رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والعشرون
أسفل البناية التي تقطن بها رنيم، كانت سيارة شاهين تقف في زاوية شبه مظلمة، بينما جلس هو خلف عجلة القيادة كأنما يحمل فوق كتفيه جبالًا من الغضب والاختناق والعجز. كانت أصابعه تقبض بقوة على المقود حتى برزت عروقه بوضوح، وعيناه لا تفارقان بوابة العمارة لحظة واحدة، كأن روحه معلقة بظهورها أمامه.
لم يكن يدرك منذ متى وهو جالس هنا، لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا فقط.. أنه لم يعد يحتمل هذا البعد.
منذ أن صرخت بوجهه وطلبت منه أن يخرج من حياتها، وهو يشعر وكأن شيئًا بداخله يُنتزع بعنف. كان يحاول إقناع نفسه أن يمنحها وقتًا لتهدأ، أن يترك لها مساحة تستوعب الحقيقة، لكن فكرة ابتعادها عنه كانت كفيلة بتحويله إلى رجل آخر لا يعرفه حتى هو نفسه.
وفجأة، دوى صوت هاتفه داخل السيارة، فانتبه من شروده بعصبية، ثم التقط الهاتف ونظر إلى الشاشة قبل أن يجيب بصوت مختنق متعب:
"أيوه يا ياسر خير؟"
جاءه صوت ياسر هادئًا لكنه يحمل توترًا واضحًا:
"فيه خبر مش حلو."
أغمض شاهين عينيه للحظة وزفر بضيق شديد، ثم قال بنفاد صبر:
"هي ناقصة؟ خير قول."
تنحنح ياسر قليلًا قبل أن يتحدث بنبرة رجولية حذرة:
"آنسة رنيم كلمتني النهاردة، وبعتتلك رسالة معايا، قالت: إنها عايزة تلغي العقد اللي ما بينكم، وبتقول لحضرتك إنها مش محتاجة ليك في حاجة."
ساد الصمت لثوانٍ داخل السيارة، لكن ذلك الصمت كان مرعبًا. شعر ياسر من خلال الهاتف أن أنفاس شاهين أصبحت أثقل، وكأن بركانًا كاملًا يحاول أن يبقى ساكنًا بالقوة.
ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا ومختنقًا:
"ماشي يا ياسر، أنا هتكلم معاها في الموضوع ده."
أغلق الهاتف ببطء، ثم ضغط على المقود بعنف حتى ابيضت مفاصل يده، بينما اشتعلت عيناه بغضب مكتوم. كانت فكرة أنها تريد قطع آخر شيء يربطها به كفيلة بأن تدفعه إلى حافة الجنون.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، توقفت سيارة رنيم أمام البناية.
ما إن لمحها حتى فتح باب سيارته بعنف وترجل منها سريعًا، ثم اتجه نحوها بخطوات واسعة متوترة، حتى وقف أمامها مباشرة وقال بصوت خرج محملًا بكل ما بداخله من اختناق:
"رنيم!"
تجمدت للحظة عندما سمعت صوته، ذلك الصوت الذي كان يومًا يربك قلبها كله، لكنها سرعان ما أغلقت عينيها بغضب، وكأنها تحاول طرد تأثيره عنها، ثم قالت من بين أسنانها بحدة:
"اسمي ميجيش على لسانك تاني، فاهم."
حاولت أن تتجاوزه، لكنه أمسك بذراعها بحنو رغم الارتجاف الواضح في أنفاسه، وقال بصوت مختنق متوسل:
"رنيم، أرجوكي اديني فرصة أقولك الحقيقة، وافهمك أنا ليه مقولتش ليكي. تعالي نقعد في أي مكان ونتكلم بهدوء."
نظرت إلى يده الممسكة بها وكأنها تحرق جلدها، ثم دفعتها بعيدًا بعنف، بينما اشتعلت عيناها غضبًا ورفعت أصابعها أمام وجهه بتحذير واضح:
"إياك تلمسني تاني. مافيش كلام ما بينا، انت خسارة فيك حتى النظرة. مبقاش يخصني انت مين ولا إيه وراك، ابعد عن سكتي، ومالكش دعوة بيا."
كان الغضب يتحرك داخل شاهين كوحشٍ يريد الانفجار، لكنه كان يقاومه بكل ما يملك، يقاوم ذلك الجانب المظلم داخله الذي يظهر كلما شعر أنها ستفلت من بين يديه.
تنفس ببطء، ثم قال بهدوء حذر يخفي تحته عاصفة كاملة:
"رنيم.. أنا سبق وقلتلك إني ببقى واحد تاني لمجرد التفكير إنك تبعدي عني. أنا كل ده بحاول أتحكم في غضبي علشان متخافيش مني، وعلشان مديكي الحق إنك تزعلي مني.. بس بلاش تطولي فيها، وبلاش كلمة فراق."
ثم اقترب منها خطوة أخرى، حتى شعرت بحرارة أنفاسه، وقال بنبرة أكثر حدة، وأكثر خطورة:
"علشان وقتها مش هكون مسؤول عن رد فعلي.. انتي بتاعتي أنا يا رنيم، برضاكي أو غصب عنك، هتفضلي معايا وفي حضني."
ارتجف شيء بداخلها رغماً عنها. للحظة واحدة فقط، شعرت بضعفها كله ينهار أمامه، لكن كبرياءها استفاق في اللحظة الأخيرة، فدفعته بقوة بعيدًا عنها وصرخت بغضب:
"أنا مش بتاعتك يا شاهين! أنا أبعد من خيالك إنك تملكني. لا عاش ولا كان اللي يملك رنيم الدسوقي، ولو كنت نسيت رنيم القديمة.. أنا مستعدة أفكرك بيها. ومن هنا ورايح بلاش تيجي على سكتي، أحسنلك."
ثم تحركت سريعًا مبتعدة عنه قبل أن يخونها قلبها أكثر، واتجهت إلى داخل البناية بخطوات متسارعة، ودخلت المصعد الكهربائي وأغلقته بسرعة قبل أن يلحق بها.
وما إن تحرك المصعد حتى أطلقت نفسًا مرتجفًا طويلًا، ثم وضعت يدها فوق قلبها الذي كان يخفق بعنف يكاد يمزق صدرها. كانت تكره ضعفها أمامه.
تكره ذلك العشق الذي يجعلها تنهار بمجرد اقترابه منها.
أغمضت عينيها بقوة وهي تلعن قلبها، تلعن اشتياقها، وتلعن ذلك الرجل الذي يستطيع أن يهدم كل مقاومتها بنظرة واحدة فقط.
وما إن توقف المصعد حتى اندفعت خارجه بسرعة، واتجهت نحو باب شقتها، فتحت حقيبتها بيد مرتجفة، وبدأت تبحث عن المفتاح بعجلة واضحة، حتى وجدته أخيرًا، فأدخلته في الباب وفتحته بسرعة، ثم دخلت إلى الداخل محاولة إغلاق الباب خلفها.
لكن الباب توقف فجأة.
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم نظرت إلى الأسفل، لتجد حذاء شاهين يمنع إغلاق الباب.
رفعت عينيها إليه بصدمة، فوجدته يقف أمامها بوجه محتقن بطريقة مخيفة، وعينين يشتعل داخلهما غضب مرعب.
وقبل أن تنطق بحرف واحد، دفع الباب بقوة، فأجبرها على التراجع إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفه بعنف.
تراجعت خطوة للخلف وهي تنظر إليه بتوتر واضح، ثم قالت بصوت حاولت إخفاء ارتجافته:
"ا اطلع بره أحسنلك يا شاهين، بدل ما أصرخ وأقول إنك بتتهجم عليا."
لكنه لم يرد. ظل يقترب منها ببطء شديد، خطوة تلو الأخرى، بينما كانت هي تتراجع أمامه حتى اصطدم ظهرها بالجدار.
حينها اقترب منها حد الالتصاق، حتى أصبحت أنفاسه تختلط بأنفاسها، ثم نظر داخل عينيها بنظرات مشتعلة وقال بصوت هامس مخيف:
"سمعيني بقى، قولتي إيه تحت؟"
حاولت دفعه بعيدًا عنها، لكنه أحاط خصرها بذراعه بقوة، ثم انحنى بجوار أذنها وهمس بصوت جعل جسدها كله يرتجف:
"متحاوليش تختبري صبري عليكي يا رنيم. أنا سبق وقلتلك إني متمسك بيكي لدرجة الجنون، لدرجة إني ممكن أهد الدنيا كلها لو فكرتي مجرد تفكير إنك تبعدي عني."
ثم ابتعد قليلًا لينظر إلى شفتيها المرتجفتين، وقال بصوت منخفض مغري أربك أنفاسها أكثر:
"وقلتلك أنا سلاح ذو حدين.. عشقي ملهوش حدود، بس غضبي وحش أوي لو فكرتي تسبيني. عايزك تحطي الكلمتين دول حلقة في ودانك، علشان مش عايز أعمل حاجة تخوفك مني، وفي الآخر مش هتبقي غير ليا."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأغمضت عينيها بعجز، بينما تعالت أنفاسها بصورة فضحت اضطرابها بالكامل. كانت حرارة أنفاسه على وجهها تذيب كل قوتها، وتدفعها إلى حافة الانهيار.
وعندما لمح تأثيره الواضح عليها، ارتسمت ابتسامة صغيرة منتصرة فوق شفتيه.
ابتعد عنها أخيرًا، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال بنبرة رجولية هادئة:
"أنا لو عليا مش عايز أبعد، بس متعودتش أستغل حد وقت ضعفه واحتياجه ليا."
فتحت عينيها ببطء، فوجدته ينظر إليها بثقة مستفزة، فاشتعل غضبها من نفسها قبله، وضربته على صدره العريض وهي تقول بصوت مختنق:
"أنا بكرهك يا شاهين.. بكرهك."
لكن إجابته جاءت هادئة بصورة أحرقت أعصابها:
"وأنا بحبك، وبلاش تستفزيني وتختبري صبري عليكي. علشان المرة دي قدرت أبعد عنك، بس المرة الجاية لو اتعصبت منك تاني، مش عارف وقتها هقدر أتحكم في نفسي وأبعد، ولا هكمل، ويبقى ختمي عليكي رسمي، وتبقي غصب عنك ملك شاهين الرواي."
ثم اقترب منها مرة أخرى، وانحنى مقبلًا خدها ببطء، قبلة ممتلئة بعشق موجع، قبل أن يهمس بالقرب منها:
"أنا آسف.. انتي أجمل حاجة في دنيتي، ومكنتش أقصد أوجعك يا رنيم."
أنهى كلماته، ثم ابتعد عنها واتجه نحو الباب، فتحه، ثم استدار إليها وقال بنبرة حاسمة:
"شيلي من دماغك إنك تلغي العقد اللي ما بينا، الشغل ملهوش دعوة بحياتنا الشخصية، فاهمة."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
أما هي، فظلت واقفة مكانها كأنها فقدت القدرة على الحركة.
كانت مصدومة من نفسها أكثر منه.
مصدومة من تأثيره عليها، من قربه الذي يهدم كل دفاعاتها، ومن قلبها الذي يصر على خيانتها كل مرة.
جلست على الأريكة ببطء، ثم أعادت شعرها إلى الخلف بعصبية شديدة، بينما كانت تلعن ذلك القلب الأحمق الذي ما زال يضعف أمام شاهين بهذه الطريقة المهلكة.
***************************
جلست أروى داخل الحديقة الملحقة بالفيلا، فوق ذلك المقعد الحجري القابع أسفل شجرة ضخمة، بينما كان الليل ينسدل بهدوئه الثقيل فوق المكان، والهواء البارد يحرك خصلات شعرها بخفة لم تشعر بها أصلًا. كانت غارقة في شرود عميق، تنظر أمامها بعينين ممتلئتين بالضيق والاشتياق، وكأن روحها عالقة في مكان بعيد لا تستطيع الوصول إليه.
منذ تلك الأزمة وهي لم ترى أحمد، حتى صوته أصبح نادرًا، يختفي لأيام ثم يعود لدقائق قليلة لا تكفي شوقها ولا تهدئ خوفها. حاولت كثيرًا أن تجد أي وسيلة للخروج لرؤيته، أي حجة، أي فرصة، لكن غريب وجواد شددا الرقابة عليها بصورة جعلتها تشعر وكأنها سجينة داخل أسوار الفيلا، وحتى هاتفها الذي كان نافذتها الوحيدة إليه، أصبح هو الآخر يخونها، ينشغل عنها كثيرًا، ويتأخر في الاتصال حتى بات القلق يأكل قلبها ببطء.
زفرت بحزن وهي تضم ذراعيها إلى صدرها، تشعر بوخزة مؤلمة تعتصر قلبها كلما تذكرت آخر مرة رأت فيها أحمد، آخر نظرة، آخر احتواء، آخر مرة شعرت فيها بالأمان.
وفي تلك اللحظة، شعرت بيد توضع فوق كتفها برفق.
انتفضت بخفة والتفتت سريعًا إلى الأعلى، لتجد تامر يقف خلفها بابتسامته المعتادة التي تبث الطمأنينة داخل قلبها رغم كل شيء.
ابتسمت تلقائيًا فور رؤيته، بينما جلس هو فوق المقعد المقابل لها، ثم نظر إليها بتفحص قبل أن يقول بنبرة مرحة حاول بها انتشالها من حالتها:
"الجميل قاعد لوحده وسرحان في إيه؟"
تنهدت أروى بعمق، ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالشوق وقالت بصوت مختنق:
"أنا أحمد وحشني أوي يا خالو."
رفع حاجبه بمبالغة مصطنعة، ثم قال بلهجة مازحة:
"ولزمتها إيه يا خالو بعد جملة أحمد وحشني دي؟ يا بنتي هو انتي وأخوكي مش معترفين بيا ليه إني خالكم، والمفروض تخافوا مني وتحترموني؟"
ضحكت بخفة رغمًا عنها، تلك الضحكة الصغيرة التي خرجت متعبة لكنها صادقة، ثم قالت بحب حقيقي:
"علشان إنت عمرك ما حسستنا بده، على طول بتتعامل معانا كأخ كبير وصديق لينا، علشان كده أنا مش برتاح في الكلام غير معاك."
تبدلت نظراته فورًا إلى حنان خالص، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وهو يقول:
"ده إنتوا نور عيوني اللي بشوف بيه.. إنتوا عندي أغلى من أختي أصلًا. بحس إنكم ولادي ومسؤولين مني أنا. يمكن علشان معملتش ده مع أمكم، وكان نفسي أعيشه زمان، فأنا بعمله معاكم إنتوا دلوقتي، بعوضه فيكم."
تأثرت أروى بكلماته، وشعرت بدفء حقيقي يتسلل إلى قلبها، لكنها سرعان ما عادت لعبوسها الطفولي وهي تقول بتذمر:
"يا خالو متغيرش الموضوع بقى، أنا بقالي كتير أوي مشوفتش أحمد، وحتى المكالمات الفترة الأخيرة مش بيكلمني كتير، يعني كل كام يوم مرة أو مرتين بالكتير."
أومأ تامر برأسه ببطء، ثم قال بنبرة هادئة:
"لأنه مش هنا، أحمد بقاله أسبوع مسافر، بيخلص شغل هناك، وعلشان عارف إن عقلك صغير وطفلة، مرضاش يقولك، علشان هتفضلي تعيطي لحد ما يرجع."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وكأن الكلمات هبطت فوق رأسها فجأة، ثم قالت بعدم تصديق:
"أحمد مسافر؟! أنا مش مصدقة بجد، إزاي ميقوليش حاجة زي كده؟ لدرجاتي هو شايفني طفلة ماليش أي اعتبار عنده؟"
حرك تامر رأسه بنفاد صبر خفيف، ثم قال بوضوح مباشر:
"ليه حق، ما أنتي اللي محسساه بكده. بتتعاملي معاه بطفولية، غضبك وطريقتك وكل حاجة فيكي بتأكدله إن عقلك لسه طفلة."
نظرت إليه بحزن واضح، ثم سألته بصوت خافت:
"هو اللي قالك كده؟"
أجابها سريعًا وكأنه يرفض مجرد الفكرة:
"لا طبعًا، أحمد مستحيل يشتكي منك أو يفكر يدخل حد بينكم. ولو شاف فيكي حاجة مضايقاه، هيفضل وراكي بطريقته العقلانية الهادية لحد ما يغيرها فيكي. أحمد راجل ناضج، بيتعامل بهدوء، مش بيتعصب على طول، وعنده طول بال، علشان كده أنا بدعم العلاقة بتاعتكم دي."
ثم أشار إليها بإصبعه وأكمل بابتسامة خفيفة:
"أنتي طايشة ومجنونة، وهو عاقل وهادي، وهيعرف يمشي العلاقة دي صح وبطريقة متوازنة."
ابتسمت أروى بحب فور سماعها الحديث عن أحمد، وشعرت بقلبها ينتفض شوقًا إليه أكثر، لكنها سرعان ما عقدت حاجبيها وقالت بضيق طفولي:
"طيب برضه مقولتش عرفت منين إني بتعامل معاه بطفولية؟"
ضحك تامر بخفة، ثم قال:
"أنا سمعتكم كذا مرة، وأنتي منكدة عليه، ومشاكلك كلها تافهة وسطحية، وهو يا عين أمه بيحاول يهدي الأمور ويحتوي غضبك الغير مبرر الصراحة."
شعرت أروى بالإحراج فورًا، لأنها تعلم جيدًا أن كلامه صحيح. ربما كانت تفتعل غضبها أحيانًا فقط لتراه يحتويها بذلك الهدوء الذي تعشقه فيه، وربما لأنها تغار عليه حد الجنون، أو لأنها ببساطة أحبت ذلك الشعور، أن تكون طفلته المدللة، بينما يكون هو الرجل الهادئ الذي يحتمل جنونها كله دون أن يمل.
تنحنحت بخجل، ثم قالت باعتراف صادق:
"هو الصراحة الصراحة، أنا مطلعة عينه معايا، بس هو ولا مرة حسسني إنه مضايق، ولا زعلني بكلمة واحدة."
نهض تامر من مكانه وهو يهز رأسه باستسلام، ثم قال بنبرة ساخرة:
"ده أنا خالك ومش مستحملك خمس دقايق على بعض، أمال هو يعمل إيه وهو هيلبسك العمر كله؟ ربنا معاه، ويسامحني علشان كنت سبب معرفتكم ببعض."
ضحكت أروى بقوة هذه المرة، ثم قالت بمزاح:
"على فكرة بقى يا خالو، إنت ظالم ومنحاز لصاحبك."
اقترب منها وداعب شعرها بحنان وهو يقول:
"ده أنا اللي ظلمت الراجل وبلّيته بيكي."
ثم تركها وتحرك عائدًا إلى داخل الفيلا، بينما ظلت أروى تتابع أثره بعينين ممتلئتين بالحب والامتنان.
ولأول مرة منذ أيام، شعرت أن ذلك الثقل الجاثم فوق صدرها خف قليلًا، وكأن حديثه أعاد إليها شيئًا من الطمأنينة التي فقدتها.
****************************
توقفت سيارة جواد أمام البوابة الحديدية الضخمة الخاصة بالفيلا بعد يوم طويل قضياه معًا بالخارج، يوم امتلأ بالضحكات والمشاحنات الصغيرة والنظرات التي كانت كفيلة بإشعال قلبه كلما وقعت عيناه عليها. أطفأ المحرك، ثم أراح ظهره فوق المقعد واستدار بجسده نحو جواهر التي كانت تجلس جواره تعبث بحقيبتها الصغيرة، بينما ما زالت ابتسامتها الهادئة تزين ملامحها.
تأملها جواد للحظات بعشق واضح، ثم قال بنبرة متذمرة متعمدة وهو يضع يده فوق صدره:
"طيب إحنا طول النهار بنلف، وريقي نشف، مافيش أي حاجة أبل ريقي بيها؟"
رفعت جواهر عينيها إليه ببراءة مصطنعة تخفي خلفها لؤمًا واضحًا، ثم قالت وهي تكبح ضحكاتها بصعوبة:
"عايز تشرب يا حبيبي؟ تعالى طيب ادخل معايا أديك مية."
ضيق عينيه وهو يحدق بها بعدم تصديق، ثم رفع أحد حاجبيه وقال بمزاح غاضب:
"وحياة أمك هتستعبطي!؟"
ازدادت ابتسامتها اتساعًا، ثم قالت ببلاهة متعمدة:
"فيه إيه بس يا حبيبي؟ مش إنت بتقول ريقك ناشف؟"
اقترب منها فجأة حتى شعرت بأنفاسه تلفح وجهها، ثم نظر داخل عينيها مباشرة وهمس بصوت رجولي جعل قلبها يقفز داخل صدرها:
"عايز أدوق الكريز.. ده أنا حتى زي جوزك."
اتسعت عيناها بارتباك، وأرجعت رأسها للخلف تحاول خلق مسافة بينهما وهي تقول بتوتر واضح:
"ااهدى يا ابن ضرغام، إحنا في الشارع."
اقترب أكثر وكأنه يستمتع بإرباكها، ثم همس بالقرب من شفتيها:
"أي حاجة في السريع، محدش هياخد باله."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بحرارة وجهها تزداد بشكل فاضح، ثم قالت وهي تنظر حولها بخوف:
"اابعد يا جواد بلاش جنان، حد يشوفنا وإحنا كده."
لكن جواد لم يكن في حالة تسمح له بالتراجع، خاصة وهي بهذه الصورة المرتبكة التي تفقده اتزانه تمامًا. لف ذراعه حول خصرها وجذبها نحوه حتى التصقت به بالكامل، ثم قال بصوت خافت يحمل تملكًا واضحًا:
"محدش ليه عندي حاجة، انتي مراتي."
ومال برأسه ببطء حتى يلتقط شفتيها، لكن في اللحظة نفسها دوى صوت هاتفه معلنًا عن اتصال وارد.
انتفضت جواهر سريعًا وكأنها أفلتت من كارثة، ثم دفعته بعيدًا عنها بعنف جعل رأسه يرتد للخلف.
أغلق جواد عينيه بنفاد صبر، ثم قال من بين أسنانه بغضب ساخر:
"هو أنا مكتوب عليا مكملش البوسة أبدًا؟"
تراجع إلى الخلف بضيق، ثم أمسك هاتفه ونظر إلى اسم المتصل، وما إن رأى اسم والده حتى ضغط على زر الإجابة وقال بنبرة ممتلئة بالاعتراض:
"إيه يا غريبوا؟ ده وقته؟ ده إنت لو قاصدها مكنتش هتجيبها كده."
فهم غريب ما يرمي إليه ابنه فورًا، فاتسعت ابتسامته الرجولية وقال بمرح:
"شوية من اللي بتعملوه فينا، خلص اللي بتعمله وكلمني، عايزك."
رد جواد بسرعة وهو ينظر إلى جواهر التي كانت تخفي وجهها خجلًا:
"أخلص إيه بقى؟ ما خلاص قطعت مية ونور، قول بسمعك."
تعالت ضحكات غريب الرجولية عبر الهاتف، ثم قال:
"دخل البت بيتها، وأبقى بعد كده كلمني يا بغل."
ثم أغلق الخط في وجهه مباشرة.
نظر جواد إلى جواهر فوجد وجنتيها قد اكتستا بحمرة الخجل، بينما تحاول التظاهر بالانشغال بأي شيء بعيدًا عن عينيه. زفر بضيق مصطنع ثم قال بمزاح:
"غريب ضرغام بيموت فيا، بيختار الأوقات الصح اللي يكلمني فيها."
ثم مال نحوها مجددًا وهمس بمكر:
"ما تيجي أقولك الموضوع اللي كنت هقوله ليكي؟"
شهقت جواهر فورًا ووضعت اصبعها أمام وجه بتحذير وهي تقول بتلعثم:
"ااياك تقرب، أأنا نازلة باي."
لكن قبل أن تتمكن من الهروب، أمسك يدها بسرعة وجذبها نحوه، ثم التهم شفتيها بقبلة قوية خاطفة جعلت أنفاسها تضطرب بالكامل.
مرت لحظات قصيرة لكنها كانت كفيلة بإذابة كل مقاومة داخلها، قبل أن يبتعد عنها أخيرًا وهو يلهث، ثم قال بصوت أجش مليء بالإعجاب:
"أول مرة أدوق طعمهم، وشكلي كده هحدد الفرح ويكون بكرة، علشان مش هقدر أستغنى عنهم بعد ما دوقتهم."
ضربته على صدره بخجل شديد وهي تقول:
"اانت غلس وقليل الأدب."
ثم فتحت الباب بسرعة وترجلت من السيارة وركضت نحو الداخل، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت.
أما جواد، فانفجر ضاحكًا على كلماتها، وظلت عيناه معلقتين بها حتى اختفت تمامًا خلف البوابة.
أدار السيارة وتحرك بها مبتعدًا، وبينما كان يقود، أمسك هاتفه واتصل بوالده، وما إن أجابه حتى قال بمزاح:
"تمت المهمة بنجاح، كلي آذان صاغية، قول واشجيني."
ابتسم غريب على طريقته، ثم قال بصوت رجولي هادئ:
"عايزك تروح عند رنيم وتجيبها ليا بأي طريقة."
عقد جواد حاجبيه باستغراب شديد، ثم قال بعدم فهم:
"رنيم مين دي اللي أجيبها؟ دي البت تطيق العمى ولا تطيقنيش، هقنعها إزاي دي تيجي معايا؟"
زفر غريب بضيق وقال بنفاد صبر:
"اتصرف يا جواد وتجيبها معاك دلوقتي."
تنهد جواد باستسلام وهو يهز رأسه، ثم قال:
"حاضر يا بابا، يا قتلتني يا قتلتها، سلام."
أغلق الهاتف، ثم ضغط بقوة فوق دواسة البنزين، لتنطلق السيارة بسرعة في طريقها نحو بناية رنيم، بينما داخله شعور سيئ يخبره أن تلك المهمة لن تمر بسهولة أبدًا.
**************************
دخل شاهين إلى الشقة بخطوات ثقيلة، وملامحه متجهمة على نحو واضح، كأن غضبه يسبق حضوره إلى المكان. وما إن وقعت عيناه على أماليا الجالسة إلى جوار مريم، حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساخرة باهتة، لا تحمل ذرة مرح، بل كانت ممتلئة بالاستنكار والضيق. توقف أمامهما للحظات، يرمقهما بنظرة طويلة حادة، ثم قال بصوت رجولي خشن:
"أنا قولت برضه إن وجودها هنا اتحاد ما بينكم انتوا الاتنين، بس ايه اللي حصل؟ مش دي أماليا اللي حاولتي كتير تدخلي ما بينا علشان أسيبها، لحد ما قدرتي تعملي كده فعلًا؟ وأماليا اللي كانت مش بتكره حد في حياتها قد ما بتكرهك، دلوقتي بقيتوا حبايب؟"
ضحك بسخرية مريرة، ثم أكمل وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
"تمام.. اتحدوا زي ما انتوا عايزين."
اقترب منهما أكثر، حتى أصبحت هيبته الطاغية تخنق الأجواء حوله، ثم تحدث بنبرة حاسمة صارمة لا تقبل أي جدال:
"بس برضه، مش هتقدروا تبعدوا رنيم عني، ولا أنا هعرف أعيش من غيرها، يعني كل اللي بتعملوا دلوقتي على الفاضي."
كانت مريم تستمع إليه بهدوء غريب، وكأن كلماته لا تثير بها شيئًا، بل على العكس، بدت واثقة بصورة مستفزة. ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة باردة، ثم قالت وهي ترفع حاجبها بثقة:
"تفتكر دي هتكون حاجة صعبة عليا يا شاهين؟ ما انت لسه قايل.. قدرت أخليك أنت ومراتك تبعدوا عن بعض، رغم تمسككم ببعض وقتها، وكان نفس الشيء، يبقى مش هقدر أبعدك أنت والبنت دي؟"
مالت برأسها قليلًا، وعيناها تلمعان بذلك البريق المخيف المعتاد منها، ثم أضافت بنبرة هادئة تحمل سمًا خفيًا:
"أنا مافيش حاجة برسم ليها وبخططلها إلا لما تتم زي ما أنا عايزة بالظبط."
اشتدت ملامح شاهين، وتحولت نظراته إلى شيء أكثر قسوة وحدة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة غاضبة، وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
"قدرتي تبعدينا أنا وأماليا عن بعض، علشان اللي ما بينا مكانش حب."
ساد الصمت للحظة، بينما اتسعت عينا أماليا ببطء، وكأن تلك الكلمات اخترقت قلبها دون رحمة، أما هو فأكمل ببرود قاسٍ:
"كانت حياة تقليدية، احنا رسمناها علشان البنات وبس."
ثم رفع عينيه مباشرة نحو مريم، وتحدث بثبات أرعبهما معًا:
"إنما حبي أنا ورنيم، أقوى من أي خطط، وأقوى من أي تدخلات. ومش محتاجة أقولك أنا أقدر أعمل ايه في اللي يقرب ليها، وانتي عارفة ابنك كويس أوي."
شعرت أماليا وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها. اقتربت منه بسرعة، ووقفت أمامه مباشرة، وعيناها ممتلئتان بالصدمة والخذلان، ثم قالت بصوت مرتجف مختنق:
"اللي ما بينا مكانش حب؟ إزاي ده؟ انت مكنتش بتحبني يا شاهين؟"
أغمض عينيه بضيق واضح، وكأن الحديث عن الماضي يثقل روحه، ثم قال بنبرة غاضبة حاول أن يجعلها متماسكة:
"بلاش نتكلم في القديم يا أماليا، حفاظًا على مشاعرك. انتي مهما كان، أم بناتي."
أنهى كلماته ببرود، ثم استدار متجهًا نحو غرفته. كانت خطواته عنيفة متوترة، وما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه بقوة اهتزت لها أرجاء الشقة بأكملها.
ظلت أماليا تنظر إلى الباب المغلق بصدمة، وكأنها لا تستوعب بعد ما سمعته للتو. شعرت أن شيئًا بداخلها قد تهشم بالكامل. كانت دائمًا تخدع نفسها بأنه أحبها يومًا، حتى لو انتهى كل شيء بينهما، لكن كلماته الأخيرة كانت أشبه بسكين مزقت آخر أوهامها.
التفتت ببطء نحو مريم، وعيناها تلمعان بالدموع المكبوتة، ثم قالت بصوت مبحوح مختنق:
"سمعتي قال ايه؟"
أومأت مريم برأسها بهدوء شديد، وكأن الأمر لا يعنيها، ثم قالت بنبرة عملية باردة:
"سمعت، بس حتى لو هنا ما بينكم مش طايقك، قدامها اظهري إنكم مبسوطين مع بعض."
اقتربت منها قليلًا، ثم أضافت بخبث واضح:
"وكمان، هديكي الطريقة اللي تخلي شاهين يضعف معاكي ويتم المراد."
شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح أماليا تتغير، وتحولت صدمتها إلى نظرات حادة ممتلئة بالحقد والغيرة، بينما ارتسمت ابتسامة شيطانية فوق وجه كل منهما، ثم جلست على الأريكة، وكأنهما تعقدان تحالفًا جديدًا لا يحمل سوى الخراب.
أما داخل الغرفة...
فكان شاهين يجلس على حافة السرير، منحني الظهر قليلًا، وكأن العالم بأكمله استقر فوق كتفيه. أطلق زفرة طويلة مثقلة بالغضب والتعب، ثم مرر يده فوق وجهه بعنف وهو يشعر أن كل شيء ينهار من حوله.
ظل يفكر في كل ما يحدث معه الآن، في رنيم، في أماليا، في مريم، في حياته التي تحولت إلى ساحة حرب لا تنتهي.
وكان أكثر ما يقتله من الداخل، أنه ابن لتلك المرأة.
امرأة لم ترى فيه يومًا ابنًا يحتاج الحب، بل مجرد أداة تستخدمها لتنفيذ انتقامها.
أغمض عينيه للحظات، يشعر بالاختناق، وكأن جدران الغرفة تضيق حوله شيئًا فشيئًا.
وفجأة، انفتح الباب بهدوء، ثم دخلت ميا بخطواتها الرقيقة البريئة. اقتربت منه دون خوف، وجلست بجواره مباشرة، ثم وضعت رأسها فوق صدره بحنان طفولي دافئ، وقالت بصوت هادئ ناعم:
"متزعلش يا بابي، أنا معاك، وموافقة على أي قرار تاخده."
رفعت رأسها إليه قليلًا، ثم أضافت بجدية جعلت قلبه يلين رغماً عنه:
"حتى لو عايزني أروح لطنط اللي بتحبها وأكلمها تسامحك، هروح."
تبدلت ملامحه بالكامل فور سماعه كلماتها. ابتسم بحب حقيقي، ثم ضمها داخل حضنه بذراع قوية وكأنها الملجأ الوحيد الآمن له في هذا العالم، وقبل رأسها بحنان شديد وقال:
"مقدرش أزعل وأنا عندي أجمل بنتين في الدنيا كلها."
ثم أبعدها قليلًا لينظر داخل عينيها مباشرة، وقال بنبرة هادئة مليئة بالمشاكسة رغم الألم المختبئ داخله:
"وبعدين أنا شايلك للتقيلة، لو رنيم فضلت زعلانة مني، هعملك دخول طارئ، وندخل دور أم شحته الغلبانة."
نظرت إليه ميا بتذمر طفولي لطيف، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
"على فكرة يا بابي أنا مش صغيرة، أنا عندي اتناشر سنة، يعني كبيرة، وأقدر أتكلم معاها بنت لبنت وأقنعها تسامحك."
وفجأة، انفجر شاهين ضاحكًا.
ضحكة حقيقية خرجت من أعماق قلبه للمرة الأولى منذ وقت طويل، حتى لمع الدفء داخل عينيه أخيرًا. ضم ابنته بقوة أكبر داخل أحضانه، ثم قبل رأسها مرة أخرى بحنان أب وجد نجاته الوحيدة في طفلته، وقال بصوت ممتلئ بالمحبة:
"ربنا يخليكي ليا انتي وأختك يا رب."
وفي تلك اللحظة تحديدًا.. أدرك شاهين أن يد ابنته الصغيرة، وكلماتها البسيطة، كانت الدواء الوحيد القادر على تضميد كل ذلك الألم المختبئ داخله.
***************************
كانت رنيم تجلس فوق سريرها في ظلام غرفتها شبه المعتم، تضم ساقيها إلى صدرها بقوة، وكأنها تحاول الاحتماء من شيءٍ غير مرئي يطاردها من الداخل. كانت تشعر أن روحها بأكملها ترتجف، لا جسدها فقط. عيناها ممتلئتان بالدموع، لكنها كانت ترفض أن تسقط، ترفض أن تمنح ضعفها فرصة الظهور، رغم أن قلبها كان ينهار ببطء مؤلم داخل صدرها.
منذ مواجهتها الأخيرة مع شاهين، وهي تشعر بأنها لم تعد تعرف نفسها. غضبها منه يشتعل داخلها، لكن الأصعب من الغضب، ذلك الاشتياق القاتل الذي يرفض الرحيل.
أغمضت عينيها بقوة، محاولة إبعاد صورته عن عقلها، لكن صوت أنفاسه، قربه، كلماته، كلها كانت تطاردها بلا رحمة.
وفجأة، دوى جرس الباب في أرجاء الشقة.
انتفض جسدها بالكامل بفزع، وتسارعت دقات قلبها بعنف. أول اسم قفز إلى عقلها كان شاهين.
زفرت بغضب وهي تنهض من فوق السرير بعصبية واضحة، ثم خرجت من غرفتها بخطوات سريعة متوترة، واتجهت نحو الباب. فتحت الباب بعنف وهي على وشك الانفجار، لكنها تجمدت مكانها فور أن رأت الطارق.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت باستغراب واضح:
"انت!"
كان جواد يقف أمامها بملامح متجهمة، وكأن أعصابه أوشكت على الانفجار بالفعل. رفع عينيه إليها بملل واضح، ثم قال بنبرة حاسمة مباشرة:
"بصي بقى من الآخر، علشان أنا متأكد إن هيحصل حوارات دلوقتي، فأنتي هتيجي معايا زي الشاطرة، من غير لت وعجن كتير، علشان أنا دماغي وارمة من بنت عمتك طول النهار، ومش حمل كلام كتير."
عقدت رنيم ذراعيها أمام صدرها، ثم رفعت أحد حاجبيها بسخرية وهي تنظر إليه بتهكم واضح وقالت:
"انت عبيط يا لا؟ أجي معاك فين؟"
اشتدت ملامح جواد فورًا، وضغط على أسنانه بغضب قبل أن يقول بحدة:
"لمي لسانك أحسنلك، وأجهزي يلا علشان تيجي معايا."
مررت يدها داخل شعرها بعصبية، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"يا ابني انت فيه حاجة في دماغك؟ يعني عارف إني بكرهك، ومجرد ما بشوفك بتعصب، وجاي لحد عندي وتقولي تيجي معايا؟ انت شارب حاجة؟"
أطلق زفرة طويلة يحاول بها التحكم في أعصابه، ثم قال بصوت هادئ على غير عادته، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:
"بكلمك وبكل هدوء بقولك، لمي لسانك وبلاش تغلطي، واجهزي علشان بابا بعتني ليكي علشان عايزك ضروري."
ابتسمت بسخرية مستفزة، ثم قالت وهي تهز رأسها:
"بابا؟ يا ننوس عين أمك، وسيادة الوالد عايزني ليه؟"
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر جواد أن آخر ذرة صبر لديه قد انتهت. مرر يده فوق وجهه بعنف، ثم قال بغضب مكتوم:
"ررنيم، أنا جبت آخري، وبحاول معاكي بأقصى ثبات انفعالي عندي، بس لا، لازم تخرجيني عن شعوري! اتزفتي يلا معايا."
اشتعلت عيناها غضبًا، ثم قالت بعناد حاد:
"زفت في عينك، مش رايحة في مكان، ولا عايزة أشوفك، ولا أشوف أمك، ولا أشوف أبوك."
أغمض جواد عينيه بعنف، وقد انفلتت أعصابه أخيرًا. أمسك ذراعها بقوة وأجبرها على التحرك معه رغم مقاومتها، ثم أغلق باب الشقة خلفهما واتجه بها نحو المصعد، بينما كانت كلمات رنيم الغاضبة تنهال فوق رأسه بلا توقف.
وما إن انفتح باب المصعد، حتى شعر جواد بقبضة قوية ارتطمت بوجهه بعنف مفاجئ.
ترنح للخلف للحظة، بينما شهقت رنيم بصدمة واتسعت عيناها وهي تلتفت سريعًا خلفها.
شاهين، كان يقف أمامهما بوجه محتقن بصورة مخيفة، وعينين مشتعلة بالغضب بطريقة جعلت رنيم تشعر بالاختناق.
لكن قبل أن تنطق بأي كلمة، اندفع جواد نحوه ولكمه بقوة أكبر، وكأن الشرارة التي كانت تنتظر الاشتعال منذ البداية قد انطلقت أخيرًا.
وخلال ثوانٍ، تحولت الأجواء إلى معركة حقيقية.
لكمات عنيفة، غضب مكبوت، وكره واضح يخرج للمرة الأولى بهذا الشكل الصريح.
اتسعت عينا رنيم بصدمة وهي تنظر إليهما غير مستوعبة ما يحدث أمامها، ثم اندفعت نحوهما بصعوبة محاولة إبعادهما عن بعضهما وهي تصرخ بغضب وانهيار:
"انتوا ايه اللي بتعملوه ده؟! انتوا اتجننتوا؟!"
كان شاهين يتنفس بعنف، وعيناه لا تفارقان جواد، ثم قال بصوت غاضب يحمل تحذيرًا مرعبًا:
"لو إيدك اتمدت عليها تاني، هقطعهالك."
حاول جواد الاندفاع نحوه مجددًا وهو يهتف بغضب مشتعل:
"انت مال أمك؟! احنا عيلة في بعض، بتدخل ليه؟!"
وضعت رنيم يدها فوق صدر جواد تدفعه للخلف وهي تصرخ بانفعال شديد:
"بس بقى! كفاية! كفاااية!"
لكن شاهين كان قد وصل إلى مرحلة لم يعد يرى فيها شيئًا أمامه سوى خوفه عليها وغضبه من مجرد تخيل أن أحدًا أمسكها بتلك الطريقة.
نظر مباشرة نحو جواد وقال بصوت غاضب حاد:
"بدخل علشان دي حبيبتي، واللي يفكر يلمس حاجة تخص شاهين الرواي، أمسحه من على وش الأرض."
ثم أشار نحو رنيم بعينين تشتعلان بامتلاك مرعب وأكمل:
"ورنيم خط أحمر.. لا، مليون خط أحمر لأي حد."
أغمضت رنيم عينيها بألم، وكأن كلماته مزقت شيئًا داخلها، ثم فتحت عينيها ونظرت إليه بغضب موجوع وقالت:
"أنا مش حبيبتك يا شاهين، ومتدخلش في أي حاجة تخصني، فاهم؟"
ثم التفتت نحو جواد وهي تقول بعصبية مرهقة:
"وانت اتفضل امشي يلا، خلينا نخلص من القرف ده."
أنهت كلماتها ودخلت إلى المصعد بسرعة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة إخفاء ارتجافها الداخلي.
ظل شاهين وجواد يتبادلان النظرات المشتعلة بالغضب والتوعد لثوانٍ طويلة، قبل أن يدخل جواد المصعد ويغلق الباب.
هبط المصعد إلى الأسفل، بينما بقي شاهين واقفًا في مكانه يتابع الأرقام المضيئة على الشاشة بعينين مشتعلة، وصدر يعلو ويهبط بعنف.
وفجأة، ركل باب المصعد بقوة هائلة اهتز لها المكان، ثم أطلق صرخة غاضبة خرجت محملة بكل ذلك الجنون والعجز والغيرة التي تلتهمه من الداخل بلا رحمة.
