رواية بنت القلب الجزء الرابع (سفراء الظلام) الفصل التاسع والعشرون
تحرك «طيف» في الغرفة ذهابًا وإيابًا قبل أن يعود إلى مقعده مرة أخرى، ظل يحرك قدمه بشكل سريع ليعبر عن مدى توتره وتفكيره الزائد وفي هذا التوقيت فُتح باب الغرفة ودلفت والدته إلى الداخل.
رفع رأسه ليرى من دلف ليجدها أمامه، اتسعت حدقتاه ونهض من مكانه وهو يقول بصدمة:
- ماما؟!
شعر أن الزمن توقف في تلك اللحظة ليس لأنه يعرفها أو يفتقدها بل لأنه لا يعرف تلك السيدة ولم يراها من قبل والغريب أنه عندما رآها أمامه انتفض وتسارعت دقات قلبه ونطق تلك الكلمات التي لا يعرف مصدرها.
ركضت «أسماء» تجاهه وحضنته بقوة وهي تبكي بصوت مسموع قائلة:
- ابني حبيبي وحبة عيني
ظلت تقبله من رأسه وجبينه ويده وجميع جسده وكأنها لا تصدق أنه هو ابنها الذي ظنت أنها لن تراه مرة أخرى، ابنها الذي قال عنه الجميع أنه لن يعود مرة أخرى، ها هو أمام عينيها من جديد ولا تصدق ذلك.
كانت ضربات قلبه متسارعة بشكل كبير ولا يستطيع الحركة لكنه ردد أخيرا:
- أنتي مين؟ أنا مش عارفك
ضمت وجهه بين كفيها وقالت بعنين دامعتين:
- أنا أمك يا حبيبي، مش فاكرني يا طيف، أنت بنفسك قولت ماما أول ما دخلت
حرك رأسه وقد بدا على وجهه التوتر والقلق:
- أنا فعلا قولت كدا بس مش عارف إزاي، أنا بجد مش عارفك ولا فاكرك
مسحت وجهه بكفيها ورددت بابتسامة:
- مش مهم يا حبيبي، المهم إنك هنا معايا وجنبي من جديد، المهم إني شوفتك تاني
كانت أصوات أنفاسه مسموعة بسبب توتره وضربات قلبه ليقول بخوف:
- أنا معرفكيش بس مش عارف ليه من ساعة ما شوفتك وجسمي بينتفض بالشكل ده، أنا نطقت كلمة ماما وده برده معرفش إزاي، أنا حاسس إني هتجنن
قبلت يده وقالت بحب واضح:
- سلامتك من الجنان يا حبيبي، أنا هنا جنبك ومعاك ومش هسيبك تاني أبدا يا طيف، أنت ابني حبيبي وروح قلبي، أنا مستعدة اخسر الدنيا كلها ومخسركش أنت يا حبيبي
انهمرت عبرة من عينيه وردد بينما كان جسده يرتجف:
- معقولة بتحبيني أوي كدا؟
نظرت له وقالت بنبرة باكية:
- ياااه يا طيف فوق ما تتخيل، هو فيه أم مش بتحب ابنها؟! أنا افديك بحياتي يا حبيبي
جلس على مقعده وضم يديه إلى جسده وارتجف بقوة وهو يقول:
- أنا بردان، بردان أوي
في تلك اللحظة خلعت الشال الذي ترتديه ليحميها من البرد وقامت بلفه حول رقبته وهي تقول:
- سلامتك من البرد يا حبيبي، استنى أنا هدفيك
لم يستطع «أيمن» أن يستمر في المتابعة من خلف الزجاج ودلف إلى داخل الغرفة على الفور قبل أن يخلع سترته ويقترب ليضعها فوق جسد «طيف» وهو يقول:
- هخليهم يشغلوا الدفاية دلوقتي
من وسط رجفته نظر إلى «أيمن» نظرة مجهولة فهو رغم جموده إلا أن الخوف والقلق يظهران على وجهه خوفًا عليه. دلفت «نيران» أيضا واقتربت منه لتمسك بيده وهي تقول بتساؤل:
- أنت كويس
حرك رأسه بمعنى "لا" فقبضت على كف يده بقوة وهي تقول:
- كل حاجة هتبقى بخير يا طيف، إن شاء الله كل حاجة هتعدي
***
كعادته استمر لوقت طويل في الملهى الليلي ورحل مع فتاة مختلفة إلى شقته الأخرى والتي اعتاد الذهاب إليها وبعد وقت طويل استيقظ من نومه ووضع يده على رقبته ليعبر عن اختناقه. شعر بالعطش الشديد فنهض من مكانه واتجه صوب مبرد المياة الخاص به وقام بسكب المياة في كوب صغير وشربه بسرعة، في تلك اللحظة استمع لصوت البرق بقوة في الخارج فضيق ما بين حاجبيه واتجه صوب الشرفة ليفتح الباب. فتح الباب ليجد الأمطار الغزيرة مع ضوء البرق المستمر والذي يتبعه على الفور صوت الرعد المخيف. في تلك اللحظة قام المسجد المجاور للبناية بتشغيل مكبر الصوت لإذاعة قرآن الفجر ليقول القارئ بصوت مسموع مع صوت الرعد المخيف: «هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (*) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ».
شعر بالخوف لما سمع وتراجع بتوتر شديد إلى الخلف وهو يفكر في كلمات القرآن التي لم تكن صدفة مع صوت الرعد، تدبر في آيات الله بخوف شديد فهو يفعل ما حرم الله منذ وقت طويل، حتى تلك الليلة ليُرسل له الله هذا التحذير. نعم الرعد من آيات الله التي يُرسلها ليخوف بها عباده وها هو صوت الرعد لا يفارق مسامعه وكأن الله يذكره بوجوده وببشاعة الذنب الذي يفعله.
تسارعت نبضات قلبه وتحرك إلى داخل الغرفة ليجد تلك الفتاة غارقة في نومها فأغلق عينيه وخرج من الغرفة على الفور. اتجه صوب هاتفه وقرر تصفح الانترنت ليزيل هذا التوتر وبالفعل بدأ في تصفح حساب التواصل الاجتماعي الخاص به الذي ما إن فتحه حتى وجد منشور مضمونه: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ»
وأسفل هذا المنشور يعلق كاتبه قائلا: ألم يأتِ الوقت الذي تخشع فيه قلوبُ المؤمنين لذِكر الله عزَّ وجلَّ؟ يسألنا الله فما هي إجابتنا؟
ترك الهاتف ليسقط من يده وضم وجهه بين كفيه ليبكي بصوت مسموع وكأنه أدرك أخيرا أن ما يحدث ليس صدفة بل هي رسالة واضحة. مع استمرار قرآن الفجر وصوت الرعد كان يزداد صوت بكائه وهو يقول:
- سامحني يارب، عايز ارجعلك والله بس خايف متقبلنيش بعد كل اللي عملته ده
وانفجر في البكاء وكأنه طفل صغير ضل طريقه ولا يعرف سبيل العودة.
ظل على حالته تلك حتى رفع المؤذن أذان الفجر فنهض من مكانه ودلف إلى المرحاض ليخرج منه بعد دقائق قليلة وقد استعد للرحيل من هنا وعدم العودة مجددًا، ارتدى سترة شتوية لتحميه من البرد وخرج متجهًا إلى المسجد وأثناء تحركه سمع الإمام يقرأ في الركعة الأولى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»
فتوقف «هاني» أمام المسجد وانهمرت دموعه بغزارة فهو لم يفهم هذه الآية بهذا الشكل من قبل ولم تدخل قلبه كما دخلت الآن في تلك اللحظة وكأنها تصف ما حدث معه ورد الله على من يسرفون في الذنوب أن لا يقنطوا من رحمة الله ويقولوا لن يغفر الله لنا لأن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم.
وجد من وضع يده على كتفه من الخلف وردد بابتسامة:
- يلا الركعة هتفوتنا
حرك رأسه ووجه غارق بالدموع فردد هذا الرجل الملتحي بابتسامة:
- خش اقف قدام ربنا وصدقني اللي بتعيط علشانه ده هيزول وهيختفي، يكفي إنك هتكون في ذمة الله، يلا يا جدع مفيش أجمل من صلاة الفجر
ابتسم من بين دموعه وتقدم إلى الداخل ووقف بين المصلين وكأنها المرة الأولى التي يكون من بينهم، كان طوال الصلاة يبكي وكأنه يبكي حسرة على ما فاته من العبادات وطاعة الله الواحد الأحد، ندم على اتباعه شهواته التي زينها له الشيطان ووهمه بأن الله لن يقبل عودته. ندم على كل ما فعله وضلال سعيه كل هذا الوقت لكنه ها هنا قد عاد؛ إنه من المصلين الآن، إنه يقف أمام الله ويبكي خشية منه، ما أجمل العودة إلى الله واتباع سنة رسوله والسير على الطريق المستقيم.
انتهت الصلاة وحاول «هاني» مسح دموعه حتى لا يلاحظه أحد إلا أنه تفاجأ بمن يضع يده على فخذه فنظر له ليجد الشيخ الذي التقى به في الخارج وعلى وجهه ابتسامة هادئة فابتسم له ليقول الشيخ:
- ربنا يتقبل، تحب نتكلم هنا ولا نقعد على جنب أفضل علشان منزعجش اللي لسة بيصلوا
حرك هاني رأسه بالإيجاب ونهض مع الشيخ ليجلسوا في أحد جوانب المسجد، رسم الشيخ الابتسامة مرة أخرى على وجهه وردد:
- ها ينفع تحكيلي ولا لسة مش مستعد؟
التقط «هاني» أنفاسه وبدأ في الحديث بصوت ضعيف يحمل الندم والشعور بالخزي. قص عليه قصته من البداية وتوبته ثم عودته إلى هذا الطريق مرة أخرى دون رغبة منه حتى أصبح يعيش كل هذا وانتهى قائلا:
- أنا فعلا مكنتش عايز الطريق ده ولما توبت في البداية حسيت فعلا بنعمة القرب من ربنا لكن مكنتش اتخيل إني ارجع تاني بالشكل ده
ربت الشيخ على كتفه وردد بهدوء:
- ربنا بيقول «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» أنت عارف يعني ايه أسرفوا؟ يعني عملوا ذنوب كتير أوي لدرجة إنهم أسرفوا فيها ومع كل الذنوب دي ربنا بيقولهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميع، تخيل؟ قد ايه ربنا غفور ورحيم بينا، ربنا بيحب العبد اللي بيتوب ويرجعله، مش عيب نغلط العيب إننا نستمر في الغلط ومنرجعش للطريق المستقيم تاني، في حالتك دي الشيطان جر رجلك بدون إرادتك وأنت ساعدته بإنك استسلمت له، الراجل اللي قتل ٩٩ نفس ولما راح لـ الـ ١٠٠ قاله أنا ليا توبة؟ قاله لا فقتله وكمل بيه الـ ١٠٠ وراح لحد بعده قاله أنا ليا توبة؟ قاله أيوة ربنا تواب رحيم بس بشرط واحد وهو إن أنت تسيب المكان اللي أنت فيه ده وتروح مكان تاني فيه ناس بيعبدوا ربنا، روح واعبد ربنا معاهم لأن البيئة بتفرق، علشان كدا أنت بتقول صاحبك ده هو اللي جرك تاني رغم محاولتك للبعد عنه علشان كدا أنا بطلب منك تسيب مكانك ده وتروح مكان تاني بيعبدوا فيه ربنا وابعد عن البيئة المحيطة بيك دي لفترة، بص أنا أعرف شيخ هو وكذا حد هيعتكفوا ٤٠ يوم بداية من بكرا في القاهرة، ايه رأيك أكلمه ليك وتروح تخرج معاهم الـ ٤٠ يوم؟
تردد «هاني» وقال:
- ٤٠ يوم كتير شوية، فيه شغل عندي و..
قاطعه الشيخ بابتسامة:
- السنة فيها 365 يوم لما ناخد منهم 40 يوم بس لربنا والباقي لحياتنا ده كتير؟ صدقني كلنا محتاجين الوقت ده علشان نبقى فاضيين للطاعة ونزود مخزون الإيمان عندنا، الإنسان ده عامل زي البطارية كل فترة محتاج يتشحن إيمان علشان يعرف يعيش، أقولك روح جرب يومين أو ٣ أيام بس ولو حسيت إنك عايز تكمل كمل وأنا واثق إنك لما تشوف لذة الطاعة هتكمل
***
فتح «طيف» عينيه واعتدل في جلسته ليقع بصره على والدته التي كانت تصلي الفجر بجواره، ضيق ما بين حاجبيه وظل ينظر لها حتى انتهت ورفعت يدها إلى السماء ورددت:
- يارب اشفي ابني طيف واحفظه ليا يارب، يارب هو تعب كتير أوي في حياته وشاف أوقات كتير صعبة، احفظه يارب وريحه من كل التعب ده، يارب والله هو مش وحش وعمل كل ده بدون إدراكه، يارب سامحه
ظلت تدعوا الله وهي تبكي بينما ينظر هو إليها بدهشة، هل من الممكن أن يحب أحد شخصا بهذا القدر لدرجة أنه يخصص دعائه كله له؟ لم يفسر هذا الأمر لكنه تفاجأ بالشال الذي كانت ترتديه مازال حول رقبته فنهض من مكانه وقام بلف الشال حول رقبتها حتى لا تبرد ولم يشعر بنفسه عندما جذب يدها وقبلها وهو يقول:
- أنا مش فاكرك بس واثق إنك فعلا أمي، كل حاجة جوايا بتقول كدا، سامحيني لو كنت اتسببت في أذى لأي حد أو ليكي، والله أنا مش فاكر أي حاجة بس وجودك هنا أثبت ليا بدون شك إنكم صح مش الناس اللي لقيت نفسي وسطهم
حضنته والدته بقوة ورددت بصوت يشوبه البكاء:
- مسامحاك يا حبيبي وعمري ما زعلت منك، ربنا يخليك ليا يا طيف ومشوفش فيك حاجة وحشة أبدا
حاولت نزع الشال لكي تعطيه إياه مرة أخرى فمنعها قائلا:
- خليه أنا مش بردان
- يابني خده يدفيك أنت تعبان
ابتسم وربت على يدها قائلا:
- صدقيني مش بردان، أنتي محتاجاه أكتر مني
ابتسمت وقبلت يده قبل أن تقول:
- يلا طيب علشان تصلي الفجر
ضيق ما بين حاجبيه وقال:
- إزاي؟
علمت في الحال أنه قد نسي كل شيء فابتسمت قائلة:
- تعالى معايا هعلمك الوضوء وبعدين نيجي أقولك تصلي إزاي ماشي؟
ابتسم وقال بود:
- تمام
***
عاد إلياس من صلاة الفجر ليجد صغيرته تقوم بأداء الصلاة فابتسم وجلس بالقرب منها في انتظار انتهائها وما إن انتهت حتى قال:
- تقبل الله يا حبيبتي
ابتسمت وقالت بهدوء:
- منا ومنكم يا حبيبي، المكان هنا بحبه أوي وفيه كمية راحة نفسية لا يمكن حد يتخيلها بجد
حرك رأسه بالإيجاب وقال بابتسامة:
- فعلا عندك حق، المكان هنا جميل أوي ومريح نفسيا، ايه رأيك بعد ما الغمة دي تتشال نبقى نيجي هنا من وقت للتاني نريح أعصابنا من كل مشاكل الدنيا
نهضت من مكانها وقالت بموافقة:
- موافقة جدا
في تلك اللحظة استمعوا لصوت ضربات قوية على الباب فنهض هو من مكانه بسرعة واتجه إلى غرفته ليخرج منها سلاحه قبل أن ينظر لها قائلا:
- خشي الأوضة واقفلي عليكي
حركت رأسها برفض قائلة:
- لا يا إلياس مش هسيبك
اقترب منها وقال بهدوء:
- علشان خاطر بنتنا يا إيلين، إن شاء الله خير
وافقت على مضض بينما شد هو أجزاء سلاحه واقترب من العين الموضوع بالباب ليرى من بالخارج ليفاجأ بالشرطة.
لوى ثغره بأسف وترك سلاحه قبل أن يفتح ليقول الضابط:
- أنت إلياس رأفت؟
حرك رأسه بالإيجاب وقال:
- أيوة أنا
أشار الضابط له وقال بصوت مسموع:
- اتفضل معانا ....
