رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والعشرون 

وقف أحمد بعيدا، بجانب تلك المقبرة التي تبعد عن مقبرة عائلة حافظ بمقبرتين، يتابع بعينيه النعش الذي يحمل جسدها الصغير بداخله، كانت الدموع تهطل من عينيه بلا توقف، يسمع همهمات الرجال مرددين "إنا لله وإنا إله راجعون" ولا يصدق أن هذه الكلمات التي تخترق اذنه ثقال الحبيبته الراحلة !

خبط جبهته بالحائط الذي يستند عليه الدمع في عينيه لا يكفيه، شعر بقلبه يبكي كذلك ولم يستطع فعل شيء سوى القرفصة أرضا وتخبنة وجهه بيديه، ود لو يغمض عينيه الآن ويفتحهها ويكون قد رحل عن الحياة لاحقا بها فقط ليخيرها بأنه أسف ... على كل شيء فعله.

بعد مدة انقض الجمع وأغلقوا المقبرة، وقف أبيها وأعمامها يدعون لها، ثم استند أبيها إلى أحد

إخوته وتحركوا نحو السيارات.

نهض أحمد يمسح عينيه يظهر يديه بعد أن عم الصمت، وتحرك بساقين مرتعشتين إلى تلك المقبرة التي تضم جسدها، اعترض طريقه حارس المقابر، نظر لوجه أحمد البائس الذي بدأ يتمتم بعبارات مترجية متقطعة جعلت قلبه يرق قليلا لكنه لم يسمح له بالعبور قبل أن يعطيه

ورقة نقدية من فئة الخمسون جنيها.

ترجل ببطء نحو مدفتها كانت دموعه تزداد كلما اقترب، وعندما وصل كانت رؤيته معدومة ولا يرى سوى الماء يغلف عينيه نظر للأسفل لزاوية أخرى وكأنه خجلا من النظر إلى مكانها، خارت قواه وجلس أمام ذلك التراب يكمل بكاءه الذي همس بـ "اسف" كثيرا أثناءه.

لا يعرف ما الذي يفعله هنا، يطلب السماح ؟ لا. فهو لا يستطيع حتى مسامحة نفسه، لكنه لم يكن بود الرحيل وتركها بمفردها، كانت صورتها تتمثل أمامه باستمرار لا تدعه يغمض عينيه، لا يستطيع إخراجها من عقله، لم يستطع النوم منذ البارحة، ولا يظن أنه سيغمض عينيه من جديد دون أن تظهر سلمى في عقله اتعذبه وتذكره بفعلته الحقيرة.

بالأمس دخل في مرحلة الإنكار حيث رفض تصديق أنها قد رحلت وبدأ كالمجنون يتصل برقمها متمنيا أن تجيب ليخبرها بكم أنه أسف، ونادم ويترجاها بأنه أبدا لن يفعل تلك الفعلة مجددا، لن يرفع عينيه في فتاة أخرى حتى .. سيبقى مخلصا مهما حدث، لكن هاتفها كان مغلقا طوال الليل. ولم يمتلك سوى ذلك المقطع المصور الذي صوره لها على عقلة منها. عندما كانت تأكل الأيس كريم وقد تلطخت شفتيها وأنفها فمد يده بمنديل يمسحه لها، وعندما اكتشفت أنه يصورها

كانت قد ضحكت وصفعت يده .... أعاده مرارا وتكرارا وهو ينظر لوجهها وينتحب..

جاء: حارس المقابر يحثه على النهوض فنهض مرغها، ولقد أشفق عليه الحارس الدرجة أنه من يدة ليساعده على الخروج، فرحل مخفضا الرأس هائما على وجهه لا يعرف أين يذهب.

كان أدهم قد بات ليلته في نزل قريب وعندما حل الصباح وفتح عينيه، اعتدل في جلسته وأمسك بهاتفه يفتحه بعد أن أغلقه طوال الليل كي لا يستقبل مكالمات جده، أخرج رقم احمد كأول شخص، لكنه تذكر شجاره معه وأنهما لا يتكلمان منذ أن لكمه ولم يرد الآخر له اللكمة، فربما لو فعل لكانا متعادلان الآن.

لم يملك سوى الاتصال بقيس، حكى له ما حدث ولم ينتظر الآخر أن ينهي أدهم كلامه حتى قاطعه "أنا قاعد في شقة الزمالك من إمبارح عشان متخانق مع ماما أنا كمان، مستنيك، تعالى".

بعد فترة كان أدهم يترجل لداخل شقة قيس والآخر يرحب به بابتسامة واسعة "أنت وقعتلي من السما أنا زهقان أساشا، ومش عايز أقعد لوحدي."

رسم أدهم ابتسامة مزيفة على وجهه وهو يلقي بحقيبته على سرير قيس ورفع رأسه له فور دخوله الغرفة، ثم سأل يتردد " قيس ... هو أنا عيل ؟ "

شبك الآخر ذراعيه أمام صدره وهو يستند بظهره على زاوية الباب "مين قالك كده ؟"

"كثيرا" سخر وهو يبتلع لعابه بضيق وأخفض رأسه للأسفل

"لا يا اسطا مش عيل، بس فيه ناس ما بينفعش معاهم غير قلة الأدب، نص الشعب ماشي

بالبلطجة وعايز اللي يبلطح عليم "

"يعني لازم أكون بلطجي وقليل الأدب ؟"

ضحك فيس وتقدم ليجلس بجانبه مش لازم قليل الأدب، بس تبقى ناشف وبلطجي شويتين وبص ... خلاص انت قاعد معايا، يعني خاف على نفسك، مش بعيد بعد أسبوعين تنزل تثبت الناس في الشارع "

ضحك رغما عنه وأوما فأكمل الآخر وهو يرجع بظهره إلى السرير "تعالى تعمل اتفاق ... أنت تعلمني الأدب وأنا أعلمك قلة الأدب ؟"

نظر له آدهم بدون فهم فشرح له قيس ليلى ... البت قريت تطفش مني ... أنا مش ببقى قاصد إني أضايقها وأقل أدبي معاها الموضوع بيطلع غصب علي !"

صمت أدهم قليلا وكأنه يقلب الموضوع في رأسه محاولا إيجاد حل ثم رجع بعينيه لقيس "أنت عملتلها ايه بالظبط ؟ "

رفع كتفيه وسارع بالتحدث مندفعا وكأنه يدافع عن نفسه والله ما لحقت أعملها حاجة !"

ضيق أدهم عينيه وكأنه لا يصدق ثم نهض يخلع سترته وهو يسخر "خد بالك بس من هشام عشان هشام غبي ما بيشوفش قدامه، وقوم وريني الحمام عايز أخد دش".

و يذكر هشام ... فلقد كان الفتى يجلس وحيدا في تلك المحاضرة ينظر يمينا ويسارا بتشتت بحنا عن أي فرد من الثلاثة الذين قرروا الغياب جميعا فجأة دون اخباره

هشام، أنا كنت بقول إيه؟" صاح الدكتور في مكبر الصوت فنهض الآخر بتوتر ولأول مرة هو ليس لديه أدنى فكرة عما كان يقوله الدكتور، ابتلع لعابه وأخفض رأسه بخزي متمتها "اسف يا دكتور ما كنتش واخد بالي."

طب اقعد وخد بالك " أشار له الدكتور بالجلوس لكنه لم ينتبه وأكمل بحثه بعينيه عنهم، ما

المشكلة ؟ هل هناك شيئا قد حدث وهو لا يعرفه ؟

اخرج هاتفه وبعث برسالة الأحمد، لكن لم يأتيه وذا، فكان الخيار التالي أمامه أدهم الذي وجد هاتفه مغلقا بالفعلا وعندما كان على وشك الاتصال بقيس وجد الدكتور يصبح "اطلع برا با هشام " فرفع رأسه بأعين متوسعة وحمحم منظفا حلقه وهو يعدل من نظارته تم نهض ياملم

حاجياته وخرج.

في مكان آخر كانت داليا قد استيقظت اليوم على مكالمة من صديقتها، تخيرها فيها بأن طليقها قد إف بالأمس لم تهتم بأنه قد تزوج بقدر اهتمامها بأنه يعيش حياته بصورة طبيعية بعد أن دمرها، لقد قتلها داخليا في حين أنه يحيى بسعادة لكنها لوهلة شعرت بأنها تجعله ينتصر عليها

باستسلامها في كل شيء، حتى بالتخلي عن مستقبلها الدراسي

لأول مرة منذ الأربعة أشهر تقفز عن السرير بذلك التصميم لتلملم كتبها ومذكراتها وأقلامها، هي يجب أن تجعله يعرف بأنه لم ينجح بكسرها، لن تظهر بذلك الضعف أمامه فهو لا يستحق أن يراها هكذا، ولا يجب أن يراها من جديد إلا بثوب التخرج وابتسامة واسعة تعلو وجهها، فأقوى

هزيمة العدوك هي أن يراك مبتسما.

المذاكرة قبل إسبوعين فقط من الامتحانات؟ هذا بالنسبة لها وقتا كافيا لتخرجها بتقدير حتى فهناك شيئان لامعان في شخصية داليا اللامبالاة القاتلة والإنجاز بسرعة وبأقل جهد.

خرج أدهم من المرحاض وجلس بجانب قيس على السرير، كلاهما يعرفان بأن الامتحانات قريبة جدا وبأنه يجب عليهما المذاكرة، لكن كلاهما يكره المذاكرة كفاية لكي لا يفتحا الموضوع حتى وعلى العكس وجد أدهم يتحدث

"أنت مش قولت هتصيعني ؟ "

حك قيس ذقته النامية وأوما فأردف الآخر "طب ما تيلاا"

"عايز تعمل إيه صايع ؟ كان نفسي أوجب معاك بحاجة تظبط دماغك بس ماليش لا في كحول ولا سجاير ولا أي حاجة من دي وما أحبش إنك تشريهم الحاجات دي بتضر الجسم ويتطير

العقل "

"تواني، يعني دماغك دي طبيعي أصلا ومن ضاربة من البانجو ؟!"

زم قيس ضفتيه وقلب عينيه وهو يحاول عدم الضحك أثناء إساحته بوجهه بعيدا ...

ده أحنا كلنا مفكرينك بتضرب بانجو أو بنشم كولة الدرجة الواد أحمد قبل كده قالنا: معلش ما هو البانجو بيعمل كده.

"يا ابني انت عمرك شوفتنی دخنت لو حد مرجح إنه يشرب حاجة فالواد أحمد أول واحد ممكن يعملها مش أنا أنا صابع في حنة ثانية بعيدا عن المخدرات والخمرة."

طب ما تجيب بنات " قال أدهم فرمقه قيس بضحكة يحاول كتمها بصعوبة "بنات؟ لا أنا ما بعرفش بنات، أنا يعرف نسوان"

طب هات نسوان مش مهم."

"ما للأسف النسوان اللي أنا بعرفهم مش هيعجبوك مش نوعك دول نسوان بلدي، خليك في النسوان اللي معاك"

"قصدك سارة ؟"

هي أينعم مش نسوان أوي بس عادي أهو أي حاجة وخلاص "

"لا سارة محترمة - " قال ثم طأطأ رأسه وأكمل بيوس وأنا كمان محترم مش بتاع نسوان ولا

بنات، أنا بوه أساسل"

"والله أنا عارف إنك بوء بس سايبك تعيش شوية، يعني هو أنا كنت هجيب نسوان فعلا ولا ده منظر نسوانجي ده انت شبه الخيال اللي بيروحوا يتطوعوا في الجمعيات الخيرية"

ضحك وهو يهز رأسه بأجل لكنه سخر "أنا مش عايز أزفر لك شقة الزوجية بس "

"لا هي متزفرة جاهزة، لدرجة أني بفكر أبيعها واشتري شقة في مكان ثاني متر عايز أجيب ليلي هذا خالص.

"أوعى تكون لسه يتلعب بديلك ؟"

زم قیس شفتيه بابتسامة خافتة ونفى برأسه ثم أجاب بهدوء وبصدق "لا، خالص والله، من ساعة ما قابلتها وأنا نويت إلى أطلع برا كل القرف ده وأفتح معاها صفحة جديدة .. وندمان على كل اللي عملته واللي موصلني دلوقتي إن عقلي يكون زبانة معاها، لو ماكنتش عملت أي حاجة ما كنتش هبقى بضايقها دلوقتي .. بس أنا مش ببقى قاصد فاهمني؟"

أو ما أدهم بتفهم "بس لم نفسك "

"ما أنا بحاول، بس هي حنيفة أوي برضه كل حاجة حرام حرام حرام .... ده أنا بقولها لون شعرك إيه؟ الاقيها باعتالي هشام يهددني " تذمر وقبل أن يضيف كلمة أخرى سمعوا صوت طرقا على

الباب فنهض قيس ليفتح وأصطدم بهشام يدخل بضيق

"أنتوا مختفيين فين وماحدش فيكم بيرد ليه ؟ أبوك قالي إنك هنا، ماشوفتش أدهم وأحمد ؟"

ترجل للداخل قبل أن يسمع رد قيس فوجد أدهم هناك، قطب جبينه ونظر حوله باحثا عن أحمد لكنه لم يجده وسرعان ما أدرك أن ثلاثتهم هنا وأحمد هو المختفي، وهذا أقلق أكثر شيء أدهم الذي حك عنقه وأخفض رأسه بتوتر، هل أحمد ما زال غاضبا منه ؟

دخلت والدة مراد ليلا إلى غرفته بدون الطرق عليها لتجد الآخر يتمدد على سريره ويعبث بحاسوبه الذي يعمل عليه ليلا ونهارًا حتى وهو في أجازته، ثم سألته بقلق "مراد، هو أخوك ما

الصلش بيك؟"

رفع زرقاوتيه لها ونفى برأسه " هو كل ده لسه ماجاش؟"

نفت برأسها وهي تبتلع لعابها بتوتر، فالساعة أصبحت تشير إلى الثانية عشرة ليلاً وهو لم يظهر منذ البارحة وهاتفه مغلق

قطب مراد جبينه ونهض بضيق عن السرير يلتقط هاتفه ويحاول الاتصال به من جديد لكن هاتفه ما زال مغلقا، أعاد هاتفه إلى جيبه ونظر لأمه "ما فالش هو رايح فين حتى ؟"

نفت برأسها من جديد فسأل عما إن كان أحمد قد فعل تلك الفعلة من قبل ؟ بأن يختفي ليومان كاملان فتفت والدته الأس وهذا جعله يقلق أكثر ورفع يده يحك شعره وهو يفكر ماذا يفعل مع ذلك الفتى حقا ؟ فهو أخيه الكبير نعم لكن تصرفاته بالكامل خارجة عن السيطرة وبانت لا تعجبه والدته طيبة وفشلت في السيطرة على أفعاله الهوجاء، أما والده فهو بالفعل لا يهتم بالتصدي له .. لكنه لن يمرزها له مرور الكرام هذه المرة، فإن كان لا يوجد من يضعه عند حده فهو هنا الآن كأخيه الأكبر.

طب روحي نامي يا ماما وأنا متصرف كده، هدور على أصحابه أكيد هما عارفين هو فين" قال وريت على كتفيها فأخفضت رأسها بباس و اومات ثم تحركت للخارج لكنها جلست في الصالة. على الكرسي أمام الباب وأسندت رأسها على خدها وعلقت عينيها على الباب وهي تدعو بداخلها

أن يأتي، لكن الساعة تعدت الثالثة فجزا وهي قد غفت في جلستها وأحمد لم يظهر بعد.

كان مراد في الشرفة ما زال يعلق عينيه على الشارع، يصك على فكيه بغضب وهو يتوعد أحمد بداخله، فحتى أصحابه لا يعرفون أين هو ؟

وجد عادة تخرج إلى الشرفة، لكنه قلب عينيه ونظر للجهة الأخرى بسام، بينما هي تفاجئت به يرتدي سترته لأول مرة، لكنها لاحظت الضيق على وجهه فأعطته نظرة مستحقرة وعادت إلى الداخل بسرعة كي لا يظن أنها تقف هنا لأجل جمال عيونه.

أخرج مراد هاتفه وفتح الواتساب ليبعث برسالة لرقم أخيه احتوت على الكثير من كلمات التهديد الممتزجة بالخوف فهو قد بدأ يظن أن هناك شيئا سيئا قد حدث لأخيه والأسوأ هو أنه لا يعرف كيف يتصرف ؟

في اليوم التالي وصل ثلاثتهم إلى الجامعة ولم يجدوه، وهنا بدأ الخوف يتسلل إليهم حقا. خاصة بعد مكالمة مراد لهشام وقيس بالأمس اتصلوا بمراد ليعرفوا إن كان قد وجده لكنه نفى الأمر ...

استند قيس على سيارته يجبين مقطوب بينما وقف هشام يعدل من نظارته ويبحث بعينيه يمينا ويسارا وأدهم يحاول الاتصال بهاتفه المغلق.

"أول مرة يعملها " قال قيس فأوماً هشام بضيق بينما رفع أدهم عينيه وسأل بتردد "لا يكون جراله حاجة" فزجره هشام وهو يضيف "لا إن شاء الله لا "

طب بصوا، إحنا نسأل الناس اللي هو يعرفهم هنا، أحمد مصاحب الدفعة كلها أصلا .. أكيد حد منهم يعرف هو فين" ضرب قيس على كتفيهما تم تفرقوا جميعا ليسألوا أكبر قدر ممكن من زملائهم، لكن الأمر باء بالفشل وأصابتهم خيبة الأمل، وحينها لمعت أعين أدهم وقال بسرعة

ممكن تكلم سلمى؟ بس مش معانا رقمها .. ممكن تكون عارفة"

طالعه قيس بدون فهم "سلمى مين؟"

سلمى اللي هو مرتبط بيها، كان دايما بيحكيلي عنها هي تحديدا دونا عن باقي البنات اللي يعرفهم، قالي قبل كده إنه عايز يتجوزها " أجاب أدهم تم ضرب جبينه بيديه بس مش معانا

رقمها."

أخرج هشام هاتفه وابتسم بمكر أكيد هتلاقي الأكاونت بتاعها عنده".

لكن بعد البحث في حساب أحمد قد وجدوا سبعة عشرة فتاة تدعى سلمى وهنا وقف هشام وهو یزم شفتیه بغيظ "طبقا كان لازم أتوقع، البيه بروح أمه عنده لسنة كاملة باسم سلمى وأحدا ما نعرفش اسمها سلمى ايه !"

نفي أي واحدة عشوائية طيب، تعالوا نعمل حادي بادي " قال أنهم لكن قيس رفض "لا يا ابني، افرض ماشي مع كذا واحدة اسمهم سلمى كده هتبقى ليسناه في مشكلة "

أوما إثنيهما وصمتوا جميعا حتى اقتربت منهما دينا، زميلتهما في الدفعة، وتحديدا تلك التي تشاجرا يسببها وكانت السبب في كل ما يحدث.

تجهم وجه قيس وحدجها بنظرة مغتاظة، فهو لن ينسى أبدا خيانتها له تلك الخائنة التي استعملته كي تخرج معه ويدفع لها الحساب وكانت تطلب منه ما تشاء من هدايا، ثم يتفاجئ بها

قد ارتبطت بشخص آخر غيره

"إزيكم يا شباب، هو انتوا لقيتوا أحمد؟" تساءلت بنبرة قلقة لم يفهمها ثلاثتهم غير أن قيس أجاب بفظاظة " وأنت مالك ؟"

عادي يعني يسأل " أضافت فنفى أدهم وتبعه هشام "مش لاقييته، أنت ما تعرفيش حاجة عنه یا دينا ؟ ما كلمكيش ؟"

ابتلعت لعابها ونفت برأسها وفوجئت بقيس يتكلم بطريقة هجومية وأعين ضيقة متشككة "ما قولتيليش أنت مالك وماله ؟ هو حاول يكلمك ولا ايه ؟"

"لا؟ ولما هو لا، مالك ومال أحمد ؟ " زمجر وأمسك بذراعها فجأة فحاولت الابتعاد عنه وهي تزمجر "سيبتي يا قيس !"

"لما أعرف الأول مهتمة ليه ؟ وده مش عشان جمال عيونك قولي الحقيقة، هو حاول يكلمك ؟"

يا فيس ما حاولش يكلمني يا قيس، أنا اللي كنت عايزة وهو رفض واتخانقنا سوا وشتمته عشان أرد كرامتي ومن ساعتها حاسة بالذنب وكنت بدور عليه عشان اعتذر له، سيب إيدي !!"

صاحت الفتاة في وجهه فدرك يدها

" وبطل حركاتك دي أنا قولتلك بحبك زي أخويا " أضافت فضحك عاليا وسخر "أخوك؟ أنا متن هفكرك انت عملت ايه لأن ده ما يتعملش مع أخوات واجري غوري بالا، أنا خطبت وهتجوز لعلمك، ست سنك ومش كلية فلوس وخاينة زيك، ثم إن أنا محيتك من دماغي أصلا وكنت

يسأل عشان ما أحبش صاحبي يعمل كده، أما أنت أونعي بجاز عادي "

أعطته نظرة مغناطة حاقدة وسخرت "ده الله يكون في عولها، أكيد أمها داعية عليها."

ليه وأنت فاكراني بعاملها زيكم ولا إيه؟ أنتوا حبة أوباش كنت بمشي معاهم ولا يمكن كنت أفكر أتجوز واحدة مشيت معاها، أما هي فمحترمة، والمحترم بتحترمه، " قصف جبهتها ولم لا تستطع ايجاد شيئا لنرد به فتحركت بعيدا.

حل الصمت عليهم من حديد حتى تحدث أدهم بفضول معتاد " هي البت دي نفضتلك ليه؟"

"كانت عايزاني أقعد أقولها كلام رومانسي ملزق بروح أمها، وأنا لا كنت بحبها ولا زفت عشان اقولها كلام رومانسي واحب فيها، أنا كنت بحاول أشقطها مش أحبها !" أجاب ساخرا بملامحمشمئزة وحينها وجد هشام يهدده

والا، لو جربت تحب في أختي هضربك."

" يا عم اقعد يا عم، أختك دي لو قولتلها حاجة هتعيط دي ربنا باعتهالي عشان تطلع عليا القديم والجديد"

قبل أن بهم هشام بالإجابة انتبهوا جميعا للأربعة عساكر القادمين نحوهم، ينظرون لأدهم، وهو يعرف جيدا من هم ولماذا هم هنا

"أستاذ أدهم، تعالى معانا. " قال أحدهم فوقف أدهم بجدية يسأل "جدي عايزني صح ؟"

أوما فابتسم أدهم ابتسامة جانبية، ولم يثبت أن باغتهم وهرول فجأة بكامل سرعته من أمامهم فلحقوا به وهو يصيح أثناء جريه "قولونه مش راجع، وربنا ما هرجع وقسما بالله ما هتجوز شيري "

كان الهروب منهم صعبا يحق لكنه فعلها وخرج من الجامعة بأكلمها ثم قفز في أول حافلة أمامه. ووقف أربعتهم ينهجون وهم ينظرون إلى ظهر الحافلة بخوف..

بينما في مكان آخر، في شقة قديمة ممتلئة بالتراب، كان أحمد يجلس في غرفة منفردة كانت تنتمي له في طفولته، نفس السرير الصغير والخزانة التي نقش عليها اسمه واسم أخيه بخط طفولي داخل قلب مضحك الشكل.

كان متكوزا حول نفسه على ذلك السرير ويستم بظهره إلى الحائط وينظر بعينيه - الحمراء بالفعل إلى اللا مكان بدى كالغير واعي بما يدور حوله، وجهه لا يحمل أي تعبير، ولا حتى الحزن .. رفع يده ليضع السيجارة في فمه وأخذ منها نفشا بطيئا وأخرجه بهدوء، لم يتم منذ أكثر من

يومان ونصف، ولم يدق الطعام، فقط دخن على الأقل خمسة عشر علبة سجائر.

تملك منه التعب واغمض عينيه غصبا عنه لكن سلمى ظهرت في عقله وأغرورقت عيناه من جديد بعد أن ضربه الألم في أطرافه حتى وصل إلى قلبه، فتح عينيه بسرعة وأخفض رأسه للأسفل مستسلما لكل ما يشعر به، عله يطهره قليلا مما قد فعل ... لكن مهما حدث فهو يعرف أن ذنب سلمى سببقى متعلقا في رقبته إلى أن يلحق بها، وعندها بالتأكيد ستخاصمه أمام الله وتأخذ حقها منه.

زمی بسيجارته بعيدا وانفجر باكيا من جديد تم سقط على السرير وهو يضم ركبتيه إلى صدره. ولم يشعر إلا وهو يغفو على حالته تلك والدموع قد جفت على وجنتيه.

تعليقات