضت هي الأخرى من مكانها وقالت بقلق:
- وده طبعا لو وصل للشرطة هيقبضوا عليك

التقط أنفاسه وردد بجدية:
- إحنا لازم نسيب مكانا هنا حالا قبل ما حد يوصلنا

ضيقت ما بين حاجبيها وقالت:
- هنروح لمين هنا في القاهرة؟

ابتسم وقال بنبرة تحمل الحنين إلى الماضي:
- معقولة إحنا في القاهرة وتسألي السؤال ده؟ شقتنا اللي عيشنا فيها عمرنا كله فاكراها يا إيلين

ارتسمت ابتسامة على وجهها ورددت:
- هي دي شقة تتنسي، كانت أجمل أيام حياتنا بجد 

قاموا بتجهيز جميع متعلقاتهم وتحركوا في طريقهم إلى منزلهم القديم. وصلوا بعد نصف ساعة إلى الحارة الخاصة بهم في السابق وترجل من سيارته وهو ينظر حوله بابتسامة، إنه يتذكر جيدا كل ركن من أركان تلك الحارة ويتذكر طفولته وأصدقائه وكل شيء فعله هنا.

قطع شروده صوت ضخم يعرفه جيدا لم يكن ليصدق أنه سيلتقي به بهذه السرعة.
- يااااه ابني إلياس وبنتي إيلين، أنا بحلم ولا ايه

التفت «إلياس» ليجد الحاج «خلف» ينظر له وعينيه ممتلئة بالدموع وكأنه التقى بابنه الغائب منذ سنوات. اتسعت حدقتاه وركض ليحضنه بقوة وهو يقول بعدم تصديق وحنين:
- يااااه حاج خلف، ياااااه يا حاج خلف، واحشني أوي

ربت «خلف» على ظهره وردد بسعادة:
- عاش من شافك يا إلياس يابني، نورت بيتك وحارتك من جديد

ابتعد «إلياس» قليلا وردد بابتسامة:
- والله منورة بأهلها يا عم خلف، منورة بأهلها يا راجل يا طيب

التفت «خلف» ونظر إلى «إيلين» وردد:
- ما شاء الله اللهم بارك، كبرتي يا شهد يا بنتي، نورتي بيتك وفرحتينا برجوعك يا حبيبتي

ابتسمت «إيلين» وقالت بحنين:
- المكان كله منور بيك يا عم خلف يا بركة الحارة كلها، والله واحشني جدا فوق ما تتخيل، يكفي كل اللي عملته علشاني ووقوفك جنبي أنا وإلياس، أنت أب يشرف والله

أدمعت عينيه لهذه الكلمات وردد:
- أنتوا ولادي وحبايبي ربنا يعلم معزتكم عندي، كان نفسي تفضلوا هنا معانا في الحارة بس حياتكم القديمة ظهرت وكان لازم تواجهوها وتتماشوا معاها، والله وجودكم ده فرحني فوق ما تتخيلوا

ابتسم «إلياس» وتقدم ليفتح باب السيارة الخلفي وهو يقول:
- ولسة لما تشوف الضيف الجديد على الحارة

أخرج طفلته وحملها بين ذراعيه واقترب منه وهو يقول:
- لورا إلياس، بنتي وحفيدتك يا عم خلف

اتسعت حدقتاه وحملها وهو يقول بسعادة غامرة:
- ما شاء الله، اللهم بارك، اللهم بارك، أخيرا شوفت اليوم ده

نظر إلى الطفلة وتابع بحب:
- نورتي حارتنا المتواضعة يا لورا يا بنتي

قبل جبينها وردد بابتسامة:
- ربنا يحفظها ويبارك فيها وينبتها نباتا حسنا ويجعلها نافعة لأهلها ومن حفظة كتاب الله، ما شاء الله، ما شاء الله

***

في غرفة الاجتماعات المظلمة تابع هذا القائد حديثه وقال:
- هذا بالنسبة لـ إلياس أما بالنسبة لجبهة المخابرات والشرطة، اللواء أيمن وفريقه ضمن المخابرات وعملياتهم سرية وغير معروفة حتى بالنسبة للشرطة لذلك سنكشفهم، بالنسبة للتهديد الذي أرسلناه بخصوص تفجـ..ير مديرية الأمن إذا لم يقوموا بتسليم طيف لنا فهذا التهديد سنقوم بتنفيذه سواء قاموا بتسليم طيف لنا أو لا وهذا سيكشف خطة هذا الفريق أمام الشرطة ويجعل من خطتهم السرية حديث العالم ليس هذا فقط بل عندما تعلم الشرطة أن إلياس كان يعمل في فريق اللواء أيمن سيشكل هذا خطرا كبيرا على هذا الفريق الذي سيُعزل من منصبه في الحال، وبالتالي سنفرق شملهم بكل سهولة دون أن نُطلق رصاصة واحدة

***

تحرك «طيف» في الغرفة ذهابًا وإيابًا قبل أن يعود إلى مقعده مرة أخرى، ظل يحرك قدمه بشكل سريع ليعبر عن مدى توتره وتفكيره الزائد وفي هذا التوقيت فُتح باب الغرفة ودلف أحدهم إلى الداخل.

رفع رأسه ليرى من دلف ليجدها أمامه، اتسعت حدقتاه ونهض من مكانه وهو يقول بصدمة:
- ماما؟!

تعليقات